Showing posts with label ثقافة. Show all posts
Showing posts with label ثقافة. Show all posts

Sunday, April 17, 2011

(ولدي وحيدي) اوبريت فلسطيني يتناول محطات من حياة السيد المسيح


رام الله (الضفة الغربية) (رويترز) - (ولدي وحيدي) اوبريت فلسطيني يجمع الغناء والتمثيل في سرد المحطات الهامة من حياة السيد المسيح.

قدم الاوبريت مساء السبت على خشبة مسرح (قصر رام الله الثقافي) بمشاركة عشرين ممثلا ومرتلا. ولم تتسع مقاعد المسرح ومجموعها 850 مقعدا للجمهور مما دفع عدد منهم الى أن يجلس في الممرات.

وقالت فاتن خوري مخرجة العمل لرويترز بعد العرض الذي استمر ساعتين " اردنا في هذا العمل ان نؤكد ان المسيح عليه السلام فلسطيني وانه تحمل الكثير من العذاب والالم وبقي في هذا البلد... هذه رسالتنا الى شباب اليوم ان يبقوا في هذا البلد ولا يرحلوا منها مهما كانت الظروف صعبة."

وتشير بعض الاحصاءات الى ان نسبة المسيحيين في الاراضي الفلسطينية تقارب الواحد في المئة بعدما كانت تزيد عن عشرة في المئة في اوائل القرن التاسع عشر بسبب هجرة الكثيرين لاسباب مختلفة منها الاقتصادية او بسبب الاحتلال الاسرائيلي واجراءته المتمثلة في بناء الجدار والحواجز العسكرية وعزل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني.

واختارت خوري ان توصل رسالتها الداعية الى عدم الهجرة من الاراضي المقدسة من خلال حوار بين شاب من العصر الحديث ايمانه متزعزع في كل شيء ويريد الرحيل عن البلد يدفعه الى هذا التفكير الشيطان مقابل دعوة من مريم المجدلية التي تروي له قصة السيد المسيح وبقاءه في البلد.

وعملت مصممة الازياء امريكا فواضلة على تصميم ازياء الممثلين لتكون كما كانت عليه في عصر السيد المسيح وقالت لرويترز "بحثت كثيرا وعدت الى التاريخ كي اخرج بهذه التصاميم التي يرتديها الممثلون لنضع الجمهور في جو الاحداث التاريخية التي جرت في ذلك العصر."

ويقدم الاوبريت على وقع التراتيل الاناشيد الدينية التي دمجت مع التمثيل ليكملا بعضهما البعض بداية بتعميد السيد المسيح وما حدث معه في قانا الجليل عندما حول الماء الى خمر والعشاء الاخير وقصة الزانية وكيف تخلى اصدقاؤه عنه وكيف وشى احدهم بمكانه الذي كان فيه تحت شجرة زيتون كانت موجودة على خشبة المسرح وصولا الى تعذيبه وصلبه.

واوضحت مخرجة العمل الذي جاء بمبادرة من كنيسة (العائلة المقدسة للاتين في رام الله) ان جميع المشاركين في التمثيل هم من الهواة والمتطوعين وقد استغرق تدريبهم شهرين بشكل مكثف للخروج بهذا العرض امام الجمهور.

وقال فيصل حجازين راعي كنيسة العائلة المقدسة للاتين في رام الله في كلمة له امام الجمهور قبل العرض "افتتاح هذا العمل المسرحي هذه الايام يأتي مع بدء الاحتفالات باسبوع الالام وعيد الفصح المجيد واسمحوا لي ان اتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساهم في انجاح هذا العمل الذي نفتخر بعرضه الليلة (امس) امامكم."

وقال منظمو العمل ان هناك خططا للقيام بجولة عروض في الناصرة وحيفا والاردن وايطاليا لكن لم يتم وضع جدول زمني بعد.

وكان العمل عرض للمرة الاولى الاسبوع الماضي في مدينة بيت لحم مهد السيد المسيح.


Thursday, April 14, 2011

الكاتب الاسباني خوان جويتيسولو.. عن القاهرة والاستهلاك والمتصوفة



القاهرة (رويترز) - بعيدا عن الرؤية الاستشراقية ينتقد الكاتب الاسباني خوان جويتيسولو المسلسلات التلفزيونية المصرية متهما اياها بتخدير "ذكاء وحساسية الشعوب العربية" وتغذية خيال الفقراء والمتسولين في القاهرة بالحلم بحياة أفضل حين يشاهدون الشقق الواسعة والفراش الوثير.

وفي جولته ببعض الاحياء الشعبية في القاهرة الفاطمية حيث تنتشر ورش صناعة الاثاث يكتشف تكرار النموذج الاستهلاكي لشكل قطع الاثاث وهي "تلفزيونية من الدرجة الاولى" ولكنها تلبي حاجة نفسية لدى قطاع كبير من "المستفيدين من الانفتاح الاقتصادي المتوحش في عهد (الرئيس الاسبق أنور) السادت."

ويصف مدينة القاهرة في كتابه (مقاربات لجاودي في كبادوكيا) بأنها مفرطة وقاسية رثة ورائعة "تنحل كي تعلو" ثم يعود الى ما يسميه تشخيص حال المدينة سياسيا كما سجله الرحالة المغربي الاشهر شمس الدين محمد بن عبد الله الطنجي المعروف بابن بطوطة قبل نحو 700 عام اذ قال "يستبد العسكر والشعب يئن تحت وطأة الحكم ولا يهتم الاقوياء بذلك والعجلة تدور."

ويعلق جويتيسولو متسائلا.. أيوجد شكل أفضل لتلخيص تاريخ المدينة في الخمسين سنة الاخيرة؟

وكبادوكيا في عنوان الكتاب هي منطقة في تركيا أما جاودي فهو معماري اسباني (1852- 1926) والترجمة العربية للكتاب صدرت في 165 صفحة كبيرة القطع عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة. وترجمت الكتاب أستاذة الادب الاسباني بجامعة حلوان هيام عباس محمد.

ويحظى جويتيسولو الذي يعيش في مدينة مراكش المغربية باحترام الاوساط الثقافية العالمية والعربية بسبب مواقفه المناهضة للدكتاتوريات منذ عارض نظام الجنرال فرانكو في اسبانيا وأعلن العام الماضي رفضه جائزة القذافي العالمية للاداب في دورتها الاولى 2010 قبل الاعلان عن منحها له.

وفي مقدمة الكتاب قالت أستاذة الادب الاسباني بجامعة عين شمس نادية جمال الدين التي راجعت الترجمة ان الهم الاكبر لجويتيسولو الذي يكتب الرواية والقصة وأدب الرحلات والمقال هو اقامة الصلات بين الحضارات.

وأضافت "منح النفي لابداع جويتيسولو عالمية وحرره من المحدودية الظرفية... التجارب السابقة لجويتيسولو جعلته.. انسانيا عالميا بلا جنسية ولا وطن كما يذكر في روايته لسيرته الذاتية..

"لكوني اسبانيا في كتالونيا ومتفرنسا في اسبانيا واسبانيا في فرنسا ولاتينيا في أمريكا ونصرانيا في المغرب وعربيا في كل الامكنة لن أطيل في العودة نتيجة ترحالي وسفري الى ذلك النموذج الفريد لكاتب غير مطارد من أحد. غريب وعاص ومعرض عن التجمعات والطبقات ... أن أكون خارج أسوار أيديولوجيات أو نظم أو كيانات مجردة اتسمت دائما بالانكفاء على الذات والتقوقع."

وصدرت الترجمة بمناسبة زيارة جويتيسولو للقاهرة حيث يتحدث مساء يوم الخميس في ندوة تقام بالمجلس الاعلى للثقافة بالتعاون مع السفارة الاسبانية في القاهرة ضمن احتفالات المركز الثقافي الاسباني (معهد سربانتيس) بمرور 20 عاما على تأسيسه.

ويضم الكتاب مقالات يسعى فيها المؤلف الى الاقتراب من فضاءات حضارية وتقاليد ومشاهد تراثية وفنية اسلامية.

فعلى سبيل المثال يتناول في فصل عن الدراويش اثار مولانا جلال الدين الرومي مشيدا بما يسميه "السحر الخالد للاناشيد الصوفية" وفي القلب منها أعمال الرومي.

ويقول ان أعمال الرومي "متعددة ومعقدة فقارئ اليوم كما يؤكد المفسرون والشارحون لهذه الاعمال لا يملك الا أن يندهش أمام بعض حالات التجليات الغيبية لمولانا التي سمحت له أن يتنبأ قبل كوبرنيكوس (1473-1543) والاكتشافات الحديثة الفيزيائية والفلكية بانجذاب الشمس لكوكب الارض ومعرفة عدد كواكب نظامنا الشمسي أو أن داخل كل ذرة تتكرر بصور أصغر المجموعة الكونية. فالدوران الثمل للدراويش ما هو الا الدورة السريعة جدا والدائمة للنجوم التسعة."

ويورد نصا للرومي يقول فيه "أيها اليوم أقبل. الذرات ترقص-والارواح الغارقة في النشوة ترقص-سأقول لك عند سمعك الى أين سيأخذك السماع-كل الذرات في الهواء وفي الصحراء-أعلم جيدا أنها تبدو مجنونة-كل ذرة بائسة أو سعيدة-تقع في حب الشمس. في الحقيقة شيء لا يمكن التعبير عنه".


Wednesday, March 23, 2011

الطريق الى مكة.. طبعة كاملة بعد حذف انتقادات من طبعة السعودية


أبوظبي (رويترز) - بصدور طبعة جديدة من ترجمة كتاب (الطريق الى مكة) تتاح للقارئ اراء وأفكار مؤلفه محمد أسد وفيها انتقادات للملك عبد العزيز ال سعود حذفت من الطبعة السعودية لكتاب يعد وثيقة أدبية وتاريخية على مرحلة تحولات كبرى في المنطقة.

والكتاب الذي صدرت ترجمته في 500 صفحة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة خلا من الانتقادات التي سجلتها الطبعة الجديدة ومنها أن عبد العزيز "لم يشرب شعبه كل الرغبة في التعليم حتى ينتشلهم من وهدة الجهل" وهو ما اعتبره المصري رفعت السيد علي مترجم الكتاب "خيانة للنص" الذي كتبه المؤلف.

وأسد (1900-1992) اسمه الاصلي ليوبولد فايس اليهودي النمساوي الذي أسلم عام 1926 وتزوج في الحجاز وأنجب ابنه طلال وعاصر أحداثا كبرى اذ كان صديقا مقربا للملك عبد العزيز ولابنه فيصل وتجول في ايران وفلسطين ومصر وشارك عمر المختار كفاحه ضد الاحتلال الايطالي لليبيا وقابل محمد اقبال وعمل رئيسا لمعهد الدراسات الاسلامية في لاهور ثم أصبح مندوبا لباكستان في الامم المتحدة.

وسجل الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين الرئيس العام لشؤون الحرمين في مقدمة الطبعة السعودية أن هذه الترجمة "أمينة لكتاب (الطريق الى مكة) لواحد من أهم رجالات الغرب الذين أسلموا خلال القرن العشرين وتركوا بصمة كبرى في الثقافة العربية الاسلامية والاوروبية... المؤلف خرج من جاهلية الغرب الى نور الاسلام."

وجاءت الطبعة السعودية بها صور لعبد العزيز وأبنائه ومنهم فيصل وسعود في العشرينيات واضافة لقب "الملك" الى عبد العزيز في حين يسميه أسد في معظم الاحوال "ابن سعود" وحرص محرر الكتاب على اضافة التاريخ الهجري قبل الميلادي الى النص الذي تخلو طبعته الجديدة من التاريخ الهجري.

والطبعة الجديدة أصدرتها (منشورات الجمل) ببغداد وبيروت في 560 صفحة وطرحتها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي اختتم دورته الحادية والعشرين الاحد الماضي.

وتسجل الطبعة الجديدة ما حذف من سابقتها ويخص عبد العزيز في سياساته أو حياته الخاصة ومنها أنه كان يعتقد أنه على صواب "ويتجنب محاسبة الذات" ولم تبذل الاعداد الكبيرة من المحيطين به جهدا لتصحيح ميل الملك للاعتقاد بصحة قراراته وهكذا "خذل الوعد العظيم الذي ملاه في شرخ شبابه حين كان حالما بطموحات تطاول السماء وخذل أمة ناشئة وربما لم يدرك ذلك... ويتحدث بعض أفاضل أهل نجد بمرارة عما اعتبروه خيانة للطموحات والامال الكبيرة التي راودتهم الا أنها لم تتحقق."

ويورد المؤلف فيما حذف من الطبعة السعودية احباطات أهل نجد الذي انضموا الى عبد العزيز ضد ابن رشيد أحد المناوئين لابن سعود وظنوه "موسى جديدا... اكتشفنا ونحن مرعوبون أنه فرعون" ويعلق أسد قائلا انه لم يشك في حب ابن سعود العميق لابناء شعبه ولكنه "كان صقرا لم يحوم بأجنحته كما ينبغي".

ويضيف "بعد فترة قصيرة من كتابة هذا الكتاب 1953 توفي الملك ابن سعود عن عمر يناهز 73 عاما وبوفاته انتهت مرحلة من مراحل تاريخ الجزيرة العربية. حين رأيته اخر مرة عام 1951 وكنت أقوم بزيارة رسمية للمملكة العربية السعودية كممثل رسمي لدولة باكستان بدا لي أنه كان على وعي بأنه أضاع عمره فيما كان أقل مما يجب عليه عمله. بدا وجهه الذي كان يطفح بالقوة والحيوية مليئا بالمرارة. بدا وكأنه يتحدث عن انسان اخر قد مات فعلا ودفن ومن الصعب تذكره."

ويسجل المؤلف في الفقرات المحذوفة من الطبعة السعودية جانبا من تجاهل عبد العزيز لفكرة المستقبل "وغياب الرؤية الادارية الصحيحة".

