Showing posts with label فكر. Show all posts
Showing posts with label فكر. Show all posts

Monday, May 09, 2011

«مجتمع جديد أو الكارثة»

هذا عنوان كتاب لأستاذنا الدكتور زكى نجيب محمود، فارس العقل العربى، وأستاذ الفلسفة فى جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات العربية والأجنبية على مدى سنين طويلة، وصاحب المؤلفات العميقة التى كانت دائماً تبشر بالعقلانية والاستنارة وفلسفة العلم. وفى هذه الأيام وجدت نفسى أستعيد عنوان كتاب أستاذنا «مجتمع جديد أو الكارثة»، وأمد يدى إليه وأتصفحه لست أدرى كم مرة.

لقد تحقق فى الشهور الأخيرة منذ ٢٥ يناير الماضى لمصر ما لم يتحقق من قبل طوال سنوات، وإن كان قد جاء نتيجة كفاح سنوات طوال.

لقد استطاعت ثورة شباب ٢٥ يناير أن تُسقط نظام الحكم الفاسد الذى كان قائماً، واستطاعت أن تضع كثيراً من رموزه وراء القضبان، لكن الذى يرصد المشهد السياسى فى مصر بعمق يحس بأن هناك قوى مضادة للثورة تريد أن تنقضَّ عليها وتطفئ نورها، وتأتى مكان هذا النور الذى أبهرنا جميعاً بسحابات من الجهالة والظلام.

وليس أمامنا جميعاً، نحن الذين عملنا من أجل هذه الثورة سنوات طوالاً وليس أمام الشباب الطاهر الذى فجّر هذه الثورة وحقق أولى ثمراتها بإسقاط النظام السابق ووضع الوطن على أعتاب مرحلة جديدة مليئة بالتحديات- إلا أن نتنبه جيداً، وأن نتحاور جيداً، وأن نلتقى كثيراً، لكى نحمى ثورتنا، ولكى نحقق ما بقى من أهدافها، وهو كثير، لعل أهمه إقامة مجتمع جديد، ذلك أننا إذا لم نُقم ونُشّيد بناء هذا المجتمع الجديد الذى ننشده فإن البديل هو الكارثة والعياذ بالله.

ما هو المجتمع الجديد الذى نريد أن نبنيه؟

وكيف نبنيه؟

هذان هما السؤالان المحوريان!

المجتمع الجديد الذى نريد أن نبنيه هو مجتمع يشارك فى بنائه كل أبنائه، ويجنى ثماره كل أبنائه. وعندما أقول يشارك فيه كل أبنائه أقصد أن يشاركوا جميعاً فى بناء كل أركان المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية، وأن يتشاركوا جميعاً فى نتائج هذا البناء السياسى والاجتماعى والثقافى.

المجتمع الجديد هو مجتمع الدولة المدنية الديمقراطية التى لا تفرق بين مواطن ومواطن إلا بقدر عطائه لبلده وإسهامه فى بنائه من كل جوانبه.. وهكذا يتحقق معنى العدل.

وهذا المجتمع الجديد بما أنه مجتمع ديمقراطى فإنه مجتمع يؤمن بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية كما عرفها وأقرّها العالم المتحضر فى مواثيق حقوق الإنسان، وكما دافع عنها كل المؤمنين بهذه الحقوق المناضلين من أجل تمكينها فى البنيان الاجتماعى، ولن تُحمى هذه الحقوق إلا فى ظل سيادة حقيقية للقانون، بحيث يكون القانون فوق الإرادات جميعاً، وفى ظل نوع من التوازن بين السلطات واستقلال كامل للقضاء، وتداول للسلطة لا يعرف شخصنة الدولة فى فرد- كما كان الحال- وإنما يعرف دولة المؤسسات الحقيقية لا مجرد التشدق بالألفاظ بغير فعل حقيقى من أجل إقامة مؤسسات فاعلة تستند إلى القانون وتعمل فى ظله، وهذا هو ما يقال له «مبدأ المشروعية»، أحد المبادئ الأساسية فى الدولة الحديثة.

وإذا كانت هذه هى ملامح المجتمع الجديد الذى نريد أن نبنيه فى مصر الحبيبة فكيف نبنى هذا المجتمع؟ وما وسائلنا لتحقيق هذه الغاية؟

أهم الوسائل وأسبقها وأفعلها هى العقل الناقد المبدع المستنير، ومن هنا نستطيع أن نقول إن الجانب الحضارى الثقافى الذى يكوّن العقل الحر هو الجانب الأساسى فى بناء المجتمع الجديد، وهنا أستأذن القارئ فى نقل بعض عبارات من كتاب أستاذنا زكى نجيب محمود الذى أشرت إليه فى بداية المقال: «إن نهضتنا الحديثة كلها قد بدأت عندما دعا الداعون إلى يقظة العقل لترتبط النتائج بأسبابها الصحيحة.

وكان أبرز هؤلاء الداعين إلى حكم العقل هو إمامنا الشيخ محمد عبده» إن عبقرية الإنسان هى فى مواجهته الحياة بالجديد المبتكر، «إننا نريدها ثورة فكرية تلوى أعناقنا لتشد أبصارنا إلى المستقبل بعد أن كانت مشدودة إلى الماضى...».

هذا بعض ما كتبه أستاذنا فى كتابه «مجتمع جديد أو الكارثة».

والعقل المبدع الناقد المستنير هو الذى يحرك الشعوب نحو المستقبل، وهو الذى يبنى ويقيم صروح البحث العلمى، ويجعل حياة الشعوب تستهدى بالعلم وبالمنهج العلمى ولا تعيش أسيرة الخرافة والأساطير.

ونظرة واحدة إلى المتقدمين من ناحية والمتخلفين من ناحية أخرى ستضع يدنا على هذه الحقيقة بغير خلاف.

الأساس هو بناء المنهج العلمى، ولا يبنى المنهج العلمى إلا العقل الناقد المبدع المستنير.

إن الشباب الذى فجر ثورة الخامس والعشرين من يناير مدعو إلى أن يدعو إلى تفجير ثورة ثقافية علمية تنقل المجتمع نقلة جوهرية إلى الأمام.

والعقل المستنير الحر يرفض بداءة كل صور الاستبداد، سواء كان الاستبداد السياسى أو الفكرى أو الاقتصادى، فكلها صورة من صور الاستبداد الذى يقيد العقل ويحبسه وراء قضبان التخلف وأسوار الظلام.

والاستبداد السياسى تعبر عنه الدولة البوليسية الشمولية التى تغيب فيها سيادة القانون وحقوق الإنسان، والاستبداد الفكرى هو الذى يشيع فيه الفكر المتخلف الذى يشبه نوعاً من الإرهاب الفكرى ضد العقول المستنيرة، والاستبداد الاقتصادى هو المناقض لفكرة العدل الاجتماعى وحقوق الناس فى أن يجنوا ثمار ما قدمت أيديهم.

كذلك فإن إحدى الوسائل الأساسية لاستكمال البناء الذى هدفت الثورة إلى تحقيقه هى أن يكون شباب الثورة كالبنيان المرصوص وألا يتفرقوا شيعاً وأحزاباً، كونوا حزباً واحداً أو حزبين على الأكثر ولا تظلوا هكذا مُبعثَرين.

وأريد أن أؤكد أيضاً أن القيم الروحية التى جاءت وبشرت بها الأديان السماوية جميعاً هى لُحمة المجتمع وسداه.

وبعد هذا كله أقول: نعم، بالعقل الناقد المستنير نستطيع أن نبنى مجتمعاً جديداً فإن لم نفعل فسنبدد كفاحنا وثورتنا ونستعد للكارثة والعياذ بالله

د. يحيى الجمل - المصرى اليوم

Sunday, May 01, 2011

الثورة من السياسة إلى الفكر


ثورتنا حتى الآن سياسية (أى ضد الساسة الذين كانوا يحكموننا)، ولكنها ليست ثورة فكرية بعد، لم نزل نفكر فى أغلبنا بنفس الطريقة القديمة.

أغلب المصريين يعيشون معضلة «المأزق المفتعل» (false dilemma) وهى تقوم على افتراض أن أى سؤال له إجابة واحدة صحيحة وإجابة واحدة خطأ، وبما أن الكثير من الأمور الفكرية والثقافية والدينية تتأبى على هذا الافتراض، فإن الإنسان صاحب هذا المأزق المفتعل يفترض أنه هو مركز الإجابة الصحيحة، وكل من هم عن يمينه مخطئون وكل من عن يساره مخطئون.

ولى خبرة مباشرة تؤكد أننا مصابون (بدرجة ما) بهذا المرض، فقد وصفنى البعض بحدة بأننى إخوان (أو على الأقل خرجت من عباءتهم). وقد وصفنى آخرون بأننى علمانى متغرب (أو على الأقل مهزوم نفسيا تجاه الغرب)، وظننت فى لحظة أن الخطأ من عندى، لأننى أقول كلاما يمكن أن يفسر على أكثر من وجه، ولكن هل من الممكن أن أصل إلى أن أكون الشىء ونقيضه ثم نقيض النقيض فى الاتجاه المعاكس؟

ولكن إذا عدنا إلى ما كتبه جون ستيورت ميل عن المنطق وطرائق الاستدلال لفهمنا بعضا من هذه المعضلة. فالعقل البشرى يستريح لتسكين الناس فى أقل عدد ممكن من الخانات المعروفة سلفا ويقاوم بشكل فطرى محاولة ابتكار خانات جديدة، وهى وفقا لتعبيره «عقلية الطفل» الذى ينظر للناس إما كأصدقاء يبتسم لهم أو أعداء يبكى حين يراهم، ويذهب جون ستيورت ميل للاعتقاد بأن جميع مناهج المعرفة الإنسانية المنظمة (العلم والفلسفة تحديدا) كانت تهدف لأن تضيف للخانتين الأولى والثانية الخانات الثالثة والرابعة... إلخ، ومن هنا كان يرى أن هناك فروعا من العلم لابد أن يدرسها كل الطلاب فى كل التخصصات، وعلى رأسها «المنطق» لأنه يساعدنا على حسن الاستنتاج، بغض النظر عن نوعية المعلومات التى نمتلكها أو كما يقول الجرجانى: المنطق هو العاصم من الخطأ فى التفكير.

نحن بحاجة للثورة فى منهج التفكير الخلاق، فمشاكل المجتمعات المعاصرة ليست بسيطة أو فطرية، وإنما هى شديدة التعقيد بما يتطلب تفكيرا جدليا مركبا يأخذ فى الاعتبار أسئلة من قبيل: من نحن؟ وماذا نملك ولا يملكه غيرنا؟ وما الذى يملكه غيرنا ولا نملكه؟ وما هى تكلفة الفرصة البديلة إن تبنينا ما يملكه غيرنا؟ هل يمكن الجمع بينهما؟ مثلا هل يمكن أن نحترم ادعاء الحكم بشرع الله دون احترام شرعية الشعب بما قد يفضى إليه هذا من دولة ثيوقراطية؟ هل يمكن أن نحترم شرعية الناس دونما اعتبار لشرع الله بما قد يفضى إلى دولة علمانية؟ هل من الممكن الجمع بينهما كى نقدم نموذجا يحترم ثوابت الشرع ويلبى شرعية الشعب؟، أعتقد أن البديل الأخير هو الأقرب إلى الشرع الشريف ومن الصالح العام.

وكى نفكر سويا، فلابد من التدرب على الاختلاف فى الرأى، ولنتخيل سويا هرما له قاعدة وله رأس وبينهما أدوار من البدائل المتاحة لنا.
●●●

فأولا فى قاع الهرم هناك ما يمكن تسميته «سب الشخص» (name-calling) وهو أدنى مراتب الاختلاف ومع الأسف الأكثر شيوعا. وفيه تنطق بعض الألسنة بما فى النفوس فتهوى بأصحابها.

الطابق الأعلى مباشرة فى هرم الاختلاف هو «مهاجمة الشخص» (ad hominem) ليس بالسب ولكن بتوجيه انتقادات ليس لها علاقة بجوهر الفكرة المطروحة، فننشغل بالأشخاص والأشياء أكثر من مضمون ما يقدمونه من أفكار وتحليل للأحداث، فيُتهم كاتب ما بأنه من «من محاسيب إيران» لأنه يوضح أن إيران نجحت فيما أخفقت فيه مصر سابقا من تحقيق معدلات أداء اقتصادى وعسكرى وتكنولوجى، ومع ذلك من الممكن أن يكون انتقاد الكاتب مبررا إذا كان مبنيا على أسباب (حتى لو اختلفنا معها)، كانتقاد من يدافع عن حزب أو جماعة بانتقائية شديدة للمعلومات أو بتزييفها، ولكن هنا لا نقول إن هذا الأسلوب هو «مهاجمة للشخص» وإنما هو انتقاد لمصداقيته أو منهجه بأدلة مرتبطة بالقضية موضع النقاش.

