This blog is dedicated to Egypt .... home I adore and to all sincere Egyptians who are looking forwards to live in free democratic secular nation كل زوار الموقع مدعوون الى نشر آراءهم و تعليقاتهم
Sunday, April 10, 2011
Wednesday, March 23, 2011
الطريق الى مكة.. طبعة كاملة بعد حذف انتقادات من طبعة السعودية
أبوظبي (رويترز) - بصدور طبعة جديدة من ترجمة كتاب (الطريق الى مكة) تتاح للقارئ اراء وأفكار مؤلفه محمد أسد وفيها انتقادات للملك عبد العزيز ال سعود حذفت من الطبعة السعودية لكتاب يعد وثيقة أدبية وتاريخية على مرحلة تحولات كبرى في المنطقة.
والكتاب الذي صدرت ترجمته في 500 صفحة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة خلا من الانتقادات التي سجلتها الطبعة الجديدة ومنها أن عبد العزيز "لم يشرب شعبه كل الرغبة في التعليم حتى ينتشلهم من وهدة الجهل" وهو ما اعتبره المصري رفعت السيد علي مترجم الكتاب "خيانة للنص" الذي كتبه المؤلف.
وأسد (1900-1992) اسمه الاصلي ليوبولد فايس اليهودي النمساوي الذي أسلم عام 1926 وتزوج في الحجاز وأنجب ابنه طلال وعاصر أحداثا كبرى اذ كان صديقا مقربا للملك عبد العزيز ولابنه فيصل وتجول في ايران وفلسطين ومصر وشارك عمر المختار كفاحه ضد الاحتلال الايطالي لليبيا وقابل محمد اقبال وعمل رئيسا لمعهد الدراسات الاسلامية في لاهور ثم أصبح مندوبا لباكستان في الامم المتحدة.
وسجل الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين الرئيس العام لشؤون الحرمين في مقدمة الطبعة السعودية أن هذه الترجمة "أمينة لكتاب (الطريق الى مكة) لواحد من أهم رجالات الغرب الذين أسلموا خلال القرن العشرين وتركوا بصمة كبرى في الثقافة العربية الاسلامية والاوروبية... المؤلف خرج من جاهلية الغرب الى نور الاسلام."
وجاءت الطبعة السعودية بها صور لعبد العزيز وأبنائه ومنهم فيصل وسعود في العشرينيات واضافة لقب "الملك" الى عبد العزيز في حين يسميه أسد في معظم الاحوال "ابن سعود" وحرص محرر الكتاب على اضافة التاريخ الهجري قبل الميلادي الى النص الذي تخلو طبعته الجديدة من التاريخ الهجري.
والطبعة الجديدة أصدرتها (منشورات الجمل) ببغداد وبيروت في 560 صفحة وطرحتها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي اختتم دورته الحادية والعشرين الاحد الماضي.
وتسجل الطبعة الجديدة ما حذف من سابقتها ويخص عبد العزيز في سياساته أو حياته الخاصة ومنها أنه كان يعتقد أنه على صواب "ويتجنب محاسبة الذات" ولم تبذل الاعداد الكبيرة من المحيطين به جهدا لتصحيح ميل الملك للاعتقاد بصحة قراراته وهكذا "خذل الوعد العظيم الذي ملاه في شرخ شبابه حين كان حالما بطموحات تطاول السماء وخذل أمة ناشئة وربما لم يدرك ذلك... ويتحدث بعض أفاضل أهل نجد بمرارة عما اعتبروه خيانة للطموحات والامال الكبيرة التي راودتهم الا أنها لم تتحقق."
ويورد المؤلف فيما حذف من الطبعة السعودية احباطات أهل نجد الذي انضموا الى عبد العزيز ضد ابن رشيد أحد المناوئين لابن سعود وظنوه "موسى جديدا... اكتشفنا ونحن مرعوبون أنه فرعون" ويعلق أسد قائلا انه لم يشك في حب ابن سعود العميق لابناء شعبه ولكنه "كان صقرا لم يحوم بأجنحته كما ينبغي".
ويضيف "بعد فترة قصيرة من كتابة هذا الكتاب 1953 توفي الملك ابن سعود عن عمر يناهز 73 عاما وبوفاته انتهت مرحلة من مراحل تاريخ الجزيرة العربية. حين رأيته اخر مرة عام 1951 وكنت أقوم بزيارة رسمية للمملكة العربية السعودية كممثل رسمي لدولة باكستان بدا لي أنه كان على وعي بأنه أضاع عمره فيما كان أقل مما يجب عليه عمله. بدا وجهه الذي كان يطفح بالقوة والحيوية مليئا بالمرارة. بدا وكأنه يتحدث عن انسان اخر قد مات فعلا ودفن ومن الصعب تذكره."
ويسجل المؤلف في الفقرات المحذوفة من الطبعة السعودية جانبا من تجاهل عبد العزيز لفكرة المستقبل "وغياب الرؤية الادارية الصحيحة".
ففي عام 1928 كان أسد شاهدا على زيارة قائد حركة الاستقلال السوري شكيب أرسلان لعبد العزيز في مكة واقترح أرسلان خطة لتطوير وادي بيشا ليصبح مصدرا لغلال تكفي منطقة الحجاز وقال ان الخطة العلمية تستغرق عشر سنوات ولكن ابن سعود قال "هذا زمن طويل جدا. اننا معشر البدو لا نعرف الا شيئا واحدا. مهما يكن بأيدينا فاننا نضعه في أفواهنا ونأكله. التخطيط لعشرة أعوام يشكل زمنا طويلا بالنسبة لنا."
وقال اسد ان الحاضرين تبادلوا نظرات الدهشة ولم يصدقوا وأضاف "بدأت بعد ذلك أتساءل.. هل ابن سعود رجل عظيم جرفه الملك والرفاهية بعيدا عن العظمة. أم مجرد رجل ذي شجاعة عظيمة وذكاء خارق ولا يتطلع الى ما هو أكثر من السلطة والقوة.."
وسجل أنه كان يريد أن يؤسس دولة "تعتمد في حكمها روح نصوص القران الا أن تلك الامال لم تتحقق فكلما زادت قوته وتمكنت كان يتضح أكثر أن ابن سعود لم يكن أكثر من ملك لا يهدف الى ما هو أكثر مما استهدفه كثير من حكام الشرق الذين حكموا بلادهم حكما أوتوقراطيا من قبله."
وقال انه كان نبيلا وشهما ووفيا لاصدقائه ومؤيديه وبسيطا ومتواضعا ويعمل بدأب ويحرص على الصلاة ويقضي ساعات طويلة من الليل في تعبد. ولكن الطبعة السعودية حذفت بقية الجملة وهي "الا أنه في الوقت نفسه انغمس هو ومن حوله في ترف مسرف بلا حدود... لم يرد الى ذهنه أن الصلاة وسيلة لا غاية في ذاتها... أهمل اعداد أبنائه الاعداد الملائم لمواجهة المهام التي كان عليه القيام بها.
"وحين سئل ذات مرة لماذا لا ينظم المملكة على أسس أقل فردية حتى يرث أبناؤه دولة منظمة ذات مؤسسات أجاب.. لقد غزوت أرجاء مملكتي بسيفي وبمجهودي الشخصي فليبذل أبنائي أيضا مجهودهم من بعدي."
وقال أسد أيضا ان "تنظيم الاخوان" المتشدد والذي يميل الى خوض الحروب كان قوة في يد ابن سعود ولكن الطبعة السعودية حذفت قول المؤلف ان ابن سعود "ظل قانعا وراضيا بما هو عليه من مظاهر بدائية وفهم سحطي للدين وابتعاده عن المعارف الدنيوية.. لم يفعل لهم (الاخوان) الا ما وجده بالكاد ضروريا للحفاظ على حماسهم الديني.. لم ير ابن سعود في حركة الاخوان الا قوة في يد السلطة. وفي الاعوام الاخيرة قدر لهذا القصور أن ينقلب ويصبح قوة مضادة تهدد المملكة التي شيدها بجهده."
وحذفت الطبعة السعودية ما كتبه المؤلف عن "ضيق النظر" لدى الوهابيين الذين "اعتبروا أنفسهم الممثلين الوحيدين للاسلام وأن كل مسلمين اخرين خارجون على العقيدة ومنشقون عنها... جاء القصور من ضيق النظر الذي اتسم به أتباع الحركة وسعيهم الى اجبار الناس على أداء الشعائر الدينية حرفيا وبالامر متجاهلين أهمية النفاذ الى الجوهر الروحي ومحتواه."
وعن الحياة الخاصة بالملك قال المؤلف انه لم يكن يترك نفسه للانغماس العميق في المشاعر العاطفية تجاه النساء. وتسجل الطبعة الجديدة ما حذفته الطبعة السعودية في هذا الشأن مثل وضع "قيود شديدة حول معرفة العدد غير المحدود من النساء اللاتي تزوجهن وطلقهن... فقد تزوج ابن سعود من جميلات كثيرات في اقباله الدائم على الزواج."
وقال رفعت السيد علي مترجم الكتاب لرويترز ان الطبعة السعودية ارتكبت "خيانة لنص الكاتب محمد أسد حين حذفت كل ما اشتمت منه رائحة نقد لعبد العزيز ال سعود الذي كان يراه أبناء العالم الاسلامي في بدايات القرن العشرين مخلصا منتظرا من الاحتلال الغربي فاذا به لا يمثل الا طموحا ضيقا للسلطة على الجزيرة العربية بمباركة من الدول الاستعمارية ذاتها."
وأضاف ان هذا الحذف نوع من "تنزيهه (عبد العزيز) عن أي خطأ يقترب من تقديس الاسلاف."
Thursday, November 18, 2010
هل نحن حقاً شعب مبارك؟
سؤال أطرحه لجذب الانتباه، فلاشك أننا بالفعل شعب مبارك. وحتى لا يستمر اللبس فى أذهانكم، أوضح أنى لا أتحدث اليوم عن الرئيس مبارك ولا عن مبارك الابن، وإنما قصدت التساؤل حول مقدار البركة بيننا.. أتساءل - هذه المرة - بدرجة كبيرة من حسن الظن والتفاؤل.. شعور غريب ملأنى وأنا أتأمل مدى تمسك المصريين بصيام يوم الوقفة.. تأملت الناس من حولى وكأنى أكتشفهم لأول مرة!
المصريون بخير، يصومون وقفة عرفات وكأنه يوم من أيام رمضان المعظم، ولا يبخلون بأموالهم سراً وعلناً.. يتزاحمون فى الكنائس، ولا يفرطون فى جمعة... نحن حقاً شعب مبارك.. شعب يحفظه الله ويرعاه، وإلاَّ فبم تفسرون ما نحن فيه من نعمة على الرغم من كل أشكال الفساد التى نعانيها؟
نشكو انتشار الرشوة والبلطجة والسرقة والغش والعدوان على الأنثى وإهدار الموارد والتراخى الشديد فى العمل والتعلم... مظاهر عديدة يكفى نصفها لانهيار الأمم، أما نحن، فباقون بفضل هذا الفيض من الإيمان، وهذا الحب للرحمن. البركة تتجلى فى كل لحظات حياتنا، ولنأخذ الطريق الدائرى مثالاً.
ينجينا الله وحده من إهمال الدولة فى إتمام الطرق لتصبح مطابقة للمواصفات. حفرة هنا، وطوبة هناك، خطوط لا تتصل وعواكس متناثرة، أضواء مضحكة، مواقف سيارات وتجمعات بشرية، حتى أكمنة الشرطة مظلمة، دماء تسيل ولكنها أقل بكثير من التوقعات العلمية. الفارق: بركة!
صفاء الذهن فى الصيام أعاننى على اكتشافٍ أسعدنى، وأَلَحَّ علىَّ كى أعرضه عليكم، لعله يشيع فى نفوسكم البهجة قبل انقضاء العيد.. اكتشفت أن أنصار الخير والحق والعدل والجمال والفضيلة والأخلاق الحميدة، أكثر كثيرًا من عصابة الشر والبطش والبلطجة والظلم والفحش والرذيلة وسوء السلوك. نعم، وإليكم مجموعة أدلة:
فى ملعب كرة القدم يتابع ستون ألفًا لعبتهم المفضلة فى سلام تام، حتى يظهر فى أحد الأركان عشرون بلطجياً يندفعون بين الناس.. يضربون، ويمزقون الملابس، وينتهكون الحرمات، فيحدثون ذعرًا وفوضى عارمة فى كل أنحاء الملعب.. عشرون يرهبون ستين ألفًا، أى بنسبة واحد إلى ثلاثة آلاف!! لو ظهر مجنون أو مدعٍ للجنون فى قاعة بها ألف عاقل.. ماذا يحدث؟ يتدافعون هاربين، والنسبة واحد فى الألف!!
مثال آخر شهير: يظهر بلطجى شاهرًا مطواة «قرن غزال» فى الأتوبيس.. يلوح بالمطواة بحركات سريعة تؤكد قدراته الإجرامية، ويصرخ فى الركاب مطالبًا بتسليمه المحافظ والموبايلات.. يملأ كيسًا أسود، ويقفز من الأتوبيس مختفيًا فى الزحام.. لم يُصِبْ أحدًا والحمد لله!!
«يا خيبتكم!» أو «يا خيبتنا جميعًا»، ما هذا الْجُبْنُ والضعف؟ لست بطلاً، ولكنى مقتنع تمامًا بأن انتشار البلطجة يعود لرد فعلنا الجبان.. يعود لاستسلامنا المخزى؛ ماذا لو واجهنا المعتدى؟ فى أسوأ الفروض سيقتل واحدًا، ويصيب اثنين قبل أن يسيطر الباقون عليه.
سيحدث هذا مرة أو مرتين، ويتوقف بعدها نهائياً، لن يتجرأ أحد بعد ذلك على تهديد وترويع الآمنين، إذا ساد هذا المنهج فى حياتنا، فستختفى البلطجة إلى الأبد. دعونا نواجههم ونقضى على الهجَّامين والبلطجية والمغتصبين فى وضح النهار. بالشجاعة والحكمة نقضى على السرقة بالإكراه و«التثبيت» وهتك الأعراض، فحينما سأل سائل سيدنا محمدًا، صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالى؟
قال: فلا تُعْطِهِ مالك، قال: أرأيتَ إن قاتلنى؟ قال: قَاتِلْهُ. قال: أرأيتَ إن قتلنى؟
قال: فأنت شهيد. قال: أرأيتَ إن قتلتُهُ؟ قال: هو فى النار». حكمة نبوية بالغة تُغَيِّبُها موروثات حمقاء كـ«الْجُبْن سيد الأخلاق» و«من خاف سِلِم»... وغيرها.
يبدو الأشرار أكثر وأقوى من حقيقتهم، فالهدم دائمًا أسهل من البناء.
أقول - محسنًا الظن بنفسى - إننا أكثر منهم وأقوى، وعلينا أن نواجههم بمنتهى الشجاعة والإقدام. بهذه الروح فقط سنقضى على السرقة بالإكراه، وبها نقضى على البطش واستغلال النفوذ والرشوة والتحرش وتلويث النيل والإرهاب... بهذه الروح نقيم الدليل على أننا قادرون على حل مشكلاتنا بأنفسنا، وأننا لسنا فى حاجة إلى قانون طوارئ أو قوات أمن داخل الجامعات.