ففي عام 1928 كان أسد شاهدا على زيارة قائد حركة الاستقلال السوري شكيب أرسلان لعبد العزيز في مكة واقترح أرسلان خطة لتطوير وادي بيشا ليصبح مصدرا لغلال تكفي منطقة الحجاز وقال ان الخطة العلمية تستغرق عشر سنوات ولكن ابن سعود قال "هذا زمن طويل جدا. اننا معشر البدو لا نعرف الا شيئا واحدا. مهما يكن بأيدينا فاننا نضعه في أفواهنا ونأكله. التخطيط لعشرة أعوام يشكل زمنا طويلا بالنسبة لنا."

وقال اسد ان الحاضرين تبادلوا نظرات الدهشة ولم يصدقوا وأضاف "بدأت بعد ذلك أتساءل.. هل ابن سعود رجل عظيم جرفه الملك والرفاهية بعيدا عن العظمة. أم مجرد رجل ذي شجاعة عظيمة وذكاء خارق ولا يتطلع الى ما هو أكثر من السلطة والقوة.."

وسجل أنه كان يريد أن يؤسس دولة "تعتمد في حكمها روح نصوص القران الا أن تلك الامال لم تتحقق فكلما زادت قوته وتمكنت كان يتضح أكثر أن ابن سعود لم يكن أكثر من ملك لا يهدف الى ما هو أكثر مما استهدفه كثير من حكام الشرق الذين حكموا بلادهم حكما أوتوقراطيا من قبله."

وقال انه كان نبيلا وشهما ووفيا لاصدقائه ومؤيديه وبسيطا ومتواضعا ويعمل بدأب ويحرص على الصلاة ويقضي ساعات طويلة من الليل في تعبد. ولكن الطبعة السعودية حذفت بقية الجملة وهي "الا أنه في الوقت نفسه انغمس هو ومن حوله في ترف مسرف بلا حدود... لم يرد الى ذهنه أن الصلاة وسيلة لا غاية في ذاتها... أهمل اعداد أبنائه الاعداد الملائم لمواجهة المهام التي كان عليه القيام بها.

"وحين سئل ذات مرة لماذا لا ينظم المملكة على أسس أقل فردية حتى يرث أبناؤه دولة منظمة ذات مؤسسات أجاب.. لقد غزوت أرجاء مملكتي بسيفي وبمجهودي الشخصي فليبذل أبنائي أيضا مجهودهم من بعدي."

وقال أسد أيضا ان "تنظيم الاخوان" المتشدد والذي يميل الى خوض الحروب كان قوة في يد ابن سعود ولكن الطبعة السعودية حذفت قول المؤلف ان ابن سعود "ظل قانعا وراضيا بما هو عليه من مظاهر بدائية وفهم سحطي للدين وابتعاده عن المعارف الدنيوية.. لم يفعل لهم (الاخوان) الا ما وجده بالكاد ضروريا للحفاظ على حماسهم الديني.. لم ير ابن سعود في حركة الاخوان الا قوة في يد السلطة. وفي الاعوام الاخيرة قدر لهذا القصور أن ينقلب ويصبح قوة مضادة تهدد المملكة التي شيدها بجهده."

وحذفت الطبعة السعودية ما كتبه المؤلف عن "ضيق النظر" لدى الوهابيين الذين "اعتبروا أنفسهم الممثلين الوحيدين للاسلام وأن كل مسلمين اخرين خارجون على العقيدة ومنشقون عنها... جاء القصور من ضيق النظر الذي اتسم به أتباع الحركة وسعيهم الى اجبار الناس على أداء الشعائر الدينية حرفيا وبالامر متجاهلين أهمية النفاذ الى الجوهر الروحي ومحتواه."

وعن الحياة الخاصة بالملك قال المؤلف انه لم يكن يترك نفسه للانغماس العميق في المشاعر العاطفية تجاه النساء. وتسجل الطبعة الجديدة ما حذفته الطبعة السعودية في هذا الشأن مثل وضع "قيود شديدة حول معرفة العدد غير المحدود من النساء اللاتي تزوجهن وطلقهن... فقد تزوج ابن سعود من جميلات كثيرات في اقباله الدائم على الزواج."

وقال رفعت السيد علي مترجم الكتاب لرويترز ان الطبعة السعودية ارتكبت "خيانة لنص الكاتب محمد أسد حين حذفت كل ما اشتمت منه رائحة نقد لعبد العزيز ال سعود الذي كان يراه أبناء العالم الاسلامي في بدايات القرن العشرين مخلصا منتظرا من الاحتلال الغربي فاذا به لا يمثل الا طموحا ضيقا للسلطة على الجزيرة العربية بمباركة من الدول الاستعمارية ذاتها."

وأضاف ان هذا الحذف نوع من "تنزيهه (عبد العزيز) عن أي خطأ يقترب من تقديس الاسلاف."


Friday, August 27, 2010

الفراعنة.. والصلاة بالوضوء

كان المصرى القديم منذ آلاف السنين يعرف الإله.. فقد أرسل الله له إدريس «واذكر فى الكتاب إدريس.. إنه كان صديقا نبياً» (مريم ٥٦)، كما أرسل الله لمصر القديمة حكماء.. مثل لقمان، الخضر، بل رسلا.. «ولقد أرسلنا رسلا من قبلك.. منهم من قصصنا عليك.. ومنهم من لم نقصص عليك» (غافر ٧٨).

كان الدين فى مصر القديمة عقيدة خماسية، وكلمة دين كلمة مصرية من كلمة «دى» أى خمسة بالمصرى القديم، وكانت هذه العقيدة الخماسية ١- التوحيد ٢- الصلاة ٣- الصوم ٤- الزكاة «الماعون بالمصرى القديم» ٥- الحج «وهى كلمة مصرية قديمة».

ومنذ عصر الملك مينا، كان شعار الدولة النجمة الخماسية وحولها الهلال «الأدب والدين ١٢٨ أنطون ذكرى» رمزا للعقيدة الخماسية والشعائر الدينية.

أما عن التوحيد، فكانوا يقولون: أنا الإله واحد أحد، موجد نفسى بنفسى.. ليس لى كفوا أحد. كما كانوا يقولون: وع وع نو سنو، أى أحد أحد لا ثانى له، كما كانوا يرسمون أذنين وعينين ويقولون: إنه السميع البصير الذى يجيب دعوة الداعى إذا دعاه «معبد كوم أمبو».

أما عن الصلاة فكانت بالوضوء.. نجد صورة للملك مينا ذاهبا إلى «بر ضوا» أى بيت الوضوء، ووراءه الموضئ حاملا إبريقا من الماء والـ«تشب تشب» أى الشبشب «إيمرى ٢٣٣ مصر فى العصر العتيق».

كانت الصلاة خمس مرات بالوضوء.. وكانوا يسجدون بالأذقان حتى يواجهون الله بوجوههم.. وجاء ذكرهم فى القرآن الكريم.. «أولئك الذين يخرون للأذقان سجدا»، كما كان بهم «إمم» أى إمام، وكانوا يصطفون صفوفا وراء الإمام، وهذه الصلاة هى صلاة الجماعة.

كان الوضوء يبدأ بالنية، وكان المصرى القديم يقول: نويت الصلاة، ثم يبدأ بغسل الوجه، فمسح الجبين والأذن والأنف، ثم غسل اليدين إلى المرفقين، ثم تغطيس الرجل اليمنى ثم اليسرى فى الماء «نديم السيار - المصريون القدماء.. أول الحنفاء ٣١٧»، أما نواقض الوضوء فهى نفسها المعروفة الآن.

أما ستر العورة، فكان شرطا من شروط صحة الصلاة، وكان الثوب بالتحديد يجب أن يغطى الركبة «كتاب الموتى الفرعونى.. د. فيليب ص٢٧ - ٣١-٥٣-٦٩».

أما استقبال القبلة، فكانت قبلتهم نحو الجنوب، ونحن نقول الوجه البحرى لأنه ناحية البحر.. أما الوجه القبلى فلأنه ناحية القبلة، وكانت قبلتهم قبر أوزوريس فى أبيدوس فى جنوب سوهاج.

أما أوضاع الصلاة فكانت تحتوى على أركان خمسة:

١- وضع التكبير ٢- وضع الوقوف مع وضع اليد اليمنى فوق اليسرى.

٣- وضع الركوع.

٤- وضع السجود.

٥- وضع القعود. «المصدر السابق ٣٧٤».

وكل هذه الأوضاع مرسومة على الجداريات والبرديات بتفاصيل كثيرة.

كان أجدادنا العظماء يصلون: أيها الواحد الأحد، الذى يطوى الأبد، يا موجد نفسك بنفسك، يا مرشد الملايين إلى السبل، يا من يجعل الجنين يكبر فى بطن أمه، لم أُلحق ضررا بإنسان، ولم أتسبب فى شقاء حيوان، ولم أعذب نباتا بأن نسيت أن أسقيه ماء، بل كنت عينا للأعمى، ويدا للمشلول، ورجلا للكسيح وأبا لليتيم، إن قلبى نقى، ويدى طاهرتان.

ويأتى أحفاد هؤلاء العظماء ويقولون: كفرة! وعبّاد أوثان! وصوت أبى العلاء يأتى من بعيد:

لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إنى أخاف عليكم أن تلتقوا

ويظن أتباع الديانات السماوية، أن الدنيا بدأت بهم.. ولا يعرفون أن كل ما لديهم كان موحيا به فى مصر القديمة منذ آلاف السنين قبلهم..! ليس هذا فقط بل تسيل الدماء بينهم.. وأحمد شوقى أمير الشعراء يوقظهم:

لا تجعلوا الدين باب الشر بينكم، ولا محل مباهاة وإذلال

ما الدين إلا تراث الناس قبلكم، كل امرئ لأبيه تابع تالِ

د. وسيم السيسى - Almasry Alyoum

waseem-elseesy@hotmail.com


Tuesday, July 06, 2010

«المصرى اليوم» تحاور زوجين تخصصا فى جمع الوثائق النادرة: حق مصر فى مياه النيل «قانونى».. ولدينا «وثيقة خطيرة» تؤكد ذلك

جمعهما حب الحصول على الوثائق واقتنائها حتى ارتبطا عاطفياً ببعضهما البعض، فأصبحا من أشهر جامعى الوثائق على مستوى العالم بسبب المقتنيات المهمة التى حصلا عليها، والتى قاما بإهداء جزء كبير منها لمكتبة الإسكندرية، ممثلاً فى عدد من الخرائط والأطالس النادرة التى من بينها ما يحكى قصة النيل واتفاقاته.

فما قدمته المستشارة هايدى فاروق، والسفير مدحت القاضى، عضوا الجمعية الجغرافية المصرية، والباحثان فى الأرشيفين البريطانى والأمريكى، من وثائق ينفى مزاعم دول حوض النيل بأن اتفاقية تقسيم المياه «استعمارية»، وتشير إلى وجود اتفاقية تم إبرامها عام ١٩٠٢ بين السودان، وقت أن كانت تابعة للأراضى المصرية، وبريطانيا وإيطاليا وإثيوبيا (الحبشة) وأوغندا، وكانت هذه الاتفاقية عبارة عن اتفاقية «حدود» وليست اتفاقية مياه، مما يعنى أنها غير قابلة للتعديل «حسب القانون الدولى».

الباحثان كشفا أيضاً ـ خلال حوارهما لـ«المصرى اليوم» ـ عن أن الوثائق تؤكد أن الاتفاقات المبرمة عامى ١٩٢٩ و١٩٥٩، التى تصفها بعض دول الحوض بـ«الاستعمارية» ليست سوى «مخاطبات» متبادلة تمت بين محمد محمود باشا، رئيس وزراء مصر آنذاك، ووزير خارجية بريطانيا هندرسون، توثق وتعضد اتفاقية ١٩٠٢.

حول إهداءات الباحثين لمكتبة الإسكندرية، التى تضمنت أيضاً الخريطة الأصلية الوحيدة والنادرة للعالم الإدريسى، كان لـ«المصرى اليوم» معهما هذا الحوار:

■ بداية معالى السفير، قمتم بتسليم مكتبة الإسكندرية خريطة الإدريسى، فما قصة هذه الخريطة؟

ـ القصة بدأت عندما اجتمع ملك صقلية روجرز الثانى بالعالم الإدريسى، فى بداية القران الثالث وطلب منه رسم أول خريطة للكون، فظل الإدريسى يرسمها على مدار ١٥ عاماً، ثم سلَمها لروجرز، وظلت هذه الخريطة فى حوزته حتى اختفت إلى أن اكتشفها القائد الألمانى ملنر عام ١٩٢٣ وعمل نسختين منها، إحداهما إنجليزية موضوعة فى المتحف الألمانى، والثانية عربية على القماش اشتراها الملك فؤاد، وهى النسخة التى اختفت بعد حريق القاهرة، ثم ظهرت فى إحدى دول الخليج حتى ذهبت إلى العراق، وبعد الغزو الأمريكى عادت إلى مصر وقمنا بشرائها، ولم نجد أفضل من مكتبة الإسكندرية لإهدائها هذه الخريطة، التى استغرقت عملية الترميم الخاصة بها نحو ٦ أشهر داخل المكتبة بعد أن كانت «معذبة» قبل شرائها.

■ ماذا تقصد بـ«معذبة»؟

ـ نعم معذبة، فالخريطة يجب أن نتعامل معها على أنها كائن حى ولسان حال الفترة التى عاصرتها وتعبر عنها.

■ وفق معايير المكسب والخسارة، ألا يعد شراء الوثائق والخرائط العامة بالملايين بغرض تقديمها كهدايا إلى الجهات التى ترون أنها تستحقها خسارة؟

ـ بالطبع لا فلا أحد يحب الخسارة، ولكننا نحب ما نفعله ونشعر بأننا نقدم شيئاً مفيداً لبلدنا، فخريطة مثل خريطة الإدريسى التى أهديناها مؤخراً إلى مكتبة الإسكندرية كان من الممكن أن نبيعها بالملايين، لكننا رأينا أن أفضل مكان لها هو المكتبة التى اعتبرتها «درة التاج» وقامت بوضعها فى مقدمة مكتبة الخرائط التى أنشأتها مؤخرا تقديرا لقيمتها، حيث لا يوجد منها فى العالم سوى نسخة واحدة فقط هى التى أهديناها للمكتبة.