الطابق الثالث فى هرم الاختلاف هو «مناقشة التوجه العام» (responding to tone) وهو أقل النقاشات الجادة سوءا، إذن نحن بدأنا نناقش نقاشا علميا ولكن فى أدنى مستوياته لأننا بدأنا نناقش الموضوع وليس كاتب الموضوع، وهنا يكون الانتقاد موجها للتوجه العام للموضوع دون تحديد أين مواضع الخلل فيها بشكل مباشر، فكأنك ترسم دائرة كبيرة على مقال وتقول هذا مقال:

«متأسلم» أو «تجارة بالدين» أو أن المقال من «أوهام العلمانيين المتغربين». هذا توجه عام يمكن أن يكون مرفوضا عند شخص ما، لكن ما الفائدة التى عادت على القارئ أو المستمع ما لم يقدم الرافض أسبابا واضحة للرفض بحيث تكون قابلة للنقاش؟

الطابق الرابع فى هرم الاختلاف هو «المعارضة» (opposition) وهنا نكون بدأنا فى النقاش الجاد فعلا، فيقدم الكاتب ما يفيد اعتراضه على ما يقرأ أو يسمع مع بعض الأدلة هنا أو هناك بما يثبت وجهة نظره، وقد تكون المعارضة للفكرة المركزية (central point) أو لقضية هامشية أو استشهاد يراه المعترض فى غير محله لكن مع الموافقة على الفكرة المركزية.

الطابق الخامس فى هرم الاختلاف يتمثل فى تقديم طرح بديل (counterargument)، وبالتالى هو اعتراض واضح على المقولة المركزية ومعها أسباب الرفض ثم طرح فكرة مغايرة تماما للفكرة الأصلية.

والطابق السادس والأخير أن يكون كل ما نكتبه إما عليه دليل أو على الأقل يمكن إثباته (provable) أو يمكن دحضه (falsifiable) بالرجوع إلى مصادر معلومات وأفكار أو خبرات دول أو أشخاص آخرين حتى يمكن القياس عليها والاستفادة منها.
●●●

هل تعلمون أن كل مجتمع بشرى احتاج قرونا كى ينتقل معظم أفراده من طابق لآخر؟، ولنأخذ مثالا بالعقل الأوروبى حيث بذل فلاسفة اليونان جهدا هائلا لإثبات فكرة الذات العاقلة فى مواجهة الأساطير الموروثة وحكم الكهنة، واحتاج العقل الغربى قرونا كى ينتقل من الذات الاستنباطية (سانت أوجستين) إلى الاستقرائية (بيكون)، ثم إلى الذات المفكرة والمتشككة (ديكارت)، والتى لها حقوق غير قابلة للمساومة والانتقاص (كانط).

أزعم أن الكثير من حواراتنا، بالذات التى يكون الدين طرفا فيها، تتحول تلقائيا إلى منطق «الذات الاستنباطية» التى يصبح فيها الشخص وما قرأ أو سمع (مهما كان قليلا) هو المرجعية ومن يخالفه «لا يعترف به». شاب فى العشرينات من عمره قال لى «إنه لا يعترف بالشيخ القرضاوى» فسألته عمن يعترف به إذن قال لى: «العلماء الثقات مثل ابن باز وابن عثيمين وآخرين». قلت له سبحان الله: إن هؤلاء وصفوا الشيخ القرضاوى بأنه «علامة» وهو وصفهم بأنهم من «أعلام الاجتهاد» وصدق قول القائل: «من وسع علمه قل إنكاره» و«لا إنكار فى مختلف فيه». ولكن فهم هاتين القاعدتين أصلا يحتاج ثورة فكرية.

بقلم:معتز بالله عبد الفتاح - الشروق


Friday, March 04, 2011

المنافقون.. الصغار والكبار


للثورات مزايا كثيرة، من بينها فضح المنافقين. فالثورة، لأنها تهب كما تهب العاصفة القوية والمفاجئة، تفاجئ أصحاب السلطة وحاشيتهم ومنافقيهم كما تفاجئ العاصفة ركاب السفينة فى عرض البحر، بعضهم وهم نيام، وبعضهم وهم يمارسون الرذيلة بعيدا عن الأعين، فإذا بهم يحاولون دون جدوى تغطية أجسامهم العارية بسرعة، ويهرولون فى كل اتجاه بحثا عن أى منفذ للهرب.

لا وقت عندما تهب العاصفة القوية لإخفاء الأموال المسروقة، أو التظاهر بالوقار والورع، وهذا هو ما يحدث أيضا عندما تقوم الثورة المفاجئة. ينكشف المستور، ويظهر أن الذى كان يمثل دور الجاد الرصين هو فى الحقيقة مهرج كبير، وأن من كان يتقمص شخصية المسئول عن الدعوة والفكر، ليس إلا بوقا يردد ما يقال له، وأن صاحب الفكر الجديد خالى الوفاض تماما من أى فكر، وأن ذلك المسئول الكبير كان لصا مثل المسئول الصغير، وأن المسئول عن الإعلام كان مشغولا باستلام آلاف الجنيهات الذهبية، والمسئول عن الشرطة كان مشغولا عن توفير الأمن بترتيب قتل الأقباط لدى خروجهم من الكنيسة، ثم بتوريد الجمال والبغال لبعض البلطجية فى ميدان التحرير... إلخ.

لقد مكنتنا ثورة تونس العظيمة منذ أسابيع قليلة، من أن نشاهد على شاشة التليفزيون منظرا خلابا لدواليب سرية مخبأة وراء رفوف من الكتب، وتحتوى على صفوف فوق صفوف من الأوراق المالية من جميع العملات، وصناديق تحتوى على مجوهرات بمختلف الأشكال والألوان، مما جمعه الرئيس التونسى المخلوع وزوجته طوال 23 عاما من حكمهما للبلاد، طالما رددا خلالها الأكاذيب عن اهتمامهما بمصلحة الفقراء.

وفى مصر مكنتنا ثورة يناير الرائعة من أن نعرف ما لم يكن من الممكن معرفته لولاها.

هل كان بإمكاننا أن نتصور أن أسرة حسنى مبارك قد جمعت حقا كل هذه المبالغ الخيالية من الأموال، وأن يتملك أفراد حاشيته كل هذا العدد من القصور فى كل مكان، وأن الوزراء قد حصلوا حقا على كل هذه الملايين من الأمتار من أراضى الدولة.. إلخ؟ كشفت لنا الثورة كل هذا بين يوم وليلة، وما أكثر ما سوف نسمعه فى الأيام والشهور القادمة من قصص وحكايات سوف يتسامر بها بلا شك المتسامرون، وتمتلئ بها كتب التاريخ والفضائح.

ولكن الثورة تكشف أيضا أعدادا كبيرة من المنافقين الكبار والصغار، كما تلقى العاصفة الشديدة بالأجسام الميتة فيراها السائرون على الشاطئ فى الصباح، تتراوح بين الحشرات والأسماك الصغيرة الميتة، والحيوانات الضخمة النافقة.
نعم هناك كثيرون جدا من المنافقين الصغار، الذين اضطرتهم ظروفهم الصعبة إلى أن يتمسحوا بأهداب النظام، وأن يسكتوا عما يجرى أمام أعينهم من مظالم، وقد نغفر لهم ما لا نغفره للآخرين، ونصفح عما ارتكبوه من أعمال النفاق الصغيرة بسبب شدة الحاجة والفقر. ولكن ما أكثر أيضا فضائح وزراء ومسئولين وكتاب وفنانين كبار، لم يكونوا فى أدنى حاجة إلى المزيد من المال، وما كان أغناهم عن مناصب لا تجلب لهم إلا سلطة زائفة أو ثروة كان لديهم منها من قبل ما يكفيهم هم وأولادهم وأحفادهم لمئات السنين. بعض هؤلاء أذهلتهم الصدمة فلزموا الصمت ولم يجدوا ما يقولونه، ولكن من هؤلاء أيضا من لديهم القدرة على التحول بسرعة فائقة من صورة لأخرى، فإذا بهم يحاولون الظهور فجأة بمظهر المؤيدين للثورة ومناصريها.

كان من الممكن أن يثير هذا الفريق الأخير من المنافقين الدهشة الشديدة من سرعة تحولهم، لولا أن من خبرهم من قبل، ويعرف تاريخهم القديم، يعرف جيدا أنهم فعلوا نفس الشىء عدة مرات من قبل مع حكام سابقين. بعضهم عاصر منظمة الشباب التى أنشأها حاكم اشتراكى فتغنوا بالاشتراكية، ثم دافعوا بقوة عن سياسة الانفتاح التى دشنها حاكم رأسمالى، واشتهروا مرة بالمعاداة الشديدة لإسرائيل، عندما كان الحاكم يعاديها بشدة، وبالدعوة للتعقل وعدم التشنج عندما جاء حاكم يقبل التصالح والمهادنة، فتغنوا به بطلا للحرب والسلام. ثم عندما ذهب الحاكم الاشتراكى والحاكم الرأسمالى، وجاء حاكم لا يدين لا بالاشتراكية ولا بالرأسمالية ولا بأى شىء آخر على الإطلاق، إلا سياسة النهب والخطف، سايروه فى الخطف والنهب وتغنوا بهدوئه وتعقله وكراهيته لأسلوب الصدمات الكهربائية، وأطلقوا عليه صفات جديدة مثل «صاحب الضربة الجوية الأولى»، وغيروا كتب التاريخ ليجعلوه هو، بدلا من سلفه، بطل الحرب والسلام.

هؤلاء جميعا فوجئوا بثورة 25 يناير، ولكن بعضهم يتحلى بدرجة من هدوء الأعصاب ورباطة الجأش جعلتهم يغيرون من مواقفهم بمنتهى الهدوء والرزانة.

فقال بعضهم إنهم كانوا يدافعون عن النظام السابق عن اقتناع وعقيدة، ولكن الديمقراطية طبعا أفضل، وإرادة الشعب طبعا واجبة الاحترام.

وبعضهم قام ببعض الألعاب البهلوانية لتكون صداقات جديدة بسرعة مع بعض كبار الثائرين، أو لتذكير الناس بعلاقات أو صداقات قديمة ببعض كبار المعارضين، ولكن هناك أيضا من المنافقين من لم ير حاجة لتقديم أى دفاع أو إلى التظاهر بأنه مناضل قديم، بل انخراط فورا فى الخطاب الثورى الجديد معتمدا على أن معظم الناس لم يقرأوا ما كتبه قبل يومين فقط من سقوط الرئيس، أو معتمدا على ضعف ذاكرة الناس، أو على مجرد التكرار إذ إن ترديد الكذب كفيل بذاته بتحويل الباطل إلى حق، وبإظهار النصَّاب المحترف بمظهر الرجل المحترم.

لن أطيل الكلام عن هؤلاء أكثر من ذلك، فسوف نسمع على كل منهم بلا شك الكثير من القصص فى الأيام القادمة، ولكن أريد الآن أن أتكلم عن نوع آخر لا يصنف عادة بين المنافقين، رغم أنه يضم أشخاصا أشد نفاقا وأكثر ضررا بكثير، وأقصد بهم هؤلاء الحكام الكبار لدول كبيرة الذين لا يكفون عن الكذب تحقيقا لمصالح دولهم، واستمروا يكيلون الثناء على حكامنا الظالمين والذين ساموا شعوبهم العذاب لعشرات من السنين، وقدموا لهم الدعم بالمال والسلاح الذى يستخدمونه ضد شعوبهم، وعاملوهم بمنتهى المودة والاحترام، فإذا تغيرت مصالح تلك الدول، واحتاجوا إلى حكام آخرين، انقلبوا على أصدقائهم القدامى، واتهموهم بأبشع التهم، وبدوا وكأنهم تذكروا فجأة مزايا الديمقراطية وأضرار الاستبداد، فانضموا إلى المطالبين بالحرية، وكأنهم لم يساهموا قط فى حرمانهم منها.

لقد أيدت الولايات المتحدة نظام حسنى مبارك طوال الثلاثين عاما التى قضاها فى الحكم، فدعمته بالمساعدات العسكرية والاقتصادية التى تفوق ما قدمته من مساعدات لأى دولة أخرى فى العالم فيما عدا إسرائيل، ومدت نظامه البوليسى بالمعدات اللازمة لمواجهة شعبه، ودربت ضباطه على استخدامها، وسمحت بل وشجعت المؤسسات المالية الدولية على تقديم المساعدات المالية له دون أى اعتراض يتعلق بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، مع أنها طالما تعللت بهذه الحجة لمنع تقديم المساعدة بل ولفرض الحصار الاقتصادى على دول أخرى لا تحبها، واستقبلت الرجل وابنه وحاشيته، المرة بعد الأخرى، فى واشنطن بالترحاب.

ثم انقلبت الولايات المتحدة على حسنى مبارك فجأة، وانقلب الثناء ذما، وتحول الدعم إلى تهديد بقطع المعونات أو تخفيضها.

سبق أن فعلت الولايات المتحدة ذلك مع حكام ظالمين ومستبدين، فلم تتوقف عن مساعدتهم إلا عندما خطر لها أن سقوطهم قد يكون أكثر فائدة لها. فعلته مع ماركوس فى الفلبين، والشاه فى إيران، وصدام حسين فى العراق.. إلخ، حيث تحولت الدكتاتورية فجأة من نعمة إلى نقمة. فأى نفاق أشد من هذا؟

أو فلننظر إلى موقف دول الغرب كلها من معمر القذافى، الذى صادقوه ونافقوه لأكثر من أربعين عاما، وأشبعه رئيس الوزراء الإيطالى ثناء، ومده بما يطلبه من فتيات إيطاليات جميلات، رأى القذافى أنه من المفيد للإسلام إغداق المال عليهم إذا أعلنوا أنهم اكتشفوا فجأة عظمة الإسلام.

