Showing posts with label ضد الاستبداد. Show all posts
Showing posts with label ضد الاستبداد. Show all posts

Sunday, January 01, 2012

لن أحتفل


هذا اليوم لن أحتفل برأس السنة و لن أحتفل بعيد الميلاد ... رغم أننى أنتظر هذه 

المناسبات بفارغ الصبر لعلها تخفف قليلا من عناء الاشتباك المستمر مع الحياة ... 

لن أحتفل و مازال هناك فى وطنى ظلم يمارسه الحاكم على المحكومين ... 


لن أحتفل و مازالت دماء الشهداء تنادى ثأرا لها من القتلة و السفاحين ... 

لن أحتفل و عيون أطهر شباب الوطن تنشد نور العدل و القصاص من الظالمين و 

المتأمرين ... لن أحتفل و مصابى ثورة الفل مازالوا يعانون من المتربصين بهم ... 

لن أحتفل و ثوار الحرية مازالوا مأسورين وراء قضبان الطغاة 

لن أحتفل و تضحيات الشهداء و المصابين و المجاهدين من أجل الحرية و العدل و 

الأمل 
لم تثمر بعد ..... 

بدلا من الاحتفال سأتذكر بطولات الشهداء و ايثار المصابين و قصص الثوار و 

حكاياتهم 
المثيرة بحثا عن الامل و رفضا للظلم و طلبا للكرامة 

لا ترسلوا لى تهانيكم بالأعياد ... لا تتمنوا لى السعادة و الحياة المديدة  بل تعالوا نحفظ 

أسماء الشهداء و نتذكر كفاحهم الأسطورى من أجل الوطن ..... من أجل أن نحيا نحن ماتوا 

هم ... تعالوا نشد على أيدى المصابين و نؤازر الثوار .... تعالوا نواسى أسر الشهداء 

و نذكرهم بأن أبنائهم تركوا لنا ما لا يمكن أبدا ان ننساه

لن أشترى حلة جديدة بل تعالوا نستعد لاستكمال ما بدأه شهداءنا 

سأظل دائما وفيا لدماء الشهداء الأطهار و تضحيات الثائرين ....

لقد أنرتم لنا الطريق و فتحتم باب الأمل و انا على خطاكم لسائرون

الثورة ستنتصر

Saturday, October 08, 2011

كلمة حق أقولها وقلبى حزين


كنت واحدا من الذين أشادوا كثيرا بالمجلس العسكرى وحكومة شرف. واليوم لا مفر من أن أعترف بالخطأ.
لقد أسرتنا من الأعماق الكلمة السحرية: «لم ولن نطلق النار»، وسحرتنا التحية العسكرية لأرواح الشهداء. وصدقنا أن قيادة الجيش رفضت إطاعة أمر إطلاق النار! وأنهم قالوا لمبارك إما أن تتنحى أو ستُجبر على ذلك.
كلها أشياء صدقناها بعظيم الفخر. صدقناها لأننا نحب أن نصدقها. ولأننا لو كنا مكانهم لفعلنا مثلهم. ولأن مسار الأحداث فى بداية الأمر كان يُوحى بذلك. صحيح أنه كانت هناك وقائع متناقضة مع هذه الرؤية الرومانسية. خذ عندك مثلا: لماذا لم يتدخلوا لحماية المتظاهرين أثناء إطلاق النار؟
 ولماذا تركوا بلطجية معركة الجمل يمرون؟ ولماذا تركوهم يذهبون؟ وهل من المعقول أن يلزموا الحياد، وهناك مُعتدٍ مسلح، ومعتدى عليه أعزل! لكننا شطبنا أدوات التعجب وعلامات الاستفهام، وتبارينا كلنا فى الغزل العفيف.
تخلى مبارك عن الحكم للمجلس الأعلى، واستبشرنا خيرا بما هو آت. لكن - لدهشتنا البالغة - ظلت الأمور كما هى لأكثر من شهرين. لم نفهم كيف يمكن أن يظل القطّ وسرايا رئيسى تحرير! لم نفهم كيف يكون بطل البنبون أحمد شفيق، رئيسا للوزراء!
لم نفهم كيف يمارس زكريا عزمى مهامه فى ديوان رئاسة الجمهورية بعد أن استبدل بمبارك المشير؟ لم نفهم كيف يظل مبارك آمنا فى شرم الشيخ يرسل إلينا برسائل التهديد؟! لم نفهم لماذا لم يعد الأمن إلى الشارع المصرى، ولماذا يتركون العنان للبلطجية ليقوموا بالسلب والترويع؟ ولماذا لا تبدو فى الأفق بارقة أمل فى التغيير؟
كلها أشياء كانت تزعجنا، ولكننا كنا نتجاهلها، خوفا من مواجهة الحقيقة! وفى كل مرة كانت التغييرات الإيجابية لا تحدث إلا بعد مظاهرات مليونية وأحداث جسام.
وفجأة، كشفت الحقيقة لثامها وأطلّت علينا بوجهها الصريح. فى البدء وعدونا بأنهم سيسلمون السلطة خلال ستة شهور. واليوم يتحدثون عن عام 2013! حتى قانون الغدر مازالوا يفكرون فيه! وفجأة، أدلى المشير بشهادته أنه لم يصدر أصلا أمرٌ بإطلاق نار! بالطبع نحن نكبر شجاعته ونثمن شهادته أمام الله والتاريخ، لكن الكلام عن حماية الثورة صار يحتاج الآن إلى تدقيق.
الأمر ببساطة أن المجلس الأعلى كان فى وضع ملتبس، فلا هو يشعر بالارتياح تجاه الثورة بحكم عقيدته المحافظة والمرحلة العمرية لأعضائه، وفى نفس الوقت تحكمه مخاوفه وكبرياؤه العسكرية من نفاذ مشروع التوريث! فلما انفجرت الثورة كان لسان حاله يقول: «بركة يا جامع اللى جت منك!».
لكن العقيدة المحافظة انتصرت فى النهاية. لذلك كان دائما ينفر من الشرعية الثورية، ويريد أن يحتكم إلى الدستور الذى سقط بسقوط النظام بعد أن سحب الشعب توكيله، كونه صاحب الحق الوحيد.
أضف إلى ذلك أنهم لما تسلموا السلطة فوجئوا بكمّ الفساد فى النخبة السياسية التى راحت تتصارع على الكعكة الوهمية ما بين علمانى وإسلامى، وكلهم ينهشون لحم الوطن الجريح. لم نشجعهم على احترامنا، فاحتقرونا وصاروا يستكثرون علينا تسليم السلطة، ولسان حالهم يقول: «إن لم نكن نحن، فمن؟ وإن لم يكن الآن، فمتى؟».
والآن نحن بحاجة إلى إعادة التذكرة بالبديهيات:
 1- الجيش مؤسسة وطنية لها عظيم الاحترام.
2- طالما يمارس المجلس الأعلى السياسة فإنه يجوز عليه النقد والمراجعة.
 3- انتهى وقت التسليم الأعمى والتوقيع على بياض، وبقى حساب المصالح والخسائر الذى يقول إن أى مواجهة مع المجلس الأعلى مقامرة بكيان البلد، والحل يكمن فى لمّ الشمل وتأجيل المطالب الفئوية والمراقبة اللصيقة لما ستؤول إليه الأمور
بقلم :د. أيمن الجندى

Friday, October 07, 2011




رغم احترامى العميق لشخص فهمى هويدى ككاتب مستنير و مجدد و مدافع صلب عن حرية

الرأى الا اننى اتعجب لانخداعه بالامبراطورية الفارسية فى نسختها الحالية منذ ثورة 1979

التى سيطر الخومينيون عليها بانتهازية و استبعدوا بقية التيارات الثورية بعنف و وحشية. لماذا

تتخذ ايران هذا الموقف المدافح عن ثورة البحرينيين و تتجاهل الثورة اليمنية و السورية و الليبية

الا انتصارا وقحا لشيعة البحرين رغم مساندتى لحقهم فى الديموقراطية و المساواة ... و

المواقف الايرانية التى تخفت حينا و تبزغ أحيانا أخرى عن اعتبارا البحرين اقليما ايرانيا منشقا

يجب اعادته لحظيرة الوطن و لا يخفى أن البرلمان الايرانى يشمل على ممثلين لاقليم البحرين