يستطيع الشرفاء - لو اتحدوا - تقويم كل اعوجاج، وتصحيح كل انحراف فى شعب مبارك.
محمد عبدالمنعم الصاوى
Friday, November 12, 2010
كم تدهورنا منذ الشيخ محمد عبده؟
كنت قد قرأت عنه وأنا فى مطلع الشباب، مثلما فعل كثيرون غيرى، ولكن محنة الخطاب الدينى التى تمر بها مصر اليوم، ومنذ زمن ليس بالقصير، جعلتنى أرغب فى قراءته والقراءة عنه من جديد، عسى أن أجد فيه السلوى عما نحن فيه، وكى أذكر نفسى بأننا لم نكن دائما على هذه الحال من الانحطاط.
وقد أتيحت لى فى الأسبوع الماضى فرصة قراءة كتابين صغيرين، أحدهما للشيخ محمد عبده واسمه «الإسلام بين العلم والمدينة»، والثانى كتاب كتبه الأستاذ عباس العقاد عن محمد عبده، كما أعدت قراءة فصل طويل كتبه الأستاذ أحمد أمين عن محمد عبده فى كتاب: «زعماء الإصلاح فى العصر الحديث».
وأعترف للقارئ بأنه راعنى ما قرأت. نعم، كنت أعرف روعة هذا الرجل، ولكن أإلى هذه الدرجة؟ نعم كنت أشعر بدرجة تدهورنا منذ كان لدينا مثل هذا الرجل ولكن هل تدهورنا كان حقا بهذه الدرجة؟ بل والأكثر من ذلك: هل ترك الرجل شيئا مما يقلقنا فى هذه الأيام، ومما يعود إلى إقلاق راحتنا كل بضعة أيام، دون أن يتعرض له ويشرحه ويدلى فيه بالرأى القاطع والصحيح، كل هذا منذ أكثر من مائة عام؟
قرأت فى هذه الصفحات رأيه القاطع فى العلاقة الصحيحة بين المسلمين والأقباط، وفى موقف المسلم الحصيف من العلم والحضارة الغربية، وفى الموقف الإسلامى الصحيح من الموازنة بين التدين والتمتع بالحياة، وموقف الإسلام من الفنون، ووجدت فيها ردودا بليغة وحاسمة على من لا يكفون عن الهجوم على الإسلام وعن اتهام المسلمين بالإرهاب، كما وجدت فيها اهتماما بالغا بصيانة اللغة العربية وإدراكا لدورها فى إحداث النهضة المطلوبة... الخ.
قرأت كل هذا فى تلك الصفحات القليلة. ليس هذا فحسب بل ووجدته مشروحا بلغة رائعة بديعة، تستحق القراءة لذاتها بصرف النظر عن الموضوع الذى تعبر عنه، وبقوة وحماسة المؤمن تمام الإيمان بصحة ما يقول، الأمر الذى جعلنى أتساءل: هل تحتاج وزارة التربية والتعليم، وهى تبحث عن كتب جديدة تضعها فى أيدى الطلاب، إلى إطالة البحث ولديها وأمام عينيها كتابات الشيخ محمد عبده، البسيطة والواضحة، والتى يمكن أن يتعلم منها التلاميذ، ليس فقط كراهية التعصب وحب المختلفين عنهم فى الدين، وأهيمة البحث العلمى والابتكار، بل وتغرس فيهم أيضا حب اللغة العربية الجميلة؟، ومادام الأمر على هذا النحو، وبهذه البساطة، فهل معنى قعود وزارة التعليم عن هذا الأمر، أو عدم مرور مثل هذا الخاطر بأذهان المسئولين فيها أصلا، ان هؤلاء المسئولين عن التعليم عندنا لا يهمهم أن تحقق مصر أى نهضة على الإطلاق؟ وهل يريدون حقا مكافحة التعصب والقضاء على الفتنة الطائفية، أم أن الأمر كله تمثيل فى تمثيل؟
اقرأ ما كتبه الشيخ محمد عبده عن موقف الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى غير الإسلام فى كتاب «الإسلام بين العلم والمدنية» (طبعة دار المصرى للثقافة والنشر بدمشق، ص84 ــ 85) «أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج الكتابية، نصرانية كانت أو يهودية، وجعل من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها والقيام بفروض عبادتها، والذهاب إلى كنيستها، وهى منه بمنزلة البعض من الكل، وألزم له من الظل، وصاحبته فى العز والذل، والترحال والحل، بهجة قلبه وريحانة نفسه، وأميرة بيته، وأم بناته وبنيه، تتصرف فيهم كما تتصرف فيه.. أين أنت من صلة المصاهرة بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة، وما يكون بين الفريقين من الموالاة والمصاهرة على ما عهد فى طبيعة البشر؟ وما أجلى ما يظهر من ذلك بين الأولاد وأخوالهم وذوى القربى لوالدتهم. أيغيب عنك ما يستحكم من ربط الألفة بين المسلم وغير المسلم بأمثال هذا التسامح، الذى لم يعهد عند من سبق ولا فيمن لحق من أهل الدينيين السابقين عليه؟».
أو اقرأ ما كتبه عن استسهال تكفير الناس، مما يثير الشجن عندما يتذكر المرء ما حدث فى عصر الانحلال الحالى لأستاذ مصرى جليل هو الدكتور نصر حامد أبوزيد، إذ حكم بتكفيره والتفريق بينه وبين زوجته لأنه دعا إلى تفسير النصوص الدينية تفسيرا يتفق مع العقل والعلم. فقد كتب الشيخ محمد عبده أنه مما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم أنه «إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر. فهل رأيت تسامحا على أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحجة بحيث يقول قولا لا يحمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟« (نفس المرجع ص76 ــ 77).
أما تحكيم العقل فى تفسير النصوص، فقد اعتبره الشيخ محمد عبده أصلا من أصول الإسلام، فقال «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا مما لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقى فى النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله فى علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.. فماذا عساه أن يبلغ نظر الفيلسوف حتى يذهب إلى ما هو أبعد من هذا؟». (نفس المرجع ص76).
وللشيخ محمد عبده كلام جميل جدا ينفى اعتبار الدين كل الحياة، بل قال ان «أوامر الحنيفية السمحة ان كانت تختطف العبد إلى ربه، وتملأ قلبه من رهبته، وتفعم أمله من رغبته، فهى مع ذلك لا تأخذه عن كسبه، ولا تحرمه من التمتع به، ولا توجب عليه تقشف الزهادة، ولا تجشمه فى ترك اللذات ما فوق العادة. صاحب هذا الدين (صلى الله عليه وسلم) لم يقل (بع ما تملك واتبعنى) ولكن قال لمن استشاره فيما يتصدق به من مال (الثلث، والثلث كثير، انك ان تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).
سمعت مؤخرا من أستاذ من أساتذة كلية الفنون الجميلة فى مصر أن قسم النحت من أقل أقسام الكلية جذبا للطلاب بسبب تفسير أخذ يشيع بينهم بأنه حرام. فليقرأ هؤلاء ما اقتطفه الأستاذ العقاد من رأى الشيخ محمد عبده فى الفنون الجميلة أيام كان مفتيا للديار المصرية، وكتبه فى سنة 1903: «إن الرسم ضرب من الشعر الذى يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذى يسمع ولا يرى.. إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص فى الشئون المختلفة، ومن أحوال الجماعات فى المواقع المتنوعة، ما يستحق به أن يسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان أو الحيوان فى حال الفرح والرضا، والطمأنينة والتسليم وهذه المعانى المدرجة فى هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر فى رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهرا، باهرا.. فحفظ هذه الآثار حفظ للعلم فى الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الإبداع فيها».
فإذا اعترض أحد بالقول إن «فى الصورة مظنة العبادة» (أى أن الرسم والتمثال قد يوقع المرء فى الوثنية التى نهى عنها الدين) أجابه الشيخ محمد عبده: «إن لسانك أيضا مظنة الكذب، فهل يجب ربطه مع أنه يجوز أن يصدق كما يجوز أن تكذب؟». ويضيف إلى ذلك: «وبالجملة يغلب على ظنى أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من وجهة العقيدة ولا من وجهة العمل». (عباس العقاد: محمد عبده، ص264 ــ 266).
قد تظن أن رجلا كهذا، لا يمكن أن يكون له أتباع فى أوائل القرن العشرين إلا من الصفوة، أو صفوة الصفوة إذ كيف يتأتى لعامة الناس فهم وتقدير رجل بهذا العمل والتسامح واتساع الأفق؟ ولكن الحقيقة أن الرجل عندما مات فى سنة 1905، كانت جنازته جنازة شعبية بمعنى الكلمة، يصفها الأستاذ العقاد (المصدر السابق، ص254 ــ 255) بقوله: «لم يكن للمفتى الفقيد حزب ذو أداة منتظمة تسخر أعوانه لجمع الجموع وتسيير المواكب، بل كان صاحب السلطة الرسمية (أى الخديو) يعاديه ويغضب على مشيعيه.. وكان الصيف قائظا، والغائبون عن المدن من معتادى الاصطياف خارج القطر وفى قرى الريف أكثر من الحاضرين، فغلبت الصبغة القومية على كل صبغة رسمية أو تقليدية فى تشييع رفات المفتى إلى مقره الأخير من الإسكندرية إلى القاهرة فكانت موجة الحزن التى غشيت ألوف المشيعيين على طول الطريق دفته من أعماق القلوب والضمائر، عرفت بها الأمة مبلغ شعورها بعظمة الفقيد الراحل وعظم الخسارة بفقده.
وجاوز الزحام كل ما قدرته الشرطة واتخذت له حيطتها فى المدينتين من الصباح الباكر، قبل خروج النعش من داره، فتعطلت حركة الأسواق وأغلقت الدكاكين أبوابها للمشاركة فى موكب الجنازة، واكتظت الأرصفة بالواقفين والسائرين، ولم يبق أحد فى العاصمتين من ذوى الفكر والمنزلة لم يشترك فى ذلك الموقف الحافل..»، وذكرت صحيفة ليجيبت الصادرة بالفرنسية «يخيل إلى الرائى أن جميع سكان القاهرة الوطنيين قد حضروا آخر فريضة من الإجلال والإعظام لذلك الشيخ الجليل، وبينهم عدد عظيم من الأوروبيين».
Friday, October 08, 2010
فصل واحد
كالجو السائد صارت الحياة. كالطقس. كالمناخ الذى انقلب. فصل صيفى يمتد طوال العام. بلا خريف. بلا شتاء.
نحن نعشق الصيف والربيع، وتولع دواخلنا بالخريف والشتاء. بكل الفصول الشتاء قارس. رغم ذلك ورغم وصف الخريف بالكئيب ورغم أشجار الشتاء العارية وألوانه الرمادية المعتمة، لكننا مولعون بالتغيير الذى يحدث، عندما تتحول الدنيا إلى عجوز طاعنة. بدواخلنا هوى لتلك العجوز الشتوية، العجوز تشعرنا بالأمان، تشعرنا بالدفء. نرتدى الصوف ونحتمى فى منازلنا أمام المواقد. يلتف الأطفال حول الجدة لتخبرهم حواديتها،
ويتجمع الأقارب سوية أكثر من أى وقت من السنة، فليس هناك الكثير من خيارات التنزه فى فصل البرد، لم نعد نشهد هذا الشتاء التقليدى، بعد أن ارتفعت حرارة الجو وصرنا نعيش فصلا أو فصلين صار طقسنا كحياتنا المكونة من فصل واحد. هو فصل الشباب. أما الكهولة فشطبها هوسنا بالجمال والشباب من القاموس الزمنى. لا أحد يريد أن يصبح عجوزا. ليست هناك امرأة تريد الاعتراف بأن عمرها قد تعدى الستين، كلهن يردن العودة مراهقات، يرتدن عيادات التجميل المنتشرة فى العالم العربى، ينفخن ويشفطن ويقضين على أجمل فصول العمر.
من الصحىّ والجميل أن تعتنى المرأة بنفسها فتبقى محافظة على وجه نضر وجسد ممشوق ونظام غذائى منتظم يعكس رقى حياتها، لكن من القبيح أن تمارس اضطهادنا، فتفقدنا مشهدها الدافئ فى الستين أو السبعين. وما الضرر لو جمعت الجسد الأنيق مع إبقاء علامات السن كما هى. لم يجهدون لاختراع كريمات إخفاء علامات السن؟!
ما عيب تلك العلامات.. ولم هى عدو لدود.. كيف لا نفاخر بعلامات وجودنا فى الدنيا، بعدد سنواتنا على الأرض؟!
أتناقش مع أصدقاء عن فقداننا نموذج جدتنا القديمة، التى زينت علامات السن وجهها ولم تحاول يوماً إخفاءها. اتفقنا جميعاً على أننا افتقدناها كامرأة تشعرك نظرة منها بأن الدنيا كلها تقف إلى جانبك، مشهد كبار السن مريح، ملمسهم باعث على الدفء، مشهدهم يبث الأمان والطمأنينة فى النفس ويبعد القلق. فالحياة مديدة وهناك أشياء كثيرة بانتظارنا، هناك أمور أخرى، سنقوم بها غير التنافس والتسابق على الأرشق والأحلى، هناك مستقبل سيكون حافلا بالمنجزات، حافلاً بالحكمة، مشهدهم يذكرك بألا تنشغل بتوافه المشاكل،
فمسألة عدم انسجامك مع الدنيا هى مسألة طبيعية مؤقتة عائدة لصغر سنك وحداثتك بها، كل ذلك سينتهى وسيصبح ماضياً، وسيحل محله هدوء وسكون وانسجام أبدى مع الدنيا. انظر لغالبية كبار السن وستجد فى قسماتهم ذلك التصالح العجيب مع الحياة بمحاسنها ومساوئها. دليله علامات التقدم فى الوجه، والتى شوهها مصممو الوجوه، فسموها (تجاعيد)، ستفهمك تلك العلامات أمورا كنت تجهلها عن الدنيا.
لكننا اليوم لم نعد نراهم كثيراً (على الأقل فى بعض المناطق)، فالستينى يصبغ شعره كل يوم، حتى لا يشيخ مطلقاً، والستينية لا تشيب ووجهها ملأته العمليات بطريقة تحيرك، إذ توحى بتصميم إنسانى جديد صنعه الأطباء، خلق غير طبيعى تحتاج مدة طويلة كى تستوعبه وتتعامل معه بأريحية دون أن تتفحص التواءاته وانتفاخاته المبتذلة كلما نظرت إليه، عمليات التجميل كشفت لنا أن نسبة مخيفة غير راضية عن شكلها الخارجى وغير واثقة منه، كشفت عن كراهية لا محدودة للتقدم فى العمر وخوف حقيقى منه.
لم يخافون الصعود والتقدم؟!
لأنهم لا يشعرون بالأمان. لا شىء فى بلداننا العربية مصمم للمتقدمين فى السن، كل شىء متوفر لأجل الشباب فقط، وكأن من يصل الستين قد انتهى وقته الافتراضى وأصبح غريباً أو فائضاً.