فها هى إيطاليا والدول الغربية تعلن فجأة تملصها منه، وكأنها اكتشفت اليوم فقط كيف كان يحكم شعبه بالحديد والنار، ويبدد أموال أمته فى أغراض جنونية، مدفوعا بدرجة من جنون العظمة يندر أن تتكرر فى التاريخ. صبر العالم الغربى على هذا الرجل أربعين عاما واستمر خلالها فى نفاقه، مع أنه كان من أسهل الأمور التخلص منه بأى طريقة من مئات الطرق التى يستخدمونها للتخلص من حكام محبوبين من شعوبهم، ومشهود لهم بالنبل والوطنية.

خلاصة القول إنه وإن كان من المهم أن نكشف كل صور النفاق التى مارسها منافقونا الصغار، على مر الثلاثين عاما التى قضاها الرئيس المخلوع فى حكم مصر، فإنه من المهم أيضا ألا نقدم فروض الشكر والامتنان لمنافقين كبار لمجرد أنهم تصادف أن أيدونا فى خلعه.

فالأمر هو بالفعل محض مصادفة، أى: تلاقٍ مؤقت بين مصالحهم وآمالنا، دون حدوث أى تغير حقيقى فى القلوب والنوايا. مما يؤكد من جديد أننا لن نستطيع أن نحقق الحرية الحقيقية إلا بالتخلص من خضوعنا للمنافقين، الصغار والكبار على السواء

بقلم:جلال أمين - الشروق

Sunday, December 19, 2010

نادين البدير تكتب: اهرب إلى العزلة

أشغلتنا المدنية كثيراً، فما عدنا نرى دواخلنا. صار تركيزنا على تفاصيل القلق اليومى يشغلنا عن الانخراط بكشفنا وإيجاد تفسير واضح لذواتنا.

نحن لا نصمت. نتحدث كثيراً. لا نصدر أصواتاً بل ضجيجاً. كيف نخلق الصوت إن لم نمارس طقس الصمت؟

حياتنا صاخبة. الناس فى كل مكان، محشورون فى كل زوايا أمورك. تبتعد عنهم قليلاً فينعتونك بالمنعزل والمنطوى. لكنى أرى بفعل الانطواء والانعزال لفترات مختلفة وسيلة مربحة لتحقيق الكمال الروحى والإنصات للصوت الداخلى بوضوح ودون الحاجة لمكبرات، وسيلة فعالة للتعرف على الوحش الساكن فينا كى لا نقترف الجريمة.

فوائد الانعزال كبيرة. العزلة تحميك من الاستسلام لأنها تعيدك لخلقتك الأولى ولصفاء عقلك البدائى الطيب الشرير المهووس الثائر. بعد وقت منعزل ستدفعك عذريتك الجديدة للتفكير بالآخرين بطيبة وعطاء، وقد تتمنى الخير للمنافسين. ستكتشف أن جمال الشر يمنعك من الاستسلام لأذية البشر.

اهرب واعتزل. اهرب من استبدادية العلاقات اليومية العادية. لكن لا تنعزل وتسكن، بل ابحث وانبش. اعتزل حتى تدخل فى حالة تنفصل بها روحك عن جسدك، فتصبح غريباً عن نفسك، وتبدأ التفكير بملذات لم تسمع بها من قبل، وتتمنى أمنيات حالمة لم تحلم بها من قبل، حالة مسكرة تخرجك من الوجود وتعلقك بالغيوم. ترفعك عن الأرض بسلالم روحانية فضفاضة آمنة.

أن تعيد ما بدأه الغير أو تكمله أمر سهل يمكنك الوصول إليه وأنت منخرط فى حياتك اليومية، باستطاعتك وأنت تفكر بشؤونك المهنية والعائلية أن تبتكر فى الوقت ذاته أشياء بدهية جديدة، يمتدحك عليها الآخرون وتنال بها رضا الرؤساء..

لكن أن تخلق وتكون الإله الوحيد لأفكارك أو صناعتك، يعنى أن تترك عجلتك اليومية تتوقف، تركنها جانباً على الأسفلت الصناعى وتدخل الغابة سيراً على قدميك الحافيتين، دع أطرافك تشعر بملمس الأرض من تحتك، دعها تندمج مع أصلك الترابى فى مشيتك البدائية.. هنا تتولى الطبيعة أمر تعميدك، هنا يتولى الصمت ركود ضجيجك، وتتفرغ خلاياك لخلقك الجديد. اللاوعى سيكون هو الخالق.

سيمدك الله بأسراره كما مد أنبياءه الذين تميزوا بعزلتهم واعتكافهم فترات طويلة وحيدين مع شهواتهم المعرفية لكشف الكون.

سيقولون إنها نزعة للتصوف، وسيقول المدافعون عن عفة وحشمة عقل الإنسان إن فى التصوف كفراً، ويصنفون الدخول والخروج من وإلى اللامحسوس تحت خانة البدع والضلال. لعله كفر بتقاليد المدنية، لكنه إيمان أصلى بالروح.. روح الله، الإنسان، التراب، روح السماء. هو إحساس بلذة الوجود، بلذة إنكار كل شىء. محو كل شىء والبدء من جديد. انحراف عن المسلمات.

استمتاع بتلقى المعلومات من العالم الذى يسكن بيننا وتمنعنا التقاليد من رؤيته. تحرير للنفس المعذبة من شجونها الساذجة ونقلها للكمال الروحى، لمرحلة راقية من السعادة.

بالطبع، الكلام السابق ليس حديثاً، فعديدة هى الأديان التى يمارس أناسها طقس العزلة والتأمل، وكثيرون يرون فيه قدرة على حياكة الإبداع، لكنى أكتبه لأن منطقتنا تعانى ضعف الإبداع وتعانى انصراف أفرادها عن التفكير المنحرف.

أحد أسباب خللنا أننا لا نخلد للسكون ولا نكترث لصوتنا الإلهى.. منشغلون فى اللقاءات والتظاهرات والدعوات والندوات والوظائف والأهل والجيران والتعليم والكلام الكثير.

نمارس كل الأشياء التى يمكنها أن تصرفنا عن الإبداع. نتعذر بالمسؤولين وبعقد الطفولة وبالأوضاع الاقتصادية وبانعدام جو الحرية.. كله صحيح، لكنه غير مقبول. تذكروا أن كل العظماء والمبدعين عبر التاريخ عانوا مرارات حزينة ولم تكن أيامهم حنونة، بل قاسية.

كانت تجلدهم كل يوم، وحين يقرأهم الذين تجرفهم العذابات سيعلمون أن هناك حياة أخرى تنتظرهم لكنهم يغضون الطرف عنها منغمسين بعلاقاتهم اليومية.

تناسَ الهموم واعتزل. لا تقتل إبداعك بكثرة الصعود للمسرح لإلقاء الكلمات. ابتعد عن مسرح الكلام وعن الاجتماعات كى تأتى بالجديد ولا تتحول إلى فرد فارغ وممل ينهج نهج الكثير من العرب الدخلاء على الإبداع.

يجتمع المبدعون العرب، الذين لم يبدعوا شيئاً أبداً، كل عام عدة مرات لمناقشة العقل العربى. يتسابقون على الصعود للمسرح لحل أزمات الإنسان العربى ومصائبه التى لا تنتهى. يتساءلون بفوقية غبية عن أحوال البقية، ولا يملون تكرار سؤال سقيم واحد: لماذا ابتعد العرب عن الإبداع؟

ِAlmasry Alyoum

Friday, November 12, 2010

موهبة علاء الأسوانى.. وأعداؤها الثلاثة

شعر كثيرون من محبى الدكتور علاء الأسوانى، والمعجبين بأدبه ومواقفه السياسية، بأن من المناسب جدا إقامة حفل لتكريمه وإعلان التضامن معه لسببين أساسيين: الأول ما لاحظوه من أنه فى الوقت الذى يجرى فيه تكريم علاء الأسوانى فى دولة بعد أخرى خارج مصر، تتخذ منه الدولة المصرية موقفا مدهشا من التجاهل المتعمد، والتعتيم المستمر على ما يحصل عليه من تكريم من خارج مصر، كما ترفض منحه أى جائزة من جوائز الدولة، بينما تمنح الجوائز أحيانا للأقل منه موهبة.

والسبب الثانى أن الصهيونية العالمية غاظها أن يحصل أديب مصرى على كل هذا النجاح فى أنحاء العالم، فتترجم أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، وتتجاوز مبيعات بعض رواياته المليون نسخة، وهو فى نفس الوقت معارض للتطبيع مع إسرائيل، كاره للصهيونية، ومناصر للفلسطينيين، فراحت تشن عليه حملة شعواء فى الصحف ووسائل الإعلام الموالية لها، متهمة إياه بتلك التهمة السخيفة، وهى أنه «معادٍ للسامية».

وقد دعيت للاشتراك فى هذا الاحتفال الذى أقيم يوم الاثنين الماضى بنقابة الصحفيين فذهبت مسرورا لأكثر من سبب، فبالإضافة إلى إعجابى الشديد بروايتى علاء الأسوانى الشهيرتين «عمارة يعقوبيان، وشيكاغو»، وبقصصه القصيرة الجميلة، اكتشفت بعد ذلك أن علاء الأسوانى مصنوع من معدن خلقى نفيس، حتى إنى أسأل نفسى أحيانا: «هل هذا المعدن أسوانى؟».

اكتشفت هذا «المعدن الأسوانى النفيس»، من مواقفه السياسية المتتالية التى يعبر عنها بصراحة تامة وبقوة، كموقفه من الهجوم الأمريكى على العراق فى سنة 2003، ثم من قضية التوريث، ومن قضية الحريات فى مصر، ومواقفه من بعض التصرفات المدهشة لوزير الثقافة المصرى ورجاله، وكذلك مواقفه من التطبيع مع إسرائيل. وكان آخر هذه المواقف رفضه أن يقوم مركز إسرائيلى بترجمة وطباعة (عمارة يعقوبيان) لأنه يرفض أى تعامل مع الإسرائيليين.

لم يكن غريبا أن يخلق علاء الأسوانى لنفسه أعداء فى جبهات مختلفة.
هناك أولا العداء الطبيعى الناشئ من الغيرة من جانب بعض الكتاب الأقل موهبة، وهناك العداء من الدولة التى لا يكف الأسوانى عن نقدها، وهناك العداء من وزير الثقافة بالذات ورجاله الذين لا يكف علاء الأسوانى عن الكشف عن أخطائهم وها هو ذا الآن العداء السافر من جانب إسرائيل وأنصارها.

كان الكتاب الغيورون من علاء الأسوانى يعتمدون فى تحقيق الشهرة على ثلاث وسائل أساسية، جاء علاء الأسوانى فأثبت قلة جدواها.
الوسيلة الأولى لتحقيق الشهرة: أن يكتبوا كلاما غير مفهوم، اعتمادا على أنه فى مجتمع نصفه من الأميين وربعه من أنصاف المتعلمين، يمكن بسهولة أن يفقد القارئ ثقته بنفسه إذا رأى أمامه شخصا يكتب كلاما لا يفهمه بالمرة، فيظن أن العيب فيه هو، أى فى القارئ، وأن هذا الكاتب الذى يكتب كلاما بهذه الدرجة من الصعوبة والإبهام لابد أن يكون عبقريا.

والوسيلة الثانية للشهرة، أن ينشئ الكاتب غير الموهوب علاقات مع بعض الأشخاص المهمين فى وسائل الإعلام، خاصة التليفزيون، فيضمن أن يدعى للاشتراك فى كل ندوة تليفزيونية، وأن يتكرر ظهور صوره فى الجرائد والمجلات، خاصة صورته وهو يتخذ سمة المفكر المشغول بالتفكير العميق، فلا يمضى وقت طويل حتى يشار إليه بوصف الأديب الكبير، ثم مع تكرار هذا الوصف يصبح «أديبا كبيرا» بالفعل، خصوصا فى بلد يعتبر فيه الظهور على شاشة التليفزيون دليلا أكيدا على الأهمية والنبوغ.

والوسيلة الثالثة والأكثر فعالية لتحقيق الشهرة، وإن كان لا ينجح فيها إلا المثابرون، هى أن يحصل الكاتب غير الموهوب على مركز المسئول عن صفحة ثقافية خاصة به فى إحدى الصحف، يفعل فيها ما يشاء. ففى هذه الحالة سوف يخطب الجميع ودّه، ويتحول الأمر إلى تبادل المنافع بين مجموعة من الكتاب الخالية من الموهبة، فيشتهر الجميع، ويصبحون جميعا «أدباء كبارا».

نعم كل هذا كان ممكنا، ولكن ماذا يفعل هؤلاء الآن وقد أثبتت ظاهرة علاء الأسوانى أن من الممكن للكاتب أن يحقق نجاحا جماهيريا رغم أنه يقول كلاما مفهوما (فالناس فى نهاية الأمر يفضلون أن يسمعوا ويقرأوا كلاما يستطيعون فهمه ويتأثرون به)، ورغم أنه ليس ضيفا دائما على الندوات التليفزيونية (فهو ممنوع أصلا من دخول التليفزيون)، وليس له صفحة ثقافية خاصة به فى إحدى الصحف؟

لجأ هؤلاء الغيورون (وانضم إليهم بعض رجال وزير الثقافة) إلى استخدام حجتين سخيفتين:
الأولى: أن علاء الأسوانى كاتب تقليدى، لم يفعل أكثر مما فعله نجيب محفوظ فى الأربعينيات والخمسينيات، أى قبل أن يكتب قصصا رمزية أو فلسفية.