■ المستشارة هايدى، بالعودة إلى ما تجمعونه، هل تركزون فقط على جمع الخرائط؟

ـ بالطبع لا، فنحن لدينا خرائط ووثائق، لكن بالنسبة للوثائق فنوظفها لخدمة العمل الوطنى ونضعها فى المكتبة ليستفيد منها الجميع.

■ هل فكرتم فى تسويق هذه الخرائط بين الدول، خاصة أن بعضها يمكن استغلاله أو توظيفه سياسياً؟

ـ السفير «القاضى»: هذا المبدأ مرفوض تماماً، فلا يعنينا أن يستفيد طرف على حساب الآخر، ولا يهمنى أن أستفيد أنا منها مادياً، لكن يعنينى أن تكون فى مكانها الصحيح، لأننا، كفريق بحثى، لا نهدف إلى تصنيفها سياسياً ولكن نتركها أمام الباحثين فى المكتبة، والذين بدورهم يضعون التحليلات والتصنيفات لها، لأن تصنيف الخريطة لخدمة طرف على حساب آخر ليس قضيتى.

المستشارة هايدى: أتفق تماماً مع ما قاله سيادة السفير، فنحن نوظف الخرائط والوثائق طبقا لأهميتها وزمنها، ولكن لا نصنفها سياسيا لخدمة طرف على حساب الآخر.

■ هل هناك أسس محددة تسيران عليها فى جمع الوثائق؟

ـ السفير: زوجتى بدأت فى هذا المجال كهاوية، ثم تحولت إلى الاحتراف وساهمت فى أعمال داخل مصر وخارجها، والشىء نفسه بالنسبة لى فقد دخلت هذا المجال كهاو، وبالتالى لا توجد قواعد ثابتة، ولكن أى عمل يكون خاصا بمصر يجب أن نهديه لها بدافع وطنى، أما ما يتعلق بأى شىء خارج مصر نعطية للمكتبة بدون تصنيف لأن مصر لها علاقات دبلوماسية متعددة وجيدة مع عدد كبير من الدول.

■ إذا طلبت منكما إحدى الجهات وثائق أو خرائط.. هل تقدمان لها نسخا أصلية أم صوراً؟

ـ السفير: أتيحت لنا دعوة رسمية من مكتبة الكونجرس الأمريكية وأهديناها بعض المقتنيات بعد أن فوجئنا بأن أقدم خريطة فى الولايات المتحدة منذ عام ١٦٥٣، فى حين كنا نملك خريطة للبلاد قبل ذلك التاريخ بأكثر من ١٠٠ عام، وأهدينا لهم هذه الخريطة فنحن نضع كل خريطة فى المكان المناسب لها فإذا كانت تخص الولايات المتحدة فيجب أن نعطيها لها.

■ شملت إهداءاتكما لمكتبة الإسكندرية مجموعة من «أطلس» كانت مقررة على المدارس فى القرن الماضى، فهل كان التعليم فى هذه الفترة يركز على البعد الأفريقى والنيلى، أم كان يقترب من دول البحر المتوسط؟

ـ السفير: من خلال هذه الأطالس نستطيع التيقن من أن الثقافة المصرية فى هذا التوقيت كانت ثقافة نيلية ممتدة لأفريقيا، ثم عربية وكونية منفتحة على العالم، وبدءاً من عام ١٩١١ بدأنا فى إنتاج أول أطلس من وزارة المعارف وقبلها كانت تأتى من لندن، وكان أول أطلس مصرى هو «خرط الدنيا» وظهر به الاهتمام بتعليم الطفل فى المرحلة الابتدائية ما هى دول المنبع ودول المصب ومسار نهر النيل، وهناك ٩ أطالس مصرية تعود لحكم الملك فؤاد الأول، وكلها الآن متاحة فى المكتبة.

■ لماذا تختصان مكتبة الإسكندرية بالتحديد بهذه الإهداءات؟

ـ المستشارة هايدى: لا نحن لا نختص مكتبة الإسكندرية وحدها، فقد أهدينا من قبل دار الكتب والوثائق نسخة نادرة من «مزامير داوود» وعدد من الجهات الأخرى لكن المكتبة لها أهمية كبيرة، خاصة أننى أطمح فى أن تأتى الوفود إلى المكتبة من دول العالم لتعرف تاريخها وتوثقه، وأرغب فى أن تعود المكتبة إلى سابق عهدها وتصبح المكتبة الأولى على مستوى العالم وهى مهمة كل من يمتلك وثيقة أو مخطوطاً مهماً ونادراً، فإذا كان بناء المكتبة مشروعا قوميا، فإن الإيداع بها أيضا وتقديم الإهداءات إليها هدف قومى وواجب علينا، كما أن المكتبة هى المكان الطبيعى للمخطوطات والوثائق، لما بها من اهتمام وأساليب حفظ جيدة.

■ سيادة السفير، ألا ترى أن هناك صعوبة فى الجمع بين العمل فى السلك الدبلوماسى وبين احتراف جمع الوثائق؟

ـ مسألة جمع الوثائق والخرائط تقوم بها المستشارة هايدى بشكل أكبر، خاصة أنها على اتصال بصالات المزادات العالمية، وعندما نحصل على خريطة أو مخطوطة جديدة نبدأ فى عمل تحقيق وتقصٍ حولها، للتأكد من أنها نادرة وصحيحة ونتأكد من عمرها الزمنى وبعدها نصنفها ونقرر لمن سنعطيها.

■ كيف تتعاملان مع عامل الوقت؟

ـ السفير: أحيانا يستغرق الحصول على بعض المخطوطات والخرائط سنوات، لكن إحساسنا بأنها تمثل قيمة وفائدة قومية لمصر يدفعنا للاستمرار والبحث عن الجديد.

■ هل اكتسب أحدكما حب جمع الوثائق من الآخر، أم أن هذه الهواية هى التى كانت سببا فى زواجكما؟

ـ المستشارة: عندما تزوجنا كنت أمتلك ٣٥ مخزنا للوثائق والخرائط، كلها موظفة لخدمة مصر، والسفير كان مهتما أيضا بهذا المجال ومكتبه ملىء بالخرائط، بإلاضافة إلى أننا عضوان فى الجمعية المصرية الجغرافية وبعدها بدأنا ننتج كتباً ومؤلفات خاصة بنا لتحليل هذه الأعمال، لكن الذى جمعنا هو التاريخ والقانون والجغرافيا، وهو ما ساعدنا فى عملية الشراء كثيراً وتحديد وتصنيف الخرائط ومن سيحتاجها.

■ إذا شعرتما بأن ظهور وثيقة أو خريطة تمتلكانها سيؤدى إلى ظهور مشكلة بين بلدين، فكيف تتعاملان مع هذه المواقف؟

ـ السفير: المفترض أن ظهور الوثائق والمستندات يساعد فى حل القضايا والمشكلات، ولا يخلقها أو يزيدها تعقيدا، وإذا لم توجد الخريطة حلاً لإحدى المشكلات المثارة فلا أشتريها أو أحاول اقتناءها.

■ الوثائق والمستندات التى أهديتمانها إلى المكتبة شملت وثائق تتعلق بدول حوض النيل، فهل هناك ما يخدم مصر فى هذه القضية؟

ـ المستشارة هايدى: نعم بها ما يخدم مصر، فقصة حوض النيل أننا وقعنا فى ١٥ مايو عام ١٩٠٢ اتفاقية حدود مع الملك مينليك، ملك الحبشة، وليست اتفاقية مياه، وكانت بريطانيا وإيطاليا هما الضامنتان لهذا الاتفاق، الذى تم على إثره منح إثيوبيا أرضاً مصرية لتدشين خط سكة حديد بين إثيوبيا وأوغندا، ووقع ملك إثيوبيا فى البند الثانى من الاتفاقية على تعهد بألا يسمح بإقامة أى مشروع من شأنه الإضرار بحصة مصر فى المياه دون الرجوع إلى الحكومة المصرية.

■ إذن فهذا الاتفاق يختلف عن اتفاقية ١٩٢٩؟

ـ نعم، ففى عام ١٩٢٩ لم تكن هناك اتفاقية بمعنى اتفاقية وفق محادثات محمد محمود باشا وهندرسون، وإنما كانت عبارة عن مخاطبات متبادلة بين الطرفين توثق وتعضد اتفاقية ١٩٠٢، وهو ما تم التأكيد عليه أيضاً عام ١٩٥٩.

■ ماذا تعنين بأن اتفاقية ١٩٠٢ هى اتفاق حدود وليس اتفاق مياه؟

ـ المعروف أن اتفاقات الحدود لا يجوز تغييرها بالتقادم، ولأن هذه الاتفاقية ليست اتفاقية مياه، وإنما اتفاقية حدود فلا يجوز تعديلها وإلا تعدلت الحدود معها، وهو ما لن يحدث على الإطلاق، خاصة أن الاتحاد الأفريقى أقر مبدأ خاصاً باحترام الدول للحدود الموروثة عن الاستعمار لضمان استقرار القارة.

■ وما الوثائق التى تؤكد هذا الشأن؟

ـ وفق الأرشيف البريطانى الاتفاقية الموجودة، التى تنظم عملية حصص المياه، هى اتفاقية حدود لا يجوز تعديلها، ومصر مارست أعمال سيادة كاملة على حصتها فى المياه، من خلال مشروع الخزان الكبير لحامد سليمان فى أوغندا عام ١٩٥٤، والتى لم تعترض وقتها، وقالت إن حق مصر معترف به لكنها تخشى أن يؤثر الخزان على أراض موجودة بها، واستعاضوا عنها بخزان آخر، بالإضافة إلى وجود عدة مشاريع أقامتها مصر بصفة مطلقة بعد اتفاقية ١٩٠٢ فى إثيوبيا، ولكن فترة الاستعمار الإيطالى أوقفت هذه المشاريع ولم يعترض أحد عليها.

■ هل هذا الكلام موثق أو مثبت؟

ـ المستشارة هايدى: نعم مثبت فى كتاب قمت بتأليفه، ولكنه غير منشور ويحوى مستندات ووثائق وصورة أصلية من اتفاقية ١٩٠٢ لكن الكتاب غير متداول.

■ لماذا يقال إن هذه الاتفاقات استعمارية؟

ـ لأن الدول الأفريقية تعتبرها اتفاقية مياه، فى حين أنها اتفاقية حدود فى المقام الأول وأطلس خرط الدنيا عام ١٩١١، حدد الاتفاقيات التى حكمت جنوب السودان بجيرانه وكان من بينها اتفاقية مايو ١٩٠٢.

■ هل هذا الأطلس موجود فى المكتبة الآن؟

ـ لا لكنهم اطلعوا عليه، رغم أننا لم نقدمه ضمن الإهداءات الحالية.

■ معالى السفير، قدمتم خرائط أصلية عن الألغام الموجود فى مصر.. فهل تساعد هذه الخرائط فى إزالتها؟

ـ المشكلة الآن أصبحت فى وسائل التفجير وليست فى مكان الألغام، فاللغم الواحد تتم زراعته بـ٢٠ دولاراً فقط، فى حين تتم إزالته وتطهيره بـ٢٠٠ دولار.

■ لماذا لا تتقدمان كفريق بحثى جامع للوثائق بمبادرة لحل المشكلات المصرية، بما يفيد الأمن القومى من خلال توظيف هذه الخرائط؟

ـ السفير: لا، فنحن لم نذهب إلى المكتبة من أجل توظيف هذه الخرائط، ولكننا ذهبنا بصفتنا الشخصية وليس الوظيفية، والحكومة أصبح لديها الآن صورة واضحة من الوضع، ومصر قادرة على حماية أمنها المائى، والتناول الإعلامى يجب أن يراعى الهدوء والموضوعية والمصلحة القومية، فالقضية تحتاج للتعاون والحوار أكثر من أى شىء، ونهر النيل شأنه كشأن نهر عظيم يجب أن تحكمه التفاصيل العديدة، وبالتالى الحوار يجب أن يحقق المنافع لكل الأطراف ولا يستبعد طرفاً على حساب آخر، وأيضاً يجب أن نعلم أن الجغرافيا نفسها تحكم عملية سريان المياه، فالنهر يسير بانحدار ٢٥ درجة تجاه مصر ولا يستطيع أحد حجزه، لأنه بهذا يعرض نفسه للغرق، لكنهم يبحثون عن مشروعات للطاقة، فلماذا لا نساعدهم ونساندهم فى هذا، وبهذه المناسبة أعجبنى بشدة الملف التى قامت «المصرى اليوم» بنشره حول مياه نهر النيل فى عيدها السنوى.

■ ما الذى استوقفكما فى هذا الملف؟

ـ أنه رسم صورة بانورامية عن الوضع من زوايا جديدة وعديدة، بداية من رجل الشارع البسيط إلى المسؤول المختص، لكنى فى النهاية أؤكد أن موقف مصر قوى وفق الوثائق والقانون والتاريخ.

■ لكن ألا تحاولان الاستفادة من هذه الخرائط مادياً، بما يحقق لكما الاستمرارية فى جميع الوثائق ويكون عائدا مناسباً؟

ـ المستشارة هايدى: العائد هو الراحة النفسية وأن يعرف الناس تاريخها، فالقرآن الكريم إذا ما أغفلته تكون قد ارتكبت وزراً والشىء نفسه بالنسبة للوثيقة أو الخريطة.

■ أخيراً بالنسبة لأماكن شراء هذه الوثائق، هل هو معلوم أم تعتبرونه مصدراً سرياً؟

ـ المستشارة ضاحكة: لا هى مصادر سرية لا يمكننى الكشف عنها.