فى بلدان أخرى متقدمة ستجد أن كل ما بالحياة من مرافق مستعد لاستقبال العجوز حتى سنواته التسعين وحتى ما فوق المائة.. كل شىء متوفر لرجل وامرأة التقاعد. ليس لديهم خوف من ولوج هذا العمر المتأخر، بل بإمكانهم التباهى به. فكل ما أنجزوه بسنواتهم السابقة ستظهر نتائجه اليوم وستنتهى حياتهم وهم فى قمة هرم العمر.. وعلى العكس هنا، إذ لا شىء مهيأ لسنوات التقاعد.
البعض يموت نفسياً ويسقط نحو قاعدة الهرم عند الستين، وآخرون فى السبعين حتى لو كانوا نشطاء فيزيائياً. رغم أن العجوز الحقيقى برأيى هو فاقد القدرة على العطاء، عاجز عنه.. وفق هذا التعريف، ستجد أن العجائز يملأون الأرجاء العربية. عجائز فى العشرين وفى الثلاثين، يهملون أجسادهم ويرفضون تشغيل عقولهم. هل هناك كريمات لإزالة علامات الكسل والتجعد والتأخر عن التفكير؟!
فى الغرب تقود امرأة سبعينية أو ثمانينية دراجتها وتدور فى أنحاء المدينة بقمة نشاطها. وقد تتطوع بإحدى الجمعيات. ويبدأ السياسى المتقاعد رؤية مختلفة للحياة ويقرر خوض مشوار جديد وهو فى الثمانينيات. ونحن نقول للمتقدم فى العمر: (أحسن خاتمتك)، فنوجعه كل يوم بتذكيره بأنه على مشارف الموت. نعيب على امرأة طاعنة تفكر بحيوية، ونتساءل عن دورها بعد أن كبر أبناؤها وتزوجوا جميعاً.
لذلك هى لا تريد أن تشيخ، لكنى أريدها أن تشيخ ليزداد جمال المكان، أريدها أن تعلن الخريف لنرى الألوان النادرة، التى لا تظهر سوى بهذا الفصل الفنان، أريدها أن تعلن كل فصول العام لتتحقق العدالة ويصبح تعريف الجمال قرارها الخاص لا قرار التجار والأطباء، حيث أكتب مقالى الآن.. لا تعيش نسبة كبيرة من كبار السن، فالغالبية هم من الشباب والشابات. المكان الذى يخلو من كبار السن أو يخلو من مقومات الحياة المناسبة للكبار مكان مخيف. لا تثقوا به أبداً.
نادين البدير - Almasry Alyoum
Wednesday, July 21, 2010
لا يوجد نص في القرآن يدعو إلى قتل المرتد
إن وثائق حقوق الإنسان، التي بدأت تأخذ شكلها منذ 1948 تطورت في أشكال مختلفة وقوانين مختلفة وقواعد مختلفة لحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل في جانب كبير منها، علي إعادة قراءة التراث الغربي، سواء التراث الديني، أو التراث القانوني، أو التراث السياسي، إن إعادة القراءة هنا، تمثل منظورا تأويليا للماضي، بهذا التأويل، تأويل الماضي، لابد من إعادة القراءة، قراءة بأثر رجعي، هذه القراءة بأثر رجعي مسألة بالغة الأهمية، لكنها لا يجب أن تجعلنا نزعم أن حقوق الإنسان موجودة في التاريخ، لا في تاريخ الغرب ولا في تاريخ الشرق ولا في تاريخ المسيحية ولا في تاريخ الإسلام، لا وجود لحقوق الإنسان بالمعني المعاصر، في أي دين من الأديان الثلاثة الكتابية المعروفة اليهودية والمسيحية والإسلام، ولا في الأديان الأخري، إن الأديان تتقبل حقوق الإنسان من خلال إعادة قراءتها مرة أخري، إذن نحن نحتاج لإعادة قراءة الشريعة وإعادة قراءة النصوص الدينية ونحن نعلم جيدا أن هذه مشكلة من مشكلات الفكر العربي والإسلامي المعاصر.
هذا سوف يؤدي إلي المقاومة لإعادة القراءة، هذه المقاومة لإعادة القراءة تتجلي، في قوانين في إيران، والسودان وأفغانستان التي لا تسمح بالحرية الدينية.
إذا سمحت أنا لنفسي، كباحث وكمفكر وكمتخصص في الدراسات الإسلامية أستطيع أن أقول، بكل بساطة، ليس هناك، لا في القرآن، ولا في الحديث، أي في النصوص الأساسية مانع قانوني ضد حرية الإنسان في تغيير دينه، لكن المانع القانوني تم وضعه، بعد ذلك، بواسطة الفقهاء.
استنادا إلي النصوص الأساسية ليس هناك مانع قانوني، إنك كمسلم يمكن أن تتحول وتخرج من الإسلام، لأن في تقديري كباحث أن عملية منع التحول تتعارض مع الحكمة الإلهية ذاتها، إذ إن الله يقول في القرآن «من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر» ويعطي الحرية المطلقة «ولا إكراه في الدين» إلي آخر النصوص المعروفة، يبقي إذن، ليس من المنطقي أن تكون حرا حينما تدخل هذا الدين، وإذا ما دخلت هذا الدين فأنت فاقد لحريتك، فلسفيا وثيولوجيا ولاهوتيا، هذا يشكل تناقضا لا يجب أن يقبله العقل المتدين، إن الحرية التي أعطاها الله البشر لا يمكن أن يسلبها منهم إذا ما اختار البشر طريقا معينا.
وبالنسبة لقتل «المرتد».. لا يوجد شيء كهذا في القرآن، يوجد في السنة «من غير دينه فاقتلوه» وهذا حديث عليه خلافات، لا يعرفها كثير من عامة المسلمين، يقال إنه حديث آحاد، وطبعا فإن حديث الآحاد، غير الحديث المتواتر، أو الحديث المشهور، لا يؤخذ في أصول الدين بأحاديث الآحاد، هذه قاعدة فقهية، إن أحاديث الآحاد لا تمثل مرجعا في أصول الدين ومع ذلك فالفقهاء يرفضون الأخذ به في أصول الدين، والبعض يرفضون حتي الأخذ به في فروعه، ومن أهم أصول الدين قضية قتل الإنسان، إذن لا يمكن الأخذ بأحاديث الآحاد في مسألة قتل الإنسان.
تفسير أبوزيد لموضوع «الردة»
عندي تفسير، متعلق بمعني الخروج علي الدين، ففي مجتمعات تعيش في مرحلة أشبه ما تكون بالقرون الوسطي، لأنه حتي في الفكر الإسلامي المعاصر تمت مساواة موضوع الخروج علي الدين، بالخيانة الوطنية، أعطيت معني سياسيا، وهذا معناه، أن الخروج علي الدين، يمثل خرقا علي الإجماع، تحديًا للإجماع، الخوف والخشية من تحدي الإجماع مرتبطان بمرحلة الضعف في المجتمعات الإسلامية.
ففي مرحلة الاستعمار في القرن الثامن عشر، الذي شمل العالم الإسلامي كله، كان المطلوب، رأيا واحدا لمجابهة الاستعمار، فالخروج علي هذا الرأي الواحد يعتبر خيانة وطنية، ونذكر جيدا أنه بعد هزيمة 1967 في مصر ظهر شعار «لا يعلو صوت علي صوت المعركة»، فهذه العقلية، عقلية البحث عن إجماع، إزاء خطر متصور، يحول الفرد، بالنسبة لهذه العقلية، إلي خطر، حينما يعلن الفرد عن اختيار فردي، لا يتسق مع رأي المجموع، هذا الخوف له أسباب سياسية واجتماعية، له أسباب في بنية المجتمع أكثر منه، في العقيدة أو الدين.
إذن، فالحرية الدينية في تقديري، حرية مكفولة، طبقا للمصادر الأساسية للإسلام، لأن وضع قيود علي هذه الحرية، ثم في سياقات تاريخية معروفة، في سياقات صراع، لا أريد أن أقول إنها كانت بين المسلمين وغير المسلمين، لكنها سياقات صراع معروفة، أصبح فيها التخلي عن الدين بمثابة التخلي عن الانتماء.
نلاحظ أنه، في عصر الحريات الفردية، وعصر عدم التخوف من أن شخصا يترك الإسلام، لا يهدد الإسلام، نجد أنه من الضروري علينا كمفكرين أن نخوض معركة، بل إن هناك من بدأ يخوضها الآن من المفكرين في إيران وفي السودان، وكذا في بعض المجتمعات الإسلامية، يخوضون هذه المعركة، من أجل ضمان حرية العقيدة، حرية اختيار الدين في العالم الإسلامي.
إن العالم الإسلامي - بشكل عام - مكبل بالقيود علي درجة عالية من التعقيد.
تعليق من الكاتب
إن تطور حقوق الإنسان في الغرب لم يأت من إعادة قراءة الدين المسيحي، إنما أتي نتيجة صراع مدني وقانوني طويل ودام، بعد تأسيس الدولة المدنية والمجتمع المدني وتزامن مع فصل الدين عن الدولة، المشكلة في الدول الإسلامية، هو أن الدين لا يزال جزءاً من العقيدة السياسية والقانونية للدولة، هذه الدول التي تختلف في معظمها عن الدول الغربية حيث يكون الوطن فسيفساء لأعراق وديانات لأقليات أخري غير عربية وغير مسلمة، لذا من المفترض أن تمثّل الدول «الإسلامية» جميع مواطنيها مسلمين أو غير مسلمين، فالمعروف أن الحقوق التي نالتها الأقليات العرقية والدينية وحتي الجماعات المسيحية التي لا تتبع المؤسسات الرسمية المسيحية في الغرب كانت ولا تزال تواجه معارضة قوية من المؤسسة الدينية المسيحية الرسمية وخاصة الفاتيكان، وكذا بالنسبة لحق الإجهاض، وحق النساء في تولي مناصب كهنوتية.. لكن امتثال الدولة لقوة المجتمع المدني وسيادة القانون المدني والدستور القائم علي قواعد لا علاقة لها بالدين كمؤسسة، خاصة أن شرعية الأنظمة الحاكمة تكون غالبا - عدا الديكتاتوريات العسكرية في بعض أمريكا اللاتينية وما كان قائما في إسبانيا - مستندة إلي نظم الانتخاب الديمقراطية.
حسم الموقف في معظم هذه الدول لصالح قوة القانون المدني الذي يكفل حرية الفرد طبقا للدستور باختيار ما يجده ملائما لنوازعه الجنسية، حتي لو تعارض هذا مع المفهوم الديني.
هذا لا يعني أن كل المجتمع الغربي لدولة ما قد وافق عن اقتناع طيب خاطر بما يقره القانون الذي يجده متعارضا مع مفهومه الديني عن قضية ما، فالدين المسيحي مثل الإسلامي لا يقر الإجهاض إلا في حالات نادرة، لكن الصراع والحوار المتواصل في المجتمعات الغربية توصل إلي أن تقر بعض الدول الإجهاض وتحمي عيادات الإجهاض وتحاكم وتعاقب جماعات وأفرادًا منعوا الإجهاض إذا ما تعدوا بالقول أو الفعل علي الآخرين.
ورغم أنه لا يوجد موقف ديني مسيحي من موضوع التبني، فإن الدولة الغربية المدنية تنظم التبني قانونيا، بعكس المجتمعات الإسلامية التي تنطلق من نص قرآني يمنع التبني.
أبوزيد:
الدين مرتبط بالدولة في العالم الإسلامي ومنفصل عنها في غالبية العالم الإسلامي أيضا، يعني أن الدولة كمجموعة من المؤسسات تستخدم الدين أحيانا، لكن في أحيان أخري لا تستخدمه، نستطيع القول بأن هناك فصلا بين الدين والدولة، وتستطيع أيضا القول بأنه لا يوجد فصل بين الدين والدولة المشكلة في رأيي أعمق، وأكثر تعقيدا، من العلاقة الدستورية، أو العلاقة المؤسساتية بين الدين والدولة، هي مرتبطة بشكل أعمق، لماذا؟ لأن فصل الدين عن الدولة، يتم علي مستوي البنية الثقافية العامة، وإذا لم يتم هذا الفصل علي مستوي الثقافة العامة، أي في وعي البشر، يظل المجتمع قوة ضاغطة ضد حرية العقيدة.
مثلا، في النماذج التي تظهر بالنسبة لاتهامات الردة والمحاكمات، في معظم الحالات نجد أن الدولة لم تقم بدور في تقديم المتهم للمحاكمة، المجتمع نفسه هو الذي يرفض أن شخصا يتحول عن دينه.
سؤال، أين يقع المشكل إذن؟ أبوزيد:
في علاقة الدين مع الدولة، ليس فقط علي مستوي المؤسسات، بل يجب إشاعة مناخ من الحرية، من حقوق الفرد، ومن العقلانية داخل مؤسسات المجتمع، بدءا من الأسرة، نجد داخل الأسرة في المجتمعات الإسلامية بشكل عام ليس مقبولا من الأولاد أن يكون لهم رأيهم الفردي، إن الفردية هنا والتركيز علي قيمة الفرد، وحقه في أن يكون مختلفا، مسألة أكثر عمقا مما يسمي فصل الدين عن الدولة.
إن فصل الدين عن الدولة مسألة مهمة دون شك، لكن الإدانة تتم من داخل المجتمعات داخل الأسرة، مثلا حينما تقرر بنت قبطية أن تتزوج مسلما، نحن نعرف أن الغضب هنا، لا يأتي من الدولة، هنا يتداخل الصراع والاحتقان الاجتماعي، هذا «الزواج» معناه توجيه إهانة للأسرة، وللجماعة وللعقيدة.. إلخ.
في حالة تواجد مناخ من الحريات، ومناخ من العقلانية، يقبل المجتمع، أن يمارس الفرد حقوقه في اختياراته، لكن هذا التطور لم يحدث بعد في المجتمعات الإسلامية، توجد علاقة متوترة، ما بين حرية الفرد وبين انتماءاته للقبيلة، حتي لو كانت هذه «القبيلة» قبيلة المفكرين والانتلجنسيا، نحن نعلم المصاعب التي يتعرض لها الفرد، في حالة خروجه عن الإجماع في أي موقف، حتي لو كان لا علاقة له بالدين وبالحرية الدينية.
لا وجود لحقوق الإنسان بالمعني المعاصر، في أي دين من الأديان الثلاثة الكتابية المعروفة «اليهودية والمسيحية والإسلام» ولا في الأديان الأخري، إن الأديان تتقبل حقوق الإنسان من خلال إعادة قراءتها مرة أخري، إذن نحن نحتاج لإعادة قراءة الشريعة وإعادة قراءة النصوص الدينية ونحن نعلم جيدا أن هذه مشكلة من مشكلات الفكر العربي والإسلامي المعاصر.
إن المعوق لتحقيق حقوق إنسان مثالية، ليس هو الدين، بل المجتمع، تستطيع نظريا أن تعطي امرأة مصرية في أسيوط كل الحقوق التي تتمتع بها امرأة في السويد، لكن قبل هذا لابد أن يقوم المجتمع بإعطائها هذه الحقوق ولست أنا أو أنت أو مفكر ما، المجتمع هنا يمثل «حاضنة الحقوق» أو معوق لها، أنا لا أقدم تبريرا.