الايرانى بما يوحيه ذلك من اعتبار البحرين أرضا و شعبا تنتمى لها. هل تأييد ايران لسفاح سوريا

الا نصرة للشيعة العلويين الذين سيطروا بطمع و صلف على مقدرات سوريا منذ انقلاب الأسد

الأب عام 1970. لم تعرف العقلية الايرانية فى تعاملها مع الآخرين الا تسليما بالمصالح الطائفية

و المذهبية الضيقة و كفرا بكل المبادىء و القيم النبيلة و قراءة التاريخ الفارسى الطويل ينبأ

بتلك العقلية الايرانية الانتهازية الرافضة للتعايش الاقليمى السلمى القائم على الاحترام

المتبادل لسيادة الشعوب و تقدير مصالحها .لم ترى القيادة الايرانية فى الثورات العربية الا

تخلصا من قيادات غير صديقة و تطلعا انتهازيا فى القفز على تلك الثورات باغراءات مادية أو

فرصا للتدخل مغلفة بوعود براقة للتعاون و التبادل التجارى و الثقافى. لقد انكشفت أوهام

المقاومة عن الذراع الشيعى الايرانى فى لبنان المسمى بحزب الله فاذ به حزبا فئويا طائفيا لا

يسعى الا لمصلحة من يموله و لو على جثة لبنان . ماذا يمكن ان نرى فى مواقف ايران من

تمويل الانفصاليين الزيديين اليمنيين و الشيعة السعوديين و احتلال الجزر الاماراتية و تمويل

جبهة الانقاذ الجزائرية فى أوائل تسعينيات القرن الماضى و رفض طلب القيادة الفلسطينية

للحصول على الاعتراف الدولى بالدولة الفلسطينية و الوقوف بجانب الصرب ضد البوسنيين و

الكروات بعد انحلال يوغوسلافيا و مع أرمينيا ضد أذربيجان فى حرب ناجورنو كاراباخ الا أمثلة

فجة على تغليب المصلحة المادية او العقائدية على قيم الحرية و العدالة و المساواة و السلام

و الحق.

Friday, June 24, 2011

الحلم أولا


نوستالجيا

هيمن على الميدان حالة لا يمكن أن يصفها حتى أقلنا التزاما إلا بأوصاف قدسية أو صوفية، عبقرية الفعل العفوى الجماعى جعلت القدر يستجيب. كيف تمكنا من اختراع آليات لاتخاذ القرار من لا شىء؟ كيف دافعنا عن أنفسنا يوم الجمل؟ من أول من بدأ بقرع الأسوار الحديدة لبث الرهبة فى نفوس أعدائنا؟ اكتشفنا قداسة فينا عندما وقفنا معا وكانت يد الله مع الجماعة.

هل ألهم القدر بوعزيزى إذن؟ هل كان يعرف أنه باستشهاده يشعل ثورة تعبر الحدود؟ أكيد كان يعرف.. لم أختر الانتحار بأكثر الوسائل ألما إن لم يكن لغرض ثورى؟ الانتحار ملاذ من تسلب إرادته، أما بوعزيزى فقد اختار أن يؤكد على إرادته، اختار أن يستشهد قبل أن يطلق أعداء الثورة الرصاص، فقد عرف أن الثورة تحتاج لبحار من دماء الشهداء، اختار أن يستشهد حتى تبدأ الثورة وقد دفعت أغلى ثمن فلا تقدر الجماهير على اختيار التراجع.

ما بين سقوط مخلوع تونس واندلاع ثورتنا فى مصر بضعة أيام، هل تذكرون شهداء تلك الأيام؟ نسيت أساميهم وصورهم فى خضم الأحداث التى تلت لكن ما نسيت بوعزيزيو مصر والشهادة تختارهم فيقطعوا الشك باليقين: مصر مثل تونس، مصر هى تونس، وإياكم وأى مطلب أقل من إسقاط النظام، إياكم الآن وأى تضحية أقل من الشهادة.

ولأن يد الله مع الجماعة يغيب عنا كل ما سيحدث فى الحياة الأخرى إلا مصير الشهداء، لدينا يقين أنهم شهداء، هم فى قلوبنا وعقولنا شهداء، ولن تكون رحمتنا أوسع أبدا من رحمة الله.

رمزية

الاستشهاد على طريقة بوعزيزى فعل استعراضى ورمزى. استعرضت الشرطية سلطتها بصفعه، وكان بإمكانه أن يحاول الانتقام إن كان قد تخلى عن رغبته فى الحياة، ولكنه رغب الحياة بشدة فاختار أن يذكرنا بقيمتها. كان عليه أن يقف فى طريق عام، كان عليه أن يتوهج لنتذكر أن الحياة بلا كرامة ليست حياة.

استعراض السلطة يواجهه استعراض ثورى. وعينا الدرس وكان الميدان مسرحا، مبهرا، ألوانا، موسيقى، أنتجنا وأخرجنا وشاركنا فى أكبر استعراض فى التاريخ، وتابعتنا جماهير العالم أجمع. حاولت السلطة مواجهة استعراضنا باستعراضها، لذا هاجمتنا بالجمال. لكن فاتها أننا آمنا بعرضنا المسرحى، وصدقنا رمزيتنا ولذا كنا على استعداد لدفع ثمن تحويل الرمز لحقيقة. أما السلطة فأى ثمن تدفع؟

وقف شباب أغلبهم تحت العشرين وحدهم بصدر عار فى مواجهة الرصاص أمام سفارة الصهاينة، هل ظنوا أنهم سيحرروا الأرض بفعلهم؟ لا.. بل كان استعراضا، حتى المطلب كان رمزيا: انزلوا العلم. لكنهم مثل بوعزيزى أدركوا ما لم ندرك، أن الثورة صراع على أفكار. جاءوا لينتصروا لفكرة أن السلطة للشعب، ولا تقرر أى قوة داخلية أو خارجية لنا، لا السياسات ولا الأولويات، حتى سياستنا الخارجية، حتى علاقاتنا بالقوى العظمى، وبالتأكيد علاقاتنا بأشقائنا.

الفكرة مزعجة جدا للسلطة، أى سلطة، حتى الانتقالية «الشريفة»، حتى المنتخبة القادمة (ولهذا غابت عن هذا المشهد كل القوى المرشحة وذلك للنيل منها)، العيال ستُملى علينا كيف ندير البلاد؟! ليسوا ثوارا إذن وإنما هم شباب متطرف مختل لا يفقه الأولويات. هكذا اتفقت السلطة والنخبة: استعرضت السلطة قوتها بلا رمزية وإنما بمباشرة فجة، وظنت أن سقوط الشباب برصاصها انتصار لها، أما النخبة فتجاهلت رمزية أن يوجه رصاص حماة حدودنا إلى صدورنا حماية لعلم الأعداء.

نسوا أن الواقع يتغير فى العقول أولا. حتى عندما تحاول السلطة الاستعراض لا تقدر على دفع الثمن، فالسيد اللواء لم يجد مفر من الاعتذار الأبوى عندما واجهته فتاة بحقيقة تعذيبها على يد جنوده. ربما كان يمكن له أن يجعل من استعراض أبوته واعتذاره واقع لو أنه آمن به وتحمل ثمنه، لكنه هاج وماج عندما خرج الاستعراض من جدران مكتبه لصفحات الجرائد. السلطة لا تدفع ثمن تحويل الاستعراض لواقع.

سرد

هل كان الميدان حقا مدينة فاضلة «ولا فى الأحلام» ذابت فيها فوارق الجنس والدين والثروة؟ أم أننا حلمنا به هكذا فصار الحلم واقعا لأننا آمننا؟
الميدان كان استعراضا كبيرا، والفعل الثورى من بوعزيزى للسفارة مشبع بالرمزية، لكن الاستعراض والرمز مجرد جزء من الثورة. الاستعراض يحتاج لجمهور، والجمهور فى عصرنا هذا يعتمد على كاميرات وفضائيات. بعيدا عن الكاميرات مجال الاستعراض محدود أكثر، وفرص الرمزية أقل.