والثانية: أن النجاح الجماهيرى الذى يحققه الكاتب ليس دليلا على الجودة، بل ذهب بعضهم إلى حد الزعم بأن النجاح الجماهيرى دليل على عدم الجودة.

أما الحجة الأولى فردى عليها أن للأدب والفن عموما ألف شكل ولون، ولا تستطيع أن تفاضل بين لون من الأدب وآخر إلا بدرجة تأثيره فى النفس (ثم فلتبحث بعد هذا فى سبب نجاح كاتب دون آخر فى إحداث هذا التأثير).
فإذا كان الناس فى أوائل القرن الحادى والعشرين مستعدين للتفاعل والتعاطف مع عمل أدبى جميل كان له شبيه فى الأربعينيات والخمسينيات، فما الضرر فى ذلك؟

وأما الحجة الثانية فمعناها فى الواقع أنك كلما نجحت فى أن تظل فكرة لا يعبأ بك أحد، كان معنى هذا ارتفاع قدرك وعظمة موهبتك.

أما الدولة المصرية، فقد وجدت هى أيضا نفسها فى ورطة لا تحسد عليها. فهذا الرجل الذى يندد بفسادها ويرفض التوريث ولا يكف عن فضح أى اعتداء على الحريات، أصبح فجأة مشهورا ومحترما، فى داخل مصر وخارجها، ومن ثم فما يوجهه إليها من نقد لابد أن يصغى إليه الناس فى الداخل والخارج.

فما العمل؟
ليس من السهل الآن القبض على علاء الأسوانى أو تلفيق تهمة له بعد ما حققه من شهرة. أى أنه لم يعد يجدى معه «سيف المعز» فلابد إذن من أن نمنع عنه «ذهبه»، كحرمانه من أى جائزة من جوائز الدولة، لا جائزة مبارك، ولا جائزة تقديرية، ولا حتى جائزة تشجيعية. ربما أعطوه الجائزة فى حالة واحدة فقط، كما فعلوا مع يوسف إدريس من قبل (الذى كان أيضا صريحا فى التعبير عن رأيه ونقده لما تفعله الدولة).

إذا انتظرت الدولة حتى أصبح يوسف إدريس على فراش الموت فى لندن، بعد أن أصبح عدم حصوله على جائزة من الدولة مثار سخرية الجميع، فأعطوه جائزة الدولة التقديرية عندما اطمأنوا تماما إلى أنه لن يتكلم أو يكتب بعد الآن. ولا يستطيع أحد أن يجزم بما إذا كان يوسف إدريس قد علم بحصوله على الجائزة أو لم يعلم.

أمام الدولة أيضا وسيلة أخرى ضد علاء الأسوانى وهى التعتيم التام على أخباره. فإذا حصل الأسوانى على جائزة دولية، مهما كانت رفيعة، يتم تجاهل الخبر تماما من جانب وسائل الإعلام الحكومية، وكأن الذى حصل على الجائزة عدو لدود لمصر. ولكن حتى هذا التعتيم التام لم يعد ممكنا فى العصر الذى نعيش فيه، مع وجود شبكات الإنترنت والفيس بوك... إلخ.

ثم جاء الدور على إسرائيل للانتقام من علاء الأسوانى. كان نجاح علاء الجماهيرى فى الداخل والخارج، فى حد ذاته، مفاجأة غير سارة للإسرائيليين. فهو يُدعى للكلام فى المعارض والندوات الدولية، ويظهر على شاشات التليفزيون وفى الإذاعة فى كثير من الدول الكبرى، وتترجم رواياته إلى عدد كبير من لغات العالم، ولكنه أيضا معارض للتطبيع وكاره لإسرائيل ومناصر للفلسطينيين، فلابد أن يُحدث هذا ضررا محققا بالمشروع الإسرائيلى. فما العمل؟

قالوا لأنفسهم: «فلنترجم إحدى رواياته للعبرية. فإذا كان ممن يغريهم المال أجزلنا له العطاء فى المكافأة وإيرادات الكتاب، وإذا كان ممن لا يشبعون من الشهرة، رفعنا ذكره وأشدنا بموهبته فى كل وسيلة إعلامية تخضع لنفوذنا. ولكن علاء الأسوانى لا ينفع معه هذا ولا ذاك، بسبب المعدن الأخلاقى النفيس الذى أشرت إليه. وأعلن أنه يرفض الدخول فى أى علاقة مع الإسرائيليين، ثقافية أو غير ثقافية، بل ورفع على الناشر الإسرائيلى قضية أمام المحاكم لقيامه بترجمة ونشر روايته دون إذن منه.

لم يبق أمام الإسرائيليين إلا الوسيلة الأخرى التى استخدموها كثيرا من قبل مع كل من يرفض الانصياع للمشروع الصهيونى، وهى اتهامه بتلك التهمة المدهشة «العداء للسامية» وهى تهمة غريبة ومدهشة حقا، وأعتقد أنه فى وقت ما فى المستقبل (أرجو أن يكون قريبا) لن يضحك المؤرخون من تهمته أكثر مما سيضحكون من تهمة «العداء للسامية»، إذ إن معنى أن أتهمك بهذه التهمة ليس أكثر من أن «أقول لك» إنك مجرم لأنك لا تحبنى!. فهل وصل الأمر إلى أن تعتبر كراهة شخص فاسد، جريمة؟

لقد كرر علاء الأسوانى أكثر من مرة (دون أن يكون فى الحقيقة بحاجة إلى ذلك) أن رفضه للتطبيع ليس رفضا لليهودى وأن كراهيته ليس لليهودى بل للصهيونى، ولكن لا فائدة.

فكراهية إسرائيل جريمة منكرة إذا كنت رجلا مشهورا ومهما. يمكنك أن تكره إسرائيل ولا يعبأ بك أحد إذا لم يكن لك أثر يذكر، ولكن أن تكون بشهرة وأهمية علاء الأسوانى وتكره إسرائيل، فهذه هى الجريمة النكراء.

لهذا السبب اجتمعنا يوم الاثنين الماضى فى نقابة الصحفيين لضم صوتنا لعلاء الأسوانى، ولنقول له:
«نحن معك فى رفض التطبيع، وفى الانتصار للفلسطينيين، وفى كراهية إسرائيل، ونحيى فيك معدنك الأخلاقى النفيس، على أمل أن يجىء اليوم الذى يصبح فيه الانتصار للحق فضيلة، ولا تكون فيه كراهية الظلم جريمة».

بقلم:جلال أمين - الشروق

Thursday, November 11, 2010

د. أحمد عكاشة يكتب: القوة والسلطة.. وأفيون المخ

اكتشف العلماء المورفين، والهيروين، والحشيش، والمطمئنات والمهدئات والمنبهات قبل أن يتضح لهم أن الله قد خلق، رحمة بالعباد، المستقبلات الأفيونية (الأندورفين، والانكفالين)، ومستقبلات الحشيش، بل ومستقبلات الطمأنينة والهدوء (الجابا) ومستقبلات مفرحات النفوس (مضادات الاكتئاب، والسيروتونين) فى مخ الإنسان والحيوان، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخفف الآلام الجسدية والنفسية ليس للبشر فقط، ولكن أيضا للحيوان.

كذلك توجد فى المخ بعض المسارات العصبية، التى تحمل الموصل العصبى الدوبامينى المسؤول عن النشاط، البهجة، اللهفة واللذة، ومع تصوير المخ وجدنا نشاطاً زائداً فى إفراز ومسارات الدوبامين عند الإتيان بأى سلوك ممتع، فالطعام الجيد، التذوق الجمالى، الجنس، التدخين وكثير من المخدرات والمنبهات تعمل من خلال هذا المسار العصبى الدوبامينى.

وأعتقد أن طمأنينة المؤمن الحق بالجوهر، وليس بالطقوس، تتولد من توازن المطمئنات والمهدئات والأفيون والحشيش الربانى وقد سبق لأرسطو أن قال إن السعادة أو جودة الحياة تكمن فى الالتزام بالفضيلة. وعرّف الفضيلة بأنها الحب، العدل، الوسطية، التسامح، عدم الإيثار الذاتى، وتجاوز الذات للآخرين ويبدو أن كل هذه الصفات تعمل من خلال المسارات العصبية والمستقبلات العصبية السابق ذكرها.

نحن نعلم أن أقوى عواطف فى الإنسان هى الأمومة والأبوة، وهذه العواطف القوية تعمل من خلال الموصل العصبى أوكسيتوسين، الذى يجعل الألفة والعشرة من القوة، التى لا توازيها أى لذة أخرى، ولكن وجدنا فى التاريخ الكثير من الآباء وبعض الأمهات يتخلون عن أبنائهم أو آبائهم فى سبيل القوة، والسلطة والمال، فعندنا فى التاريخ البعيد والقريب الذى ثار على والده أو ابنه أو زوجته فى سبيل القوة والسلطة، ولذا أعتقد - وهذا اجتهاد شخصى - أن القوة والسلطة المطلقة قد تنشط مراكز اللذة فى المخ، بحيث ترتبط القوة والسلطة بزيادة نشاط المستقبلات الأفيونية، والحشيش، والمطمئنات،

بحيث يصبح البقاء فى السلطة هو اللذة الوحيدة فى الحياة وتتفوق على أى سعادة أو لذة أخرى، بمعنى أن السلطة والقوة تصبحان إدماناً بالمعنى الكامل، وتحتلان تفكير الشخص، وتصبحان وسواسا لا يستطيع التخلص منه وإذا ابتعد عن هذه القوة والسلطة يصبح حينئذ عرضة لأعراض الانسحاب كمدمن الهيروين، بل أحيانا ما نسمع عن انتحار الشخص، الذى يصبح عرضة للتخلى إجباريا عن السلطة. وعندما أقول السلطة والقوة فإنها ليست سياسية فقط، ولكن فى كل مجالات الحياة، من رئيس قسم بالجامعة، إلى رئيس الخفراء، إلى الوزير، إلى الحاكم، إلى رئيس التحرير إلى أى منصب يعطى القوة والسلطة المطلقة.

لقد أتاح لى الزمن أن أعرف الكثيرين من ذوى السلطة والقوة والمال فى كل المجالات، ووجدت تغيراً واضحاً فى الشخصية والسلوك. وقد واجهت الكثير منهم بهذا التغير، الذى عادة ما لا يشعرون به، فنجد الوزير بعد فترة من توليه الوزارة يتغير أسلوبه فى الكلام، بل تصبح طريقة سيره مختلفة عن ذى قبل، فيمشى باختيال،

بل إن حركات يديه وتعبيرات الوجه قد ألمّ بها التغيير أيضا وتصبح ممارسته للسلطة نابعة من شهوة ولذة، ويصبح همه الوحيد هو البقاء فى السلطة تماما كالمدمن، الذى تكون كل منظوماته المعرفية متجهة إلى كيفية الحصول على المادة المخدرة. وهنا نجد التفسير العلمى لهذا التغيير والتضحية بكل شىء فى سبيل بقاء الإفراز الأفيونى الربانى...!!!

ويعانى البعض من هذه السمات وليس الكل، خاصة هؤلاء الذين يصلون إلى السلطة عن طريق المصادفة، والمعارف، والولاء وليس عن طريق العمل الجاد والممارسة السياسية الممتدة، والخبرة والقدرة على الابتكار.

إن البقاء فى السلطة لمدة محددة، وأن تكون عرضة للمساءلة، وأن تتحمل المسؤولية وتجاوز الذات والإتقان فى العمل هى خير وسيلة لعدم إدمان المنصب والسلطة، فالسلطة المطلقة إدمان أفيونى، أبعدكم الله عنها، أما السلطة المستنيرة التى تتجاوز الذات، فهى الفضيلة.

ولذا، نصحت كل دساتير العالم وكل لوائح الجامعات والشركات بألا يبقى الإنسان فى السلطة والقوة لمدة طويلة لأنه سيتوحد مع الكرسى ولا يتقبل النقد، ويصبح همه الأول هو الحصول على المادة الأفيونية فى المخ ألا وهى السلطة والقوة المطلقة، ولا يصيب هذا الإدمان البلاد الديمقراطية، حيث يعرف أى فرد فى منصب أنه غير باق، ولذا تعمل على أن يجعل الأفيونات والمطمئنات الربانية فى الحدود، التى تحسن جودة الحياة، بدلا من أن تكون وسواسا يتركز على شهوة السلطة

Almasry Alyoum

Friday, September 03, 2010

حكاية ريتشارد ماربورجر

بروفيسور ريتشارد ماربورجر Richard Marburger أستاذ هندسة ميكانيكية غير متفرغ بكلية الهندسة -جامعة لورانس التكنولوجية- بولاية ميتشجان الأمريكية، شغل وظيفة رئيس للجامعة لفترة ١٦ عاماً (١٩٧٧-١٩٩٣)، وكان قد التحق أستاذاً بالجامعة عام ١٩٦٥، وبعد عام ١٩٩٣ صار أستاذاً متفرغاً بالجامعة.

قبل التحاقه بالجامعة عمل بمعامل أبحاث شركة جنرال موتورز للسيارات بديترويت، كما عمل أيضا بمجال الدفاع الجوى، لذلك فهو يتمتع بخبرة عملية وأيضا أكاديمية.