تعليق الكاتب
لكننا ننسي أن للدولة هنا واجباً اجتماعياً وقانونياً، هو الحفاظ علي حقوق الأفراد في اختيارهم أو رفضهم لعقيدة ما، أن تترك الدولة شيوع هذا الاختيار أو عدمه بيد المجتمع فهذه نقيصة تُحسب علي الدولة لا لها، والمثال علي ذلك هو ما يحدث للمسلم حينما يرغب في التحول عن الدين الإسلامي! إنه يواجه تهمة «الردة» وبالتالي القتل، وإذ لم يواجهها بشكل علني من الدولة سيقوم أفراد من المجتمع بتنفيذ العقاب بأيديهم مثلما حدث مع أبي زيد بعد قرار محكمة الاستئناف واضطراره أن يترك مصر خوفا علي حياته!
لكني أريد القول، إن الدولة الديمقراطية وهي غير موجودة في البلاد الإسلامية، هذه الدولة يجب أن تعبّر عن حركة المجتمع.. بل ومن المطلوب أحيانا أن تسبقه، فإذا كانت معظم الدول الغربية تحرّم قيام حزب نازي، نتيجة لمآسي النازية والحرب العالمية الثانية، فإنها تعبر عن المجتمع، لكن حينما يقرر غالبية الناخبين الغربيين انتخاب حزب يميني يقترب في برنامجه من الأحزاب النازية وخاصة في تضييقه علي الأقليات العرقية والدينية والجنسية، فإن الدولة تخضع لهم.
وفي الأيام الأخيرة «من عالم 2002» نجد أن الدولة في إنجلترا شرّعت قانونا وافق عليه النواب وهو قانون جديد ضد التفرقة الدينية، أي أن الدولة سبقت المجتمع ووافق نواب الشعب عليه، بعد أن اكتشفوا أن القوانين الموجودة التي تناهض التفرقة الدينية غير كافية.
وهكذا نجد أنه، حتي لو أن المجتمع غير قابل لتطور كهذا، فالقانون يلزم أفراده به، لابد من وجود قانون، حتي لو أن المجتمع غير قابل، أو غير قادر أن يعلن رغبته لهذا التطور.
أبوزيد:
لست ضد هذا «تدخل الدولة» هناك مجالان ثقافيان مختلفان، فالفرد «الذي» يعرف حقوقه، مستوي تعليمه «يكون مرتفعا» حينما يصدر قانون ما «نجده» يعرف أن هذا القانون يساعده في التقاضي.
لكن المرأة في مجتمع أسيوط، لن تذهب إلي المحكمة ضد زوجها، أنا أتحدث هنا عن تقاليد لها سطوة أقوي من القانون، إذن فمهمة الإصلاح هي تغيير هذه القواعد الاجتماعية.
أعطيك مثالا، كانت هناك معركة في المغرب العربي، بين مؤيدي قانون لصالح المرأة، وبين المناهضين له باسم الإسلام، قضيتان تعرض لهما القانون، الأولي هي تعمد الزوجات، الثانية هي تحديد حد أدني لسن الزواج بالنسبة للفتاة بثمانية عشر عاماً، الإسلاميون رأوا أن إلغاء تعدد الزوجات ضد الإسلام، وأن تحديد سن الزواج بثمانية عشر عاما سيساعد علي شيوع الزني.
مؤكد أن موقفي مع تغيير القانون لكن - أيضا - مع خلق حركة توعية، تجعل فاعلية للقانون، فالقانون دون توعية، يظل نصوصا مجهولة من عامة الناس.
كانت هناك مناقشة في مصر حول الخلع خلقت وعيا عاما، هذا هو المطلوب، لا يكفي تغيير مواد القانون، ولا يكفي تأليف الكتب.
لكن الإصلاح الفكري والقانوني يجب أن يرافقه مشروع اجتماعي كامل، سياسي واقتصادي.. مشروع نهضة كامل.
سؤال: كيف عادت إلي الظهور نظرية ومطلب الحكم الإسلامي في العالم الإسلامي المعاصر بعد أزمان طويلة من انتهاء الخلافة؟
أبوزيد:
«عادت إلي الظهور» بسب غيبة السياق في النص، لأن ترتيبه الحالي مخالف لترتيبه نزوله التاريخي، تزداد درجات الاحتمالية في لغة هي بطبيعتها احتمالية من حيث هي لغة دينية، هذا يسهل فرصة تأويل النص وتفسيره خارج سياقه، وهذه ظاهرة موجودة في تاريخ الأديان بشكل عام، في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث كان من السهل صياغة نظرية «الحاكمية» التي صاغها المفكر الهندي «أبو الأعلي المودودي» ولكي نفهم نظرية «الحاكمية» لابد من فهم وضع المسلمين في الهند في سياق محاولة الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، وما أدي إليه هذا الوضع من محاولة تأسيس دولة إسلامية عن طريق فصل المسلمين عن الهندوس، اعتمادا علي تأويل كلمة «يحكم» في آيات القرآن في سورة المائدة «السورة الخامسة: الآيات 44 -47».
«ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.. «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون».. «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون».
«هذه الآيات» يفسرها البعض، بمعني الحكم السياسي، هذا الاستناد إلي قاعدة «عموم اللفظ» ورفض «خصوص السبب» «أدي» أفضي إلي ظاهرة «التلاعب الدلالي» دون أن يعني ذلك الحكم بسوء القصد أو النية، لكن عن طريق عملية «التلاعب الدلالي» تلك يصبح معني الفعل «يحكم» هو معني الحكم السياسي، أي إقامة «حكومة إسلامية».
سؤال: أين هي المشكلة إذن؟ في النص، أم في تأويله؟
أبوزيد :
المشكلة في عزل النص عن التاريخ من ناحية، وفي تصور التاريخ الإسلامي باعتباره تجسيدا للنص من ناحية أخري، مقولتان متناقضتان، وهنا يتم اختيار فترات من التاريخ، فبينما تجد شخصا يمتدح العصر التركي في تاريخ الإسلام، نجد آخر يهاجمه.
ثمة كتاب قرأته مؤخرا يقول إن التاريخ الاسمي كله انحراف عن النص!
عندي مشكلتان متعارضتان: النص مقدس، لكنه في التاريخ، ومستحيل عزله عن التاريخ.
في الوقت نفسه، لا أستطيع تجاهل التجربة الإسلامية في مجملها.
سؤال
لماذا لا نقول إذن: إن النص جاء ليحدد علاقة الخالق بالمخلوق، من ناحية تطبيق الشعائر الدينية والالتزام الأخلاقي في الدنيا، ومن ثم، الثواب - العقاب في الآخرة، أي أنه في الأساس نص ديني يهتم بالآخرة وليس بالدنيا، وما حدث بعد موت الرسول «صلي الله عليه وسلم» من تأسيس دولة والصراع علي السلطة كان لابد من «تطويع» النص ليصبح دستورا دنيويا أيضا؟
أبوزيد:
أعتقد أن هذه المشكلة بدأت، منذ اعتبار النص مرجعية عليا، لا يمكن الحركة خارجها، وبالتالي ظهرت الحاجة للتأويل والتأويل المضاد، أعتقد في لحظة تاريخية معينة وهي بالتحديد الصراع في «صفين» الصراع الهاشمي - الهاشمي.
بالنسبة لـ«التحكيم» سوف نجد شخصا مثل «علي» يقول «القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال» معناه أن النص، يفهم بشكل إنساني فالنص لا يتكلم، فكيف يتم تحكيم النص ونحن سننتهي إلي تحكيم البشر؟ ما أريد قوله، إن الصراع السياسي العسكري هو صراع علي السلطة بين فئات مهمشة، أدي إلي طرح القرآن كمعيار، ومنذ هذه اللحظة أصبح وبدرجات متفاوتة، وجدنا أنفسنا في وضع أنك لا تستطيع الإجابة علي سؤال خارج هذه المرجعية فاختفت حدود كانت في عصر النبي «صلي الله عليه وسلم» حينما يسأل «أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟» هذا السؤال ينبئ بوجود مجالين.
فإذا قال «بل هو الرأي والمشورة» يمكنهم أن يقولوا «لا لكن لنا رأي آخر» وحينما يقول «الوحي» فإنهم يتبعونه دون نقاش، هذه وقائع معروفة، هكذا كانت توجد مساحة تقول إنه يوجد مجال للوحي، ومجال دنيوي.
تتضاءل هذه المساحة، خاصة أن قيام الدولة الأموية علي غير رضا المسلمين، كان لابد أن يولد أيديولوجية دينية، الأيديولوجية الدينية بدأت واضحة في فكرة الخلافة في قريش في مقابل الوراثة التي هي قانون قبلي.
بعد ذلك تم تطور أيديولوجيات سنة وشيعة وتم استغلال النص هنا، وأعتقد إذا تتبعت تاريخ الدول الإسلامية: الإمبراطورية بولايتها المحلية، سنجد صيغتين دائما، لاعتقادي بعدم وجود قانون يحكم الإمبراطورية الإسلامية، لكن كان يتم استخدام القوانين المحلية، والفتاوي المحلية، وقاضي المنطقة، الذي كان يستند للفتاوي وللنص.
مع دخول التقاليد والأعراف المحلية، كجزء من بنية الشريعة، فالقانون آنذاك كانت له بنية رجراجة، لعدم وجود بنية قانونية، وهكذا يظل الفقيه أو رجل الدين هو المرجعية.
وهكذا في ظل غياب دساتير وغيبة قوانين يتحول النص إلي ملاذ للجماعة.. فالنص في نظر المسلم العادي، الذي ليست له طموحات سياسية، المسلم العادي الذي يحلم بالعدل وبمستوي إنساني من الحياة اليومية، يصبح القرآن عنده، مخزن العدل، وهنا يتماثل القرآن مع حياة الناس، هذا موقف مفهوم، هذا أساس لأيديولوجية استخدام النص، ليس فقط بواسطة الجماعات المناهضة، بل بواسطة السلطة السياسية أيضا، فالقرآن موجود في الحياة اليومية، كمرجع لا يمكن تحقيق العدل والمساواة إلا من خلاله.
في عصر الاحتقانات السياسية والثورات، نجد أن هذه الثورات والهبّات اعتمدت جميعها علي النص، فالشيعة اعتمدوا علي النص، ووضعوا فيه فكرة أحقيتهم في الخلافة.
إن الاشتباك ما بين النص والحياة اليومية للمسلم، والاشتباك بين النص والأيديولوجيات، والاشتباك بين النص والدولة وهذا في مرحلة متأخرة، بالإضافة لغياب مرجعية أخري هي مرجعية الناس، مرجعية الجماعة نفسها.
نجد أن مفهوم الإجماع تم اختصاره لإجماع أهل الحل والعقد أي الفقهاء.
كان الإجماع في بداية الإسلام، هو إجماع المسلمين كلهم، كانوا حفنة بسيطة لكن فكرة الإجماع نفسها تقلصت لإجماع فقهاء السلطان
د. نصر حامد أبو زيد
صر حامد أبوزيدنصر حامد أبوزيدنصر حامد أبوزيدبوزيد نصر حامد أبوزيدنصر حامد أبوزيد نننبهلتهىلنببنىلاتنبحخخه
Tuesday, July 20, 2010
ثورة وأكلتها الذئاب
القطط التى سمنت فى زمن عبدالناصر ضغطت على السادات لتعزيز ثرواتها فكان قرار الانفتاح الاقتصادى».. هذه عبارة سطرها ووتر برى فى كتابه «مصر بين عهدين: ناصر والسادات». ورغم مرور أكثر من عشرين سنة على مطالعتى هذا الكتاب وأنا فى السنة الثالثة من مرحلتى الجامعية، فإن تلك العبارة لاتزال محفورة فى عقلى، تبهت قليلا ثم تزدهى مع اقتراب احتفالنا كل سنة بذكرى ثورة يوليو، لكننى كنت طيلة الوقت أضعها بين قوسين، أنسبها لصاحبها ولا أتبناها، وأخضعها لكل ما تعلمته من شروط التفكير العلمى، وأولها الشك والسعى إلى التحقق من صدق المعلومات والمقولات.
ومع أننى ولدت بعد ستة أشهر من هزيمة يونيو ٦٧، فقد ظل ما بينى وبين يوليو عامرا بمجانية التعليم وجودته، والأرض البراح الخصبة التى امتلكها فلاحو بلدى، فزرعوا وحصدوا وسعدوا بأيامهم، فردموا فى ذاكرتى الكثير من حكايات جدى عن السادة الملاك والعبيد الأجراء. وحتى بعد أن نبهتنى النظرية السياسية إلى أن ما جرى فى يوليو كان انقلاباً وليس ثورة، لم أهتز كثيرا، ووجدت تفسيرا مريحا، إلى حد ما، يتحدث عن «الانقلاب الثورى»، أو الانقلاب الذى تحول إلى حركة التفت حولها الجماهير الغفيرة، ووجدت فيها أشواقها إلى العدل والكفاية.
للوهلة الأولى لا يستطيع أحد أن ينكر أن الفترة من ١٩٥٢ حتى ١٩٧٠ فى تاريخ مصر شهدت تحولات اجتماعية فارقة، أعيدت إثرها صياغة التركيبة الطبقية، وعناصر البيروقراطية، ونشأت فئة من التكنوقراط الجدد، فى ظل اتجاه إلى تعميق التصنيع وزيادة الغلة الزراعية وتنظيمها عبر مشروع السد العالى العملاق، بالتزامن مع بناء ركائز أخرى للقوة، منها العسكرى والعلمى والثقافى. ولا يستطيع أحد أن يتجاهل أن ضباط يوليو تمكنوا من نيل إعجاب الغالبية الساحقة من الجماهير المصرية، فى إقدامهم على تلك الخطوة الشجاعة، التى جبنت وقتها قوى أكبر منهم بكثير أن تقوم بها، وكذلك فى الشعارات العامة التى رفعوها فى بداية الطريق، وفى تجرد القيادة السياسية ونزاهتها وطهارة يدها ووطنيتها وخيالها السياسى الطموح، الذى أراد مصر مستقلة لا تابعة، حرة لا مستعمرة، صاحبة دور إقليمى وعالمى لا منكفئة على ذاتها فى انعزال ممقوت.
إلا أن هذا «العدل الاجتماعى» وذلك الدور الخارجى الكبير تمت مقايضته بالحرية السياسية، أو الديمقراطية، أو «العدل السياسى» وهى مسألة ثبت خطؤها التاريخى، وقادت فى خاتمة المطاف إلى إزاحة ما حققته «الثورة» من عدل بقرار فوقى سريع، تم اتخاذه بعد رحيل عبدالناصر بأربع سنوات فحسب، وهو قرار الانفتاح الاقتصادى، الذى بدا الآن «حقاً أريد به باطل»، فأدى بعد سنوات من تطبيقه إلى إلقاء مصر فى فلك التبعية الاقتصادية الكاملة، والتبعية السياسية الجزئية، ومهد الطريق أمام طبقة مصطنعة من رجال الأعمال أغلبهم من الفاسدين قد تتقدم الصفوف فى الحياة السياسية، وفتح الباب على مصراعيه أمام انهيار القيم، وتفسخ العلاقات الإنسانية، وموت الحلم الجماعى، والانحياز للخلاص الفردى، بما مهد الطريق أمام صراع الكل ضد الكل فى حرب أهلية صامتة تزداد ضراوة مع مطلع شمس كل يوم جديد.