بعيدا عن الكاميرات الصراع لم يكن استعراضيا. بعيدا عن الكاميرات خاض أهالينا حربا مع شرطة مبارك، حرب سقط فيها الشهداء بالمئات إن لم يكن الآلاف وانتصرت فيها الثورة برد العنف أحيانا، وأتمت انتصارها بحرق قلاع الداخلية.

تغيب عنا الآخرة لكننا نعرف مصير الشهداء، ولكن أغلب شهدائنا فقراء. أسوأ ما فى الفقر ليس الحاجة وإنما الإحساس بانعدام الإرادة، فمصيرى ليس بيدى. ألهمت الثورة فقراءنا وأقنعتهم أن مصائرهم بيدهم.

الثورة حتى فى أقل تجلياتها رمزية تظل صراعا على الأفكار. وكما أمام السفارة، الفكرة مزعجة جدا للسلطة، أى سلطة، فحتى فى الديمقراطيات نرى الفقراء منزوعى الإرادة.

ليسوا شهداء إذن، ما هم إلا بلطجية. والشرطة؟ صحيح من قتلوا الفنانين والمهندسين سفاحون، لكن فى الأحياء الشعبية أبطال بواسل، فى أمن الدولة سلخانات، لكن فى الأقسام رموز لهيبة الدولة طبعا. هيبة الدولة هى ما تَفرض على من لم ير ثمار الانصياع لقواعد الدولة ومن لن يرى فرصة فى تحديد مصير الدولة الالتزام بتلك القواعد (مع أنهم لن يروا منه خيرا) وتقبل ذلك المصير (مع أنهم لم يشاركوا فى صياغته). كيف يمكن لنا أن نسمح بسرد لقصة الثورة يهدد تلك الهيبة؟

قتلت الداخلية الشهداء مرتين، مرة على يد العادلى عندما أطلقوا الرصاص، ومرة على يد العيسوى عندما استكثر عليهم الشهادة. مرة بلا كاميرات، ومرة علنا على الهواء مباشرة.

خطاب

ربما لا يعرف من لا نصفهم بالمثقفين ما تعنيه كلمات مثل سرد ورمز وخطاب، لكنها تؤثر فيهم. الشعب أعلم مما يظن الكثيرون، الشعب يعرف أن التحرير لم يكن إلا استعراضا، يعرف أن الثورة انتصرت فى الحوارى والأزقة وفى المصانع، يفهم أن الاستعراض مهم لصراع الأفكار ويفهم أن الميدان يسقط لو سقط الحلم، الميدان أسطورة تخلق واقع طالما آمننا به، ولو أصررنا على تجاهل من ينكر على أهل إمبابة والمطرية الشهادة سيتخلى أهل المطرية وإمبابة عن حلم الميدان، وبدون الحلم أين نكون؟

تغيب عنا الآخرة لكننا نعلم علم اليقين مصير الشهداء، هل نتصور فعلا أن رحمة الله تعرف الطبقية؟ ألا يكفينا ذنب أننا عشنا ولم ننل الشهادة؟ هل نقدر على تحمل ذنب السكوت عن إنكارها؟ هل سنبيع دماء الشهداء مقابل نهاية انفلات أمنى مزعوم وعودة عجلة إنتاج ظالمة للدوران؟

لا يبحث أهل الشهداء عن العدالة فالعدالة لن تحى شهيد، يبحثون عن حلم يعطى معنى للتضحية، يبحثون عن نهاية سعيدة لحدوتة تشمل فاجعتهم. بعبقريتنا هتفنا «افرحى يا أم الشهيد كلنا خالد سعيد»، وأعطيناها النهاية السعيدة فى أول فصل من الحدوتة. ألا يحق لأم محمد عبدالحميد شهيد الزاوية الحمراء وأم مينا ملاك شهيد الطوابق أن تفرحا؟ العدالة مسرحية استعراضية، لن تصير واقعا إلا لو آمنا بها. العدالة فرصتنا، لو تمسكنا بها ربما تفرح أم الشهيد ولو فرحت ربما يُغفر ذنب شهادتنا التى لم ننلها.

والنخب؟ مشغولة بصراع على الأفكار أيضا، لكن بنفس درجة المباشرة والفجاجة التى يتمتع بها خطاب السلطة، بلا إبداع، بلا رمزية: مدنية أم دينية، دستور أولا أم برلمان أولا.. الخ. والمذهل أن بين كل سطر وسطر نذكر الشهداء. صاروا أرقاما وإحصاءات، بل وصلت الصفاقة بفصيل سياسى أن يدعى أن نسبة كذا منهم تنتمى إليه. هل كلفوا خاطرهم الدفاع عنهم؟ فأهاليهم تحكى حدوتة بطولتهم، والسلطة تحكى حدوتة بلطجتهم، والحق بيّن ولكننا لم نعتد أن نراه.. بعيدا عن الكاميرات.

اختار الشهداء محاربة النظام رغم إدراكهم أن اختزال مشكلتهم فى النظام أسطورة، لكنها أسطورة طعمت بالإيمان والتضحية، رهان على أن الواقع يمكن أن يتغير. لكنهم ليسوا أغبياء، مثلما أدرك شباب السفارة أن الديمقراطية وحدها لا تواجه ظلم الإمبريالية، يدرك الكادحون بالفطرة أن الديمقراطية وحدها لم ترفع فقرا أبدا، والمحاكم وحدها لم ترس عدالة للكادحين أبدا، ولنا فى تظاهرات عمال ويسكونسن وتلامذة مدارس إنجلترا عبرة.

ماذا بعد النظام؟ ليس لنا إلا الحلم. اخترنا الإيمان بحلم أن وحدتنا هى الحل وأن ثورتنا ستستمر، فما معنى إذن أن تحاضرنا نخبتنا عن مدى وضوح خارطة الطريق؟ هل يملك أحد على هذه الأرض خارطة طريق واضحة لإرساء العدالة؟ لجعل الحلم واقعا؟ لماذا لم تنفذ بعد إذن؟ إن كانوا جربوها من قبل وجاءت أقل مما طمحوا إليه، إن كنا دفعنا الثمن غاليا جدا من قبل أن نبدأ أصلا، لماذا لا نترك للحلم العنان، ننتصر معا لشهداء الميدان والحارة والسفارة، نستكمل معارك الاستعراض والرمز والسرد لآخرها. يعنى.. نكمل حدوتة الثورة ربما نجد نهاية سعيدة.

والاختيار لنا، ففى معارك الأفكار من يملك التأثير على وسائل الإعلام أقوى. كيف نحكى قصة ثورتنا؟ هل هى ثورة شباب الإنترنت الشريف الناصع الطاهر أم هى ثورة الشعب كله؟ هل هى زرع شيطانى ظهر فجأة فى يناير 2011 أم أن لها جذورا فى التضامن مع انتفاضة شعبنا فى فلسطين وأولى براعمها ظهرت فى المحلة فى أبريل 2008؟
الميدان أسطورة لو توقف أهل الشهداء عن الإيمان بها لسقطت. بديل النظام حلم لو تركناه لسجالات واقعية عقلانية ملتزمة بترتيب مضبوط للأولويات انقشع.

لو سقطت الأسطورة وانقشع الحلم انفضت الجماعة، وإن انفضت الجماعة لن يستجيب القدر، فما نعرفه عن يد الله أنها مع الجماعة.

تخلوا عن الخبراء واسمعوا الشعراء فنحن فى ثورة. دعوا العقل وتمسكوا بالحلم فنحن فى ثورة. احذروا الحذر واحتضنوا المجهول فنحن فى ثورة. احتفلوا بالشهداء، ففى وسط الأفكار والرموز والقصص والاستعراضات والأحلام لا شىء حقيقى إلا دمهم ولا شىء مضمونا إلا خلودهم


بقلم:
علاء عبد الفتاح - الشروق


Friday, June 17, 2011


في مصر أطحنا بالديكتاتور وبقيت الديكتاتورية


إذا ما مشيت في شوارع مصر هذه الأيام لا تفوتك ملاحظة أن مصر اليوم هي ديكتاتورية بلا ديكتاتور، أي أن المصريين نجحوا في الإطاحة بالديكتاتور، ولكنهم احتفظوا بالديكتاتورية،
وهذا مؤشر خطير لنوعية النظام القادم في مصر.