حوار أشرف جمال ومحمد أبوالعينين - Almasry Alyoum

Friday, July 02, 2010

فاروق عبد القادر ... المثقف

رحل المثقف، أي فاروق عبد القادر، نموذج نادر أن يتكرر في حياتنا الثقافية، وعندما أقول المثقف بالتعريف، فذلك لأنني أعتبره النموذج الحقيقي للمثقف، مثله كأستاذي «إبراهيم فتحي» أمد الله في عمره. فمن يعمل خارج المؤسسات يواجه صعوبات متعددة في عملية بناء ثقافته، وفي عملية النشر، ولكي يصل إلي المكانة التي وصل إليها أي من الاثنين، لابد أن يبذل جهوداً مضاعفة فضلاً عن ضرورة إمتلاكه لعقلية فذة. وقد أصبح فاروق عبد القادر واحداً من أبرز النقاد العرب، المؤمنين بمنهج الواقعية غير المبتذلة، وكنت في ندوة الأحد التي يعقدها أسبوعياً في مقهي «سوق الحميدية» بباب اللوق أري بنفسي كبار الكتاب والروائيين العرب وهم يأتون إليه، حيث كانت زيارته لابد أن تكون ضمن برنامجهم في القاهرة.

كانوا يأتون للمشاركة في ندوات المجلس الأعلي للثقافة، وكان أستاذنا الراحل يقاطع المؤسسات الرسمية ولا يذهب إلي هناك فيأتون إليه سواء للنقاش حول أوضاع الثقافة العربية، أو لإهدائه أعمالهم الجديدة. كان أي من هؤلاء يري أن كتابة الناقد الكبير الراحل عنه، بمثابة تكريس له في الساحة الأدبية العربية، خاصة أنه لم يكن مجاملاً علي الإطلاق ولا يكتب إلا ما هو مقتنع به، ولا يخضع ما يكتبه لأي مواءمات، ولا يخشي في الحق لومة لائم. من أبرز ما قرأت له دراسة نشرها في مجلة «المنار» التي كانت تصدر في باريس ورأس تحريرها اليساري المصري المغترب آنذاك «أمير إسكندر» بعنوان «هؤلاء الكتاب ومسرحهم الزائف» وهو أعاد نشرها بعد ذلك في كتابه المهم «رؤي الواقع وهموم الثورة المحاصرة» الذي صدر في بيروت عن دار الآداب، وفيه يدرس مسرحيات أربعة من كتاب المسرح هم: عبد العزيز حمودة ومحمد عناني وفوزي فهمي وسمير سرحان، ويجمع بين الأربعة أنهم من تلاميذ الراحل «رشاد رشدي» الذي وجد أن آثاره السلبية في الثقافة المصرية مازالت مستمرة وأن تلاميذه يمارسون عملية إنتاج وعي زائف ضمن ثورة ثقافية مضادة يسير فيها النظام المصري. وكان فاروق الذي يدرك جيداً كيف يسيطر هؤلاء التلاميذ علي المؤسسات الثقافية، يري أن مسئوليته هي كشف وتعرية هذا الوعي الزائف وهذه الثورة المضادة.

كان «فاروق عبد القادر» من مدرسة مجلة الطليعة، وللطفي الخولي مكانة خاصة لديه، وقد حاول الأخير أكثر من مرة أن يدخله في حظيرة وزير الثقافة فاروق حسني، ولكن فاروق لم يقبل، لأنه يدرك أن مقتل المثقف هو أن يصبح تابعاً لنظام سياسي، خاصة أنه لم يكن راضيا عن أداء هذا النظام ويري أن ما يقوم به الوزير تخريب للثقافة المصرية، وعلي الرغم من المكانة التي يحتلها لطفي الخولي لديه، لم يمتنع عن النقد الحاد والقاسي لمهرجان المسرح التجريبي خاصة الدورة التي رأسها الخولي نفسه، وكان ذلك في مقال شهير كتبه في مجلة «روز اليوسف» عندما كان عادل حمودة يعمل نائباً لرئيس تحريرها.

من كان يري صورة فاروق عبد القادر أو يقرأ مقالاته الحادة، يتصور أنه كشر الوجه ولكن من يتعامل معه عن قرب سيدرك كم هو خفيف الظل، لديه قدرة علي النقد الساخر للواقع المؤلم الذي نعيش فيه، وهو علي الرغم من العنت الذي واجهه والحصار الذي تعاملت به المؤسسات الثقافية الرسمية به في مواجهته، لم يكن يشعر بأي قدر من الندم علي خياراته السياسية أو الثقافية أو الجمالية،ولم يشعر بأي غيرة علي من أصبحوا داخل المؤسسة، بل لم يشعر بأي أسي أو غضب انعكس علي تعاملاته مع البشر. وكان يهتم بالكتاب الجدد في عالم الأدب، وكتب عشرات المقالات والدراسات حول أعمالهم سواء في جريدة «البديل» التي كان يكتب فيها مقالا أسبوعيا، أو في مجلة «وجهات نظر» التي كان يكتب فيها دون انتظام بتكليف من الأستاذ «سلامة أحمد سلامة» عندما كان يرأس تحريرها. وهو ما يؤكد أنه لم يكن منغلقا علي جيل واحد ولا علي أسلوب جمالي واحد علي الرغم من تبنيه منهج الواقعية في النقد الأدبي.

كنا نذهب إليه في سوق الحميدية لأنه كان يأخذ بأيدينا، يعطينا الكتب لنقرأها ويتعامل معنا باعتبارنا إخوة صغاراً أو تلاميذ له، ولم نكن نشعر بأي تعالٍ منه علينا، علي الرغم من أنه علم من أعلام الثقافة العربية ونحن مازلنا مبتدئين في عالم الكتابة، وكان أحيانا عندما يكتب أحدنا موضوعاً صحفياً أعجبه، لا يجد أي غضاضة في أن يبادر بالاتصال به لكي يبدي إعجابه ويتناقش حوله بكل أبوة وحنان و«أستذة».

كتب الراحل الكبير العديد من الكتب، لكنني أري أن اختياراته للترجمة جديرة بالدراسة، فهو لم يكن يقدم علي ترجمة أي كتاب من أجل لقمة العيش، ولكنه كان يختار ما يراه مفيدا لمشروعه النقدي أو الثقافي، بدءاً من المسرحيات أو الكتب النقدية وحتي الكتب الفلسفية، ومروراً بكتب علم النفس، وانتهاء بالكتب الثقافية الكبري مثل : «نهاية اليوتوبيا »لراسل جاكوبي أو «طرائق الحداثة» لريموند ويليامز. لكن مشروعه الكبير كان ترجمة الأعمال الكاملة لبيتر بروك بدءاً من «يو إس إيه» و«النقطة المتحولة» وانتهاء بالسيرة الذاتية التي كتبها «بروك» عن حياته، وكانت هذه السيرة هي آخر عمل ترجمه الناقد الكبير الراحل. وقد قال لي الناشر مصطفي الطناني إن «بروك» نفسه عندما علم بالظروف الصحية لفاروق عبد القادر أرسل خطاباً للمركز القومي للترجمة يتنازل فيه عن حقوق ترجمة الأعمال الكاملة له لكي يعيد المركز نشرها بما يساعد فاروق في محنته الصحية. وهذا الخطاب به إشادات بالمشروع النقدي والثقافي لفاروق عبد القادر، لكن الأخير الذي كان يعشق بيير بروك لم يعلم بأمر هذا الخطاب -الوثيقة بسبب ظروفه الصحية السيئة.

كنت ألح علي الراحل الكبير أن يكتب سيرته الذاتية، لأنها يمكن أن تمثل نموذجا لأي مثقف ملتزم بقضايا وطنه وبالانحياز للجمال والعفة وطهارة اليد، ولأنها يمكن أن تكون سيرة للحياة الثقافية في مصر في فترة مهمة من تاريخها، لكنه كان يرفض ويري أن هناك مصدرين أساسيين لهذه السيرة، الأول الحوار الذي أجراه معه الزميل «أسامة الرحيمي» ونشره في مجلة «نصف الدنيا» علي 5 حلقات، والثاني المقدمة الرائعة التي كتبها لكتابه الرائع «نفق معتم ومصابيح قليلة».

ومازلت أري أن سيرة هذا المثقف الكبيرة جديرة بأن تروي للأجيال الجديدة، وأعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يقوم به صديقه القريب جداً إليه الدكتور حسين عبد القادر أو الزميل أسامة الرحيمي الذي كان قريباً إلي قلبه. وبوفاة الناقد الكبير «فاروق عبد القادر» فقد الوطن العربي وليس مصر فقط مثقفاً من طراز فريد، ونموذجاً فريداً في الحياة الثقافية، انعزل عن المؤسسات باختياره، فأصبح مؤسسة قائمة بذاتها، ورفض ذهب المعز، فأصبحت مهمة هذا الأخير هو البحث عن وسيلة لكي يدخله إلي الحظيرة، لكنه عجز عن ذلك، وعندما وجد «المعز» أن ذلك قد يكون في نهاية حياته عبر منحه جائزة كان «فاروق» ينتقد من يمنحونها وآليات منحها، اختار الرحيل، حتي لا يظن أحد أنه دخل الحظيرة في آخر أيامه.

- الدستور

Thursday, June 03, 2010

د. نوال السعداوى تكتب: حيرة امرأة بين الجنس والفقر

حين صدر كتابى الأول فى مصر عن قضايا النساء، منذ نصف قرن تقريبا، قلت: القهر الاقتصادى والقهر الجنسى متلازمان فى حياة النساء من مختلف الطبقات، واشتمل الكتاب على نقد النظام الطبقى الأبوى الرأسمالى والإقطاعى، وربط مشاكل المرأة الجنسية (الختان، العذرية، المفهموم الخاطئ للشرف، البغاء المقنع فى الزواج.. إلخ) بمشاكلها الاقتصادية والاجتماعية (الفقر، الأمية، حرمانها من العمل بأجر، تمييز الولد عن البنت.. إلخ).

بالطبع تمت مصادرة الكتاب بقرار حكومى، وتم جمعه من المكتبات العامة بتهمة: الشيوعية وإحداث بلبلة وتحريض على الفتنة وتهديد الاستقرار والسعى لقلب النظام. فى المجتمع والإعلام المصرى تنوع الهجوم ضدى، حسب التيارات السياسية والدينية المتصارعة فى منتصف القرن الماضى العشرين، اتهمنى اليمين الإسلامى والقبطى معا بـ«الخروج عن دائرة الدين والتقاليد والأخلاق»، اتهمنى اليسار الشيوعى والاشتراكى بتقليد الغرب والاهتمام بالجنس وليس بهموم الطبقات الكادحة من الفلاحات والفقيرات المعدومات،

كنت شابة فى ربيع العمر لا أعرف بحور السياسة الغويطة، أتعرض كل يوم للخداع السياسى وغير السياسى، شابة ساذجة تؤمن بأن الإنسان برىء وصادق حتى يثبت العكس، لهذا كانت هذه الاتهامات تؤرقنى، لم أكن أريد الانتماء إلى أى شلة من هذه الشلل السياسية أو الأدبية، يمين أو يسار أو إخوان أو معارضة أو حكومة، كلهم كانوا يتشابهون فى النزعة للسيطرة والخداع، يتشدقون بالحرية والعدالة والصدق والإخلاص، حتى أشهدهم فى الحياة الواقعية فإذا بالقول يناقض الفعل، خاصة فيما يتعلق بعلاقة المرأة والرجل أو علاقة الزوج بزوجته، يتشدقون بالدفاع عن الطبقات الفقيرة أو النساء المقهورات، مجرد كلام لا يكلفهم شيئا، يكتبون عن حق المرأة فى الحرية والاستقلال، يتنافسون على إقامة علاقات مع المرأة المستقلة الحرة بشرط ألا تصبح زوجة لأحدهم.

بالطبع تعلمت من تجاربى فى الحياة أكثر مما تعلمت من الكتب، لم أقتنع أبدا بالازدواجية السائدة، أن يكون للإنسان وجهان متناقضان، أن تكون له حياة علنية وأخرى خفية نقيضة لها، ربما كان ذلك بسبب تربية أمى وأبى، نشأت على الثقة بنفسى وعقلى، والصدق فى القول والإخلاص فى العمل، كلمتى شرف لا أخونها وإن كانت شفهية لم تدون فى عقد مكتوب وشهود، هذه القيم التى تُغرس فى الطفولة وتنمو وتنمو لتصبح شجرة عملاقة من الصعب اقتلاعها، منذ طفولتى رأيت القهر المزدوج الواقع على النساء الفقيرات الريفيات من أسرتى، قهر الفقر وقهر الجنس، الزوج أو أحد رجال الأسرة، أنا، نفسى، تعرضت لهذا القهر المزدوج فى البيت والشارع والمدرسة،

ورغم ارتفاع وعى أبى وأمى عن الآخرين فإننى تمردت عليهما حين حاولا تقييد حريتى وانطلاقى إلى آفاق أوسع، كان عقلى يكسر الحدود المفروضة والمقدسات الموروثة، بالطبع دفعت ثمنا باهظا، من حياتى العامة والخاصة مقابل حرية عقلى، لكنى لم أندم أبدا على الطريق الذى اخترته فى حياتى، ليس مفروشا بالورود، فيه الكثير من الأشواك، الألم والمعاناة والحرمان من أساسيات الراحة والأمان،

لكن سعادتى الفكرية والأدبية الإبداعية تغلبت على مكاسب أخرى أقل قيمة فى نظرى، مثل الحصول على المال أو السلطة أو المناصب أو الجوائز، وغيرها مما يغرى الكثيرين، عشت العصر الملكى والاستعمار البريطانى فى الطفولة والمراهقة، ثم عشت فى شبابى عصر عبدالناصر، ثم عصر السادات، ثم عصر مبارك حتى اليوم من عام ٢٠١٠، أربعة عهود مختلفة عشتها، وتمردت عليها، دون أن أدرك ما يسمونها الكهولة أو الشيخوخة، وما هى الشيخوخة إلا فقدان الأمل فى التغيير والتوقف عن التمرد أو الثورة فى وجه الظلم والكذب والقيود.