إن الإنجازات الاجتماعية الكبيرة والقومية المخلصة الطموح للثورة تذوى ويختنق زخمها الثقافى الفياض مع اتساع رقعة التهميش الطبقى وانحسار الدور الخارجى أو انكساره وصعود فكر الاستهلاك وقيمه المفرطة فى الأنانية وتقديم المعدة على الدماغ والشهوة على الكرامة، وشيوع حالة من الميوعة والترهل والفساد لتصيب المؤسسات بمختلف ألوانها واهتماماتها وتفاوت تواريخ نشأتها وأهميتها وموقعها من عمليات التفاعل الاجتماعى والسياسى والنشاط الاقتصادى والمالى والرؤى الثقافية والتصورات والاعتقادات الدينية، وتصبح هذه المؤسسات، التى تمثل جسم الدولة، فى خاتمة المطاف، لا تعدو كونها «تكايا»، لمن يعتلونها من كبار الموظفين.
لم يبق من ثورة يوليو شىء سوى الذكريات المفعمة بالحنين، وبعض جمل عابرة فاترة لا يعنيها من يقولونها عن الانحياز للبسطاء ومحدودى الدخل، والزيارة السنوية لضريح عبدالناصر، وصورته التى وضعها كثيرون بجوار صور حسن نصرالله عقب الانتصار على إسرائيل فى صيف ٢٠٠٦، وطلة الأستاذ هيكل من شاشة الجزيرة، وكتب بعض المؤرخين، وحديث ساسة وقادة وكتاب كبار عن هذه الأيام بألسنة معتقة بالمرارة، من كان معها يرثيها، ومن كان عليها يلعنها. لكن هناك كثيرين يقولون بملء أفواههم: لو كانت ثورة حقيقية لدافعت عن نفسها وما قتلها قرار فوقى، مهما كانت سطوة صاحبه.
أما الأغلبية الكاسحة من المصريين المشتبكين فى صراع يومى لتحصيل «لقمة العيش»، فلم يعد يعنيها الوقوف على الأطلال، بعد أن جفت المآقى من طول البكاء، ولم تصبح مهتمة بما إذا كان عبدالناصر ديكتاتورا أم مخلّصا، ولا تتوقف ولو قليلاً أمام صرخات المثقفين التى تحيل كل ما نحن فيه إلى هزيمة يونيو. ولم يعد الفلاحون يحزنون على إلغاء عيد الفلاح، بعد أن استعاد الملاك أراضيهم، ولا يندهش العمال أمام تسريحهم وتشريدهم المستمر أمام البيع المنظم للشركات والهيئات، ولا يئن الموظفون تحت سلطان رؤسائهم ومديريهم الأغبياء المتجبرين، لأن الوظائف لم تعد تسمن ولا تغنى من جوع.
لكن هؤلاء جميعا، الصامتين منهم والصائتين، فى الريف والحضر، فى الصحراء والوادى، يشنفون آذانهم ويمدون أنوفهم ويضغطون على ضروسهم كلما تناهى إليهم أى صوت، فى الإذاعة أو التليفزيون، أو لمحت عيونهم أى كلمة فى جريدة أو كتاب تتحدث عن الظروف التى سبقت ثورة يوليو والعوامل التى أدت إليها، فيضعون الحالة أمام الحالة والموقف قبالة الموقف، ويقولون فى ثقة متناهية: قد تكون المقدمات التى تسبق النتائج، وقد تكون البُشرى التى تقتل الذئاب التى أكلت كل ما أنجزته ثورة مرت فى تاريخنا المعاصر كخيال عابر
د.عمار على حسن - Almasry Alyoum
Thursday, July 08, 2010
الجارديان: المصريون يحاولون التنصل من هويتهم العربية
ويقول باهر إبراهيم، الطالب بكلية الطب جامعة الإسكندرية في صحيفة "الجارديان" البريطانية، إن المسيحيين في مصر يفضلون أن يشيروا إلى أنفسهم بأنهم مصريون وليسوا عربا، ومعظمهم يقول إن كل ما يجمعه بالعرب هو اللغة العربية فقط، ربما لأن المنطقة بأسرها أغلبيتها من المسلمين، وقد أصبح المرادف المتعارف عليه لكلمة عربي هو المسلم.
من ناحية أخرى يرتبط المصريون بالعرب ثقافيا وحضاريا ولغويا، وهو المبدأ الذي ظهر بشدة في سنوات ما بعد ثورة يوليو 1952، عندما اهتم الرئيس المصري الراحل بالقومية العربية، حتى إن اسم مصر وقتها كان "الجمهورية العربية المتحدة".
أما الآن، فقد تراجعت فكرة الهوية العربية كثيرا، حتى بين المصريين المسلمين، وخاصة بين الشباب، فالبعض يشعر أن انتماءه لمصر أقوى كثيرا من انتمائه لهويته العربية، بينما تظهر نبرة استعلاء واضحة -حتى على مستوى بعض المصريين محدودي الدخل- عند المقارنة بين مصر ودول الخليج العربي، ورغم أن هجرة المصريين لدول الخليج لا تتوقف من أجل تحسين معيشتهم، فإن البعض دائما ما يقارن بين مصر ذات الحضارة التاريخية القديمة والثقافة، وبين دول الخليج التي -بحسب آرائهم- لا تمتلك سوى النفط.
ويعتقد باهر أن هذه المشاعر العدائية تجاه العرب بدأت في الظهور بسبب المعاملة السيئة التي يتعرض لها المواطن المصري عند السفر لإحدى دول الخليج للعمل هناك، أو حتى عند السفر لليبيا، التي تعتبر أقرب جيران مصر، وقد ظهرت هذه المشاعر المعادية للقومية العربية في أوجها عندما تسببت مباريات كرة القدم بين مصر والجزائر في أزمة دبلوماسية في نوفمبر الماضي.
وأظهرت الحرب الإعلامية بين الطرفين عداء كبيرا، حيث طالب الطرفان بكل وضوح قطع العلاقات بالدولة العربية الأخرى، رغم أن المبرر تافه وسخيف، وهو مجرد مباراة كرة قدم بين فريقين! لكن ما حدث، أوضح أن المصريين أصبحوا أقل ارتباطا بهويتهم العربية، حيث ظهرت مجموعات على الموقع الاجتماعي "فيسبوك" عنوانها "أنا مصري مش عربي"، وظهرت أخرى شوفينية عنوانها "أنا مصري.. إنت مين؟" في إشارة إلى أن مصر هي الأفضل والأهم في الشرق الأوسط.
وأخيرا، يؤكد باهر على إن فكرة العودة لمصر الفرعونية والتخلي عن الهوية العربية تبدو بلا فائدة، خاصة وأن ما يجمع مصر بجيرانها العرب أقوى بكثير من مجرد حروب إعلامية ووطنية متعصبة. لهذا ينبغي على المصريين أن يعتزوا بتراثهم العربي الذي يساند التراث المصري العريق، تماما كما يعتزون بلهجتهم المصرية التي تكاد تصبح لغة في حد ذاتها بسبب تميزها في كل الدول العربية، وعليهم أن يفخروا بتاريخهم العربي، حتى لو لم يقتنعوا بأنهم من العرب.
An Egyptian, and an Arab
Egypt is an Arab country. At least it's assumed to be. This may seem rather obvious, given that its official name is the Arab Republic of Egypt, it is a member of the Arab League and its people speak Arabic. To an outsider, Egypt is in fact an Arab country.
The reality on the ground, though, is slightly different. Many Egyptians prefer to call themselves Egyptians and some shun the Arab label completely.
The most adamant "Egyptian, not Arab" camp are the Christian Copts. In a region that is overwhelmingly Muslim, the terms Arab and Muslim have become almost synonymous, despite the presence of large numbers of Christians in several countries.
Most of Egypt's Copts maintain that they are the purest bloodline to have descended from the ancient Egyptians. As one Coptic friend tells me: "I maintain that I'm not an Arab. I'm an Egyptian and of pharaonic descent. The only thing that ties me to the Arabs is the Arabic language."
Studies on modern Egyptian DNA support the view that neither Egyptian Muslims nor Copts are Arab. All the invasions that Egypt has experienced over millennia, including the Arab invasion, do not seem to account for more than 15% of modern Egyptians' ancestry.
So Egyptians are not genetically Arabs, but they may be so culturally and linguistically. This was once true, especially during the post-revolution years when Nasser's dreams of pan-Arabism were very much alive. Back then, Egypt was so Arab that "Egypt" was dropped in favour of the "United Arab Republic".
Today, though, the Arab identity of Egypt has begun to subside among some Egyptian Muslims too. This is particularly evident among the younger generation. In everyday conversation, the term "Arabs" is used to refer to inhabitants of the Gulf states.
Many Egyptians maintain a distinct Egyptian identity, and a strong sense of nationalism and patriotism can be noticed even in casual conversation. Even those in the poorest of circumstances cannot help feeling a sense of superiority over their neighbours across the Red Sea.
"We have thousands of years of history, culture and civilisation. They have nothing but oil barrels. Were it not for oil, they'd still be living in tents," is a commonly expressed sentiment– although it doesn't stop Egyptians from temporarily migrating to the Gulf in search of a better life. And, judging from thousands of forum posts I've read on the internet, the feelings of disdain are mutual. Many Egyptians also prefer to dissociate themselves from the term "Arab" because they feel it has become equated with terrorism following 9/11.
Egyptian anti-Arab sentiments are only further intensified by a sense of frustration and anger at the poor treatment some Egyptian migrant workers receive in the Gulf states at the hands of their "Arab brothers". Many Egyptians I know who have worked in neighbouring countries always felt they were disliked and their presence resented. This isn't confined to the Gulf countries, either. An Egyptian friend of mine who grew up in Libya feels the same way.
Whether real or imagined, these feelings have only accelerated a sense of animosity to the "Arab brothers" among Egyptians, fuelling a resurgence in Egyptian nationalism while the media and government maintain the official position that we're all Arab brothers. The school history curriculum focuses disproportionately on Islamic and Arab history, with little or no focus on Christian Egypt. This doesn't do justice to Egypt's rich history, and produces Egyptians who know very little about the periods between pharaonic Egypt and the arrival of the Arabs.
The anti-Arab dialogue reached its peak last November, during what came to be known as the Egypt-Algeria football feud, after Algeria beat Egypt in a playoff match in Sudan, thereby destroying Egypt's World Cup aspirations.
A media war ensued, with each country ridiculing and attacking each other's symbols. Many Egyptians even expressed a desire to break all diplomatic ties with Algeria.
In retrospect, a football match was a trivial, pathetic excuse for all the media hype which has since died down, but the effects have lingered. Egyptians set up Facebook groups called "I'm Egyptian, not Arab" – a position until recently associated mainly with Copts. Another Facebook campaign called "I'm Egyptian, who are you?" sought to instil a long-lost sense of pride in being Egyptian first and foremost.
As the official media continues to maintain the official line that we're all Arab brothers, a massive online campaign is raging through the blogosphere to assert Egypt's Egyptian, pharaonic, non-Arab identity. The most vocal of these has been the blogger who calls himself Hassan El Helali, with the rather peculiar slogan "Not Arab, not Muslim, not Christian. Egypt is Egyptian". His blog, "Hegabs, nekabs and other trash", is dedicated to what he sees as the progressive Saudisation of Egypt, which started in the 1970s and 1980s with the return of migrant workers from the Gulf.
While the desire to return to a pure pharaonic identity may be a very romantic idea, it would seem rather futile to try to turn back the clock. Egypt has been speaking Arabic for centuries and will continue to share its borders with surrounding Arab countries. Rather, Egyptians need to take pride in their Arabic heritage, since it happens to be a component of Egyptian heritage. Egyptian Arabic has become a language in its own right, instantly recognisable in any other Arab state. The only Arabic-writing novelist to win a Nobel prize for literature was an Egyptian. Egyptians must see their Arabic heritage as a source of pride, even if they don't see themselves as Arabs.
Friday, July 02, 2010
الاستبداد بمساندة السماء
في بلاد المسلمين معاهد علمية, مهمتها تخريج مشايخ الدين للدعوة والوعظ والارشاد. ويزعم هؤلاء علي مختلف فرقهم وتنافر مذاهبهم, انهم وحدهم الامناء علي دين المسلمين منذ فجره الاول, وانه لا يحق لأي مسلم خارج المنظومة المشيخية ان يتحدث في شأن الاسلام والمسلمين, لانه حكر علي الدعاة فقط. وهو الزعم الذي يضع مشايخنا أمام مسئولية تاريخية عظيمة وهائلة, ازاء ما آل اليه أمر الاسلام والمسلمين عبر عشر قرون مضت من الهوان والتراجع والانهزام.
والناظر الي الشارع في بلادنا سيجد المسلمين وقد سلموا أدمغتهم للمشايخ بالتمام والكمال, فلا يخطو المسلم خطوة ولا يأتي تصرفا ولا يقول قولا الا بعد استفتاء المشايخ, فهو يسير وفق برنامج من الاوامر والنواهي, متي يصحو ومتي ينام وكيف ينام وبماذا يدعو قبل أو بعد وما هو الوضع المستحب اثناء الدعاء على ظهورهم ام على جنوبهم. لان المشايخ هم حفظة كتاب ما فرط الله فيه من شئ, لذلك كل شئ عند المشايخ كامل كومبليت صالح لكل مكان في مكة أو في الصين أو في المريخ ولكل زمان مضي أو لم يأت بعد.
وأمام الرهاب المستمر للاله الذي يفرض حضوره طوال الوقت فيتدخل في كل كبيرة وصغيرة ، وينشغل بالتوافه الهينات في حياة المسلم ويضع له عقوبات مفصلة مشروحة بعناية, فالعقوبات الربانية ألوان وفنون : من شي البشر علي النار ، الي القلي في الزيت ، الي التمزيق باشواك من حديد ، الي الوثاق بالسلاسل الطوال, من جهنم الحمراء ،الي جهنم البيضاء التي ابيضت نارها لكثرة ما تلظت, ومن عقارب كالبغال الموكفة ، الي ثعابين قرع, الي عقاب دنيوي في المال والعيال والصحة والمستقبل،فكان ان سلم المسلمون المسئولية لمشايخهم الذين يعرفون الدروب والانفاق والمعابر السرية لدين أصبح ثقيلا هائلا لكثرة ما أضافوا اليه, فأوكل المسلمون للمشايخ مسألة ايمانهم الذي يستعصي عليهم فهمه, ويجهلون فنونه مقابل الطاعة العمياء التي هي سبيل النجاة.