فى عام ١٩٩٣ شاركته زوجته مارى ماربورج فى إنشاء جائزة اسم ماربورج تمنح لأحسن أستاذ بالجامعة فى الناحية التدريسية ولأحسن طالب يحصل على أعلى الدرجات. فى مارس سنة ٢٠١٠ توفيت زوجته الفاضلة، التى كانت عوناً له فى حياته، وفور ذلك لكى يتغلب بروفيسور ماربورج على وحدته طلب من عميد الكلية الهندسية - وهو فى نفس الوقت أحد الأساتذة المصريين المتميزين فى مجال الهندسة الإنشائية وخريج هندسة القاهرة الأستاذ الدكتور نبيل فؤاد فانوس جريس- أن يوافق على قبوله أن يعمل متطوعاً بالجامعة فى وظيفة مرشد للطلبة الذين يدرسون فى مجال الهندسة بالجامعة..

على الفور رحب السيد العميد ومجلس الكلية بالطلب، وأخذ بروفيسور ماربورجر يحضر يومياً إلى مكتبه فى نشاط زائد من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة عصراً، ولم يقتصر دوره على الإرشاد الأكاديمى للطلاب فقط، بل صار مكتبه محجاً لأساتذة الأقسام الهندسية المختلفة ينهلون من خبراته المتعددة فى جميع المجالات.

فى تلك الأثناء حضرت إلى كلية الهندسة كباحث زائر لعدة أسابيع، فكنت أتابع نشاطه اليومى وبساطته الفائقة، وحكمته فى الأحاديث، فهو قليل الكلام، كثير العمل، لا يتطلع إلى أى نواح مادية بل بالعكس فور أن وافقت كلية الهندسة على قبول طلبه للعمل التطوعى بها، قام بتخصيص جائزة أخرى لتشجيع النشاط البحثى فى مجال الهندسة!!

هذا هو مفهوم الخدمة التطوعية التى لا تتطلع إلى مناصب رئاسية ولا مكاسب مادية كما يحدث عندنا.

د. مينا بديع عبدالملك- أستاذ الرياضيات بهندسة الإسكندرية

minab@aucegypt.edu - Almasry Alyoum

حياتى كعازبة

هناك تحليل يفسر انخفاض حالات الزواج وارتفاع معدلات العزوبية فى البلدان العربية، فيرجعه إلى أن الرجل العصرى قد فقد حاجته لوجود الزوجة بسبب ظهور ما يعوض عنها فى الأسواق، فهناك المطاعم وهناك المغاسل والأفران ومحال الملابس الجاهزة والخادمات وهناك الفتيات اللواتى لا يمانعن مرافقته دون زواج، أما امرأة اليوم فقد أشبعت بدورها الحاجة التى كانت تتزوج لأجلها سابقاً وهى الحماية والستر المادى عبر شهادتها ومهنتها ومناصبها الحديثة.

ويبرز هذا التحليل نمط العلاقة التجارية، التى تتشكل عبر الزواج بشكله التقليدى القديم: تغسلين هدمتى، فأشترى لك الفساتين، تطبخين فأهبك مكانا تبيتين فيه. وما إن ظهرت البدائل حتى انتهى شغف الزواج وتحول لقرار عقلانى يحتاج لتروٍ وتأن من قِبَل الرجال، أما من زاوية النساء، فصرخات الفتيات المستميتة الحالمة بالزواج تدفع للتساؤل: لماذا استعاض الرجل بالمدنية عن الزوجة الطباخة والغسالة ولم تستعض المرأة بمهنتها المتقدمة وموقعها المتساوى مع الرجل عن ظله وأمواله، أو فلنقل لم تعد تشكيل نظرتها للزواج بصفته خياراً لا فرضاً؟!

بحسب الأمثال والطرائف المجتمعية المتوارثة، هناك عداوة ذكورية للزواج، مقابل عشق نسوى أبدى له. مشاعرهما لم تتغير بغض النظر عن المنجزات ورياح العصرنة وظروفها. فقد يتعذر الرجل المنتمى للطبقات متدنية الدخل بتكاليف الزواج، الرجل فقير ولا حيلة له. لكن ذات الرجل فى المجتمعات الغنية يتداول النكات حول أن الزواج حبس والزواج إنهاء للحريات.. فى المقابل تبقى المرأة، سواء الثرية أو الفقيرة تحلم فى نومها ويقظتها بليلة الزفاف.

لا شىء يضاهى رفاهية حياة العزوبية بالنسبة له، ولا شىء يعادل مسؤولية الحياة الزوجية بالنسبة لها.. لماذا تغيرت نظرة الرجل نحو الزواج ولم تتغير نظرتها؟!

إن كانت أشبعت حاجاتها المادية والاستقلالية فماذا بقى؟! إن تحدثنا عن الإشباع الجسدى سنجد أن العازب مشبع دون خسائر، أما العازبة فأن تشبع حاجتها الجسدية يعنى أن تنفق تكاليف باهظة من سمعتها وشرفها وقدرتها على الارتباط من جديد.. هل هذا هو سبب هوسها بالزواج؟

أصبحت عالمة، أصبحت طبيبة، أستاذة جامعية وصاحبة منصب رفيع، ولايزال قلق العزوبية يأكل عافيتها ويبعد النوم عنها. ليست مسألة جنس وإنجاب فقط، فكثيرات يعتقدن أن الزواج يكمل مظهرهن المجتمعى ويدلل على أنوثتهن ويعيد لهن الكرامة والعزة أمام الشامتين والحاقدين. هل كان وهماً أمر التسابق مع الرجل والنضال لدخول مضماره؟! هى جسدت شخصية المرأة العصرية ظاهرياً فقط، فيما بقيت روح الجدة القديمة ساكنة فى مخيلتها، الجدة التى تؤمن بأن الزواج هو غاية وجود النساء، مهما ترفعن. وما انهماك تلك الفتاة الندابة (التى تندب الزواج) بالتعليم والعمل والنضال النسوى سوى انغماس فى تظاهرة متمردة قد تدر عليها عريساً لقطة يعيدها للجلباب ولسيرة جدتها الأولى. وبدلاً من أن تخلق صوتاً جديداً يلائم مكانتها الثقافية، تترك الماضى يجذبه إليها ونساء زمان يتحكمن فى حياتها، متعذرة بضغط المجتمع عليها، رغم قدرتها على بلورته من جديد.

يستمتع الشاب بالعزوبية وتصنفها ذاكرته فى خانة أجمل اللحظات، أما المرأة فتعيش أتعس أوقاتها عازبة، بل تجلد نفسها فتطلق على حالها (عانس) والعانس هى التى فاتها قطار الزواج أو التى تعدت الثلاثين، وفق منظومة السابقين، التى حددت عمرا أقصى للزواج. بحسب ذلك لابد من أن تجد رفيق دربك، الذى ترتاح له ويرتاح إليك وتعلم أنه الوحيد الذى تتمنى مشاركته الدهر قبل بلوغك الثلاثين، أى فى الفترة العمرية الواقعة ما بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين وهى فترة تفتقد نضج الثلاثينيات والأربعينيات. أصعب قرار فى حياتنا نضطر لاتخاذه قبل أن ننضج بعد.

عليك أن تصادف من يهواه قلبك فى فترة عمرية معينة لأنك محدد بقوانين المجتمع ونظامه، الذى يتحكم بهواك وهيامك. ماذا لو أنى تزوجت فى الحادى والعشرين لأرضى وقتها العائلة والمجتمع وأبعد لقب عانس عن وجهى، ثم التقيت رفيق روحى فى الواحد والثلاثين! ماذا سأفعل؟

أندب حظى أو أخون.. أهذا ما يحدث للمتزوجين والمتزوجات على السواء: ندب الحظ أو الخيانة أو الطلاق؟

وقتها كان عمرى عشرين عاماً.. أمى تستغرب كيف يتطاول بعض الشبان ويتجرأون على التقدم لخطبتى فأنا فى نظرها أساوى الكثير، والعريس الذى يمكن أن تتنازل فتمنحه إياى يجب أن يكون خارقا للعادة ويحمل رتبا لا آخر لها، أقلها رتبة وزير.

عمرى خمسة وعشرون.. دخل أبى على الخط، ولسبب أجهله كان يرانى خليفة لبى نظير بوتو وتاتشر ومجاواتى، ابنة سوكارنو، لذا أعتقد أن العرسان، مهما بلغ مستواهم فهم دون المستوى المطلوب، نسى أن المرأة تصنع مجد الرجل أحياناً.

وأخيراً، تقدم المناسب، الذى زغرد له الجميع، أخبرتهم بالتوقف عن الزغردة لأنى لم أرد الزواج. تفاجأوا. اعتقدوا أنى أقف منتظرة موافقتهم لأجرى فورا لحضن اختيارهم المزعوم.

لماذا يا مجنونة؟!

هناك أمور تدور برأسى وعلىّ إنهاؤها. أولها الخلاص من حكم العسكر التابع لكم.

كيف يمكن أن أتزوج ولم أحقق بعد حاجاتى المهمة فى تحقيق الذات، وكيف أغامر فأنتقل لعش رجل لا أحبه ولا أعلم ماهيته وما إذا كان سيسمح لى بالتفكير أم سيمنعنى عنه. صحيح أنى أعشق المغامرات وأخوضها لكنى أبتعد عن المخاطرة كلياً. ثم هكذا تقررون لى الزواج فأوافق فوراً؟! ماذا عن إرادتى؟ أنا لم أشبع بعد من حياة العزوبية، والأهم من العزوبية أنى لم ألتق حبيبى بعد. طبعا، كنت أول فتاة تغامر فتجاهر بالحديث عن الحب والعزوبية وسط عائلتنا، التى تزوج كل فتياتها صغيرات. لكنى لم أكن أهتم بكلام الناس قدر اهتمامى براحتى ومتعتى الحياتية ورغبتى فى البقاء وحيدة فترة من الزمن أعرف بها من أكون، وأكسب التجارب والأحكام باستقلالية دون تأثير أو تدخل من أحد متغاضية عن مسألة العمر.

عمرك ثلاثون؟

حددى هدفك من الزواج: مصروف شهرى؟ أمان؟ عضلات؟ حب وحنان؟ عندها، ستعلمين مدى استعدادك للارتباط. تمييز الشريك فى نظرى هو مؤشر الاستعداد.

عمرك ثلاثون؟ عمرك أربعون؟

لا تنسى الاستمتاع بالعزوبية. استمتعى بممارسة ما لا تستطيع المتزوجات القيام به. استمتعى. مؤكد أنك تهوين أمورا أخرى إلى جانب الزواج والإنجاب، وأن بداخلك بركاناً من الهوايات والرغبات، فهل عزوبيتك مشكلة؟! تصالحى مع نفسك فالحقيقة أنها مشكلة بنظر المجتمع، ليخجل منها المجتمع وليلطم لأجلها الخدود وليبكى عُقده النفسية. أما أنتِ فاعملى وتنزهى واسعدى واعشقى كما تريدين واجعلى القدر يسوقه إليك، رفيقا لروحك لا زوجاً واجباً عليك.

أخيراً، ضعى فروقا بينك كعازبة وبين متأخرة ترتضى لنفسها لقب عانس، قبل أن تشيخى وتتحسرى على أجمل دقائق شبابك التى أمضيتها فى الولولة ومتابعة هيجان المستميتات وحكايات العانسات المملات.

نادين البدير - Almasry Alyoum

Albdairnadine@hotmail.com

Monday, August 02, 2010

ابتهال ونصرأبو زيد.. إيزيس وأوزوريس هذا الزمان


جزر أم مد؟

لا تسأل فالمركب أشرفت الآن على الغرق

وأنت على المفترق

فرجل قبل الهوة منك

ورجل بعد

تتقدم؟ أم ترتد؟

لا تسل الآن ولا تنظر تحتك

لا تتلفت

إن ورائك مملكة الموتى

وأمامك سد

( الشاعر حسن طلب في القصيدة السوداء التي أهداها لنصر أبو زيد بعد حكم التفريق )

في عام 1989 تعرفت د. ابتهال يونس لأول مرة بزميلها د. نصر حامد أبو زيد في جامعة القاهرة خلال مؤتمر طه حسين الذي عقد بكلية الآداب. كانت ابتهال تتابع المؤتمر كعضو بهيئة التدريس، بينما ألقى أبو زيد بحثا أعجبها كثيرا، فاقتربت منه لكي تطلب نسخة من بحثه فوجدت شخصا دمثا، متواضعا وحنوناً جداً.. فانطلقت شرارة الحب الأولى.

لم تكن الدماثة والتواضع والحنان هو فقط ما جذب د. ابتهال إلى د. نصر، بل هناك أمراً أكثر أهمية جعلها لا تتردد لحظة في الزواج منه فيما بعد؛ فقد كان هذا الرجل – والكلام لها - يحترم المرأة فعلاً ويؤمن أنها ليست أقل منه وليس كلاما في مؤتمرات، بعكس الكثير من مثقفينا في العالم العربي يتحدثون جيدا عن حقوق المرأة بعكس ما يفعلون!

تعرفت د. ابتهال على رفيق عمرها كباحث ومفكر ثم كزميل عمل ثم كعقل مفكر يمكن التحاور معه، ثم كانسان تموج روحه بصدق وحنان، وهكذا أحبت بعقلها ثم قلبها، لينتهي الحب بالزواج عام 1992م.