لم تقنعنى حكومة مصرية واحدة بإخلاصها لما يسمونه الشعب، لكل عهد فضائحه ومفاسده التى تكتشف بعد زواله، قد نكتشف بعضها قبل هذا الزوال، ليس إلا قمة جبل الثلج تحت الماء، لهذا عشت دائما فى مشاكل عامة خاصة، تعرضت لما يتعرض له الثائرون والثائرات فى كل مكان وزمان. رغم اختلاف الحكومات شرقا وغربا. هناك لحظات ضعف تمر بنا، حين تشتد الأزمة والقهر من حولنا، حين يتخلى عنا الجميع خوفا من بطش السلطة.

منذ أيام قليلة جاءتنى كاتبة شابة فى التاسعة والعشرين من عمرها، تخرجت فى كلية الطب، ترتدى الحجاب، تعرضت للهجوم العنيف بعد أن كتبت مقالا عن التحرير الجنسى للمرأة، قالت فى مقالها إن تحرير الجسد يتبع تحرير العقل، لأن الفصل بين الجسد والعقل مستحيل، وشرحت مخاطر القيود الجسدية على صحة النساء الجنسية والنفسية، ربطت بين الختان الجسدى والختان العقلى.

أصبحت الفتاة مؤرقة من شدة الهجوم عليها، اتهموها بأنها من عملاء الصهيونية، أو جاسوسة أمريكية، قالوا عنها فاجرة داعرة تشجع النساء على الفساد الأخلاقى، لا تؤمن بالعذرية والفضيلة، خارجة عن دائرة الأخلاق والدين والوطنية، بعضهم كان أكثر تأدبا قال لها: كيف تكتبين عن الحرية الجنسية للمرأة ونصف الشعب المصرى يعيش تحت خط الفقر، وملايين النساء تسعى وراء لقمة العيش بالعرق والدم؟

بعد الأرق والمعاناة الطويلة ارتدت الفتاة الحجاب ثم نشرت مقالا جديدا عن مشكلة الفقر بين النساء المصريات، نالت المدح ممن هاجموها من قبل، خاصة بعد ظهور صورتها بالحجاب مع المقال، تبعته بمقال آخر عن مشكلة «تأنيث الفقر» فى مصر والعالم، بمعنى أن الفقر أصبح يصيب النساء أكثر من الرجال، أصبح أغلب الفقراء نساء، وأصبحت أغلبية النساء فقيرات، نالها مديح كثير ممن كانوا يهاجمون، واستمرت تكتب عن مشاكل الفقر ونسيت مقالها الأول عن مشاكل الجنس.

سألتها: هل أنت مستريحة الآن وراضية عن نفسك؟

قالت الفتاة: أنا غير راضية عن نفسى، أشعر أننى تخليت عن نفسى الحقيقية، ارتديت الحجاب لأكون مثل أغلبية النساء، وأصبحت أكتب المقالات عن الفقر وليس الختان أو الجنس لأنال المدح وليس الذم، أصبحت مؤرقة وأشعر بالحيرة.

قلت لها: الحيرة ضرورية لنعيد التفكير فى أنفسنا، تكلمى مع نفسك فى هدوء واسأليها ماذا تريد؟ استمعى إلى الصوت البعيد فى أعماقك، القادم من طفولتك ونفسك الحقيقية؟ استمعى جيدا ثم اكتبى ما يقوله لك هذا الصوت.

نوال السعداوى

المصرى اليوم

د. نوال السعداوى تكتب: حوارات نوال ومنى

صحوت مع إشراقة الصبح على صوت ينادينى باسمى غير المكتوب، لا يعرفه أحد من الإنس أو الجن، منذ الطفولة لم أؤمن بوجود «الجن»، فى المدرسة كان المدرسون يؤمنون بوجودهم ذكوراً وإناثاً، فى البيت لم يكن أحد يؤمن بهم، حتى جدتى الفلاحة، لم تذهب أبداً إلى المدرسة، كانت تقول الجن هم العفاريت أولاد حواء وآدم، أمى قالت الجن والعفاريت من اختراع الحكومة واللصوص، أبى قال ورد ذكرهم فى كتب دينية لكن ليس كل ما يخرج من المطبعة حقيقياً، وكيف أعرف الحقيقة يا أبى؟، ليس من المدرسة يا ابنتى، المدرسون سبب البلاء فى البلاد، لا يشوه العقل مثل التعليم فى مدارسنا.

هذا كلام أبى فى الأربعينيات من القرن العشرين، وكان رائدا من رواد التعليم، حاول إصلاحه دون جدوى، لم ينل إلا النفى والردع من وزارة المعارف العمومية، كان أبى يسميها وزارة المقارف العمومية، ويضيف أبى: منذ العصور العبودية كانت الحكومات على التوالى تلغى العقل المصرى بثلاث قوى: البوليس، التعليم، التربية، أصبحت أسمع ما يقوله المدرسون بأذن ثم أطرده من الأذن الأخرى، من مقولاتهم الأساسية: أن الله خلق عقل المرأة ناقصا، تخوف أبى أن أفقد ثقتى فى عقلى وقال لى: عقل المدرسين ناقص وليس عقل المرأة.. يشرح أبى كل شىء لى ولأخى بصوت هادئ، لا يزجرنا، لم يضربنا،

فى المدرسة كان للمدرسين صوت خشن، فى أيديهم العصا، يضربون التلاميذ على أصابع أيديهم وأقدامهم، أخى ضربوه أيضاً.. كنت أشرح لأخى جدول الضرب ومسائل الجبر والهندسة، وأساعده فى الإجابة عن الأسئلة الصعبة، مهما تفوقت لم يؤمن المدرسون بأن عقلى أذكى من أخى، أو على الأقل لا ينقص عنه شيئاً،

بل كانوا يرددون هذه العبارة دائما «الرجل عقله أكبر من المرأة ويحق له تأديبها بالضرب»، أطاع أخى الأكبر المدرسين، أمسك العصا، ضربنى مرة واحدة فى عمره، لم يكررها، لم يستطع أحد أن يضربنى، كنت أمتلك عصا سحرية تشبه عصا موسى، تبتلع أفاعى السحرة فى قصر فرعون، هكذا تخيلت فى طفولتى، السحر لا يغلبه إلا سحر أشد منه، من لم يضربه أبوه والمدرسون يعجز الكون عن ضربه، بعض الزملاء والزميلات الحاسدات قالوا عنى إننى ساحرة.. الحكيمات الذكيات اللاتى عرفن مبادئ علم الطب فى العصور الوسطى، تم حرقهن فى أوروبا، بتهمة السحر، والخروج عن دائرة الدين، لعدم إيمانهن بأن ماء الكنيسة المقدس يشفى الأمراض،

كشفت الحكيمات «الساحرات الشريرات» كذب الكهنة، «مندوبو الله على الأرض».. ذلك اليوم من عام ١٩٤٤، شددت العصا من يد أخى الأكبر قبل أن تسقط فوقى، كانت يدى أقوى من يده، مارست رياضتى الكرة وألعاب القوى، وعلم الرياضات الجبر والهندسة، هو يفضل النوم، الكسل للذكور كان مشروعا لأن الله ميزهم على البنات، ضربت أخى الأكبر حتى بكى واستنجد بأبى، حين خذله أبى استنجد بالله، حين خذله الله استنجد بأمى، كانت تشفق عليه بحكم غريزة الأمومة الموروثة منذ العبودية.

لم تتحول الأمومة عند أمى إلى تمييز الولد عن البنت، بسبب تأثير أبى عليها، وليس أبيها، جدى شكرى بيه، كان يصلى ويشرب الخمر ويخون زوجته (جدتى آمنة)، ماتت جدتى من الحزن، بعد أن ذاب سواد عينيها فى البياض، من طول البكاء.

لم تكن الذكورة عند أبى ميزة، لم تكن الأمومة عند أمى تعنى قبول الظلم، كان أبى يحترم أمى، يتناقشان معا فى كل شىء، يأخذان بالرأى الأصوب. عمى الشيخ محمد، الأستاذ بالأزهر، الأخ الأكبر لأبى كان يؤنب أبى فى غضب، ويقول له: أتسمع كلام مراتك وتخالف أمر الله؟

رفض عمى دخول ابنته فوزية الجامعة لأن الله حرم اختلاط الجنسين، وتزوج عمى أكثر من زوجة، لأن الله أباح تعدد الزوجات، أبى أدخلنى كلية الطب مع الرجال، وأخلص أبى طول عمره لأمى، لم ينظر إلى امرأة أخرى، أيهما أطاع الله: أبى أم عمى؟

ذلك الصباح الأحد ٢١ مارس ٢٠١٠ أفقت من النوم على صوت عصفورة تغرد اسمى: ماما نوال، ماما نوال، اصحى النهارده عيد الأم كل سنة وانتى طيبة.

ما رأيك نبدأ الحوارات يا أمى بمناسبة عيد الأم؟ أول سؤال:

ما رأيك فى الأمومة؟ هل يجب على كل امرأة أن تكون أما؟

التربية فى البيوت والمدارس تعتبر الأمومة ضرورية لتكون المرأة كاملة الأنوثة والشخصية، لكن المرأة يمكن أن تكون كاملة الشخصية والأنوثة دون أن تحمل أو تلد، الأبوة تعتبر غير ضرورية للرجل ليكون كامل الرجولة والشخصية، الرجل كامل دون حاجة إلى زوجة أو أطفال أو أسرة، يتمتع الرجل الفرد بكل حقوقه كإنسان فرد، لكن المرأة الفرد لا يحق لها أن تكون إنسانة كاملة دون نسبها للآخرين، للزوج، للأطفال، للأسرة.

منى: لذلك تسعى المرأة للزواج بأى ثمن، وتسعى للأمومة بأى ثمن، قد تضيع المرأة حياتها مع زوج فاسد دون أن تملك الشجاعة لتواجه كلمة الطلاق، وقد تدفعها الأمومة إلى قبول الهوان والظلم لتظل بجوار أطفالها، يستغل كثير من الرجال أمومة المرأة لسلبها حقوقها.

نوال: الأمومة التى تتربى عليها البنات أمومة متضخمة مريضة، فى حاجة إلى علاج، لإنقاذ الأمهات والأطفال (والآباء أيضاً) من حياة أسرية مريضة لا تعرف السعادة، لماذا يفشل الزواج فى تحقيق السعادة للنساء والرجال والأطفال؟

منى: وما هى السعادة؟

نوال: قبل أن نتكلم عما هى السعادة أود أن أسألك هل هناك أمومة طبيعية غير متضخمة؟

منى: هناك نساء من جيلى تحررن من عبودية الأمومة (أعنى الأمومة البيولوجية)، أنا مثلا لم أقابل حتى اليوم الرجل الذى يصلح لأن أتزوجه، ولم أنجب أطفالا، لكنى سعيدة فى حياتى، ومشاعرى الإنسانية تكفى لإغراق الكون بالحب.

نوال: ثلاثة ملايين طفل وطفلة يعيشون فى الشوارع، دون رعاية فما بال الحب؟ الأمومة والأبوة البيولوجية تفتقدان الإنسانية، الحيوانات تحب أطفالها أيضاً، فهل يختلف الإنسان عن الحيوان فى هذا؟ الأب لا يحب ولا يرعى طفلا لم يلده من صلبه، الأم لا ترعى ولا تحب طفلا لم يخرج من رحمها، هل هذه هى الإنسانية أم الحيوانية، أم الأنانية؟؟

للحديث بقية.

د. نوال السعداوى تكتب: حوارات نوال ومنى (٣)

فى ربيع عمرى أصبح شعرى أبيض بلون الثلج، يتوقف الناس فى الطريق ويهتفون دهشة: سبحانك يارب شعرها أبيض وهى شابة صغيرة، تمصص النساء الشفاه حسرة على الشيب المبكر، تبحلق عيون الرجال إلى سحر التناقض بين النقيضين: ربيع الجسد الغض الأنثوى تحمله رأس ذكورى شاب من شدة الفكر (كلمة «فكر» فى اللغة السائدة العامية تعنى نقيض الفكر أى غياب العقل أو الجنون).

لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب (المجلس الأعلى للثقافة اليوم) كان يرأسها توفيق الحكيم، رأسه أبيض مثل رأسى، يكبرنى بنصف قرن ربما، بشرته مشدودة خالية من التجاعيد، يفيض شبابا وحيوية أكثر من أعضاء اللجنة الشباب، إلى جواره يبدون كهولا عجائز، شعرهم أسود غزير يتفجر ذكورة وشبابا وعنفوانا، يتناقض مع بشرتهم المرتخية المتهدلة الشاحبة، وكلماتهم وأصواتهم وحركاتهم الشاحبة، كل ما فيهم شاحب شاخ قبل الأوان، إلا يوسف إدريس كان الوحيد بينهم المنافس لتوفيق الحكيم فى الحيوية والإقبال على الحياة، لكن توفيق الحكيم كان يتفوق دائما فى الاستحواذ على الانتباه، بما له من وجود أخاذ وحديث ممتع جذاب.

كان ذلك فى نهاية الستينيات من القرن العشرين، بعد هزيمة ١٩٦٧، لايزال عبد الناصر على قيد الحياة، القائد انهزم وشاخ قبل الأوان، تدفعه الحماسة الشعبية إلى الاستمرار، مثل زجاجات دم جديد تحقن فيه ذؤابة الحياة، حتى تهاوى فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ وقرر الوداع.

كانت «منى» طفلة تحاورنى بتلقائية الأطفال الذكية البسيطة، الإبداع هو البساطة والتلقائية الطفولية، أسئلتها تشبه أسئلة توفيق الحكيم، سألتنى يوم هزيمة ١٩٦٧ بعد أن رأت الزعيم المهزوم فوق الشاشة: هو ربنا مع عبد الناصر ولّا مع إسرائيل؟

منذ عشرين عاما سألت أمى السؤال نفسه بعد نكبة ١٩٤٨: هو ربنا مع فلسطين ولاّ مع إسرائيل؟، كان خطباء الجوامع يرددون كل جمعة أن الله مع المسلمين ضد الأعداء الكفرة فى إسرائيل.