ومع هذا التسليم الشعبي الجارف لسادتنا المشايخ فان حال المسلمين كما ترون فضيحة بجلاجل ، فضحونا وجرسونا في العالمين, بمقابل لن يغفره لهم التاريخ وهو : عقل الناس الذي أخذوه منهم ، فقط ليعرفوهم بالله ويشيروا لهم نحو الله.. هذا هو الله؟! أخذوا عقل الوطن مقابل أن يعرفوهم علي الله الذي سيقوم بالتفكير لهم نيابة عنهم ، عبر دعاته من كل لون ومذهب.
وأصبح كل من أتخذ سمت الشيخ من لحية أو زبيبة أو يونيفورم حق له أن يكون داعية ومفتي, يعرف في كل حاجة ويفتي في كل علم ويتحدث في كل شأن مما هو فوق الارض أو تحتها, وفي نهاية الفتوي يختمها بقوله " والله أعلم" !! ...... إن عبارة " والله أعلم" هي تدريب دائم للعقل لينسحب من العلم ولا يتعامل معه كوسيلة وأداه للمعرفة, لأن الله اعلم عند مشايخنا ، بينما في العلم نحن من نعلم وليس في العلم شئ اسمه " والله أعلم" . ان العبارة اخلاء تام وصريح للشيخ من مسئولية تفسيره أو فتواه, ويترك السائل مبلبلا, ذهب يستفتي لتزداد حيرته, السائل مسلوب العقل والارادة يفترض في نفسه أنه لا يعلم شيئا ، فذهب يسأل الشيخ الذي يعلن عن نفسه بالفم المليان انه (عالم) عارف ، فاذا هو به بدوره جاهل لا يعلم ، ورغم انه يقر في النهاية انه لا يعلم فانه يتصرف من البداية علي انه وحده من يعلم مفتاح أي حقيقة أو معرفة صادقة تامة.
ان عبارة " والله أعلم" المشيخية لا تبدو تعبيراً عن تواضع ذات الشيخ العالم, بقدر ما هي تسليم بان الحقيقة شئ مخفي لا يعلمه الا الله, ولأن الله هو من أخفاها فهو وحده من يعرفها, هي دعوة صريحة لعدم البحث أو المعرفة أو العلم استسلاما للمشايخ. هذا بينما لم تنتقل أوروبا الي النهضة الا عندما كسرت قاعدة " والله أعلم" , واعتبرت الحقيقة والمعرفة مشاعاً موضوعياً لمن يبتغيها ويبحث عنها , وقالت: أنا أبحث.. اذن أنا أعلم.
بحث علماء الغرب فاكتشفوا أن سبب الاصابة بالمرض ليس المس الشيطاني ولا الغضب الالهي, انما هي كائنات محايدة لا علاقة لها بغضب او رضي تعمل علي أي جسم حي مناسب لحضانتها لتستكمل دورة حياتها, من ميكروبات وفيروسات وجراثيم. بحث الاوروبي فاكتشف ان عمر الكون مليارات السنين وليس 4000 سنة كما يقرر كتابه المقدس،فعلم وتأكد أن كتابه المقدس يقدم له كتالوجا مزيفا ،لان ماكينة الكون الموجودة تحت حواسنا وآلات رصدنا تقول شيئا غير ما يقول الكتالوج المقدس, لهذا قررت أوروبا أن تنحاز للعلم, وأحالت الكتالوج المزيف الي دار المحفوظات الاثرية, بينما المسلمون حتي اليوم يقبلون كتالوجات مزيفة, من كتالوج الصحيحين الي كتالوج الشعراوى, الي كتالوج قرضاوي الي كتالوج سليم العوا الى كتالوج فهمي هويدي وهلم جرا.. فهم اكثر من الهم علي القلب.
واذا كان الدعاة يرون أن لديهم كل الحلول الربانية الجاهزة كأكمل الحلول واكثرها نجاعة لكل شأن في الحياة, فلماذا نحن دون الامم قبيلة الله المتخلفة التي أختارها رب السماء خيرا للأمم ؟ ؟ !!!! .
لقد كانت حلولنا مع اسلامنا مطروحة في سوق العالم عبر التاريخ ومع ذلك فان العالم الغربي عندما اختار لنهضته ، لم يختر الاسلام انما اختار فلسفة اليونان وديمقراطيتها وفنونها, واختار قوانين الروم ودساتيرهم وفنونهم, ورجع لأوزيريس وعشتار وأدونيس كأفكار انسانية ...كل المعارف والفلسفات كانت مطروحة في سوق العالم للمفاضلة والاختيار, ومن بينها كان الاسلام الذي يتميز عنها جميعا بكونه رباني المصدر, بل انه يجب كل ما قبله, لكن عند الاختيار العالمي لم يختره أحد واختار الجميع غيره, فهل قصر دعاتنا في تبليغ العالم بدعوة الاسلام واكتفوا بالجلوس بيننا يدعوننا نحن الى الاسلام بعدما اسلمنا بألف واربعمائة عام.
كذلك تقوم لغة العلم كله طبيعياً كان أم انسانياً, فلسفة أم سياسة أم اقتصاد أم قانون علي التراث اليوناني والروماني وليس فيه من الاسلام شئ. واختار العالم الذي تقدم قيم الوثنيين وترك القيم الربانية !! لماذا يا تري؟ ولماذا أصبحنا بين بلاد العالم من يحتاج الي اصلاح باعتراف الجميع؟ لماذا تخرج المظاهرات في بلادنا تطالب بالديمقراطية وحقوق الانسان, ولا تخرج في اوروبا وامريكا مظاهرات تطالب بالشوري وبالجهاد وتعدد الزوجات؟ أليس ذلك بعلامة بليغة علي تقصير الدعاة رغم ما حازوه من ثقة شعوبهم وتسليمهم لهم؟ مع ما حازوه من نجومية وأبهة اجتماعية ومنازل سلطوية ورفاة وسعادة ، أدناها منزلة لهط الثريد لهطا, وهو كله ما وفره لهم بسطاء المسلمين الفقراء مخصوما من دخولهم المتواضعة, كي يتمكن الدعاة من نشر دين المسلمين وحمايته.
ما بين عامي 1919 و 1952 تشكلت في مصر نواة لطبقة برجوازية أفرزت ليبرالية وليدة, وفي ذلك الزمان تراجع دور الشيخ تراجعاً كبيراً بل ومهينا, وكان الشيخ هو محل عمل كثير من ألوان الكاريكاتير في المسرح والسينما والصحف , كان توجيه السؤال الاستنكاري لأي محاور "هوه أنت فقي؟" يعتبر اهانة شديدة , فهو استنكار تصغيري يشير الي العقلية الحافظة علة الجمود والببغائية, هو أيضا سخرية مرة من العاملين بشئون الدين علي العباد, صاحبها وعي شعبي واسع بدور رجل الدين في التخلف امام دنيا متسارعة . في ذلك الزمان كان الازهر هو المكان الوحيد الذي يكفل لطلا به مع العلم الديني كل سبل المعيشة من اقامة وجراية طعام وكسوة ، جلبا لزبائن حال الفقر بينهم وبين التعليم المدنى ، فكان علي المستوي الطبقي ملجأ عاما للمعوزين والمعدمين وبخاصة ذوي العاهات منهم. حتي جاءت ثورة يوليو 1952 ( المباركة ) لتقيم شرعيتها علي التحالف مع الازهر, واعلاء شأنه حتي يكون مصدراً محترماً لشرعية حكمها. وانتهي المشروع القومي بهزائم منكرة انتهت بقيام الصحوة الاسلامية (المباركة بدورها) علي انقاض المشروع القومي (المبارك ) المهزوم. ومع الصحوة عاد الشيخ الي الصدارة بقوة أعطته مساحة تسلط علي العباد لم يسبق أن حازها من قبل خلال تاريخه, وهو الامر الذي ساعدت عليه تقنيات الاعلام الحديثة من صحف وتلفاز ومذياع, وهو ما كان في بلادنا من حق الحكومة وحدها تصوغه كيفما تشاء, لكنها - لحسابات سلطوية بحت ، وبقصد قطع شعوبنا عن الحداثة - بدلا من أن تصوغه تركته لحلفائها من مشايخ سداحا مداحا, مما انتهى الي ضياع عقل الوطن, بينما أصبح الدين اسهل مطية لكل من يريد أن يركبنا, ويعمل علينا شيخ.
وكان للظرف الموضوعى دورة الفصيح فى نشوء طبقة رجال دين فى الأسلام منذ فجرة: عندما اعتمد المسلمون على حفظ القرأن كنتيجة طبيعية لانتشار الامية ، اضافة الى صعوبة قراءة القرأن لعدم تنقيط الاحرف ولا تشكيلها بعلامات مميزة ، مماجعل مثل هذة القراءة بدون شيخ معلم وملقن ومرشد تكاد تكون غير ممكنة بالمرة ، ومن ثم ظهرت طبقة القراء التى اسست من بعد لطبقة رجال الدين التى احتكرت الفهم والتفسير بحكم الأستاذية . وابان الصراع السياسى فى الفتنة الكبرى وما تلاها من فتن ، امكن لهؤلاء اكتساب القداسة بمبدأ كان مرفوضا زمن الدعوة وزمن الخلافة الراشدة وهو تدوين السنة ، مع اختراع الأحاديث حسب الطلب وبالقياسات المرغوبة ، أصبح لهم مهمة مقدسة اضافية هى تفسير القرأن بالحديث . ومنذ شرع الخليفة عمر ضرب عنق من يختلف مع الستة المرشحين للخلافة من بعدة ، امكن بالقياس ان يصبح هذا الجزاء بجز العنق من عرشة ، من نصيب من يدلى برأى غير ما يقول بة اهل الدين .
وخلال الفترة القريبة من متغيرات نصف قرن أو يزيد قليلاً,أ ثبت المشايخ علي طول الخط أنهم لا منشغلين بالناس ولا حتي بالدين, انما كانوا مع مصالحهم وحلفهم السلطاني, وهو الحلف الذي تدني بهم الي حد استخدام الدين بانتهازية ورخص وابتذال ، لتبرير كل المتناقضات للسلطان ، كي تدوم انعاماته ورضاه علي اهل حظوته من مشايخ. عندما كانت مصر ملكية كانوا يهتفون والاخوان امامهم " الله مع الملك" ، وعندما دارت الايام وجاء الزمن الناصري اكتشفوا ان الاسلام هو الذي أسس للاشتراكية, وخوطب النبي محمد " الاشتراكيون أنت امامهم" ، وفي الزمن الساداتي اكتشفوا انهم كانوا مخطئين في فهم الدين خطأ فادحا علي النقيض الكامل من مقاصده, لانه دين اقتصاد سوقي مفتوح حر, دين جعل الناس درجات وطبقات. كذلك كان موقفهم عندما كان السلطان يريد حربا, وكيف ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله كأنهم بنيان مرصوص, ومع توقيع كامب ديفيد بين مصر واسرائيل عادوا فاكتشفوا بالرسوخ في العلم ان رسوخهم الاول كان باطلا, لان الله قد امرنا أمرا واضحا ان نجنح للسلم ان هم جنحوا لها.
وهكذا يكتشف المسلم أن منظومته المقدسة المطهرة ذات المصدر الالهي هي الاشد تعرضا للانتهازية والاستغلال من مشايخ يعلنون أنهم أهل هذا المقدس وحماته. وانهم بدلا من أن يصونوا دين الله بابعاده عن العبث والخطأ والطمع البشري, فاذا هم من يضيفون الي شرع الله ما ليس فيه, ثم يكتشفون خطأ اضافتهم في كل مرة, ليعودوا يصوبوا ويضيفوا المزيد, ان مثل هذا التدخل في المقدس هو تدنيس له, ويشير الي ان مشايخنا يشتهون النبوة, أو بعضها.
ومع حضور فوضي الصحوة الاسلامية التبست المعارضة بالتشدد الذي لم يقف عند حد معاداة السلطة او المشايخ الرسميين, بل تجاوزه الي معاداة المواطنين والمجتمع كله. ولم يكن مشايخ المعارضة الاسلامية المسلحة أوفر حظا بالمبادئ والقيم المحترمة من مشايخ السلطان, فقتلونا ، وحاكمونا ، وكفرونا ، وهددونا ، ومزقوا الوطن ، ودمروا السياحة بوحشية فضحتنا أمام العالم. وقد فعلوا ما فعلوا بدورهم بادعاء الرسوخ فى العلم ومعرفتهم وحدهم بالمعاني الصحيحة للوحي الاسلامي, ليعودوا هم انفسهم وليس غيرهم ، ليكتشفوا ان رسوخهم الاول كان باطلا, وانهم قد اكتشفوا رسوخا جديدا, ليكتبوا سلسلة المراجعات التصحيحية التي تحولوا فيها عن العمل المسلح الي خوض العمل السياسي السلمي. ليوضحوا ان رسوخهم الثاني قد نسخ رسوخهم الاول بأمر الله؟!.. الاترونهم...؟.. انهم ينسخون ؟! انهم يقلدون السماء... انهم لا يشتهون النبوة فقط،.... انهم يشتهون الربوبية!!
ومن ثم لم يعد لقب (داعية) قاصرا علي الدهاقنة الرسميين ، وانما حازه امراء الجماعات الارهابية علي كل صنوفهم, حتي تقدم هؤلاء للعمل بمهمة الفتوي ليبرروا جرائمهم بدورهم ، التي هي جرائم دموية بكل المقاييس ويعطونها شرعية سماوية مطهرة . وهكذا يضعك كلا النوعين من المشايخ في مشكلة ، لانهم يتحصنون وراء السلطان ووراء الدين وتفسيرهم له, فان انت اردت اطلاق سهم علي السلطان رشق في الدين ، وان اردت نقداً للشيخ (سلطانيا كان أم ارهابيا) اصبت الدين بنقدك!! ويبقي السؤال : اذا كان موضوع اهتمام المشايخ سلطانيين أو ارهابيين هو الدين , والدين واحد وربه واحد , فلماذا يختلفون؟ انهم يختلفون بشأن دين كامل وليس شيئاً بسيطا هينا. ربما يصح افتراض ان الاختلاف طبيعي لتفاوت العقول والبيئات والثقافات المحلية والمستوي المعرفي .. الخ, لكن الصحيح باطلاق انه خلاف حول المصالح ، والمكاسب ، والسلطة ، وبلهنية العيش فى طراوة السمن البلدى ، بدأ مع الامة مبكراً في فتن وجوائح قسمتها فرقا وشيعا متقاتلة تكفر بعضها بعضا ، لانها تعمل جميعا تحت راية الكتاب والسنة المفترض انهما يعبران عن دين واحد ، وأمة واحدة ، ورب واحد!!
اذن لا مفر عن استنتاج أن الدين في حد ذاته لم يكن هدفا واضحا لصراع الشيوخ وانقسام الفرق وتعدد المذاهب. انما كان الانقسام تسهيلا للشيخ كي يتمكن من السيطرة علي فريق من المسلمين يلتفون حوله, يمدهم بآرائه تشريعا لوجوده ووجودهم مع ضمان الاستمرارية والتنفيذ, وضمان رسوخه في سدة القيادة.