للذين يعرفون مصر يمكنهم القبول بملاحظة أن حسني مبارك كديكتاتور لم يحتج في سنوات حكمه الخمس الأخيرة إلى أدوات لكي يمارس ديكتاتورية مباشرة على الناس، فقد تشرب المجتمع المصري قيم الديكتاتورية، كما تتشرب الإسفنجة الماء. مكن نظام أمن الدولة من الناس، من الفؤوس والرؤوس على حد سواء، وأصبح المواطن المصري رقيبا على جاره، مرة باسم الدين ومرة بنقاء الوطنية، فانقسم المجتمع المصري إلى مسلمين وكفار، أو مسلمين وغير مسلمين، ووطنيين حسب تصنيف صفوت الشريف، وخونة أيضا كما يراهم صفوت الشريف ونظامه الإعلامي، الذي أحكم عليه لأكثر من ربع قرن، ودرب صحافييه ومذيعيه وكتّابه على فلسفة التخوين، وهي صفة باقية معنا حتى اليوم.

للذين تربوا في عالم الزراعة كان مبارك بمثابة ثمرة الطماطم التي تركها «العِرش»، بكسر العين، أي نبتة الطماطم التي تشبه نبتة العنب المتسلقة، هناك لحظات تيبس في آخر العِرش تصيب الطماطم نتيجة للنضج أو للصقيع، مبارك الذي جعل المجتمع يتشرب الديكتاتورية حتى التشبع، أجبر المجتمع على أن يترك الديكتاتور وشأنه، أي أن يتخلى عنه، فهم تشربوا الديكتاتورية حتى الثمالة، ولم يعودوا بحاجة إلى ديكتاتور. وبهذا تركه العِرش بفعل نضج الديكتاتورية، من ناحية، وصقيع الديمقراطية القادم من تونس من ناحية أخرى. إذن كان مبارك سينتهي حتى لو لم تأتِ الثورة، أي أن الثورة الحقيقية يجب ألا أن تكون على مبارك، بل على الديكتاتورية والديكتاتور معا. حتى هذه اللحظة قررنا طواعية في مصر أن نرضى ببقاء الديكتاتورية، ونزعق بأعلى صوتنا أننا نريد محاكمة الديكتاتور. نتجنب محاكمة الديكتاتورية، لأن في محاكمتها محاكمة لأنفسنا.

السبب الرئيسي في بقاء الديكتاتورية هو أنه قد تم، وبالتدريج خلال الأشهر الأربعة الماضية، اختزال ثورة «25 يناير» من ثورة على نظام انقلاب «23 يوليو» 1952، الذي كانت نتائجه أنظمة عبد الناصر والسادات ومبارك، إلى ثورة على الديكتاتور، على مبارك فقط، وليس على ديكتاتورية نظام يوليو، الذي وصل إلى أعلى درجات فساده وبجاحته في عصر مبارك الطويل الذي امتد إلى ثلاثين عاما. وبهذا أصبحت ثورة «25 يناير» في مواجهة مع عقيدة «23 يوليو»، وقد كتبت في مقالات سابقة أن مصر في صراع بين شرعيتين؛ شرعية «25 يناير» التي يتمسك بها الشعب، وشرعية «23 يوليو» التي يتمسك بها الجيش، وربما يكون المصريون قد ارتضوا حلا وسطا بين ثورة 25 وثورة 23 لتصبح وبشكل توفيقي ثورة 24، أي ما بين 25 يناير و23 يوليو.

طرحت أيضا في السابق أنه إذا كانت ثورة «25 يناير» هي ثورة ضد مبارك فقط وليست ضد نظام يوليو، فهي ثورة محدودة تهدف إلى إصلاح داخل انقلاب يوليو 1952، أي أنها تصبح ثورة داخل الانقلاب القديم، أما إذا كانت هي ثورة تهدف إلى «تغيير النظام»، كما أعلنت اللافتات في التحرير، أي أنها ثورة تهدف إلى تغيير المنظومة القيمية الحاكمة التي أتت بها يوليو والتي وصلت إلى مداها أو قمة فجورها وتغولها في عهد مبارك، وبهذا تصبح ثورة بجد. ثورة تنقل مصر من مجتمع المكافأة والبلطجة والديكتاتورية السياسية والثقافية الذي أسست له يوليو، إلى دولة عصرية مبنية على نظام الكفاءة لا نظام المكافأة، نظام يحترم القانون ويحترم القواعد التي أرساها الدستور، هذا إن كان عندنا كمصريين النية لكتابة دستور محترم مثل كل بلدان العالم.

لا يمكن نقل مصر من عالم يوليو وعالم الديكتاتورية إلى عالم الدول الحديثة إلا لو تحدث المصريون بجدية ليس فقط عن فساد الديكتاتور ومحاكمته، بل محاكمة الديكتاتورية برمتها. حتى هذه اللحظة يتهرب من ركبوا موجة الثورة محاكمة الديكتاتورية، يريدون فقط محاكمة الديكتاتور. كيف نعرف مدى نية القائمين على الحكم في مصر فيما يخص محاكمة الديكتاتورية.

تبدأ محاكمة الديكتاتورية بإصرار المصريين على إنتاج دستور مضاد للديكتاتورية ومؤيد للحرية بشكلها المطلق، وتأسيس مؤسسات حامية لهذا الدستور، تعتبر ترياقا أو مصلا ضد عودة الديكتاتورية من الباب الخلفي للسياسة. ولكن المؤشرات الأولية التي أنتجت التعديلات الدستورية، لدستور معطل بعد الثورة والاستفتاء عليه شعبيا، ثم نقض هذا الاستفتاء بتعديل دستوري ديكتاتوري كتبه العسكر ومستشاروهم من «الإخوان»، هذا المؤشر يؤكد لي وبوضوح أن مصر تسير باتجاه الرضا بإقصاء الديكتاتور، والإبقاء على الديكتاتورية بوجوه أخرى ورموز أخرى. كل مؤشرات المشهد في مصر التي رأيتها في زيارتي في الأسبوع الفائت تشير إلى عدم الجدية في محاكمة الديكتاتورية، وتشير أيضا إلى أن ثورة «25 يناير» أحدثت فتحات كبيرة في نظام الحكم، فبدلا من بقائه على صيغته القديمة كقطعة الجبنة المصمتة، أحدثت الثورة في الديكتاتورية خروما أو فتحات فأصبح النظام كالجبنة السويسرية المخرمة، ولكن وبعد أربعة أشهر على الثورة يبدو أن الجبنة بدأت تلتئم مرة أخرى كما تلتئم الجروح، وكادت نوافذ الثورة تغلق تماما، ونعود إلى نظام مبارك بوجوه جديدة شيئا ما، وليس كلها. المصريون يلحون كثيرا في محاكمة الديكتاتور والبعض الآخر يطالب بإعدامه، ولكن المطلوب في مصر اليوم هو إعدام الديكتاتورية، قبل المناداة بإعدام الديكتاتور.

الشرق الأوسط

Tuesday, June 14, 2011

الانقسام السياسى واغتيال الثورة


لن يربح من الانقسام السياسى بين التيارين «المدنى الذى لا يجافى الدين» و«الدينى الذى يقبل المدنية» سوى أعداء ثورة ٢٥ يناير. فإذا كان الاختلاف رحمة وضرورة للتنوع الخلاق، فإن الخلاف الذى يؤدى إلى الشقاق والخصام قسوة وسيقودنا إلى الهاوية. ربما لو جلس الطرفان اللذان يتصارعان ويتنابذان ويتقاتلان على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام وتحاورا فى روية وهدوء ومسؤولية فسيجدان أن الفروق طفيفة والخلافات واهية، وأن المسألة قد لا تعدو أن تكون مجرد اختلاف فى الوسيلة التى تؤدى إلى غاية واحدة، يؤمن بها كلاهما، ألا وهى نجاح الثورة واستكمال خطواتها، حتى لو تباينت التصورات حول بعض الجوانب الشكلية للنظام السياسى المنتظر.