فى كل الهزائم الكبرى والصغرى يتكرر السؤال على لسان الأطفال والكبار، يا ترى ربنا معانا ولّا معاهم؟، بعد هزيمة العراق عام ١٩٩١ سألتنى منى: لماذا يقحمون الله فى المعارك الحربية؟ هل هناك علاقة بين الحرب العسكرية والدين؟

نوال: وهل هناك علاقة بين الاقتصاد والدين؟ أو السياسة والدين؟ أو الأخلاق والدين؟ أو الجنس والدين؟ أو الحب والدين؟

منى: هذا يتوقف على مفهوم الدين؟ إذا كان الدين يعنى العدل والحرية والصدق فهو يرتبط بكل ما فى الحياة، اقتصاد، أخلاق، جنس، حب، لأن الحياة لا تكون حياة إنسانية، وليست غابة، إن لم تقم على العدالة والحرية والصدق.

نوال: هذا صحيح نظريا، لكن الواقع غير ذلك، فالدين فى بلاد العالم يقوم على الكتب الدينية المختلفة، الدين اليهودى يقوم على كتاب التوراة، الدين المسيحى يقوم على كتاب الإنجيل، الدين الإسلامى يقوم على كتاب القرآن وهكذا، تختلف هذه الكتب فى كثير من الأمور العامة والخاصة، ويغرق التاريخ بالدم فى حروب دينية لا تتوقف، وهى حروب حول الأرض وموارد الحياة لكنها تتم تحت اسم الله، كل جماعة من دين أو مذهب معين تدعى أن الله معها، والحقيقة أن الله ليس مع أى منهم.

منى: أتقصدين «الله» بمعنى العدل والحرية والصدق والحب والسلام والجمال والإبداع؟

نوال: طبعا، هذه المعانى الإنسانية الرفيعة ترمز إلى الله.

منى: من هى الجماعة أو ما هو المجتمع الذى حقق هذا الرمز؟ إن العالم غابة كبيرة يغيب فيها العدل والحرية والصدق والحب والسلام، وعندى سؤال: أترين فرقاً بين الدين والعلم؟

نوال: يمكن القول بصفة عامة أن العلم هو ما نعرفه، والدين هو ما لا نعرفه، ومع تقدم العقل البشرى يتحول كثير من قضايا الدين إلى مجال العلم.

منى: معنى ذلك أن الأشياء التى نكتشفها تنفصل عن الدين وتصبح من العلم؟

نوال: نعم، مثلا هطول المطر من السماء كان يدخل ضمن ميدان الدين، بل كان للمطر إله يصلى الناس له أيام الجفاف، وقد دخل المطر ضمن العلم وعرفنا أسبابه، ويمكن بالعلم إنزال المطر لرى الأرض فى أوقات كثيرة قليلة المطر.

منى: أترين فرقا بين الدين والفلسفة؟

نوال: هناك فرق بالطبع، وهناك تشابه، يتميز الإنسان بعقل متطور عن الحيوان يميل إلى التأمل فى الكون والناس والحياة، نحن نتأمل الأشياء التى لا نستطيع إخضاعها للعقل أو للمعرفة العلمية، فالعلم لا يفسر كل ما نراه حولنا حتى الآن، ربما يفعل ذلك فى المستقبل، هناك مجالات كثيرة لا تزال غامضة، منها العقل ذاته، لم يكتشف علم الطب مثلا إلا جزءا صغيرا من المخ الإنسانى، لا يزيد على الخُمس، يعتمد الدين على الإيمان منذ الطفولة، يغزو الدين الوجدان أو العاطفة، ما يسمى القلب، لكن الفلسفة تفكر فى الكون بالعقل والبرهان، إنه البرهان على أشياء نحس بها ولا نعرفها.

منى: ما الفرق إذن بين الفلسفة والعلم؟.

نوال: الفلسفة فرع من العلم، لكنها تعتمد أيضا على الحدس، تقترب الفلسفة هنا من الفن فى الاعتماد على ما يسمى الحدس، الشعور واللاشعور معا، الوعى واللاوعى، العقل الظاهر والعقل الباطن فى آن واحد.

منى: قد يسبق حدس الفلاسفة فى اكتشاف حقائق علمية قبل العلماء، مثلا الفيلسوف اليونانى ديموقريطس سبق علماء الذرة، بألفى عام، فى اكتشاف أن المادة تتكون من ذرات، وما هو أصغر من الذرة، وأيضا الفيلسوف «اريستارك» سبق العالم «كوبرنيك» بألفى سنة فى اكتشاف أن الأرض تدور حول الشمس وليست الشمس هى التى تدور حول الأرض.

نوال: أنت شاعرة وكاتبة مبدعة، يمكنك بالحدس والخيال أن تفكرى فى أشياء تصبح حقيقية فيما بعد، هذا هو جوهر الإبداع فى العلم والفن والفلسفة وكل شىء.

نوال السعداوى

المصرى اليوم

حوارات نوال ومنى (٤)

يوم الأحد ٢٥ أبريل ٢٠١٠ سألنى المذيع فى القناة البريطانية العربية (بى.بى.سى) عن الحدود المسموح بها لنقد الأديان والشخصيات الدينية الكبرى مثل بابا الفاتيكان.. كانت جريدة بريطانية قد نقدت البابا بطريقة ساخرة مما اضطر الحكومة البريطانية للاعتذار إليه، هكذا تفجر الجدل فى الإعلام حول حدود النقد. قلت فى البرنامج على الهواء إن الذى يضع حدود النقد هو الكاتب نفسه أو الكاتبة نفسها، ليس من حق أى سلطة خارجية أن تفرض حدود الفكر والنقد فى مجال الدين أو أى مجال آخر، ليس هناك مقدسات أمام العقل الإنسانى، ولا يعلو شخص على النقد. كان معى فى البرنامج «مطران» واسع الأفق وافقنى الرأى، لكنه قال إن هناك سلطة خارجية، هى الذوق العام، أو المشاعر العامة للشعب، تحدد حرية الكاتب أو الكاتبة، فى النقد خاصة فى مجال الأديان، وقال إن المفروض ألا يخدش الكاتب أو الكاتبة الذوق العام ويحترم مشاعر الجماهير.

قلت بالطبع هناك فرق بين النقد الموضوعى العلمى والشتيمة أو القذف، لكنى أرى أن دور الرواد المفكرين والرائدات هو تغيير العقول والمشاعر العامة للجماهير، والارتفاع بالذوق العام وتغييره إلى الأرقى والأعدل، وليس الخضوع له أو نفاقه للحصول على الأصوات فى الانتخابات أو مصالح أخرى..

لولا حرية النقد (فى العصور الوسطى مثلا) ما تمت النهضة العلمية فى أوروبا، لولا انهزام الفكر الدينى الكنيسى أمام نقد العلماء ما ظهر هذا التليفزيون الذى نتكلم فيه الآن، ولا الطائرة ولا الكمبيوتر ولا التكنولوجيا الحديثة التى لا غنى عنها.

وافق المطران على هذا الكلام المنطقى لكنه تمسك بالدفاع عن قداسة بعض المقدسات، وأنه لا تعارض بين الإيمان بالدين والعلم، لكنه رأى أن حرية النقد لا حدود لها فى مجال الطب مثلا، والطب «علم بشرى» لكن الدين «علم إلهى».

عدت إلى البيت بعد البرنامج، سألتنى منى: لماذا قطع الحوار دون حل المشكلة؟ قلت: انتهى وقت البرنامج، ثم ما المشكلة التى لم تحل؟

قالت منى: هل ترين تشابهاً بين كهنة القرون الوسطى وبعض رجال الأديان فى هذا القرن الواحد والعشرين؟

قالت نوال: نحن نعيش مرحلة الردة فى العالم كله شرقا وغربا، إنها ردة سياسية اقتصادية تواكبها ردة فكرية وثقافية، بسبب تصاعد اليمين الرأسمالى العسكرى الدينى، هذا الجدل الحامى فى أوروبا حول قدسية بابا الفاتيكان، واعتذار الحكومة البريطانية له، هذا الجدل غير النهائى عن النقاب أو الحجاب أو بناء الكنائس أو الجوامع أو المآذن أو المنارات، هذه الحروب اللانهائية الاستعمارية التى تتم تحت اسم الله لنهب البلاد، هذه الفتن الطائفية والدينية التى تشتعل لأتفه سبب أو لا سبب لضرب وحدة الشعوب.. لقد أصبح الدين سيفا مصلتاً على الرقاب، تحول الدين من قيم عادلة إلى طقوس ولغو كلام، كما كان فى الأزمنة القديمة، انتهى بنا الأمر اليوم إلى أديان يمكن أن نسميها «لغوية» تتطاير فى الفضائيات.

منى: أصبح الناس يلجأون لفتاوى رجال الدين لمعرفة كيف يتصرفون فى حياتهم اليومية، وفى علاقاتهم الحميمة داخل الأسرة والسرير، بل داخل دورة المياه، كثير من الناس يتحيرون يبحثون عن حلول لمشاكلهم الصحية من خلال الدين وليس الطب؟

نوال: أتلقى كثيراً من الرسائل من رجال ونساء وشباب يبحثون عن الطريق الصحيح مائة فى المائة، والحقيقة أنه ليس هناك طريق صحيح مائة فى المائة، الإنسان العاقل قادر على حسن التصرف دون أن يتأكد مائة فى المائة أنه يفعل الصحيح، يجب أن يترك الإنسان مكانا للخطأ أو الشك فيما يعتقد أنه الصحيح، لكن يجب أن يكون سريع البديهة قادرا على التصرف السريع رغم الشك أو عدم اليقين، ومن هنا تأتى أهمية تربية الطفل منذ البداية على الثقة فى عقله وبديهته وحدسه، وقدرته على التنبؤ بما سيحدث، التعليم الجيد ينمى القدرة الفكرية الإبداعية، كيف يحسن الإنسان التخمين وترجيح فكرة على فكرة، أو تصرف على تصرف آخر، التعليم الجيد يشجع الشباب على حسن التصرف والإبداع والتنبؤ دون أن يكون لديهم اليقين الكامل فى صواب ما يعتقدون أو ما يفعلون.

منى: لكن إن نزعنا من الناس الثقة أو اليقين الكامل فيما يخص العقيدة أو الإيمان الدينى أفلا يؤدى ذلك إلى اضطرابهم أو بلبلتهم؟

نوال: ربما يحدث لبعض الناس بعض الاضطراب أو بعض البلبلة لكنها ضرورية لنمو العقل وتطوره، يلعب التعليم الجيد فى الطفولة دورا فى حماية الإنسان من الاضطراب حين يشك فى عقيدة أبيه أو أمه، أو الحزب السياسى الذى تربى فيه منذ الصغر، التعليم الحر الذى يفتح عقل الطفل والطفلة على عقائد متعددة ونظريات مختلفة فى الدين والعلم، هذا التعليم المبكر هو الذى يحمى الناس من الصدمة التى تصيبهم حين يساورهم الشك فى صلب ما يعتقدون.

منى: أنا أشك إذن أنا موجود؟

نوال: القدرة على الشك مع حسن التصرف تدريب ذهنى لا بد أن يبدأ فى الطفولة حتى آخر العمر، إنه يساعدنا على التواضع الفكرى، ندرك بفضله خطأ الكثير من أفكارنا التى تصورنا من قبل أنها صحيحة مائة فى المائة.

منى: إذا لم يكن اليقين الكامل إيجابيا لتطور العقل فكيف ترين مستقبل العقائد اليقينية السياسية والدينية، أعنى الأيديولوجيات الفكرية والسياسية الراهنة القائمة على الولاء الكامل أو الطاعة العمياء أو الإيمان المطلق؟

نوال: يمكن التنبؤ أن المستقبل الإنسانى سيصل إلى مراحل أعلى من العدالة والحرية والإنسانية عن طريق الشك والتغيير والإبداع، وليس عن طريق التعصب واليقين المطلق، هذا لا يمنع بعض الانتكاسات أو الردة، كما نعيشها اليوم، لكنها مرحلة مؤقتة تتبعها نهضة، ثم ردة، ثم نهضة، وهكذا تسير الحياة نحو التقدم والازدهار وليس الـتأخر والموت، الحياة طبيعتها الاستمرار والتغير والتقدم، رغم إرادة أهل السياسة والعقائد الثابتة.

منى: أنت متفائلة وعندك أمل كبير فى المستقبل؟

نوال: الأمل قوة دافعة نحو الحياة المبدعة، دون الأمل نموت وتموت الحياة.

نوال السعداوى

المصرى اليوم

Friday, May 28, 2010

أن أكتب.. أن أكشف نفسى أمام العالم

أن أكتب. أن أكشف نفسى أمام العالم. أمارس الآن ولعى بهذا الشبق المحظور.

الليلة سهرت مع مجموعة من الأفكار لأختار منها موضوع كتابتى المقبلة. فكرة واحدة تطغى على البقية وتسيطر على دماغى المرهق وهى: لماذا أكتب؟

هل يرغب الكاتب فى الخلود؟ هل حلمت أنا بالخلود؟

أم أنى أردت المشاركة بتغيير حدث ما أو فكر ما؟

ما كان هدف الكتابة الأولى؟ وبم فكرت حين تجرأت على النشر؟

أقر بأن بداية الحرية تطلبت أن أعلن عن وجودى.. أن أكتب فى حوار أجراه معى صحفى قبل عدة أيام، اغتظت حين بدأ بتقديمى بالقول: معى الإعلامية.... قاطعته وقلت له: بل قدمنى ككاتبة، أجاب: لكن اللقب إعلامية يضم عملك ككاتبة كذلك، أنت تقدمين برنامجاً تليفزيونياً وتكتبين، لذا أفضل أن أقدمك كإعلامية.

قلت له: إن كنت تصر فعرفنى بالكاتبة والإعلامية. وضحك وقال: حسناً كما تريدين لكنى لا أفهم لم تصرين على ذلك؟.. ليس تمسكى بلقب (كاتبة) لكون اللقب مدعاة فخر، بل لأنك حين تكتب تثبت للكون أنك حى وموجود. أن تكتب يعنى أنك تبذل جهداً مخيفاً يقلقك ليل نهار ويحطم أعصابك بعض الأحيان، يستحق كل هذا العناء أن تتم الإشارة إليه لا اختصاره ضمن مصطلح يضم مجموعة من الألقاب الأخرى. كما أنى لا أعمل كاتبة. أنا أعيش ككاتبة.