ويلاحظ المراقب قيام تنافس الكهنة حتي داخل الفريق الواحد علي الاستحواذ علي أكبر جمهور, باستخدام فنون الخطابة والبلاغة واللباقة ، مع سمت الورع الملائكي احيانا ،أو سمت القيادي المقاتل الجسور احيانا اخري. لكن جميعهم يقومون بعرض ما يرضي الجمهور ويحببه في داعيته المتبتل ، أو شيخه المقاتل, مع الطعن في ايمان المنافسين . فمن سطع نجمه اصبح مرغوبا فيه من السلطان (مصطفي محمود, متولي شعراوي, محمد غزالي, زغلول النجار, يوسف قرضاوي ، فهمى هويدى.. الخ) وذلك لشهرته وقدرته علي التأثير في العوام, فيصبح شريكا في حاشية السلطان, وينال السيادة والسعادة مع الهبات والانعامات ويعيش فى المهلبية, أما الشيخ المقاتل فانه عندما ينجح فانه يعيش كالخفافيش ماصة الدماء فى الكهوف والبوادى والأصقاع المتبدية فى كهوف تورا بورا أوقندهاراو بوادى الشام والعراق ، يطلب المزيد من الدم البرئ دون أن يشبع أبداً.
وكان اشتداد المنافسة عبر التاريخ وراء فتح الباب لفكرة (التكفير) والاقصاء كحل ناجح مع المعارضين, فقامت الفرق الاسلامية تكفر بعضها بعضا,وقام كل طامع الى السيادة يطرح تأويلة الخاص للدين وفهمة لة فى سوق الأطماع ، بتسوييق فكرة مع تبديع وتكفيركل الفرق الأخرى بحسبانة من يعرف وحدة الأسلام الصحيح . وعادة ما يبدأالتكفير المتبادل بين التأويل الجديد وبين سابقة ليصل الى صدام وقتال. وفى تاريخنا ما كان أكثر القتال للوصول الى السلطة بالدين ، بل ان تار يخنا ليس شيئا غير ذلك ، وما أشنع ما ارتكبوا من مجازر علنية حتى ابيد بعد أل البيت فرق بكاملها مع كل ما انتجت وقالت ، وبقى الفريق المنتصر وحدة سيدا . ولأنة انتصر فلا شك انة كان على الحق ، ولأنة من يملك الحق فهو يؤكد ان الحق واحد فقط لاغير ، ومن ثم فغيرة هو الباطل المطلق وهكذا انتصر القتلة وأصبحوا اسيادا لنا . لقد حاءنا القتلة ومشايخ المنسر بالحق بعد أن ابادوا الباطل ومحقوة وسحقوة ،العباسيون ابادوا الأمويين واخرجوا جثث من مات منهم حتى يجلدونهم ، ثم أين المعتزلة ؟ اين المرجئة ؟ اين الجهمية ؟ اين المعطلة ؟ اين مؤلفات ابن الراوندى والرازى ؟ كانت الاباده تمتد الى الفكرة . ان من يحكم المسلمين اليوم فكر قاتل وسلطات قاتلة وتشكيلات عصابية التكوين قبلية القوانين طائفية عنصرية ، ولو رددنا كلام مقتول سابق لأصبحنا المقتول اللاحق . وكان أكثر هذه الفرق ضراوة ، هو ما يسمي مذهب بن عبد الوهاب الذى تحالف مع ابن سعود للاستيلاء على حكم الجزيرة ، و الذي يتم تعريفه بحسبانه تجديدا لمذهب الامام أحمد بن حنبل . لذلك لا تجد مبدأ التكفير مرفوضاً في بلادنا او مستهجنا ممجوجا ، بل هو يسير فينا مسري الامراض المستوطنة, لانه لو لم يقم عبد الوهاب بتكفير بقية الفرق فلن يحصل على اتباع ... لن يحصل على زبائن مادامت الفرق الاخري سليمة صحيحة, فالتكفير هنا أداة اعلان ؛ وايضا ؛ وهو الاهم ؛ انها اداة ترويج و تسويق يعمل بها لنفسة زبائن ..... لانه لو قال ان الشيعة والمعتزله والاشاعرة علي صحيح الدين فأنة سيترك مجالا للاختيار, وربما ذهب الناس الى هؤلاء وتركوه ها هنا قاعداً, انها باختصار بلاغي ما قالة المثل الشعبي المصري : " ما يكرهك إلا ابن كارك" ، ومن ثم كانت الاختلافات الحادة حتي انهم لم يتفقوا علي الرب الذي يؤمنون به ،و بصفاته, وذاته ، وكلامه مخلوق أم أزلي ؟ والنتيجة التكفير والتقتيل . وهي موضوعات صراع نخبة المسلمين المتخصصين, فما بالك بالعوام منهم؟ وتظل الفرقة أو المذهب يردد ذات الكلام, ويكرر ذات القصص, ويؤكد ذات الاساطير ، كأنهم جميعا غير مصدقين لما بين أيديهم ويريدون التصديق بمزيد من التكرار والترديد دون أي جديد. و مع الصحوة أصبحت المدرسة والصحيفة والاذاعة والتليفزيون أماكن ووسائل مهمتها تعليم الناس الايمان, وبات لا يخلو خبر محايد ، أو برنامج حواري ، أو محاضرة ، أو حتي فنون درامية ، من مهمة دعوية, حتي أمسي الحكم علي الرأي حتي في أخطر الشئون ليس بمدي نفعه او ضرة ، أو صوابه من خطئه ، انما بقدر ما دعم نفسه بالايات والاحاديث أو أي حكاية من حكايات زمن التابعين وتابعي التابعين. والسبب الواضح هو أن الاستعانة بالمقدس والاستناد اليه في الخطاب الموجه للمسلمين, هو من أجل الارغام علي قبول القول والخضوع للأمر حتي يرضخ الجميع, فظهرت مع الصحوة أسوأ أنواع الديكتاتورية لانها الاستبداد بمساندة رب السماء.
في حوارات المشتغلين بالدين وموظفية ، لا يجدون باسا من اظهار بعض الاحترام لمنجز الحداثة وقوانبن العلم والعقل مداورة والتفافا ،لانهم عندما يجدون ان الحوار غير مجد ، مع رغبة الداعية في فرض فكر يتنافي مع العقل ومنطقه ، فانه فوراً يلجأ للحديث والآيات ليرضح المسلم بعد أن تحاور بالعقل وأشبع رغبته في الشغب الحميد ، ليقبل بعد ذلك ما يرفضه عقله احتراماً لآياته وآحاديثه القدسية.
وقد ساعد التطور التقني والعلمي في وسائل الاتصال والاعلام في تطور الدول نحو مزيد من الارتقاء العلمي والحقوقي, بينما في بلادنا تمكن حلف الشيخ والسلطان من استثمار هذه الادوات والتقنيات لمسح وعي المسلمين واعادتهم الي الوراء قرونا ، لأن مثل تلك الاجهزة لا تملكها في بلادنا الا الحكومة التي هي الدولة نفسها (!!) ومن ثم أمكن لهذا الحلف بتلك التقنيات العالية من انجاز أكبر عملية تدجين مجرمة تمت في التاريخ لشعب من الشعوب في أقصر فترة زمنية ممكنة, وأصبحت الزيادة في دين الله ملعباً مشيخياً ، حتي أصبح الحجاب فريضة سادسة, وعادت اللحية مع الجلباب الباكستاني لينتمي الجميع الي هناك وليس الي هنا.. فدخلت البداوة الوهابية العنيفة الي بلاد هي بطبيعتها الزراعية كانت الاميل الي السلم, لتسيطر علي مختلف الاقطار من فاس الي بغداني وعلي كل بلاد العرب أوطاني ، ثم لتتجاوز الجغرافيا مسافرة في كافة مناطق العالم اينما يعيش مسلم. لاثبات أن العرب الفاتحين وان لم يعد لديهم في البلاد المفتوحة جيوش احتلال ، فان لهم ثقافة حولت كل المسلمين الي غزاة فاتحين طول الوقت, ينتمون بالولاء الي حيث جغرافيا الاسلام ، الي الحجاز الوهابي . ثقافتهم بالصحوة الاسلامية جاءت بفتح جديد وغزو غليظ, يفقد فيه المواطن حريته من دماغه, فيسافر شابا يافعا واعدا ، متهربا متخفيا بلدانا وبحارا وصحاري ، لكي ينتحر عند باب مسجد او حسينية او فى تشييع عزاء في العراق, معتقدا انه حر مختار فيما اختار ، وانه علي الحق الذي لا شائبة فيه, وانه قدم حياته فداء لدينه وربه وامته!!
ومن المبادئ الاستبدادية الراسخة بطول التاريخ, أنه اذا أردت نشر شئون لا تقبل المناقشة فعليك بالارهاب ، لأن الارهاب يذهب باللب والعقل فيصبح الانسان مذعورا مرعوبا ، لا يجد معروضا أمامه في سوق الفكرة سوي أهوال يوم القيامة ، وعذاب القبر ، والجن ، والعفاريت ، يحيطون به في كل مكان ، ومع الهلع والبحث عن الامان من هذه الخوف المقدس يصبح المسلم علي استعداد لتسليم أي شئ مقابل الامان حتي لو كانت ارادته أو روحه, وهنا يظهر له الشيخ اللطيف الوديع ليمنحه الامن والطمأنينة ، انها ذات قصة فاوست ، فالشيخ او الشيطان سيحمل عنه كافة أوزاره ببعض الفتاوي ، ويطمئنه أنه المسئول عنه أمام رب الجبروت, ويأخذ منه مع روحه ، ارادته ، و عقله أيضا ، مقابل المسبحة وكتاب الادعية وسجادة الصلاة ، وحزاما ناسفا اذا كان من المحظوظين المختارين ، لجنة عرضها السماء والارض.
لو كنا آمنين ولا يحيط بنا هذا الخوف المقدس الرهيب لفكرنا ، وناقشنا ، وربما قاومنا ، وهنا يخسر الشيخ نفوذه كله, لكنه بالارهاب الدائم يرعبك ليشل تفكيرك, ويشير اليك : هذا هو المخرج الآمن ، وستجد هناك كتب فتاوي بن باز وبن عثيمين وابن قرضاوى وابن جمعة, ثم عليك أن توافق علي كل شروطه التي يعرضها عليك مقابل الامان, لتصبح تابعا صالحا تعلو درجاته بقدر ما يقدم من علامات الخضوع والطاعة والخنوع. فهو يؤكد للمؤمن الطائع الخانع انه قد امتلك كامل حريته ، لانه تحول من عبد للعباد الي عبد للإله, بينما هو في الحقيقة أصبح عبدا لأسوأ انواع العبودية...للمشايخ أوللسلطان!! وهكذا اصبح مشهد المسلمين ومشايخهم وسلاطينهم ، مشهدا بائسا زريا يزري بالعقل وبالشخصية الانسانية, موقف هو منتهي الاستخفاف بآدمية الانسان ، وبعقله ، وبكرامته ؛ أصبح الشيخ يقوم بتلعيب المسلمين علي كيفه, نام نوم العازب.. ينام فورا, قل دعاء طلوع السلم.. يقول, اعمل عجين الفلاحة..يعجن, اقرأ دعاء دخول الخلاء .. يقرأ, لا تركب زوجتك الا بموافقة القرداتي ، بكلمة سر الليل المعروفة بدعاء النكاح , يقرأ ، ليثبت الشيخ حضوره في أخص أوقات المسلم ....... حاشرا نفسه بين الزوجين.
وتري المأساة مجسمة كاملة الاهانة, محزنة جارحة مؤلمة ، عندما تتابع أسئلة المسلمين لمشايخ الفضائيات ، وكم هي تافهة الي درجة تصيب بالدهش والحيرة مما وصل اليه العقل المسلم. ويبدو أن مشايخ الفضائيات يعمدون الي ابراز تلك التساؤلات المزرية عمداً ، لزيادة تحجيم العقل المسلم داخل اضيق الاطر الممكنة ، التي تضيقها الفتاوي يوما بعد يوم. استفسارات الفضائيات تشير الي مسلم سلبي جاهل ، لا يعرف كيف يتخذ ابسط القرارات في خصوصياته البشرية, تمت برمجته ليعود اليهم في كل شأن , سلبوه ارادته بمزاجه وكسب هو ضمان الا يضل ، فهذا الجيش من المشايخ هم من سيختارون له ما هو مضمون الصحة وسليم النتائج, حتي ضمر العقل المسلم ودخل في غيبوبة الاحتضار, في حالة موت سريري طويلة.
كانت السنة المحمدية هي أقوال وأفعال النبي محمد ، فيها ما يجوز الأخذ به والاقتداء به طلباً للثواب, وفيها ما لا يصح الاخذ به لأنه كان من خصوصيات النبي, ومنها ما لا يأثم المسلم ان لم يأخذ به ودون أن يخرج علي الملة. وبموت النبي ظهرت سنن من لا يوحي اليهم : كسنن الراشدين المهديين, ثم أخيراً ومع الصحوة الاسلامية وعودة الفتوحات بقيادة بن عبد الوهاب, ظهرت سنن الائمة الفقهاء والعلماء بطول التاريخ الاسلامي تحت مسمي الفتوي والاجتهاد الفقهي. وتضخم شأن الداعي والمفتي لتعلو منتجاتهم علي المنتجات المحمدية ؛ التي يجوز أخذ بعضها وترك بعضها . لأن سنن العلماء كلها جبرية لا اختيار فيها , كلها ملزمة رغم انها غير موحي بها ، ولم يعلم بها حامل الوحي جبريل اصلا . كلها ملزمة رغم انها جميعها انتاج بشري, انها وضعية, ان سنن الوحي علي لسان النبي الذي لا ينطق عن الهوي فيها ما يجوز تركه دون عقوبة سماوية رغم ان صاحبها هو الله, أما سنن مشايخنا فلا يجوز ترك اي منها, رغم ان الله لم يوح لاحدهم بها, اصبحت سنن مشايخنا هي قول وفعل من لا يوحي له.
والملحظ الهام بشأن الفتوي انها خصوصية اسلامية, فاذا كان الاسلام هو آخر الاديان وتمامها وكمالها وأشملها فلماذا هو بحاجة للفتوي؟ ان الفتوي هي استكمال نقص وهو ما يشين ديننا وهو متكامل بذاته وليس بة من حاجة لمشايخ الفتوي.
ويمكن رصد أنواع الفتوي وحصرها في أربع حزم, الاولي هي الفتاوي الخاصة بالعبادات من صوم وحج وصلاة وزكاة ، والثانية اجتماعية يتلقاها المفتي من السائل وتتعلق بشئون شخصية وعائلية ، وفى هذين النوعين عادة ما يلزم الشيخ السائل بحل بذاته وسلوك بعينه دون تفرقة بين ماهو عبادة وبين ماهو شخصى او اجتماعى، فهم يزعمون ان أى سلوك المسلم هو تعبد وضمن هذا السلوك يأتى التزامة بالفتوى ، التى تصبح أوامرها جزءا من العبادة, بينما الصواب هو أن يقدم الشيخ راية كنصيحة ومشورة غير ملزمة لانه شأن يخص الناس وليس شانا من شئون الدين في ذاته. أما الحزمة الثالثة فهي الفتاوي التي تصدر عن دور الافتاء, والتي تصدرها تلك الدور دون طلب من أحد ولا تتعلق بأمور العبادات , بل هي تأتي لاثبات الوجود كانها قرارات جمهورية تلزم وتمنع وتسمح دون طلب من أحد ، وهو ما أوقع الدبلوماسية المصرية في الحرج أكثر من مرة, حتي تم انذار دار الافتاء رسمياً من وزير الخارجية المصري, للتوقف عن التدخل ذلك التدخل الناشئ عن شعور المفتي بضعف الحكومة واحتياجها للكاهن باستمرار . مصيبة مثل هذه الفتاوي أنها لا تتوقف عند الحدود المحلية بل هي عابرة للقارات, رغم انها ان صلحت في موطن قد تكون خرابا عاجلا غبر أجل في موطن آخر. ورابع انواع الفتوي هو تلك الحزمة من الفتاوي المتبعثرة الصادرة عن غير ذي صفة , تدعمها تيارات شعبية غير رشيدة، بها قتل السادات ، وبها دمرت طابا ،و شرم الشيخ ،ودهب ، والعريش، وبها جرت مذبحة الاقصر ،وبها قتل فرج فودة ، وبها نهبت بيوت الاموال فقراء المسلمين, وبها ندمر العراق ونقتل ابناءه.