من هذا المنطلق أقترح هنا عدة إجراءات لإنهاء الخلاف بين من يطالبون بـ«الدستور أولا» ومن يتمسكون بـ«الانتخابات أولا»، أسردها على النحو التالى:

١- يفتح الطرفان حواراً بناءً حول الدستور الجديد، ينطوى على أمرين أساسيين: الأول هو صياغة مسودة ملزمة فى مبادئها العامة، حتى ولو من الناحية الأخلاقية، للجنة التأسيسية المكلفة بوضع الدستور التى سينتخبها البرلمان، وفق خريطة الطريق المرسومة حاليا. والثانى هو الاتفاق على شخصيات هذه اللجنة بحيث يقوم البرلمان بتمريرها عقب انتخابه، وبهذا يتوفر له الحق الذى ناله بمقتضى «الإعلان الدستورى» فى اختيار اللجنة، بعد أن تكون قد حظيت برضاء مجتمعى عام، وذلك من منطلق أن الدستور يوضع بالتوافق ولا تنفرد به الأغلبية البرلمانية.

٢- نعود إلى ما تسمى «قائمة الثورة» التى تتوافق عليها كل القوى السياسية الوطنية التى ساهمت فى نجاح «الموجة الأولى» من ثورة يناير التى انتهت بإجبار مبارك على التنحى. وهذه الفكرة كانت قد طُرحت بعد التنحى مباشرة وتبنتها جماعة الإخوان المسلمين، لكنها لم تلبث أن تخلت عنها. وتخوض هذه القائمة الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها فى سبتمبر المقبل ضد القوى السياسية القديمة وضد التقاليد الانتخابية الفاسدة، لاسيما إن لم يُتخذ قرار أو يصدر حكم بـ«العزل السياسى» لأعضاء الحزب الوطنى المنحل. وتجمع هذه القائمة بين التيارات السياسية الثلاثة «الإسلامى» و«اليسارى» و«الليبرالى».

٣- نناضل سوياً فى سبيل أن تكون الانتخابات التشريعية المقبلة بالقائمة النسبية، لأنها النظام الذى ينتصر للأحزاب والاتجاهات والبرامج ويحارب المال السياسى والبلطجة والتصويت على الأسس العشائرية والقبلية. ويمكن من خلال هذه القوائم أن نضمن تمثيل البرلمان المقبل لجموع المصريين تمثيلا أمينا وصادقا، بما يقود إلى تمثيل حقيقى للشعب فى صناعة الدستور.

٤- توقف التلاسن الذى طال رموزا ثقافية وسياسية، ويتم بطريقة منظمة على يد ما يمكن أن نسميها «كتائب الشتائم الإلكترونية».

وقد توالت المناقشات والمداولات بين الطرفين حتى وصلا إلى نقطة فاصلة تمثلت فى النقاش حول مسألة عرض الأمر على «المحكمة الدستورية العليا» أو «لجنة الفتوى والتشريع» بوزارة العدل لتفصل فى الخلاف حول موضوع «الدستور أولا» فى ضوء وجود حيثيات حكم للمحكمة الدستورية تعود إلى عام ١٩٩٤ أرست مبدأ مفاده أنه لا يجوز لأى من السلطات (التنفيذية، التشريعية، القضائية) أن تضع الدستور، لأن الأخير هو الذى يحدد اختصاصات وصلاحيات ونفوذ هذه السلطات الثلاث، وليس العكس.

وبالطبع فإن ممثلى هذين التيارين لا يملكان من الناحية القانونية الشكلية حق رفع المسألة إلى جهات التحكيم كى تبت فيها، إنما يمكنهما أن يعملا معا من أجل دفع الحكومة أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة لاتخاذ ما يلزم حيال إعادة ضبط الأمر على سنن العدل والاستقامة، وبما ينتصر لمطالب الثورة، ويؤسس لنظام ديمقراطى عادل.

أما من ناحية «الشرعية الثورية» فإن كل الخيارات مفتوحة أمام الجميع، لأن الثورات لا تعرف مثل هذه المماحكات، إنما تشق طريقها نحو تحقيق أهدافها بشجاعة وثقة واقتدار.

لقد صدر بيان عن جماعة الإخوان المسلمين يطالب بالتوحد خلف راية الثورة، أخذ عنوان «تعالوا إلى كلمة سواء»، ويجب على القوى المدنية أن تلبى قائلة «سنأتى إلى كلمة سواء»، لكن من يدعو ومن يستجيب فى عنقيهما دين لهذا الشعب العظيم الذى صنع ثورة سلمية غير مسبوقة فى تاريخ الإنسانية قاطبة، يفرض عليهما أن ينتقلا من القول إلى الفعل، ومن النظر إلى التطبيق، فالكلمة السواء ليست مجرد عبارات إنشائية بليغة، ولا خطابة رنانة طنانة، إنما هى إجراءات واضحة وملموسة تنتصر للثورة، وتحولها إلى قيمة مضافة من أجل بناء وطن حر عزيز عالى القيمة والقامة.

فيا أيها العقلاء، هنا وهنا، عودوا إلى روح ميدان التحرير، التى جمعتنا تحت غاية نبيلة ومقصد شريف وجهاد مقدس فى سبيل الحرية والعدالة والكفاية، فمن دون ذلك سنقوم جميعا باغتيال ثورتنا الفتية، ونقدمها إلى أعدائها مذبوحة ومسلوخة فيأكلونها لحما وعظما، ثم يستديرون علينا تنكيلا وتقتيلا، ويومها لن ينفعنا أى ندم، ولن تشفع لنا أى دموع. ويا أيها العقلاء لتعلموا وتفهموا أن الانقسام إن استمر، والشرخ إن اتسع، فإن الشعب سيكفر بكلا التيارين ولن يجد أمامه سوى المجلس العسكرى ليطلب منه اتخاذ إجراءات لن تفيد مطالب الثورة ولن تصب فى صالحها.

إن ما جرى فى يوليو ١٩٥٢ كان انقلابا تحلّق الشعب حوله فتحول إلى ثورة، أما ما جرى فى يناير ٢٠١١ فهو ثورة إن انفض الشعب عنها فستتحول إلى انقلاب

د. عمار على حسن
المصرى اليوم

الروائى والأديب العالمى فى حوار ساخن لـ«المصرى اليوم» (١ - ٢) بهاء طاهر: مصر غير قابلة للتحول إلى دولة دينية إطلاقاً.. لأننا نفكر بمنطق «اللى يعوزه البيت يحرم على الجامع»


كما قال «جورج كليمنصو»، رئيس وزراء فرنسا، خلال الحرب العالمية الأولى، «الحرب أخطر من أن تترك للجنرالات وحدهم».. أيضا السياسة أخطر من أن تترك للسياسيين وحدهم .. فلابد من دور للمثقفين والمبدعين، لأنهم، على حد قول الروائى الكبير بهاء طاهر، هم ضمير الأمة، والأمة التى لا تستعين بمثقفيها أمة بلا ضمير ينبهها ويستوقفها إذا ما أخطأت، ويراجعها إذا ما وقعت فى المحظور.

المبدع بهاء طاهر إحدى القمم الروائية فى مصر والعالم العربى، حاصل على عدد من الجوائز الكبيرة، منها جائزة البوكر العالمية عن روايته «واحة الغروب»، وجائزة أفضل رواية مترجمة فى إيطاليا عن روايته «خالتى صفية والدير» وجائزة أفضل رواية عام ٩٥ عن روايته «الحب فى المنفى».. فهو روائى ومترجم وقاص.. ويؤكد طاهر أن القائمين على الحكم قبل الثورة تعاملوا مع المبدعين على أنهم لا قيمة لآرائهم، وبعد الثورة يتعاملون بنفس منطق مبارك «خليهم يتسلوا» فلم يُدع المبدعون إلى لقاءات الحوار، ولم يؤخذ بأى من اقتراحاتهم.. وفى هذا الحوار حاولنا تكثيف الجهود للوقوف على رأى واحد من أهم ضمائر الأمة وإحدى القمم المبدعة التى تركت بصمة فى تاريخ مصر.. وإلى نص الحوار:

■ أستاذ بهاء، دعنى أبدأ من نقطة الجدال الدائر فى الأوساط السياسية الآن، وهى إشكالية المطالبة بوضع الدستور أولا انتخابات برلمانية ثم دستور ثم رئيس؟

- أنا لست فقيهاً دستورياً لكنى أستمع وأقرأ جيدا للخبراء فى هذا المجال، ومنهم الدكتور محمد نور فرحات، الذى يوضح أن الخطوات المقبلة المحددة بهذا الترتيب الذى يريدونه- أى الانتخابات البرلمانية ثم الدستور ثم الرئاسة- تنطوى على خلل دستورى فظيع، وهناك عوار دستورى يترتب على هذه الخطوات، ومن يعلمون يقولون إن هذا خطأ، وإنه يخل بآليات العمل السياسى، وسيؤدى إلى مشكلات فى المستقبل، فإذا كان أهل العلم والخبرة يقولون ذلك، فما الذى يمنع من الأخذ برأيهم، إلا إذا كان هناك رأى أقوى منه قانونياً ودستوريا، فليقولوا لنا ما هو.