ينصحنى بعض الأصدقاء فيقولون: الكتابة تتطلب أن تنظمى لها جدولا يوميا. يجب أن تتعاطى مع فعل الكتابة بصفتها مهنة لا هواية، لكنى أرى فى هواى للكتابة شيئاً يمنعنى من اعتبارها واجبا رسميا. أى أنى لا أمتهنها، ولن أفعل. أمتهن الإعلام. وهو مهنة أرى فيها نفسى وأحبها لذا أستمتع بتأديتها وإن كانت مرهقة، أما كتابتى فلا أريد لها أن تتحول لمهنة. المهنة تعنى عملاً بأجر، تعنى دخلاً شهرياً، تعنى إبداعاً، التزاماً، دواماً، إدارة، خطة، استراتيجية، إجازة، اجتماعاً صباحياً، التعامل مع أفراد لا تتفق معهم كثيراً.. إلخ

وعلى النقيض، فالكتابة عالم روحى لا يخضع لقوانين العمل اليومى ورسمياته ومتطلباته، وهى فى الأساس لا تخضع للعصر ولا ترتبط بالزمان، لا تخضع للأرض ولا للسماء ولا يحدها شىء ولا يحكمها أمر، ولا يتحكم بفعلها إنسان، ولا يهذبها أى كتاب أو ينسقها أى ثبات.

حين تكتب تدخل فى غيبوبة. كأن أحدهم ألقى عليك بتعويذة، تنتشى نشوتك تجاه المتع والطيبات. فشبق الكتابة ميل غرائزى لا يقل بهجة عن التمتع ببقية الغرائز. هو كلذة الاستمتاع بالطعام ولذة الجنس ولذة اكتشاف الأماكن الجديدة ولذة الحب ولذة المعرفة. لكن هذه اللذة تتطلب أن تطوع حياتك لها ومن أجلها حتى تطوع نفسها لك.

تعتزل لتجتمع بها. وتتحمل الحياة وحيداً أغلب الأحيان، فالاختلاط بالبشر يقلل كمية الاتصال بنفسك وبالكون لأدنى حدوده الروحانية.

وتقلق كثيراً وكثيراً أثناء تفتيشك عن الفكرة والكلمة. ذات مرة قررت وزميل لى أن نكتب حول موضوع واحد، أنهى ثلاثين صفحة فى يوم وأنهيت صفحتين فى عشرة أيام. سخر من تباطئى لكنه لم يكن تباطؤاً، كان تواصلاً، كان طقساً، لا قيمة للكم أو الوقت فى سننه. أن تكتب، يعنى أن تخرج روحاً جديدة من روحك. من جسدك وحياتك. تلد نفسك مرات ومرات. من يأبه الآن للمسافات الزمنية؟

وأن تكتب يعنى أن يسمعك الجميع ويعرف عقلك الجميع. سينصحك المحيطون بك بمراجعة ما كتبت. وينصحك العقلاء بتوقع ردود الأفعال والتحسب لها وأخذها فى الحسبان. لكنك تعلم أنك إن فعلت هذا كله تغدو شخصا آخر غيرك، تكتب كتابة أخرى غير التى حلمت بها وحلمت بك.

صحيح أنك ستطمئن لالتزامك بقانون البشر لكنك ستخدع قانون الكون وتخدع الطبيعة التى اختارتك للتعبير عنها وعن أهلها. وتكون فى النهاية واحداً من الدخلاء والأغراب. لن يختارك الخلود إن كنت تحلم به. التزم بقانون الكون فى الكتابة وادخل بغيبوبتك وخالف قوانين النشر والبشر وكل محظور، واكشف نفسك أمام العالم.

قد يرحب بك الناس ويؤمنون بكل كلمة تكتبها وقد يكرهونك ويمقتون ما تكتبه، لكنهم حتماً سيهتمون بالبحث عن كلماتك وقراءتها. سيبحثون عنك أنت بالذات.

Albdairnadine@hotmail.com

Almasry Alyoum

Nadine Elbedir

Friday, April 23, 2010

الطاهر مكى: المصريون ينجحون فى الخارج لتخلصهم من «القبضة الخانقة» بالداخل


قدم الدكتور الطاهر مكى، أستاذ تاريخ الأدب، عشرات المؤلفات والمترجمات للمكتبة العربية فى المجال الأدبى، وفى حقل الأدب الأندلسى والأدب المقارن بخاصة، وهو من الأساتذة القلائل المتخصصين فى هذا الجانب، وتراوحت إسهاماته بين العمل الأكاديمى، من خلال عمله أستاذا فى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ووكيلاً لها للدراسات العليا والبحوث وبين العمل الثقافى العام.. وفى الجزء الثانى والأخير من هذا الحوار نجول معه بين ملفات الحضارة الإسلامية فى الأندلس، وتاريخه البحثى، ورؤيته لواقع النشر والإبداع والثقافة فى مصر والعالم العربى.

تاريخ طويل من الكتابة والبحث فى مجال الأدب الأندلسى والحضارة الأندلسية والأدب المقارن.. كيف كانت البداية؟
- فى منتصف القرن الماضى تقريبا أنهيت دراستى الجامعية، بعدها بأعوام أربعة ابتُعثت إلى إسبانيا لدراسة اللغة الإسبانية وآدابها، وفى عام ١٩٦١ حصلت على دكتوراه الدولة من جامعة مدريد المركزية بتقدير ممتاز.. وهناك تلقيت قرارا بانتدابى لإلقاء محاضرات باللغة الإسبانية فى جامعتى كولومبيا الوطنية والجزويت فى العاصمة الكولومبية بوجوتا، بناء على طلب سفارتنا هناك، ولم أسافر مباشرة، لكنى فضلت العودة إلى القاهرة لثلاثة شهور، التحقت خلالها بإدارة العلاقات الثقافية الخارجية، فى وزارة كانت تحمل الاسم نفسه إذ ذاك لأعد نفسى لمهمتى الجديدة، فدرست كل الملفات المتعلقة بهذه المهمة.
وعندما وصلت إلى بوجوتا اكتشفت أن كل ما فى الملفات إبداع خيال، فليس هناك كراسى للغة العربية، ولا جمعيات، وأن الأمر جد مختلف.
كان لى مكتب فى السفارة، وطلبت من السفارة أن يقدمنى أحد منها إلى الجامعة لكى أبدأ فى مهمتى، فراوغ الجميع، السفير رأى نفسه أكبر من هذا الأمر، والسكرتير الأول، وكان محدود المعرفة والموهبة رفض ورفضت أنا بدورى أن أذهب لوحدى.
وعلم بالأمر حسين التريكى، مدير مكتب الجامعة العربية، فى كولومبيا فقبل أن يأتى معى، وذهبنا إلى عميد الآداب، فأنكر أن يكون فى كليته أى قسم يدرس اللغة العربية، وأحالنا على جامعة الجزويت، ربما يكون عندهم هذا القسم، ومن جامعة كولومبيا الوطنية إلى جامعة الجزويت، وأحالنا عميدها، وهو راهب، إلى مديرة معهد اللغات، وهى سيدة ألمانية، فأوضحت لنا الأمر: عند افتتاح هذا المعهد أقمنا حفلا دعونا إليه كل السفراء فى بوجوتا، وكان من بينهم سفير الجمهورية العربية المتحدة، الذى سألنى عن اللغات التى يتم تدريسها، فذكرت له أن من بينها اللغة العبرية ويقوم بتدريسها سفير إسرائيل نفسه، وكان ذلك موطن دعاية قوية لهذه المادة وتمنيت عليه أن تفعل الجمهورية العربية الشىء نفسه، فأخبرنى أنه سوف يطلب لنا مدرساً متخصصاً من القاهرة، ولكن لم يتم تسجيل أى طالب راغب فى تعلم العربية بعد.
ونقلت كل ما سمعت إلى السفير، وكان رده يبدو أننا أخطأنا، والمهم أن نعالج هذه المشكلة وطلب منى أن أتولى أمرها.

وكيف تعاملت مع هذا الأمر؟
- قبل أن أصل إلى بوجوتا حصلت على رسالة من صديق إسبانى موجهة إلى صحفى كولومبى، يقدمنى إليه ويوصيه بى خيراً.. وقام هذا الصحفى بمعاونتى خير قيام، ودلنى على بعض أسرار الحياة العملية، وأفهمنى أن إنشاء كرسى للغة العربية فى كلية الآداب أمر ميسر، وأن عميد الكلية، ورئيس الجامعة، من عشاق «الويسكى» الإنجليزى، وما علىَّ إلا الإكثار من دعوتهم إلى الغذاء، مصحوباً بهذا الشراب، وقد تكفلت بالأمر وتحملت السفارة إمدادى بالويسكى، وتم إنشاء الكرسى ممولا من الجامعة نفسهاً، ولو أن الرواتب غير مغرية، وكان على مصر أن تمدهم بمدرس لها، هم يدفعون الراتب العادى، ومصر تتكفل بالباقى، وهو ما تم فعلا.
وفى جامعة الجزويت اتخذت الدين وسيلة، وقلت للعميد: هناك آلاف من المهاجرين من المسيحيين العرب، لا يعرفون الإسبانية وفى حاجة إلى قسيس يعظهم بالعربية، وتم إنشاء الفصل الأول مكونا فى معظمه من رهبان شبان.

وما هى إسهاماتك الأدبية؟
- قبل أن أعود، عينت ولما أزل فى كولومبيا مدرساً للأدب فى كلية دار العلوم بقرار من مجلس جامعة القاهرة، وعهد إلىّ القسم فى عامى الأول بتدريس مادة الأدب الجاهلى والمكتبة العربية، فكان ثمرة هذا كتابى: «امرؤ القيس حياته وشعره»، وكتابى: «دراسة فى مصادر الأدب»، وهما أكثر كتبى رواجاً، كلاهما طبع هذا العام الطبعة الحادية عشرة، رغم أنهما لم يقررا فى دار العلوم نفسها، وإنما يستفيد منهما الطلاب كغيرهم من القراء، رغم أن قراصنة الكتب فى الخارج سرقوا الكتابين وطبعوهما تزويراً أكثر من مرة، فى أكثر من بلد عربى.
كان من الطبيعى بعد أن استقر أمرى فى دار العلوم أن يعهد إلى بتدريس الأدب الأندلسى، وأن أدرس الأدب الأندلسى لطلابى كما يراه الأجانب ونناقش آرائهم، وترجمت عن الفرنسية ما كتبه ليفى بروفنسال: «الحضارة العربية فى إسبانيا»، وهو مجموعة محاضرات ألقاها فى الجامعة المصرية عام ١٩٣٨، وكتاب هنرى بيريس «الشعر الأندلسى فى عصر الطوائف»، وترجمت عن الإسبانية كتاب إميليو غرسيه غومث «مع شعراء الأندلس والمتنبى»، وكتاب المستشرق الألمانى فون شاك «الشعر العربى فى إسبانيا وصقلية»، وترجمة هذا الكتاب الأخير كانت عن الإسبانية إلى جانب أبحاث وكتب أخرى كثيرة متفرقة.

ماذا عن قصتك مع كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم؟
- وجدت فى أوروبا عناية فائقة بكتاب «طوق الحمامة»، وهو دراسة رائعة عن الحب للإمام ابن حزم الظاهرى على حين أن طبعاته فى العالم العربى مشوهة ومحرفة، لأنه وصلنا فى مخطوطة وحيدة، فعكفت على تحقيقه، وتصويب أخطائه، مستعينا بكتب التاريخ، وبما قام به المستشرقون، ونشرته دار المعارف (طبع منه حتى الآن إحدى عشرة طبعة)، وكل الذين نشروه بعدى صوبوا طبعاتهم عنى، دون أى إشارة لى، لكن تحقيقى لا يزال هو الأكثر رواجا.
وعندما طالت مقدمتى لتحقيق طوق الحمامة، آثرت أن أجعلها فى كتاب مستقل يقارب حجمه حجم الطوق نفسه، بعنوان «دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة» وهو يلقى ضوءا كاشفا على تاريخ الكتاب وسيرة مؤلفه.