د. ابتهال أستاذة الحضارة بجامعة القاهرة.. نموذج فريد، يراها الكثيرون امرأة استثنائية من الزمن الجميل، عندما اتهم زوجها الراحل بالردة وقضت المحكمة بتفريقهما كانت تقول له " لو خرجوا علينا بمدافعهم الرشاشة لقتلك لمنعتهم بجسدي ".. هي رحلة عشق جمعت بين عقلين استثنائيين وقلبين كبيرين

حفظ د. نصر القرآن وعمره 7 سنوات وتربى على فكر الإخوان المسلمين وأعجب بكثير من أفكار سيد قطب. لكن ما أثار الخلاف حول أبو زيد أنه كان يرى أن اللغة كائن مرن متجدد واللفظ ليس صنما وهذا ما دعاه أن يعامل النص القرآني بنفس المقياس.

ومن خلال أبحاثه رأى أبو زيد أن القرآن له جانبان؛ جانب من عند الله، وجانب آخر أنه نزل باللغة العربية علميا أي نزل في إطار الثقافة العربية. والله يرشد رسوله بلسان قومه وهذا يتطلب ثقافة، وبذلك يكون هناك مفاهيم كثيرة باعتبارها مفاهيم للناس وليس باعتبارها حقائق.

وأشار إلى أن القرآن نزل في أكثر من 23 سنة، ويرجع ذلك إلى أن الله كان يراعي ظروف الواقع والناس وإطارهم الثقافي ووعيهم. موضحا أن القرآن من عند الله لكن من حيث بنيته اللغوية وتاريخه فهو منتج ثقافي، فالقرآن نزل كتحد بلاغي لقريش والعرب وهذا ما اعتبره تأكيدا لرؤيته عن البعد الثقافي للنص.

هذه المفاهيم الجديدة وحديث د. نصر عن البعد الثقافي جعلت الكثيرين يتناقلون دون وعي أنه يدعي أن القرآن منتج بشري! خصوصا بعد دعوى الردة والتكفير التي واجهها عندما قدم أبحاثه للحصول على درجة أستاذ وكتبت فيه تقارير تتهمه بالكفر والارتداد عن الدين، وعلى إثر هذا قام مجموعة من المحامين رفع دعوى حسبة للتفريق بينه وبين زوجته باعتباره مرتد عن الإسلام. وبالفعل حكمت المحكمة بقبول الدعوى وتفريقه عن زوجته، لكن اللافت في القضية أن من رفعوا الدعوى صرحوا بأنهم لا يعنيهم تنفيذ حكم التفريق بل كان الغرض منها إبعاده عن التدريس في الجامعة!.

حاول د. نصر كثيراً بعدما صدر الحكم بردته، أن يشرح أفكاره حيث كان حريصا على إيصال صوته ووجهة نظره للمسلمين؛ ليؤكد أنه ليس ملحدا، فطلب عقد مناظرة مع من يتهمه أو مع لجنة من الأزهر، وطلب من وزير الإعلام أن يمنحه نصف ساعة بالتلفزيون، ولكن هذا لم يحدث.

لكن د. نصر استطاع أن يوصل صوته من خلال العديد من الحوارات والمقالات التي نشرها بالصحف، ففي حوار بصحيفة "المصري السياسي" شرح معنى قوله أن القرآن منتج ثقافي فيقول "نعم منتج ثقافي وهذا يجعلنا نعود إلى السياق الواسع فلقد نزل القرآن بلغة العرب وهي ثقافة العرب واللغة تعني الثقافة التي هي في "دماغ" الناس، والله يخاطب الناس على قدر عقولهم، لأنه لو خاطبنا على قدر علمه سبحانه وتعالى ما فهمنا نحن ولو خاطبنا أيضا بغير لغتنا فلن نفهم أيضا، وعلى ذلك نستطيع أن نقول أن القرآن في مرحلة النزول، منتج – بفتح التاء – ثقافي، ولكن ليس معنى هذا أننا ننكر مصدره الإلهي، لأن منتج ثقافي تعني أن الله اختار بإرادته الحرة المطلقة أن ينزل هذا القرآن في هذا الزمن وفي هذا المكان وبهذه اللغة".

ويشرح وجهة نظره قائلا: لنفترض جدلا أن الله اختار فارس بدلا من الجزيرة العربية لنزول القرآن عليها، فسوف تبقى لغته فارسية وعلى قدر عقول أهل فارس، وإن كان المعنى لا يقف عند حدود معينة.

كان د. نصر يرى أننا أصبحنا نتحرك بين منطقتين هما الحلال والحرام، وكأن لا ثالث لهما مع أن الإسلام تحدث عن المحرم والمكروه والمبارح. وتساءل كيف يكون اجتهادا أن أوافق الإجماع، إذا وضعنا مبدأ الالتزام بالإجماع في الاجتهاد فإننا نكون قد أغلقنا هذا الباب نهائيا.

ويعلق نصر: "حكاية منتج الذين يروجونها بلا شرح لمقدماتي وبراهيني يحاولون الإثبات للناس أني كافر، وقد جاء برهاني على أساس نظريات لغوية وثقافية وعلى أساس تحرير العلاقة بين الثقافة واللغة فهي نتائج لمقدمات منهجية وعلمية لا يعرفها خطباء المساجد الذين يهاجمونني".

بعد الحكم المجحف الذي يعتبر الأول من نوعه في العصر الحديث، ورفض الزوجين تطبيقه، تم تشديد الحراسة عليهما خوفا على حياتهما من إهدار دم د. نصر من المتطرفين، هذه الحراسة كانت تصل حتى إلى داره، وهذا ما شكل صعوبة بالغة في مواصلة مهامه الجامعية، حتى وصف البعض بأن هذا الوضع لم يكن تأمينا لشخصه، وإنما صار عزلا وحصارا.

اضطر الزوجان إلى الخروج من مصر واختيار هولندا لتصبح منفى اختياريا لهم وحينها قال د. نصر "أن السبيل الوحيد أمامي هو الاستمرار في العمل والبحث والكتابة في أي مكان من أرض الله الرحبة والواسعة.. فليس الوطن مكانا نعيش فيه بل هو حلم يعيش فينا".

وعندما سافر نصر إلى هولندا واجهه عبئا جديدا وهو الدفاع عن الإسلام ضد سوء الفهم الغربي الذي يربطه ربطا مباشرا بالأصولية والتطرف والإرهاب بل والتخلف، وهكذا صار عليه أن يحارب في جبهتين لا في جبهة واحدة، وهنا قال في أحد مقالاته "هكذا أعمل واترك لنفسي أن تتنفس أحزانها".

د. ابتهال يونس لم تكن مجرد زوجة عادية ولم يكن نصر لها مجرد زوج، بل كانا رفاقا في الحلم والهدف والمبدأ، لذلك شعرت بالكثير من العجز لأنها المرأة الوحيدة التي تدرك عمق الجرح الذي أصاب شريكها.

تحملت ابتهال إساءات لا حصر لها، منها تطاول بعض المتاجرين بالدين عليها حيث اتهموها بأن استمرار ارتباطها بنصر حامد أبو زيد يعد "فاحشة"، بل خرجت بعض الكتيبات التي تتهمها بالزنا والتي كانت توزع في الجامعة على طلابهما. حتى أن أحد المتطاولين قال إنه مستعد لتزويجها من رجل آخر إذا كانت مشكلتها هي كيفية الحصول علي زوج بديل.

وقد رفضت تلك الزوجة نصائح البعض الذين اقترحوا عليها إعادة عقد قرانها من الدكتور نصر بحجة بطلان عقد زواجهما السابق بناء علي حكم المحكمة، والعودة إلي حالة الزواج الطبيعي، قائلة إنها ترفض القيام بذلك لأن معناه إقرارها بأن زواجهما كان باطلاً وهو ما لا تقبله.

تصفها د. شيرين أبو النجا بأنها "قاطعة كالسيف، ستبقى دائما امرأة من الزمن الآخر.. امرأة تغضب وتعلن غضبها، تتضامن معك حتى الموت إذا طلبت مساعدتها".

ووصفها البعض بايزيس المعاصرة التي جمعت أشلاء زوجها لتنفخ فيه ليعود للحياة، واستطاعت أن تقف بكل قوتها في وجه من ظلموها، برغم كل شعورها بالعجز أمام حزن وصدمة زوجها.. لكن التوأمان استعادا توازنهما بعد أن تجاوزا الصغائر والصغار.

لكن الرحلة دائما ما تنتهي بالرحيل، فرحل أبو زيد بعد إصابته بفيروس أثناء رحلة علمية قام بها إلى إندونيسيا، ليعود إلى مصر بعد طلب زوجته وينقل من المطار إلى المستشفى فور الوصول دون أن يتمكن حتى من رؤية منزله.

رحل توأم ورفيق حلم د. ابتهال لتبقى روحها معلقة وتنطلق "زفَرات قد تعالَت صُعّداً .. ودموع فوق الخدِّ سجام" كما يقول ابن عربي؛ الحب الكبير في حياة د. نصر أبو زيد.

وفي حوار أجرته مجلة "المصور" مع د. ابتهال يونس بعد رحيل رفيق العمر، تحدثت عن الجانب الروحي في حياة د. نصر، قائلة: الذين حضروا الجنازة في البلد، وجدوا هناك شخص كان يصاحبه منذ صباه وهم في الكتاب - ونصر ختم القرآن وهو في الكتاب وعمره سبع سنوات - وهذا الشخص المسن لا يقل غير "الشيخ نصر" لأنه في شبابه كان يطلق عليه الشيخ نصر، وهل الإيمان استعراض ؟! هل لابد أن نرتدي جلبابا باكستانيا ونطلق الذقون ونمسك سبحة.

نصر كان يحب جدا الطقوس الدينية، وشهر رمضان وطقوسه كان شيئا خاصا جدا بالنسبة له، حتى في هولندا كنت أحاول أن أهيئ له جو شهر رمضان لأنه كان يفتقده جدا، وكان يحب زيارة الجوامع، وعندما ذهبنا إلى اسطنبول كان أكثر شيء يهمه زيارة المساجد وتأثر جدا بمسجد صغير للسلطان بايزيد تشعرين فيه بروحانية شديدة، وقد انفعل وفرح به جدا.

هو كان روحاني جدا الحقيقة وحتى عندما ذهبت أنا للحج كانت ظروفه لا تسمح له وقتها فكان دائما يوصيني أن أزيد من التحية والسلام عند قبر الرسول ( ص ) وأقريء الرسول السلام منه.

المشكلة الآن في مصر أننا أفرغنا الدين من الجانب الأخلاقي والروحاني وحصرناه في الشكل، وهو كان رافض لهذا، لأن الدين مجموعة أخلاق، وكان دائما يردد حديث الرسول (ص) "ما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق" وهذا هو جوهر الدين.


شيرين صبحي -

لهنّ

Thursday, July 22, 2010

وثيقة طريفة فى اوراق رفاعة الطهطاوى(1801 - 1871 ) - تعهد بعدم الزواج على زوجته

ان القاء الضوء على تللك الوثيقة الهامة- تكشف بوضوح عن الارتباط العميق بين افكار رفاعة رافع الطهطاو (1801- 1872 ) وسلوكه الشخصى ,فلقد كان الرجل يكن احتراما عميقا للمرأة ويؤمن بحقها فى المساواة والعدل. ان الحديث عن رفاعة رافع الطهطاوى المفكر الرائد للنهضة العربية والاسلامية ,,يتطلب التطرق الى حياتة وافكاره بشكل مختصر.. ولد السيد فى طهطا فى صعيد مصر وشب فى ظل ظروف سياسية واقتصادية اخرجته من العالم القديم الى العالمالجديد, حيث ادت اصلاحات محمد على الكبير الى حدوث تغيرات كبيرة فى المجتمع المصرى الحديث. وقد تأثر رفاعة اشد التأثير باستاذه الشيخ حسن العطار احد علماء العصر الكبار والذى سعى لتعينه اماما لاول بعثة علمية ارسلها محمد على الكبير للدراسة فى باريس, وكان تأثير باريس فيه اكبر تاثير والاعوام الخمسة من 1826- 1831 التى قضاها هنالك اهم الاعوام فى حياته فقد القى بنفسه فى خضم الاحداث بحماسة وجد ونجاح, واكتسب معرفة دقيقة باللغة الفرنسية, ومشاكل الترجمة منها الى اللغة العربية, وطالع كتبا فى التاريخ القديم والفلسفة الاغريقية والمثيولوجيا والجغرافيا والرياضيات والمنطق وقرأ سيرة نابليون, وبعض الشعر الفرنسى ,بما فى ذلك راسين ,ورسائل تشترفيلد الى ابنه ,والاكثر من هذا تعرف على الفكر الفرنسى فى القرن الثامن عشر, وخاصة افكار فولتير وكوندياك والعقد الاجتماعى لروسو,, واهم مؤلفات مونتسيكو. لقد ترك عصر التنوير الفرنسى اثرا دائما فى تفكيره ومنه ان الشعب يمكنه وبل يجب عليه ان يشترك فى الحكم ,وبأن الواجب تهذيبه من اجل هذه الغاية, وبأن الشرائع يجب ان تتغير بتغير الظروف ,وبأن ماكان منها صالحا فى زمان او مكان قد لايصلح لزمان او مكان اخر, وهنالك ظهرت لديه فكرة الامة من منتسيكو وان حب الوطن من اساس الفضائل, وان محبة الوطن تؤدى الى دماثة الاخلاق ,ونجح رفاعة الطهطاوى بالاقتباس من المجتمع الفرنسى المزدهر , ونشره فى كتابه -تخليص الابريز الى تلخيص باريس- وهو وصفا لاقامته فى باريس وقد وجد عندهم كثير من الامور مايستحق الثناء والمديح ومنها النظام وحب العمل وحب المعرفة وذم الكسل وحب التغير والتبديل وتربية الاولاد بعناية فائقة ووفائهم بالوعد وثباتهم على الافكار المهمة وعدم الغدر وقلة الخيانة.
ومن ان اهم مايهمنا من افكار الطهطاوى وخاصة فى كتابه - المرشد الامين للبنات والبنين - ويرى ان الثروة الوطنية هى الفضيلة وان مفتاح الفضيلة هو التربية وان التعليم يجب ان يكون متصلا بالمجتمع ويرى ان تعليم البنات ضرورى جدا للمجتمع وتمكين المرأ ة من العمل- وهذه الامور الثورية مهمة فى القرن الثامن عشر واكد على الصحة الجسدية والعائلة والصداقة ,, وفوق هذا حب الوطن واكد على الحرية وحقوق المواطن واكد على ضرورة تعليم المراة ويعتبر رفاعة رافع الطهطاوى رائدا من رواد تحرير المراة العربية فى ذلك الوقت المبكر الذى تعامل المراة فى باب الحريم من الناحية الاجتماعية ودعا الطهطاوى رفع مكانة المراة وكان معارضا شديدا لفكرة تعدد الزوجات- حيث كتب وثيقة طريفة بخطه ووقها بامضائه وختمها بخاتمه وتقول هذه-.