■ ما الذى يجعل المجلس العسكرى يصر على هذا الترتيب؟

- هذا السؤال يوجه إلى المجلس العسكرى نفسه، لأنه حساس جداً للنقد ولا يريد الاستماع إلى كلام أحد، اسأليهم.

وأرى أن الدستور الجديد قضية شديدة الحساسية ولا تستدعى أن يخوّن أحد الآخر، ولا أن يفرض أحد رأيه على الآخر، فليجتمع الفقهاء الدستوريون من أنصار هذا الرأى وذاك ويحاولوا التوافق فيما بينهم، لأنهم أهل الخبرة وعليهم مسؤولية حسم هذا الوضع.

■ هذا الترتيب يمنع ائتلاف شباب الثورة، على سبيل المثال، من المشاركة فى الانتخابات المقبلة لعدم وجود الوقت الكافى للاستعداد ولطرح البرامج.. فما رأيك.. وهل هذا الأمر مقصود؟

- هناك قوة كبيرة جدا بحكم المال تسمى الحزب الوطنى، وأخرى كبيرة أيضا بحكم المال تسمى الإخوان المسلمين، وقد استمعت من قبل إلى يوسف ندا، المسؤول المالى للتنظيم الدولى للإخوان، الذى تحدث عن أن التنظيم الدولى يمتلك مبالغ هائلة تنفق على نشاط الجماعة، فكيف لشباب لا يجدون المليون جنيه المطلوب لعمل الإعلان عن الحزب فى الصحف والمنصوص عليه فى القانون أن ينافسوا من لديهم أموال طائلة ولديهم مشروعات هنا وهناك ويكدسون أموالا؟! وأضاف مبتسما وأقصد بـ«الحلال طبعا» كيف تطلبين من النملة أن تصارع الفيل ،ثم يقولون لنا تكافؤ الفرص.. أى تكافؤ هذا؟!

■ وهل الأموال وحدها هى التى تلعب الدور الأكبر؟ وهل يمكن لحزب على رأسه رجل أعمال مهم مثل ساويرس أن يخوض المعركة بقوة وعلى قدم المساواة؟

- لا.. ليس المال وحده هو الحاكم فى الأمر إنما التاريخ يلعب دوراً كبيراً، فالإخوان يعملون منذ ٨٠ سنة، بينما شباب الثورة مازالوا مبتدئين.

■ بمنطق التاريخ، ما موقع حزبى الوفد والتجمع وغيرهما التى تعمل منذ سنوات طويلة؟

- الأحزاب القديمة التى كانت موجودة فى عهد مبارك «كرتونية» لا ثقل ولا وجود لها، رغم أن حزب الوفد عندما أراه على حاله الآن «قلبى بيوجعنى»، لأننا تربينا على حزب الوفد وخرجنا فى المظاهرات نهتف «يحيا الوفد ولو فيها رفد» وكان هذا الحزب نموذجاً للوطنية المصرية لكن الآن أنا حزين جدا على ما آل اليه حاله، وأتمنى أن يعود حزبا يعبر عن الوطنية المصرية، وعلى وحدة جناحى الأمة المسلمين والمسيحيين وحريصاً على مصالح كل طبقات المجتمع كما كان فى الماضى، فلم يكن حزب الوفد هو حزب الإقطاعيين، وإنما كان حزب الكل الإقطاعيين والغلابة فى الحقيقة، أما الآن فليس له هوية.

■ تقصد وضعه قبل وبعد ثورة يناير؟

- نعم.. والى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا. وما أيسر أن يسترد وضعه السابق بالعودة إلى سياساته السابقة، التى تؤلف بين طوائف الشعب وجناحى الأمة - المسلمين والمسيحيين- والتى تؤلف بين الأغنياء والفقراء، فهو كان حزبا يعتبر جبهة وطنية جامعة لطبقات وفئات الشعب كلها، كان بداخله من هم فى أقصى اليمين ومن هم فى أقصى اليسار، وكان ذلك فى تآلف يعكس الطبيعة المصرية تماما كما أن قيادة النحاس باشا له كانت قيادة أبوية، مهما اختلفنا معه فى الرأى، وكان حزبا يعد نموذجا مصريا ومع الأسف لم يعد كذلك .

■ إذن.. الإخوان والحزب الوطنى يسيطران، والأحزاب القديمة كرتونية، وشباب الثورة مبتدئون.. المشهد السياسى القادم سيديره الإخوان والوطنى؟

- الخلاصة أن الاستمرار فى هذا الوضع الذى ينتهجه القائمون على الحكم معناه تسليم مفتاح البلد للإخوان والحزب الوطنى. وإذا كان القائمون على الحكم فى مصر يريدون ذلك فليستمروا فيما يفعلون.

■ وأيهما ترجح كفته فى النهاية «الإخوان» أم «الوطنى»؟ أيهما له السطوة الكبرى؟ وأيهما سيحصل على العدد الأكبر من مقاعد البرلمان فى توقعاتك؟

- إيه رأيك لو كان تحالفاً من الاثنين؟! فقد أثبت التاريخ أن الطرفين يعملان بمنطق «اللى تغلب به العب به» ولو ثبت أن التحالف فى دوائر معينة سيعود بالنفع عليهما سيفعلان ذلك دون أى غضاضة، فالإخوان الأقرب والأكسب لهم هو التحالف مع الحزب الوطنى والعصبيات المحلية.

■ هل بهذا المنطق ستتحول مصر إلى دولة دينية؟

- تصورى أن مصر غير قابلة إطلاقا لأن تتحول إلى دولة دينية، فالشعب المصرى غير ذلك تماما، فهو معتدل، ومن الأشياء الجميلة التى كانت موجودة فى ميدان التحرير يوم جمعة الثورة الثانية، كما أطلق عليها البعض هو وجود الطرق الصوفية الذين قالوا إنهم سيحضرون الجمع التالية بأعداد أكبر، هذا إلى جانب مختلف طوائف الشعب بانتماءاتهم المختلفة، وعلى الجانب الآخر أنا شخصيا أعتقد أن أى مصرى يفكر فى أن يمس ضريح سيدنا الحسين أو السيدة زينب ستشل يده، هذه هى مصر الحقيقية.. الكل منسجم فيها ولا مجال للتشدد ولا للتطرف.

■ لكن نحن شعب تتحكم فيه العاطفة الدينية.. حتى السارق يقول توكلت على الله قبل أن يسرق ويدعو الله بالستر حتى يتم مهمته.. شعب بهذه التركيبة أليس من السهل التأثير عليه بالرسائل والشعارات الدينية؟

- لا تنسى أنه هو نفس الشعب الذى يقول فى بعض الأحيان «اللى يعوزه البيت يحرم على الجامع». لطالما كنا شعباً عاطفياً دينيا، وهذا لم ينل من اعتدالنا ومن تحكيمنا للمنطق والحكم على مصالحنا بالعقل.