حرمت الفتاوي التدخين فاختفت السجائر من البقالات وانزوت في الاكشاك ، وأصبحت قاعدة دينية , ثم حشرت انفها فيما هو اخطر فحرمت الفن ، والاستنساخ ، والتطعيم ، ونقل الاعضاء ، فأغلق بنك العيون أبوابة !! وبما ان الفتوي تشريع قانوني قدسي فانها تصعد الي السماء ، وعلي السماء هنا أن تفهم ، و ان تسمع ، وان تعى ، وان تطيع ، وان تنفذ . فعندما يفتي المفتي بحرمة التدخين ، يصبح من الضروري علي ربنا أن يسمع الكلام ، وأن يلتزم بالفتوي ويدخل المدخنين نار جهنم. كذلك علية أن يعاقب جريمة نقل الاعضاء , وأن يعاقب المشتغلين بالفن ، وأن يدخل غير المحجبة الي النار, دون وجود نصوص عقابية في كلام الله في أي شأن من هذه الشئون, لكن علي الله أن يقوم بالوظيفة التي أناطها به كهنة المسلمين .............. وظيفة الجلاد.
ومع اختلاف الفتاوي باختلاف ألوان الفقه ما بين جعفري شيعي ، وسني ، وزيدي ، وغيره, لابد أن يتساءل العقل المسلم : بأي فقه منهم سيلتزم ربنا ويقوم بدوره التنفيذي ؟.. في نفس البلد الواحد مثل مصر تتضارب فتاوي الازهر بالنقيض الكامل مع فتاوي دار الافتاء (البنوك , ختان الاناث ، كنماذج) ، فهل سيحتار ربنا هنا في تنفيذ الفتاوي المتضاربة ؟.... التي تصعد اليه أوامر من الأزهر ودار الفتوى والتشريع ومن قنوات الجزيرة ، والمجد، واقرأ ، وإكرة ، واخواتهن ، ومن بن باز ، واين عثيمين ، وابن جمعة ، وابن لادن ، وابن الزرقاوي, وابن قرضاوى ، وابن هويدى ، وابن عاكف ،وابن العوا . ثم ماهو المعيار الذي سيستخدمة ربنا في الاختيار والمفاضلة بين تلك الأوامر والنواهى المتضاربة الصادرة الية ، مع ما يفرضه المفتي علي الله لتعذيب من يعصي المشايخ ، واثابة من يرضون عنه.
تحكي لنا كتبنا التراثية, أن نبي الاسلام في مرضه الأخير صلي قاعدا الي جوار أبي بكر, "فلما فرغ من الصلاة أقبل علي الناس وكلمهم رافعا صوته قائلا: يا أيها الناس سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإني والله لا تمسكون علي شيئا إني لم أحل لكم إلا ما أحل لكم القرآن ولم أحرم عليكم الا ما حرم القرآن /الطبري سنة 11ص198".
فالرسول صاحب الدين لم يحرم علينا الا ما حرم القرآن ، وترك لنا فيما عدا ذلك مساحة حرة واسعة ، نتعامل فيها بعقولنا وحسب ظروفنا ومصالحنا, وهي المساحة التي لم يأت القرآن علي ذكرها, فأنقض عليها الكهنةا ليؤمموها لصالحهم ليجدوا فيها مكانهم الدائم. ليحرموا علينا ما لم يرد في قرآن ولا سنة ، كتحريمهم مستحدثات العلم والطب كالتطعيم والاستنساخ والتلقيح الصناعي وزرع الاعضاء, وهي شئون لا يعرفها الاسلام ولم تكن فى سنة ولا في قرآن ، فأضافوا للاسلام تحريمات ونواهي دون وحي يوحي. علماً أن من يبدع نصف دين أو ربع دين هو مبتدع لدين جديد غير دين الله, هو كاذب شرير علينا ، وعلي الله ، وعلي الدين, وهي البدعة الملعونة في الاسلام نصا وروحا ، اصطلاحا ولغة, لانها بدعة في الدين، انهم بهذا المعنى من المتنبئين .
الفتوي اسمها فتوي شرعية , والدار الرسمي لها اسمه دار الفتوي والتشريع, لذلك هي قانون ،ومع سيل الفتاوي المنهمر ؛ أصبح كلام الفقهاء والمفتين في منزلة الوحي وشريعته, وأصبحت الفتوي قانون ديني ملزم الزام الوحي. رغم أن كل ما قال الفقهاء ، والمفسرون ، والمفتون ، وأصحاب المذاهب ، قد صدر بعد توقف الوحي بموت النبي, وهو ما يعني انها غير ذات سند سماوي ولا يمكن ان تكون في حجية شريعة محمد, لانها جميعا من وضع البشر ، ............ انها جميعا بهذا المعني "وضعية" بكليتها تشوبها نقائص الوضع مثلها مثل اى منجز انسانى اخر.
الشيخ اذن لا يملك أية قداسة بل هو لاعب بدين الله, ويضع رأيه الشخصي مقدما علي الوحي الالهي ويفرضه علي المسلمين ويلزمهم به, ومع معرفتنا ذلك يجب أن تتراجع مهابة الشيخ الرهابيه من انفسنا, فهي حالة رهابية غير ذات سند ولا سلطان ولا شرع الهى ولا ارضى.
ان السبب الحقيقي وراء فوضي المشايخ والفتاوي والدعاة في بلادنا انه ليس لدينا مجلس تشريعي حقيقي ، ولا قانون مدنى حقيقي, وهو ما أدي الي تأكل الدولة المدنية ومؤسساتها وتراجعها, ليحل الشيخ في كل محال اتخاذ القرار والسيادة الممكنة, وأمسي يمارس حقوقا لا يملكها غيره من المسلمين دون مبرر واحد ديني أو دنيوي يمنحه تلك الحقوق, ويرفض ان يكون لغيره من المسلمين مثل هذا الحق ، ناهيك عن غير المسلمين من مواطنين . الشيخ يفكر .... اذن علي المسلم ألا يفكر. فقد قال الغزالي ، وقرر بن تيميه ، وحسم بن حنبل ، وانتهى ابن عبدالوهاب .. ، هذا هو مقياس الامور ، و بة حسمها أيضا ، أقوالهم هم ، فيلعبون في شغل الله ، ويعبثون بتخصصاته ليسلبوه بعضها, ويتهمون العلمانيين الضعاف من أمثالى بالعبث بدين الله مع تكفيرى بغرض قتلى. فمثل هذه المقالة التي بين يديك مثلا هي عندهم عبث بدين الله ، رغم انها لم تفتر فتوي ، ولم تضف ألى الأسلام ، ولم تحذف منة شيئا ، أنهم يلبسون علي المسلمين ان من مسهم اومس فتاواهم فقد مس الله ذاته ، الم اقل لكم انهم يشتهون الربوبية !!!
ان صحيح الايمان المفترض، يؤمن ان الله عندما ترك ما ترك دون تشريع أو تدخل ، لم يكن سهوا منه ، فلا شئ عنده عبثا. انما ما يجب أن يفهمه المؤمن ان الله ترك ما ترك قصدا ، وعمدا ، لانه لم يرد التضييق علي عبادة بالاكثار من التشريعات ، والتحريمات ، والتجريمات. ليترك لهم عن قصد منة ورغبة مساحة حرية يمارسون فيها انسانيتهم ، يضعون لانفسهم فيها ما يناسبهم من تشريعات, لان الله كان يعلم أن الدنيا ستتطور, وكان يعلم أن الاحوال ستتبدل لانه هو الله, وليس غيره اله ، اليس هذا ما يعتقد المسلمون ؟.
هل يعتقد المسلم البسيط أو المفكر أن رب الاسلام ، كان لا يعلم أنه سيكون في الارض يوما بلدا مثل امريكا وبقدرات امريكا, او بوجود الاتحاد الاوروبي, أو هيئة الامم ........؟ بالطبع فيما يعتقد المؤمن ، ان اللة كان يعلم ، كان يعلم ولم يذكرها ولم يضع لنا اي قواعد تشريعية محددة للتعامل معها ، وترك لنا مواجهة مشاكلنا بأنفسنا فسكت عنها ، لكن مشايخنا يحلون في مساحتنا الحرة ليصادروها ، و ليصدروا فتاواهم ازاء مثل تلك المستحدثات.
واذا كان رب الاسلام قد علم بذي القرنين وفتوحاته كما ورد بالقرأن ، فلا شك انه كان يعلم ان استاذ ذي القرنين كان هو الفيلسوف اليوناني ارسطو, وأن استاذ أرسطو كان افلاطون ، ومع ذلك لم يندد لا بأرسطو ولا بأفلاطون ولا بالفلسفة ولم يكفر المتفلسفين ..... كما فعل الامام حجة الاسلام أبو حامد الغزالي من بعد ، وألجمنا عن التفلسف والكلام ، بكتابه (الجام العوام عن علم الكلام) ، بينما لم يفعل ذلك ربنا فترك لنا ما تركه دون ان يحدد منه موقفا ، ليكون مساحة المؤمنين الحرة للاخذ من السياسة الارسطية ، أو الجمهورية الافلاطونية ، أو قوانين سولون وروما ، او من ديمقراطية اليوم ومقد ساتها القانونية الحقوقية الراقية انسانيا.
ان رب الاسلام أيضا حسبما يخبرنا القرآن كان علي علم بأنظمة الحكم المختلفة ومنها حكم بلقيس لمملكة سبأ, وكيف انها كانت لا تتخذ قرارا الا بعد الرجوع الي مجلسها الشعبي (ملئها) ، ولم يعترض عليها نبي الله سليمان بهذا الشأن ، حسبما جاء فى القرأن، ولم يعب عليها نظامها في الحكم, لكنه عاب عليها دينها, وترك لشعب سبأ نظامهم شبية الديمقراطي في الحكم ، دون ان يندد به أو يعترض عليه. كان ما عابة عليهم هو سجودهم لغير الله وليس طريقة حياتهم.
القرآن والسنة لم يتكلما عن زرع الاعضاء ، ولا عن التدخين ، ولا عن مجلس تشريعي ، ولا عن حقوق الانسان ، لأن رب الاسلام كان يعلم أن التطور وحده وهو قاعدة الكون الازلية, وان هذا التطور سيفرز ما سوف يفرزة في حينه ، وترك ذلك لعباده حرا طليقا لأنها شؤون لم تكن قد وجدت بعد ،و دون أن يدخله تحت قوانين مقدسة ، حتي لا يتجمد المسلمون عند النص, وحتي لا يختلف المسلمون حوله ويتقاتلون, تركها مساحة حرة لهم ليتنافسوا فيما هو الاصلح لهم ؛ بدلا من أن يتقاتلوا لعبا بالدين وبالسيوف وبمصائر شعوب بكاملها.
كذلك لم ينتقد رب الاسلام القيم الانسانية وما يحميها من قوانين وضعية, رغم انها كانت كقوانين من وضع المجتمع عبر جمعيات منتخبه شعبيا, كانت معروفة وموجودة في روما قبل ظهور الاسلام بألف عام كاملة, وسكت عنها القرآن وترك للأجيال اللاحقة عندما تكتمل نضجا وعندما تحتك بدول العالم وترتقي مثلها ، ان تسعي اليها تستلهمها وتستلهم منها, وهو ما سبق وسمحت ببعضة الضئيل الدولة العباسية ، فانجبت كوكبة من المفكرين لم يتكرروا بعدها أبداً.
أليست القاعدة : " مانهاكم عنه فانتهوا, وما آتاكم فخذوه" ؟ اذن لماذا يحرم المشايخ كل يوم شأن مما تركه الله مسموحا؟ ولو كان مضمون الفعل الفتوي أصلا من أصول الدين لقاله لنا ربنا ، ولم ينتظر الدعاة حتي يأتوا من بعد توقف الوحي ليكملوا له شرعه ودينه ويفتون في الارض كالآلهة.....فسادا ..... أنهم يريدون الربوبية ,,,, لا محيص . !!!!! .
ان من حق المسلمين اليوم ان يستردوا ما أخذه منهم المشايخ وما صادروه بفتاواهم, من حقهم ان يقيموا صناعة سياحة حرة طليقة تكفل عيشا كريما في بلد فقير, من حقهم ان يقيموا الكرنفالات السعيدة ، وان يستعيدوا الفرح ، والحفلات ، والفنون التي تروح عن الروح ، من حقهم ان يضعوا شرائعهم بأيديهم كبقية خلق الله , من حقهم النهوض بالمرأة ، وبالسينما ، وبالبنوك ، وأن تصبح مسألة أدخن أو لا أدخن ، أسهر بالحسين أو بكازينو بالهرم ، ألبس الحجاب أو الميني جيب أو طاقية الإخفاء , مسائل حرية شخصية يجب طرد المشايخ منها , حرصا علي الدنيا وعلي الدين وعلي عقول المسلمين.
ان طرد الدهاقنة والسد نة والكهنة والأحبار و المشايخ وكل من اشتغل بالدين من عالم المسلمين ، واجب ديني علي كل مسلم يحب دينه ووطنه, فليس في الاسلام كهانة ولا سدانة ، وليس في كتاب الله ولا في سنة نبيه شيئا اسمه الازهر أو رجال الازهر او جماعات تزعم الإسلام دون كل المسلمين. وتركهم يلعبون بنا ويديننا مأثمة عار علي كل مسلم فرط في كرامته التي منحها له الله (ولقد كرمنا بنى أدم ) ، وفي دينه ، وفي وطنه ، وترك كل شئ لرجال مثلنا لهم مطامع ورغائب ونزعات وحاجات بشرية , رغم أنهم ليسوا بآلهة ، ولا بأنبياء ، ولا بأنصاف أنبياء. ولاهم حتى من الصالحين .
أيها المسلمون أعلنوا ايمانكم بأن محمداً هو خاتم النبوات بطرد الكهنة من حياتكم ، حتي تصحوا وتتعافوا وتلحقوا ببقية الامم ، وربما عليكم قبل ذلك ............ اقامة محاكمات علنية شفافة ، لآخر جيل من هؤلاء في زماننا ، ولأسماء من مات منهم... زيادة فى تحرى العدل .