-
-- التزم كاتب الاحرف رفاعة رافع بدوى رافع - لبنت خاله المصونة , الحاجة كريمة , بنت العلامة الشيخ محمد الفرغلى الانصارى - انه يبقى معها وحدها على عصمتها دون ان اخذ غيرها من النساء او تمتع بجارية اخرى - فان تزوج بزوجة ايا كانت تكون بنت خاله بمجرد العقد طالقه بالثلاث- وكذلك لايحل- انها مادامت معه على المحبة المعهودة, مقيمة على الامانة والعهد لبيتها ولاولادها ولخدمها ولجوارها , ساكنة معه فى محل سكناه , ولايتزوج بغيرها اصلا , ولايتمتع بجوار اصلا ولايخرجها من عصمته حتى يقضى الله لاحدهما بقضاه-

ان هذا التعهد او العقد ابلغ دليل من كل تعليق ويعتبر دليلا على موقفه العملى من افكاره النظرية حول المراة والامتناع عن التعدد فى ذلك الزمان وان رفاعة لم يكن ممن يقول مالا يفعلون لقد كتب عبد الرحن الكواكبى - مابال الزمان يضن علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون الالتباس ويفكرون بحزم ويعملون بعزم ولاينفكون حتى ينالوا مايقصدون -ان هذا القول ينطبق على رفاعة رافع الطهطاوى واننا بحاجة ماسة لمثل هؤلاء من الناس

على عجيل منهل
alimenhel@hotmail.de
الحوار المتمدن

Wednesday, July 21, 2010

لا يوجد نص في القرآن يدعو إلى قتل المرتد

الحرية الدينية مكفولة طبقاً للمصادر الأساسية للإسلام.. لكن العالم الإسلامي مكبل بقيود على درجة عالية من التعقيد

إن وثائق حقوق الإنسان، التي بدأت تأخذ شكلها منذ 1948 تطورت في أشكال مختلفة وقوانين مختلفة وقواعد مختلفة لحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل في جانب كبير منها، علي إعادة قراءة التراث الغربي، سواء التراث الديني، أو التراث القانوني، أو التراث السياسي، إن إعادة القراءة هنا، تمثل منظورا تأويليا للماضي، بهذا التأويل، تأويل الماضي، لابد من إعادة القراءة، قراءة بأثر رجعي، هذه القراءة بأثر رجعي مسألة بالغة الأهمية، لكنها لا يجب أن تجعلنا نزعم أن حقوق الإنسان موجودة في التاريخ، لا في تاريخ الغرب ولا في تاريخ الشرق ولا في تاريخ المسيحية ولا في تاريخ الإسلام، لا وجود لحقوق الإنسان بالمعني المعاصر، في أي دين من الأديان الثلاثة الكتابية المعروفة اليهودية والمسيحية والإسلام، ولا في الأديان الأخري، إن الأديان تتقبل حقوق الإنسان من خلال إعادة قراءتها مرة أخري، إذن نحن نحتاج لإعادة قراءة الشريعة وإعادة قراءة النصوص الدينية ونحن نعلم جيدا أن هذه مشكلة من مشكلات الفكر العربي والإسلامي المعاصر.

هذا سوف يؤدي إلي المقاومة لإعادة القراءة، هذه المقاومة لإعادة القراءة تتجلي، في قوانين في إيران، والسودان وأفغانستان التي لا تسمح بالحرية الدينية.

إذا سمحت أنا لنفسي، كباحث وكمفكر وكمتخصص في الدراسات الإسلامية أستطيع أن أقول، بكل بساطة، ليس هناك، لا في القرآن، ولا في الحديث، أي في النصوص الأساسية مانع قانوني ضد حرية الإنسان في تغيير دينه، لكن المانع القانوني تم وضعه، بعد ذلك، بواسطة الفقهاء.

استنادا إلي النصوص الأساسية ليس هناك مانع قانوني، إنك كمسلم يمكن أن تتحول وتخرج من الإسلام، لأن في تقديري كباحث أن عملية منع التحول تتعارض مع الحكمة الإلهية ذاتها، إذ إن الله يقول في القرآن «من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر» ويعطي الحرية المطلقة «ولا إكراه في الدين» إلي آخر النصوص المعروفة، يبقي إذن، ليس من المنطقي أن تكون حرا حينما تدخل هذا الدين، وإذا ما دخلت هذا الدين فأنت فاقد لحريتك، فلسفيا وثيولوجيا ولاهوتيا، هذا يشكل تناقضا لا يجب أن يقبله العقل المتدين، إن الحرية التي أعطاها الله البشر لا يمكن أن يسلبها منهم إذا ما اختار البشر طريقا معينا.

وبالنسبة لقتل «المرتد».. لا يوجد شيء كهذا في القرآن، يوجد في السنة «من غير دينه فاقتلوه» وهذا حديث عليه خلافات، لا يعرفها كثير من عامة المسلمين، يقال إنه حديث آحاد، وطبعا فإن حديث الآحاد، غير الحديث المتواتر، أو الحديث المشهور، لا يؤخذ في أصول الدين بأحاديث الآحاد، هذه قاعدة فقهية، إن أحاديث الآحاد لا تمثل مرجعا في أصول الدين ومع ذلك فالفقهاء يرفضون الأخذ به في أصول الدين، والبعض يرفضون حتي الأخذ به في فروعه، ومن أهم أصول الدين قضية قتل الإنسان، إذن لا يمكن الأخذ بأحاديث الآحاد في مسألة قتل الإنسان.

تفسير أبوزيد لموضوع «الردة»

عندي تفسير، متعلق بمعني الخروج علي الدين، ففي مجتمعات تعيش في مرحلة أشبه ما تكون بالقرون الوسطي، لأنه حتي في الفكر الإسلامي المعاصر تمت مساواة موضوع الخروج علي الدين، بالخيانة الوطنية، أعطيت معني سياسيا، وهذا معناه، أن الخروج علي الدين، يمثل خرقا علي الإجماع، تحديًا للإجماع، الخوف والخشية من تحدي الإجماع مرتبطان بمرحلة الضعف في المجتمعات الإسلامية.

ففي مرحلة الاستعمار في القرن الثامن عشر، الذي شمل العالم الإسلامي كله، كان المطلوب، رأيا واحدا لمجابهة الاستعمار، فالخروج علي هذا الرأي الواحد يعتبر خيانة وطنية، ونذكر جيدا أنه بعد هزيمة 1967 في مصر ظهر شعار «لا يعلو صوت علي صوت المعركة»، فهذه العقلية، عقلية البحث عن إجماع، إزاء خطر متصور، يحول الفرد، بالنسبة لهذه العقلية، إلي خطر، حينما يعلن الفرد عن اختيار فردي، لا يتسق مع رأي المجموع، هذا الخوف له أسباب سياسية واجتماعية، له أسباب في بنية المجتمع أكثر منه، في العقيدة أو الدين.

إذن، فالحرية الدينية في تقديري، حرية مكفولة، طبقا للمصادر الأساسية للإسلام، لأن وضع قيود علي هذه الحرية، ثم في سياقات تاريخية معروفة، في سياقات صراع، لا أريد أن أقول إنها كانت بين المسلمين وغير المسلمين، لكنها سياقات صراع معروفة، أصبح فيها التخلي عن الدين بمثابة التخلي عن الانتماء.

نلاحظ أنه، في عصر الحريات الفردية، وعصر عدم التخوف من أن شخصا يترك الإسلام، لا يهدد الإسلام، نجد أنه من الضروري علينا كمفكرين أن نخوض معركة، بل إن هناك من بدأ يخوضها الآن من المفكرين في إيران وفي السودان، وكذا في بعض المجتمعات الإسلامية، يخوضون هذه المعركة، من أجل ضمان حرية العقيدة، حرية اختيار الدين في العالم الإسلامي.

إن العالم الإسلامي - بشكل عام - مكبل بالقيود علي درجة عالية من التعقيد.

تعليق من الكاتب

إن تطور حقوق الإنسان في الغرب لم يأت من إعادة قراءة الدين المسيحي، إنما أتي نتيجة صراع مدني وقانوني طويل ودام، بعد تأسيس الدولة المدنية والمجتمع المدني وتزامن مع فصل الدين عن الدولة، المشكلة في الدول الإسلامية، هو أن الدين لا يزال جزءاً من العقيدة السياسية والقانونية للدولة، هذه الدول التي تختلف في معظمها عن الدول الغربية حيث يكون الوطن فسيفساء لأعراق وديانات لأقليات أخري غير عربية وغير مسلمة، لذا من المفترض أن تمثّل الدول «الإسلامية» جميع مواطنيها مسلمين أو غير مسلمين، فالمعروف أن الحقوق التي نالتها الأقليات العرقية والدينية وحتي الجماعات المسيحية التي لا تتبع المؤسسات الرسمية المسيحية في الغرب كانت ولا تزال تواجه معارضة قوية من المؤسسة الدينية المسيحية الرسمية وخاصة الفاتيكان، وكذا بالنسبة لحق الإجهاض، وحق النساء في تولي مناصب كهنوتية.. لكن امتثال الدولة لقوة المجتمع المدني وسيادة القانون المدني والدستور القائم علي قواعد لا علاقة لها بالدين كمؤسسة، خاصة أن شرعية الأنظمة الحاكمة تكون غالبا - عدا الديكتاتوريات العسكرية في بعض أمريكا اللاتينية وما كان قائما في إسبانيا - مستندة إلي نظم الانتخاب الديمقراطية.

حسم الموقف في معظم هذه الدول لصالح قوة القانون المدني الذي يكفل حرية الفرد طبقا للدستور باختيار ما يجده ملائما لنوازعه الجنسية، حتي لو تعارض هذا مع المفهوم الديني.

هذا لا يعني أن كل المجتمع الغربي لدولة ما قد وافق عن اقتناع طيب خاطر بما يقره القانون الذي يجده متعارضا مع مفهومه الديني عن قضية ما، فالدين المسيحي مثل الإسلامي لا يقر الإجهاض إلا في حالات نادرة، لكن الصراع والحوار المتواصل في المجتمعات الغربية توصل إلي أن تقر بعض الدول الإجهاض وتحمي عيادات الإجهاض وتحاكم وتعاقب جماعات وأفرادًا منعوا الإجهاض إذا ما تعدوا بالقول أو الفعل علي الآخرين.

ورغم أنه لا يوجد موقف ديني مسيحي من موضوع التبني، فإن الدولة الغربية المدنية تنظم التبني قانونيا، بعكس المجتمعات الإسلامية التي تنطلق من نص قرآني يمنع التبني.

أبوزيد:


الدين مرتبط بالدولة في العالم الإسلامي ومنفصل عنها في غالبية العالم الإسلامي أيضا، يعني أن الدولة كمجموعة من المؤسسات تستخدم الدين أحيانا، لكن في أحيان أخري لا تستخدمه، نستطيع القول بأن هناك فصلا بين الدين والدولة، وتستطيع أيضا القول بأنه لا يوجد فصل بين الدين والدولة المشكلة في رأيي أعمق، وأكثر تعقيدا، من العلاقة الدستورية، أو العلاقة المؤسساتية بين الدين والدولة، هي مرتبطة بشكل أعمق، لماذا؟ لأن فصل الدين عن الدولة، يتم علي مستوي البنية الثقافية العامة، وإذا لم يتم هذا الفصل علي مستوي الثقافة العامة، أي في وعي البشر، يظل المجتمع قوة ضاغطة ضد حرية العقيدة.

مثلا، في النماذج التي تظهر بالنسبة لاتهامات الردة والمحاكمات، في معظم الحالات نجد أن الدولة لم تقم بدور في تقديم المتهم للمحاكمة، المجتمع نفسه هو الذي يرفض أن شخصا يتحول عن دينه.

سؤال، أين يقع المشكل إذن؟ أبوزيد:

في علاقة الدين مع الدولة، ليس فقط علي مستوي المؤسسات، بل يجب إشاعة مناخ من الحرية، من حقوق الفرد، ومن العقلانية داخل مؤسسات المجتمع، بدءا من الأسرة، نجد داخل الأسرة في المجتمعات الإسلامية بشكل عام ليس مقبولا من الأولاد أن يكون لهم رأيهم الفردي، إن الفردية هنا والتركيز علي قيمة الفرد، وحقه في أن يكون مختلفا، مسألة أكثر عمقا مما يسمي فصل الدين عن الدولة.