■ تقول بصعوبة تحول مصر إلى دولة دينية لكن أحد السيناريوهات المطروحة، وهى أن مجلس الشعب المقبل إذا ما حصل الإخوان على أغلبية المقاعد به سيكون الأشرس فى التاريخ الحديث وسنشهد مساءلات للوزراء وإسقاط الحكومات، وسيكون رئيس الجمهورية القادم هو الأضعف، ومن هنا يقول البعض باحتمال مغازلة كل من الحكومة والرئيس القادمين لمجلس الشعب، بإصدار قرارات على هواه، حتى ولو كانت ضد مدنية الدولة؟

- هذا السيناريو يفترض أن الأمور ستكون أمام الإخوان بلا عقبات، الشعب سيقاوم ولن يستسلم، والتيار الليبرالى سيشتد يوما بعد الآخر، فكلنا لدينا عاطفة دينية، لكن طول عمرنا رغم وجود هذه العاطفة الدينية نأخذ قراراتنا السياسية على أساس مصالحنا، وقد نشهد الآن مغازلة للتيار الدينى تظهر فى شكل قرارات سياسية، وقد بدأت من الآن، كأن يصدر قرار بمنع القبلات والأحضان فى الأفلام رغم وجود أمور كثيرة أكثر أهمية تحتاج إلى إصلاح فى التليفزيون المصرى، لكن لا تنسى أننا كنا نشهد نفاقاً ومغازلة للحزب الوطنى فى السابق يفوق ما يحدث الآن مع التيارات الدينية، ولم ينفع النفاق فى النهاية، وأضاف «طاهر» ساخرا «وإن شاء الله هذه التيارات متقعدش ٣٠ سنة زى الحزب الوطنى».. عموما حتى ولو كان هناك انتصار للإخوان فى المرحلة المقبلة فهذا الانتصار سيخلق مقاومة شديدة لدى الناس.

■ لو عدنا قليلا إلى «جمعة الغضب الثانية» وما تضمنته من دلالات سياسية مهمة أولا فما تقييمك لمظاهرة هذا اليوم؟

- كل مرة كنت أشارك فيها فى المظاهرات كنت أعلم تماما أنه من الممكن أن يتحرش أو يحتك بى أحد، وحدث ذلك من قبل ومع ذلك لم أكن خائفا ولا متوجسا لكن هذه المرة كنت شديد التوجس، لم أكن خائفا على ذاتى، إنما كنت خائفا على البلد، لأنه كانت هناك حملة دعائية كبيرة تبث رسائل رعب وتقول إنها جمعة الخطر وإنه قد تسيل فيها الدماء، وقد تتحول إلى حرائق تشتعل فى وسط المدينة إلى آخره وكتب ذلك نصاً، لذا نزلت إلى المظاهرات وأنا مرعوب على البلد، وزاد هذا الرعب بمجرد نزولى إلى الشارع عندما وجدت القاهرة التى تضج بالازدحام أصبحت مدينة أشباح، بسبب خوف الناس من النزول إلى الشارع وأغلقت المحال أبوابها، ولم تكن هناك إشارة مرور واحدة مغلقة، لذا كنت فى غاية التوجس إلى أن وصلت إلى الميدان وتجاوزت لجان التفتيش التى أعدها الشباب للحفاظ على سلامة الجميع، ودخلت الميدان فوجدت القاهرة الحقيقية ومصر الحلوة هناك، ولم يحدث إطلاقا أى شغب وكانت مظاهرة على أعلى مستوى من التحضر، فارتفعت معنوياتى بعد أن كانت فى الحضيض.

وهناك وجدت نفس الشباب الذين كنت أراهم من قبل فى الجمعات السابقة، شباب برىء ليس لديه أطماع سياسية، مؤمن بأهداف الثورة رغبة فى استكمال هذه الأهداف والمبادىء، وهذا اليوم رد لى ثقتى فى هذا الشباب، فقد ثبت أن المصريين أفضل كثيرا من فكرتهم عن أنفسهم، وأن بداخلنا إمكانيات وطاقات لم نكن نعرفها عن أنفسنا.

■ هل كانت دعاية الترهيب من النزول يوم جمعة الغضب الثانية مقصودة؟

- طبعا بكل تأكيد.. ولا أستطيع أن أضع يدى على الفاعل، لأن الأمر يحتاج إلى بحث، لكن على الأقل الإخوان المسلمون قالوا ما كاد يكون معناه أن النزول إلى المظاهرة نوع من الكفر وتبعهم فى نفس الموقف السلفيون، وتبعهم حزب الوسط ذو المرجعية الاسلامية، وتبعهم الوفد وبعض التيارات الأخرى.

■ لماذا تلاقت المصالح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.. أى لماذا اتخذ الوفد نفس موقف الإخوان المسلمين؟

- لا أعرف.. ولا أود أن أقول بنظرية المؤامرة، وأن كل هؤلاء كانوا ضد الثورة ويقومون بثورة مضادة.. لكن ربما خشيت الأحزاب أن تنقلب المظاهرة إلى عمليات تخريب، مع العلم أن ما قالوه من عدم المشاركة وترويع الناس من النزول هو الذى يؤدى إلى التخريب.

■ ربما لم يكن هناك لا مؤامرة ولا خوف.. ماذا لو أن كل طرف يغازل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ويقدم نفسه على أنه التيار الذى يجب الاعتماد عليه، ظنا أنه فى المستقبل سيكون لهم جزء من الكعكة، خاصة أنه تردد أن هذه الجمعة ستكون ضد قرارات المجلس العسكرى؟

- لم يكن هناك ما يشير الى أن المظاهرة كانت ضد المجلس العسكرى، بل العكس كانت هناك مظاهرة عند النصب التذكارى فى مدينة نصر لتأييد المجلس العسكرى وهذه هى الديمقراطية الحقيقية.

■ ربما خافت بعض الأحزاب أن يفسر نزولهم أنه ضد المجلس العسكرى؟

- لو كان الأمر كذلك لكان خطأ كبيراً جدا، يجب أن يكون فهم هذه التيارات والأحزاب مثل فهمى، وفهم كل الناس أن المجلس العسكرى قابل للحوار مع الناس وقابل للنقد عند الضرورة. وأن يعتبر المجلس العسكرى نفسه سلطة حاكمة لكن ليست محتكرة للحقيقة الكاملة، يجب أن يستمع إلى الآراء المختلفة عن رأيه. ولم يحدث فى الميدان قط أن ارتفع صوت ضد المجلس العسكرى ولم تحدث أى وقيعة كما قالوا إنها ستكون جمعة الوقيعة، حتى عندما قال المجلس العسكرى إنه سيبتعد عن الميدان وإنه واثق من تأمين الشباب للميدان تبين أن ثقته فى محلها.

■ البعض قال إن هذا الموقف تخلى به المجلس العسكرى عن مسؤولياته التأمينية لمتظاهرى التحرير «لاختلافهم معه فى الرأى ورفضهم بعض قراراته»؟

- أفضل التفسير الذى قلته عن أى تفسير آخر.. وأضاف ضاحكا «إنتى عايزانا نروح النيابة العسكرية سوا ولا إيه؟!

■ عدم وصول العدد إلى مليون فى جمعة الغضب الثانية، جعل البعض يؤكد على قوة وتأثير الإخوان وتقريبا أشار بعض الإخوان أنفسهم إلى هذا بأن عدم نزولهم إلى الميدان جعله خاويا؟

- أولا لم يكن الميدان خاويا، ولا أريد الدخول فى لعبة الأعداد لأنها لعبة سخيفة، لكن كان هناك عشرات الآلاف يتوافدون على الميدان حتى الساعة السادسة مساء موعد فض المظاهرة، بناء على قرار المنظمين من الشباب والذى التزم به الجميع، وأؤكد أنه وبعد جو الترويع والرعب الذى انتشر على مدى ٤٨ ساعة فى هذا البلد وتحولها إلى مدينة أشباح، لو أن الميدان كان فيه ٥٠٠ فقط كأنهم مليون، ومع ذلك بعض القنوات الفضائية عرضت صوراً للميدان وهو ممتلئ، من ميدان عبدالمنعم رياض إلى مجمع التحرير، ولا أعرف بحسابات الأرقام كم عددهم، المهم أنهم كانوا أعداداً كبيرة وكانوا متحضرين وسلميين.

■ ومن يقف خلف دعوات الترهيب؟

- قبل المظاهرة بيوم انتشرت رسائل على الإنترنت من نوعية «روحوا بكرة علشان تعرفوا حجمكم الحقيقى»، «انتوا من غير الإخوان ماتسووش»، ومن الواضح أن هذه الرسائل من شباب تابع للإخوان وإن لم يكن لدى دليل على ذلك، وهنا أرد عليهم أننى كنت آمل أن يأتى الإخوان إلى الميدان ليعرفوا حجمهم الحقيقى، ويتأكدوا أن الشعب قوة حقيقية بدون الإخوان. فالشخص الواحد فى هذا الميدان يعادل ألفا لأنه نزل متحديا جواً من الترويع لم يحدث فى التاريخ على الإطلاق.. كما أنه يعادل ألفاً من الأغلبية الصامته أو كما يقولون عنهم حزب الكنبة، الذين يجلسون يشاهدون الأحداث دون أن يكون لهم دور فعال، ويكتفون بترديد الشائعات والنميمة.