هل كان للحضارة الأندلسية صدى فى الحضارة الإسبانية المعاصرة؟
- بكل تأكيد كنا نحن الذين نقلنا الحضارة إلى الأندلس، ثم إلى إسبانيا من بعد، وكان فتح الأندلس إسلاميا خالصا، أسهم فيه البربر وهم ليسوا عربا، والعرب الذين شاركوا فيه جاهدوا تحت راية الإسلام لا العروبة، وهناك لم يجد المسلمون حضارة يفيدون منها، ولا علماً ولا فنا، إذا استثنينا بعض التقاليد الهامشية فى المأكل والملبس وإنما وجدوا مجتمعا بدائياً، كان الإسبان هم الذين أفادوا منا الكثير.
وبعد زمن فى القرن الثامن عشر الميلادى قال الأديب الفرنسى «ألكسندر ديما» فى معرض التهوين من شأن إسبانيا: إن «أوروبا تنتهى عند جبال البرانس» أى أن الإسبان ليسوا أوروبيين، فأثار هذا الطبقة الإسبانية المثقفة، فبدأت تفتش فى تاريخها عماّ يواجهونه به ووجدوه: لقد كانت إسبانيا الإسلامية قمة الحضارة فى العالم، وهى حضارة قام بها مسلمون يتكلمون العربية، ولكن الدم الإسبانى يتدفق فى عروقهم، وإن إسلام الإسبان لا ينزع عنهم هذه الصفة، كما هو الحال مع الفرس أو الأتراك، أو بقية الشعوب الإسلامية الأخرى غير العربية، ومن ثم فان تاريخ الأندلس الذى ازدهر على أرض إسبانيا، تراث مشترك بين العرب والإسبان، من حق أى منهما أن يزهو به، خاصة أن عددا من أعلامه وكبار مفكريه، من أعراق إسبانية، وعلى رأسهم الإمام الفقيه العظيم ابن حزم، ويحتل تمثاله أعظم شوارع قرطبة الآن، ومثله ابن رشد وابن بقىّ وآخرون.
عن هذا الاتجاه انبثقت فكرة «قومية التراث الأندلسى» تدعو الإسبان إلى دراسته، واعتباره تراثا قوميا، وعلى رأسها المستشرقون العظام: خوليان ريبيرا، وأسين بلاثيوس، وأنخل جونثالث بالنثيا.
لقد جاء اهتمامنا بتأثير الحضارة الأندلسية فى الحضارة الأوروبية متأخراً، لأن دراستها تتطلب تمكناً من اللغة الإسبانية، وهو ما انتهينا إليه منذ قريب جداً، فى القرن السابع عشر الميلادى، عرفت إسبانيا رغم تخلفها إذ ذاك، ملكاً مستنيراً هو كارلوس الثالث، عهد إلى مترجم مارونى من حلب، يدعى ميخائيل غزيرى، أن يفهرس المخطوطات العربية الواقعة فى دير الإسكوريال فى ضواحى مدريد، فقام بهذه المهمة على قدر جهده، ولم يكتف برصد الكتب، وإنما عرّف بها، وعلق عليها، ونشر هذا الفهرس، وكان هذا الفهرس بداية إدراك لدور الأندلس فى النهضة الأوروبية، لم يتواصل إلا بعد قرن من الزمان، ولكن راهباً يسوعياً اسمه «خوان أندريس» كان فى إيطاليا، وألف كتاباً فى تقدم الأدب، من ثمانية مجلدات خص دور العرب فى يقظة أوروبا بمجلد ونصف منه، وألف كتاباً عن «الموسيقى العربية» ولا أعرف إلا قلة نادرة من العرب تعرف شيئاً عن هذا المؤلف، أو عن هذا الكتاب، وقد أشرت على طالب عندى يدرس الماجستير فى دار العلوم، أن يكون هذا موضوع رسالته.

لماذا تدهورت الثقافة العربية بعامة، والمصرية خاصة؟
- هناك مثل يقول: «من يزرع الشوك لا يجنى العنب»، وإذا أردت أن تعرف سبب تأخرنا فانظر ماذا كان يقرأ التلميذ فى حقل الثقافة، فى المدرسة الثانوية فى الأربعينيات من القرن الماضى، وماذا يقرأ الآن. كان يوزع على التلاميذ حينذاك باقة من شعر أمير الشعراء تحمل اسم «الشوقيات» للمدارس الثانوية، ويوزع على تلاميذ المدارس الابتدائية، «مجموعة النظم والنثر» وتضم قصائد وقطعا نثرية مختلفة، ومنتقاة جيداً لعدد من كبار الشعراء والناثرين، فيها قصائد لشوقى ورفاعة الطهطاوى، وللإمام الشافعى، وللطغرانى وللبهاء زهير، وآخرين.
وفى مطالعة الكتاب الواحد كان المقرر على تلاميذ المدارس الثانوية: كتاب المكافأة لابن الداية، أو البخلاء للجاحظ، أو مختارات من الأغانى، أو قطوف لعبد العزيز البشرى. أماّ الآن فالكتب المقررة إما هابطة الذوق، أو ثقيلة الطعم، أو ثرثرة مملة، لا تدخل أحداثها فى مدارك التلميذ، والمثل الواضح لمثل هذا الكتاب هو «الأيام» لطه حسين.
لقد تدهورت المادة التى نقدمها للتلاميذ، فهم يقبلون عليها مكرهين للامتحان، وبعيداً عنه لا تربى ذوقا، ولا ترقق وجدانا، ولا تثير إعجابا، يدفع التلميذ إلى التفكير فى أن يكون مثل صاحبها.

هل تراجعت مصر فى مجال تحقيق كتب التراث؟
- لابد أن نعترف أن مدرسة تحقيق التراث المصرية العظيمة التى بذلت الكثير من الجهد، وحققت مئات الكتب قد اختفت حقاً، لم يعد أحد يقدم على تحقيق مخطوطات، لأن الجهد الذى يتطلبه هذا العمل فوق طاقة الفرد، وعائده قليل للغاية، ووزارة الثقافة تخلت عن هذا الجانب تماماً، رغم أنه أولى مسؤولياتها.
وبدأنا نستورد كتبا محققة من الأردن بعد أن كنا نصدر الكتاب المحقق إلى كل العالم العربى والإسلامى، وآثرنا سلوك الطريق الأسهل: أن نصور وأن نعيد طباعة ما حققناه على امتداد القرن العشرين مما سقطت حقوق محققيه، والأمر لا يتطلب غير آلة وعامل وورق طباعة، ولا بأس أن يحمل الكتاب الذى حققه فى الأصل عالم أو اثنان، أسماء كثيرة جديدة، لم تشارك فى شىء، من مشرف، ونائب له، ورئيس تحرير، وسكرتير فنى، وكوكبة من المستشارين، ولا بأس أن تحذف مقدمة المحقق الفعلى، وأن يكتب له أحد العاملين فى وزارة الثقافة مقدمة جديدة، والجميع يقبضون..!
وينزل الكتاب إلى السوق بسعر رخيص حقاً، فيتلقفه الورّاقون، ويختفى بعد بضع ساعات، لأنهم ينقلونه إلى مخازنهم، ويتحكمون فى بيعه بأسعار مرتفعة جداً، ويربحون من وراء ذلك أموالاً طائلة.
لكن، كم عدد الكتب التراثية الجديدة التى حققت فى مصر ربع القرن الماضى؟ لا أظنها تتجاوز عدد أصابع اليدين، وفى دار الكتب المصرية مئات المخطوطات الجيدة تنتظر المحققين مع سهولة الطباعة، ويسر النشر، والمكافآت التى لا بأس بها، التى تدفعها وزارة الثقافة، والجهد الطيب الذى تبذله فى هذا المجال، فإن طوفان الكتب الغثة هو الغالب، يغطى على ما هنا أو هناك من كتاب جيد، ووراء ذلك مرض مصرى قديم: الشللية والمحسوبية، فى الإعلام المضلل.

كيف تقرأ الوضع الحالى للغة العربية فى مصر؟
- تتجلى مأساة اللغة فى اتساع استخدام العامية فى الإعلانات وفى اللافتات ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وبدأت تتسرب إلى بعض الصحف أيضا، ووجدت لأسباب ظاهرة، وأخرى خفية، من يدافع عنها وبقوة، وأظن أن مصر هى الدولة الوحيدة فى العالم التى تخصص فيها وزارة الثقافة جوائز لمن يبدع باللغة العامية.

وماذا عن العقل العربى..هل تتفق مع من يقولون إنه يمر بمرحلة تراجع؟
- العقل العربى بخير، وتتمثل مأساته فى القبضة الخانقة التى تكتم أنفاسه، والقيود الصارمة التى تعيق حركته فى البيت والشارع والعمل، وفى كل مكان، وحين يتخلص منها يتجلى إبداعه واضحا باهرا ونلحظ ذلك واضحاً فى نجاح المصريين فى مختلف فروع العلم عندما يكونون بعيداً عن المناخ السائد فى وطنهم الآن.

هل يمكن ربط هذا بأزمة الكتاب وانصراف الناس عن القراءة؟
- الكتاب، هو مصدر كل ثقافة، ونحن فى حاجة إلى وضع استراتيجية جديدة له، والقارئ المصرى ذكى لا يمكن التغرير به، أو الضحك عليه، فلا نقدم له كتابا يكيل المديح للحكومة ويتغنى بالإنجازات والمحاسن، وكل ما بين يديه مساوئ تكذب ما يكتب أو يقال.
والدولة التى خصخصت معظم مؤسساتنا وإنجازاتنا فى مجال الصناعة والاقتصاد عبر قرن من الزمان، وكثير منها كان مصدر ربح، نسيت دار المعارف، وكانت أكبر مؤسسة للكتاب فى العالم العربى والإسلامى، وتجاوز عمرها مائة عام، وكنا نفخر بها، كما نفخر بالأهرام صحيفة، وعبد الوهاب موسيقياً، وأم كلثوم مغنية، والأهرام أثراً فرعونياً، ومحمد حسنين هيكل كاتباً صحفياً، تركتها الدولة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتسقط مفلسة، لا هى خصخصتها ولا هى دعمتها، أو وضعت على رأسها متخصصاً يحسن إدارتها.

هل الإدارة وحدها وراء هذا السقوط؟
- لا، هناك سبب آخر أهم، وهو المصدر الرئيسى لهذه الكارثة: هو تحويل دار لنشر الكتاب إلى مؤسسة صحفية تصدر مجلة أسبوعية (أكتوبر)، بقرار حكومى غير مدروس، وإنشاء صحيفة يعد مكسباً بلا شك، لكن المأساة أن المجلة قامت على أنقاض المكتبة، لقد سقطت الصحيفة نفسها كأداة توصيل، وأفلست دار المعارف فى النشر، وخسرنا الاثنين معا.

ترى ما السبب وراء عدم خصخصتها حتى الآن، رغم خسارتها؟
- أحسب أن هناك أشخاصاً يستفيدون من بقائها على هذا النحو، وبدأوا يؤجرون بعض مكتباتها التى فى وسط البلد، ويبيعون بعض ممتلكاتها بالقطاعى.

هل يوجد فى مصر إقبال على الكتاب؟
- إذا قدمت الكتاب الجيد فسوف يلتهمه الناس التهاما، وكتب الأستاذ هيكل دليل على هذا، فالمصريون رغم ضيق ذات اليد من أكثر الشعوب العربية قراءة، لكن القراءة لا ترتبط بالرغبة وحدها، وإنما علينا أن نأخذ القدرة على الشراء فى الحسبان أيضاً، فقد تعرضنا خلال ربع القرن الماضى للإفقار الشديد، مع ارتفاع مبالغ فيه لكل الأسعار، وأدى هذا إلى تآكل الطبقة الوسطى بصورة مخيفة، وأنا أتكلم عن نفسى: قبل ربع قرن كنت أشترى كل صباح صحف: الأهرام والأخبار والجمهورية، والمصور وروزاليوسف، ومن الصحف الأجنبية لوموند الفرنسية كل يوم جمعة، وثمنها ١٢ جنيهاً، و«الباييس» الإسبانية كل يوم سبت، وأدفع فيها مثل هذا السعر أيضا، أما الآن فأشترى صحيفة عربية واحدة كل يوم، وأكتفى بتصفح بقية الصحف الأخرى على «الإنترنت» نحن شعب قارئ، ويحتال لتوفير ثمن ما يقرأ.

وما رأيك فى الجوائز العربية.. هل تسهم فعلاً فى تطوير العمل الثقافى؟
- الجوائز المخصصة للأدباء والعلماء والمثقفين متعددة، ومتنوعة، وتوجد فى معظم الدول العربية، بعضها رسمى تمنحه الدولة، وبعضها الآخر أهلى يقدمه سراة القوم من الأغنياء، والجانب الأكبر فى كليهما قيمته المادية لا بأس بها نسبياً.
لكن الأكثر أهمية أن تبلغ هذه الجوائز مستحقيها، ذلك أنها تذهب أحياناً إلى من لا يستحقها. والخلل الذى يصيب هذه الجوائز يأتـى من جانب المحكمين، فحين تعهد بذلك إلى من هم أدنى ثقافة من المتقدمين لها، تقع الكارثة لأن الجاهل لا يحسن تقييم ما لا يعرف بداهة، فالمعرفة شرط أساسى فى نزاهة الحكم والتقدير، وبدونها تختل الموازين والتقييم..
ولكى تصل الجوائز إلى مستحقيها من الأدباء، لابد أن يكون الحكم أعلى ثقافة من المتقدم للجائزة، وفى أدنى الحالات مساوياً له.
ولدينا فى مصر دليل واضح على صحة هذا: الجوائز العلمية تخضع لتقييم المجلس القومى للبحوث، والمحكمون فيها كلهم من كبار العلماء من أعضائه، وكلهم من الصفوة، ولم يحدث أبداً أن اضطربت الموازين فى أيديهم، أو ذهبت الجائزة إلى من لا يستحقها فحافظت على مستواها الأدبى وقيمتها وسمعتها العملية، ولم تكن أبدا موضع شكوى أو اعتراض. ومثلها فى ذلك الجوائز التى تمنحها الجامعات.
الأمر على النقيض من ذلك فى الجوائز الأدبية، فالمجلس الأعلى للثقافة هو الذى يتولى توزيعها، وهو بحكم تكوينه يضم أعضاء مختلفين تخصصا، ويتفاوتون ثقافة، وبعضهم- أو الكثير منهم إذا شئت- لا صلة له بالثقافة أصلاً، فضلاً عن أن يكون متخصصا فى الموضوعات التى يعرض لها المجلس. ولهذا تضطرب الموازين فى أيديهم، وقلما يصيبون، وقراراتهم تلاقى فى كل عام نقداً شديداً، مما أسقط هيبة هذه الجوائز، وحّولها إلى مجرد «رزق مالى» يسعى إليه كل طامع وراغب، سواء أكان يستحقه أم لا.
ولا أعرف فى مصر جوائز أهلية، ذات قيمة، إلا الجائزة التى يقدمها السيد نجيب ساويرس.

هل ترى إمكانية لتحسين أوضاع هذه الجوائز؟
- إذا أردنا لها أن تبلغ غايتها حقا، فأقترح أن يعهد بأمرها إلى المجلس القومى للثقافة والفنون والآداب والإعلام، وهو مجلس ذو سمعة طيبة، ويضم خلاصة صفوة المختصين فى هذه الاتجاهات، وهو رسمياً أعلى مكانة من المجلس الأعلى للثقافة، لأن أعضاءه يخضعون لاختيار دقيق قبل أن يعينوا، ويصدر بهم قرار جمهورى، على حين لا يعرف أحد القاعدة التى يعين بمقتضاها أعضاء المجلس الأعلى للثقافة، وعلى أى حال فإنهم يعينون بقرار من وزير الثقافة فحسب.