إن فصل الدين عن الدولة مسألة مهمة دون شك، لكن الإدانة تتم من داخل المجتمعات داخل الأسرة، مثلا حينما تقرر بنت قبطية أن تتزوج مسلما، نحن نعرف أن الغضب هنا، لا يأتي من الدولة، هنا يتداخل الصراع والاحتقان الاجتماعي، هذا «الزواج» معناه توجيه إهانة للأسرة، وللجماعة وللعقيدة.. إلخ.

في حالة تواجد مناخ من الحريات، ومناخ من العقلانية، يقبل المجتمع، أن يمارس الفرد حقوقه في اختياراته، لكن هذا التطور لم يحدث بعد في المجتمعات الإسلامية، توجد علاقة متوترة، ما بين حرية الفرد وبين انتماءاته للقبيلة، حتي لو كانت هذه «القبيلة» قبيلة المفكرين والانتلجنسيا، نحن نعلم المصاعب التي يتعرض لها الفرد، في حالة خروجه عن الإجماع في أي موقف، حتي لو كان لا علاقة له بالدين وبالحرية الدينية.

لا وجود لحقوق الإنسان بالمعني المعاصر، في أي دين من الأديان الثلاثة الكتابية المعروفة «اليهودية والمسيحية والإسلام» ولا في الأديان الأخري، إن الأديان تتقبل حقوق الإنسان من خلال إعادة قراءتها مرة أخري، إذن نحن نحتاج لإعادة قراءة الشريعة وإعادة قراءة النصوص الدينية ونحن نعلم جيدا أن هذه مشكلة من مشكلات الفكر العربي والإسلامي المعاصر.

إن المعوق لتحقيق حقوق إنسان مثالية، ليس هو الدين، بل المجتمع، تستطيع نظريا أن تعطي امرأة مصرية في أسيوط كل الحقوق التي تتمتع بها امرأة في السويد، لكن قبل هذا لابد أن يقوم المجتمع بإعطائها هذه الحقوق ولست أنا أو أنت أو مفكر ما، المجتمع هنا يمثل «حاضنة الحقوق» أو معوق لها، أنا لا أقدم تبريرا.

تعليق الكاتب


لكننا ننسي أن للدولة هنا واجباً اجتماعياً وقانونياً، هو الحفاظ علي حقوق الأفراد في اختيارهم أو رفضهم لعقيدة ما، أن تترك الدولة شيوع هذا الاختيار أو عدمه بيد المجتمع فهذه نقيصة تُحسب علي الدولة لا لها، والمثال علي ذلك هو ما يحدث للمسلم حينما يرغب في التحول عن الدين الإسلامي! إنه يواجه تهمة «الردة» وبالتالي القتل، وإذ لم يواجهها بشكل علني من الدولة سيقوم أفراد من المجتمع بتنفيذ العقاب بأيديهم مثلما حدث مع أبي زيد بعد قرار محكمة الاستئناف واضطراره أن يترك مصر خوفا علي حياته!

لكني أريد القول، إن الدولة الديمقراطية وهي غير موجودة في البلاد الإسلامية، هذه الدولة يجب أن تعبّر عن حركة المجتمع.. بل ومن المطلوب أحيانا أن تسبقه، فإذا كانت معظم الدول الغربية تحرّم قيام حزب نازي، نتيجة لمآسي النازية والحرب العالمية الثانية، فإنها تعبر عن المجتمع، لكن حينما يقرر غالبية الناخبين الغربيين انتخاب حزب يميني يقترب في برنامجه من الأحزاب النازية وخاصة في تضييقه علي الأقليات العرقية والدينية والجنسية، فإن الدولة تخضع لهم.

وفي الأيام الأخيرة «من عالم 2002» نجد أن الدولة في إنجلترا شرّعت قانونا وافق عليه النواب وهو قانون جديد ضد التفرقة الدينية، أي أن الدولة سبقت المجتمع ووافق نواب الشعب عليه، بعد أن اكتشفوا أن القوانين الموجودة التي تناهض التفرقة الدينية غير كافية.

وهكذا نجد أنه، حتي لو أن المجتمع غير قابل لتطور كهذا، فالقانون يلزم أفراده به، لابد من وجود قانون، حتي لو أن المجتمع غير قابل، أو غير قادر أن يعلن رغبته لهذا التطور.

أبوزيد:

لست ضد هذا «تدخل الدولة» هناك مجالان ثقافيان مختلفان، فالفرد «الذي» يعرف حقوقه، مستوي تعليمه «يكون مرتفعا» حينما يصدر قانون ما «نجده» يعرف أن هذا القانون يساعده في التقاضي.

لكن المرأة في مجتمع أسيوط، لن تذهب إلي المحكمة ضد زوجها، أنا أتحدث هنا عن تقاليد لها سطوة أقوي من القانون، إذن فمهمة الإصلاح هي تغيير هذه القواعد الاجتماعية.

أعطيك مثالا، كانت هناك معركة في المغرب العربي، بين مؤيدي قانون لصالح المرأة، وبين المناهضين له باسم الإسلام، قضيتان تعرض لهما القانون، الأولي هي تعمد الزوجات، الثانية هي تحديد حد أدني لسن الزواج بالنسبة للفتاة بثمانية عشر عاماً، الإسلاميون رأوا أن إلغاء تعدد الزوجات ضد الإسلام، وأن تحديد سن الزواج بثمانية عشر عاما سيساعد علي شيوع الزني.

مؤكد أن موقفي مع تغيير القانون لكن - أيضا - مع خلق حركة توعية، تجعل فاعلية للقانون، فالقانون دون توعية، يظل نصوصا مجهولة من عامة الناس.

كانت هناك مناقشة في مصر حول الخلع خلقت وعيا عاما، هذا هو المطلوب، لا يكفي تغيير مواد القانون، ولا يكفي تأليف الكتب.

لكن الإصلاح الفكري والقانوني يجب أن يرافقه مشروع اجتماعي كامل، سياسي واقتصادي.. مشروع نهضة كامل.

سؤال: كيف عادت إلي الظهور نظرية ومطلب الحكم الإسلامي في العالم الإسلامي المعاصر بعد أزمان طويلة من انتهاء الخلافة؟

أبوزيد:

«عادت إلي الظهور» بسب غيبة السياق في النص، لأن ترتيبه الحالي مخالف لترتيبه نزوله التاريخي، تزداد درجات الاحتمالية في لغة هي بطبيعتها احتمالية من حيث هي لغة دينية، هذا يسهل فرصة تأويل النص وتفسيره خارج سياقه، وهذه ظاهرة موجودة في تاريخ الأديان بشكل عام، في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث كان من السهل صياغة نظرية «الحاكمية» التي صاغها المفكر الهندي «أبو الأعلي المودودي» ولكي نفهم نظرية «الحاكمية» لابد من فهم وضع المسلمين في الهند في سياق محاولة الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، وما أدي إليه هذا الوضع من محاولة تأسيس دولة إسلامية عن طريق فصل المسلمين عن الهندوس، اعتمادا علي تأويل كلمة «يحكم» في آيات القرآن في سورة المائدة «السورة الخامسة: الآيات 44 -47».

«ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.. «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون».. «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون».

«هذه الآيات» يفسرها البعض، بمعني الحكم السياسي، هذا الاستناد إلي قاعدة «عموم اللفظ» ورفض «خصوص السبب» «أدي» أفضي إلي ظاهرة «التلاعب الدلالي» دون أن يعني ذلك الحكم بسوء القصد أو النية، لكن عن طريق عملية «التلاعب الدلالي» تلك يصبح معني الفعل «يحكم» هو معني الحكم السياسي، أي إقامة «حكومة إسلامية».

سؤال: أين هي المشكلة إذن؟ في النص، أم في تأويله؟

أبوزيد :

المشكلة في عزل النص عن التاريخ من ناحية، وفي تصور التاريخ الإسلامي باعتباره تجسيدا للنص من ناحية أخري، مقولتان متناقضتان، وهنا يتم اختيار فترات من التاريخ، فبينما تجد شخصا يمتدح العصر التركي في تاريخ الإسلام، نجد آخر يهاجمه.

ثمة كتاب قرأته مؤخرا يقول إن التاريخ الاسمي كله انحراف عن النص!

عندي مشكلتان متعارضتان: النص مقدس، لكنه في التاريخ، ومستحيل عزله عن التاريخ.

في الوقت نفسه، لا أستطيع تجاهل التجربة الإسلامية في مجملها.

سؤال

لماذا لا نقول إذن: إن النص جاء ليحدد علاقة الخالق بالمخلوق، من ناحية تطبيق الشعائر الدينية والالتزام الأخلاقي في الدنيا، ومن ثم، الثواب - العقاب في الآخرة، أي أنه في الأساس نص ديني يهتم بالآخرة وليس بالدنيا، وما حدث بعد موت الرسول «صلي الله عليه وسلم» من تأسيس دولة والصراع علي السلطة كان لابد من «تطويع» النص ليصبح دستورا دنيويا أيضا؟


أبوزيد:

أعتقد أن هذه المشكلة بدأت، منذ اعتبار النص مرجعية عليا، لا يمكن الحركة خارجها، وبالتالي ظهرت الحاجة للتأويل والتأويل المضاد، أعتقد في لحظة تاريخية معينة وهي بالتحديد الصراع في «صفين» الصراع الهاشمي - الهاشمي.

بالنسبة لـ«التحكيم» سوف نجد شخصا مثل «علي» يقول «القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال» معناه أن النص، يفهم بشكل إنساني فالنص لا يتكلم، فكيف يتم تحكيم النص ونحن سننتهي إلي تحكيم البشر؟ ما أريد قوله، إن الصراع السياسي العسكري هو صراع علي السلطة بين فئات مهمشة، أدي إلي طرح القرآن كمعيار، ومنذ هذه اللحظة أصبح وبدرجات متفاوتة، وجدنا أنفسنا في وضع أنك لا تستطيع الإجابة علي سؤال خارج هذه المرجعية فاختفت حدود كانت في عصر النبي «صلي الله عليه وسلم» حينما يسأل «أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟» هذا السؤال ينبئ بوجود مجالين.

فإذا قال «بل هو الرأي والمشورة» يمكنهم أن يقولوا «لا لكن لنا رأي آخر» وحينما يقول «الوحي» فإنهم يتبعونه دون نقاش، هذه وقائع معروفة، هكذا كانت توجد مساحة تقول إنه يوجد مجال للوحي، ومجال دنيوي.

تتضاءل هذه المساحة، خاصة أن قيام الدولة الأموية علي غير رضا المسلمين، كان لابد أن يولد أيديولوجية دينية، الأيديولوجية الدينية بدأت واضحة في فكرة الخلافة في قريش في مقابل الوراثة التي هي قانون قبلي.

بعد ذلك تم تطور أيديولوجيات سنة وشيعة وتم استغلال النص هنا، وأعتقد إذا تتبعت تاريخ الدول الإسلامية: الإمبراطورية بولايتها المحلية، سنجد صيغتين دائما، لاعتقادي بعدم وجود قانون يحكم الإمبراطورية الإسلامية، لكن كان يتم استخدام القوانين المحلية، والفتاوي المحلية، وقاضي المنطقة، الذي كان يستند للفتاوي وللنص.

مع دخول التقاليد والأعراف المحلية، كجزء من بنية الشريعة، فالقانون آنذاك كانت له بنية رجراجة، لعدم وجود بنية قانونية، وهكذا يظل الفقيه أو رجل الدين هو المرجعية.

وهكذا في ظل غياب دساتير وغيبة قوانين يتحول النص إلي ملاذ للجماعة.. فالنص في نظر المسلم العادي، الذي ليست له طموحات سياسية، المسلم العادي الذي يحلم بالعدل وبمستوي إنساني من الحياة اليومية، يصبح القرآن عنده، مخزن العدل، وهنا يتماثل القرآن مع حياة الناس، هذا موقف مفهوم، هذا أساس لأيديولوجية استخدام النص، ليس فقط بواسطة الجماعات المناهضة، بل بواسطة السلطة السياسية أيضا، فالقرآن موجود في الحياة اليومية، كمرجع لا يمكن تحقيق العدل والمساواة إلا من خلاله.

في عصر الاحتقانات السياسية والثورات، نجد أن هذه الثورات والهبّات اعتمدت جميعها علي النص، فالشيعة اعتمدوا علي النص، ووضعوا فيه فكرة أحقيتهم في الخلافة.

إن الاشتباك ما بين النص والحياة اليومية للمسلم، والاشتباك بين النص والأيديولوجيات، والاشتباك بين النص والدولة وهذا في مرحلة متأخرة، بالإضافة لغياب مرجعية أخري هي مرجعية الناس، مرجعية الجماعة نفسها.

نجد أن مفهوم الإجماع تم اختصاره لإجماع أهل الحل والعقد أي الفقهاء.

كان الإجماع في بداية الإسلام، هو إجماع المسلمين كلهم، كانوا حفنة بسيطة لكن فكرة الإجماع نفسها تقلصت لإجماع فقهاء السلطان

د. نصر حامد أبو زيد

صر حامد أبوزيدنصر حامد أبوزيدنصر حامد أبوزيدبوزيد نصر حامد أبوزيدنصر حامد أبوزيد نننبهلتهىلنببنىلاتنبحخخه