■ الأغلبية الصامتة كان لها مبررها قبل الثورة فبماذا تبررها بعد الثورة؟

- أثبت التاريخ فى كل دول العالم أن من يصنع التاريخ هم الأقلية الفاعلة وليس الأغلبية الصامتة والتى أدينها فى كل كتاباتى.

■ قلت إنك كنت تتمنى أن يأتى الإخوان إلى الميدان ليعرفوا حجمهم الحقيقى فهل تقلل من قوتهم وتأثيرهم؟

- لا على الإطلاق.. الإخوان قوة ولهم كل الاحترام لكن يجب ألا يعتبروا أنفسهم القوة الوحيدة، ويجب ألا يخونوا غيرهم، ويقللوا من شأنهم، ويكفروا كل من يخالفهم، فمثلا أنا فكريا ضد الإخوان ومع ذلك كنت أوقع على بيانات الرفض لمحاكماتهم أمام محاكم عسكرية، وليس معنى أننى فكريا ضدهم أن أكون على المستوى الإنسانى ضدهم، وعليهم التعامل بنفس المنطق مع الجميع، يجب ألا يخوننا الآخر ويجب ألا يكفروا الآخر، فهم مثلا يروجون أن العلمانيين كفرة، وأنا مسلم وآمل أن أكون مسلماً جيداً إن شاء الله ومع ذلك علمانى، فالعلمانية ليست كفرا كما يصورون.. العلمانية لا تناقض التدين فى شىء، أنا مسلم علمانى بمعنى أننى أرى أن الدين له احترامه ومجاله، والحياة المدنية لها مجالها ولا يجب الخلط بين الدين وتسيير شؤون الحياة العملية، وهذا يتفق مع الإسلام الذى ألغى أى سلطة كهنوتية لأى جهة، واعتبر العلاقة بين الفرد وربه علاقه مباشرة دون أى وسطاء.

■ الحوار الوطنى والوفاق الوطنى .. ما رأيك فى هذه اللقاءات؟

- أنا لا أعرف الفرق بين الاثنين، ولا أعرف ما هى مهام هذا ولا أهداف ذلك حتى أجيبك، لكن الحوارات الوطنية لا تقام من قبل السلطة الحاكمة إنما تقام من خلال إرادة شعبية، إذا كانت هناك تيارات وأحزاب تريد أن تتوافق برضاها على خطوات وطنية فليجلسوا ويفعلوا ذلك لكن لا يأتى الأمر من أعلى كما كان يحدث فى عهد «مبارك».

■ وكيف للمجلس العسكرى أن يتواصل إذن مع النخبة.. هو يريد موقفاً موحداً يتم التوافق عليه ليتبناه سواء فى القانون أو الاقتصاد وغيرهما لذا يجد فى توصيات مؤتمرات الحوار حلا للخلاف وللتواصل؟

- إذا كان المجلس العسكرى يريد التواصل معنا أقول لهم كيف، أبسط شىء ألا يكون الاتصال بالناس عن طريق الفيس بوك. أنا واحد من الناس لا أعرف كيف أستخدم الفيس بوك ولا التويتر، عليهم إقامة مؤتمرات صحفية دورية على الأقل كل أسبوع ويكون هناك ممثلون للصحافة ويسألون بكل صراحة، على أن يجيب ممثلو «المجلس» بصراحة. هذه هى طريقة التواصل التى يجب أن تكون.. ولقد اتفق النخب والقانونيون العظام وفقهاء القانون الدستورى على أهمية وضع الدستور أولا قبل الانتخابات البرلمانية.. ماذا كان رد فعل المجلس العسكرى؟!..الكل يعرف.

■ القائمون على الحكم يقولون بكثرة ائتلافات الثورة فمع من نتحدث؟

- لقد وصلوا للنتائج التى يريدون الوصول إليها.. وهذا ما يردده من هم ضد الثورة.

■ لكن النخب مختلفة فيما بينها، الأحزاب ليست على موقف واحد؟

- هذا ليس وضعاً جديداً على مصر لطالما كانت مصر هكذا بل وكل دول العالم، فجميع الدول لديها أحزاب مختلفة وتيارات متجاذبة وأخرى متنافرة، الدول الديمقراطية تتيح فرصة لكل التيارات للحوار، وليس الحوار على شاكلة وضع الناس فى «أوضة يقولوا عليها أوضة الحوار» أنا أقصد مجتمعاً يتحاور، أن تجتمع تيارات سياسية مختلفة ومتباينة، وأن يكون هذا الحوار مجتمعيا على صفحات الصحف وعلى شاشات التليفزيون، وفى النقابات، هذا هو الحوار المجتمعى الذى أفهمه.

■ فى حوار أجريته مع الدكتور جلال أمين مؤخرا قال لى نفهم الديمقراطية بشكل ساذج وليس كل شىء يحتاج إلى حوار وشورى وإنما نحتاج إلى الحسم بدلا من إضاعة الوقت فى الحوار فهل تتفق أم تختلف معه؟

- أتفق مع الأستاذ جلال فى كل ما قاله ألفاً فى المائة، هناك فعلا أمور تحتاج إلى قرارات حاسمة، فمثلا هل يعقل أن يقطع بعض الناس السكة الحديد فى أكثر من محافظة لعدة أيام ويعطلوا السير ومصالح الناس دون أن يواجه هذا الأمر بالحسم لإثبات هيبة الدولة والاكتفاء ببعض المشايخ للحوار مع الأهالى، هناك أمور لا تحتمل الحوار إنما تحتاج إلى تطبيق القانون.

■ هل دعيت إلى أى من مؤتمرات الحوار هذه؟

- لا.. الحمد لله.

■ لماذا؟ هل مازال يتم التعامل معك «كمعارض عتيد» كما كان الوضع قبل الثورة؟

- أظن أن الموضوع هذه المرة مختلف، المسألة لا علاقة لها بكونى معارضاً بقدر كونى أديباً أو مبدعاً فهم لا يعتبرون المبدعين أناساً مهمين وليس لآرائهم قيمة والدليل هل سمعت أنهم وجهوا الدعوة إلى إبراهيم أصلان أو صنع الله ابراهيم أو أى من الروائيين والمبدعين لمثل هذه الحوارات؟!.. هم يتعاملون معنا على طريقة مبارك «خليهم يتسلوا بعيد عننا»، وأرجو ألا يكون السبب هو كونى معارضاً.

■ لكن الإعلامى حسين عبدالغنى قال لى فى حوار معه إن أحد أعضاء المجلس العسكرى اعترض على ترشيحه لرئاسة قناة الأخبار ونقل له أنه قال إن «حسين» من ثوار التحرير؟

الله.. بدلا من أن يكون الأمر نقطة فى صالحه تحسب ضده.. أنا فعلا مندهش، عموما حتى ولو لم تتم دعوتى إلى هذه الحوارات لكونى معارضاً فأنا لا أعبأ بمثل هذه الأمور، فالعقاب الشديد لى هو أن أمنع من الكتابة، ما عدا ذلك لا ألقى بالا لشىء، فأنا منعت من الكتابة ما بين ٧٥ و٨٣، وكنت كلما رشحت لمنصب يسألون أمن الدولة عنى فيقولون لهم «دا بتاع حركة كفاية» فيبقى كفاية- قالها ضاحكا - لذا آمل بعد الثورة أن يكون عدم دعوتى لأى حوار هو استمرار لمنطق عدم الاعتراف بالمبدعين وليس شيئاً آخر. عموما المثقفون والمبدعون هم ضمير الأمة وطالما لا نستمع لهم فنحن لا نستمع إلى صوت الضمير، وخوف النظام منهم طيلة عشرات السنوات دليل على فاعليتهم وأن رسائلهم كانت تصل إلى الناس.

أجرت الحوار رانيـا بـدوى
المصرى اليوم