Showing posts with label ضد النسيان. Show all posts
Showing posts with label ضد النسيان. Show all posts

Saturday, March 24, 2012

رحيل محجوب عمر (رؤوف نظمي) بعد رحلة نضال عربية

نعت القيادة الفلسطينية السبت المفكر المصري د. رؤوف نظمي عبد الملك المعروف باسم (محجوب عمر) صاحب كتاب "حوار في ظل البنادق". 
وتوفي محجوب في الساعات الاولى من صباح السبت في "مستشفى فلسطين" بالقاهرة عن عمر يناهز الثمانين عاما بعد صراع مع المرض لسنوات.
والراحل طبيب مصري قبطي من مواليد محافظة المنيا بصعيد مصر عام 1932 ومن مناضلي الحزب الشيوعي حتى سنة التحاقه بالثورة الفلسطينية عام 1967.
وقبلها شارك في ثورة الجزائر مقاتلا وطبيبا قبل توجهه الى الاردن.
وكان محجوب مقربا جدا من القيادي الفلسطيني خليل الوزير (ابو جهاد) الذي اغتالته اسرائيل في تونس، وكذلك من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (ابو عمار). 
محجوب عمر 
كان د. رؤوف مناضلا من طراز فريد لجيل من المناضلين اليساريين المصريين الذين اصطدم بهم نظام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
وبعد خروجه من معتقل الواحات، كان قراره أن "النضال الصحيح" هو ضد الاستعمار وبما ان مصر تحررت من الاستعمار الانجليزي توجه الى الجزائر لينخرط في صفوف الثورة الجزائرية كمقاتل وطبيب.
بعد ذلك توجه الى الاردن ليلتحق بالثورة الفلسطينية الفتية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وخرج مع المقاومة بعد احداث "ايلول" عام 1970 من الاردن الى لبنان.
وفي بيروت تركز عمله في مركز الدراسات الفلسطينية الذي قصفته اسرائيل فقتل عدد من رفاقه لكنه نجا باعجوبة ودفن رفاقه بيديه.
بعد الخروج الفلسطيني من لبنان عقب حصار بيروت عاد محجوب الى مصر ليؤسس لعمل فكري وبحثي فلسطيني واضاف لاسمه الحركي اسما اخر اخذ يكتب به في مصر وخارجها وصار يعرف به " محجوب عمر".
ورغم تاريخه اليساري كان محجوب شخصا توافقيا يعرف كيف يفتح القنوات مع كافة التيارات ويبقي عليها بما في ذلك التيار الاسلامي المعتدل.
وكان توجهه العروبي يستند اساسا الى ان القضية الفلسطينية هي الاولى في مقدمة القضايا التي تستحق الجهد النضالي والفكري.
وقالت القيادة الفلسطينية في بيانها: "كان الشهيد القائد (محجوب عمر) مثالا للتضحية والعمل الحركي ومن المفكرين الذين اسهموا اسهامات كبيرة في دفع الثقافة العربية والنضالية في المنطقة الى الامام".
وقالت حركة فتح في بيان تنعي فيه محجوب بثته الوكالة الفلسطينية الرسمية للانباء انه ساهم في "كتاباته وترجماته وخاصة كتابه ’حوار في ظل البنادق‘ في ارساء فكر نير وتقدمي في الساحه العربية وليس فقط الفلسطينية، وكان له مقال اسبوعي في صحيفة الشعب المصرية اسهمت كثيرا في تنوير وبلورة الرأي العام المصري والعربي عن القضية الفلسطينية وتداعياتها الدولية".
واضافت في بيانها: "كما ساهم بشكل كبير في الوصول الى ما وصلت اليه مصر من ثورة شعبية كبيرة للتحرر من الظلم والاستبداد وكان له حضور كبير في المحافل العربية والدولية وقد تم تكريمه من قبل الرئيس محمود عباس بوسام القدس للابداع الثقافي".
احمد مصطفى  - BBC

Friday, October 07, 2011





يحترف الكثيرون الخلط بين خصوصيات مصر و ما يجرى فى بلدان الربيع العربى متجاهلين

حقائق التاريخ و الجغرافيا البشرية .... أدمن هؤلاء التذكير بفضائل الجيش المصرى على ثورة

الشعب المصرى الطاهرة و التأكيد أنه لا نجاة للثورة دون حماية و نصرة الجيش لها ..... يتجاهل

هؤلاء الجهلة لو توافرت النوايا الحسنة أو المغرضين .. أن الجيش المصرى ليس هو المجلس

العسكرى ....

الجيش المصرى العظيم هو جزء أصيل من الشعب المصرى على مر العصور منذ نشأة الدولة

المصرية الموحدة من مصر العليا (صعيد مصر) و امتدادها الى الوجه البحرى و ظهور الدولة

الفرعونية القديمة على يد مينا أو نعرمر مؤسس الأسرة الاولى عام 3200 قبل الميلادتقريبا و

قيام جيش مصرى قوى من فلاحى الأرض السوداء الطيبة التى امدتهم بالقوة و الصمود و

التحمل و القناعة و الشجاعة و الأمل و مرورا بالامبراطورية المصرية القوية بجيشها الذى تسيد

الشرق الأوسط و افريقيا الشمالية حتى منابع النيل العظيم ...... و وصولا الى الدولة الفرعونية

الحديثة حتى سقوط الدولة الفرعونية و خفوت الروح المصرية فى عهود سيطرة الفرس و

الاغريق و البطالمة و الرومانيين حتى ابتعاث الروح الوطنية المصرية بصبغة اسلامية ضد

الصليبيين و المغول فلولا بطولات المصريين العملاقة فى حطين 1187م و عين جالوت 1260م

لما قامت قائمة للعرب فى مصر و الشام و أسيا بأكملها و عادت تلك الروح للكمون حينا

لتنطلق ضد الحملة الفرنسية 1798م و الانجليزية 1807م و استغل محمد على مقومات

الشخصية المصرية و سخرها لمصلحته فوصل بجيش مصرى وطنى الى برقة و طرابلس فى

الغرب و الى دافور و كردفان و الخرطوم فى الجنوب و الى ابتلاع شبه الجزية العربية فى

الشرق و دمج الشام فى الامبراطورية المصرية و الوصول الى حدود القسطنطينية فى

الشمال

عام 1832م و الاستيلاء على اليونان بعد سحق ثورة المورة 1822م و حتى بطولات الجيش

المصرى فى الثورة على ظلم و تسلط الخديوى توفيق بقيادة أحمد عرابى 1881م و فى حرب

فلسطين 1948 و الثورة ضد الحكم الملكى و ضد الاستعمار الانجليزى و ضد العدوان الثلاثى

1956م و فى اليمن 1962م حرب الاستنزاف 1967- 1970م و حرب تحرير سيناء 1973م

............ فى استعراض هذا التاريخ المجيد لا نجد أبدا انفصالا بين الجيش و الشعب ..اذ كيف

ينفصل الفرع عن الاصل ..فلا حياة لليد أو القدم بعيدا عن الجسم فالشعب هو معين القوة

البشرية و الروح الوطنية و الامداد المادى


باختصار الجيش المصرى هو أبى و أخى و صديقى و جارى .... لاحياة له بدوننا و لا استقلال و

هيبة لنا بغيره

أما المجلس العسكرى فهو مكون من 18 شخصا هم قادة أفرع القوات المسلحة و قادة

المناطق و الجيش الثانى و الثالث و مساعدى وزير الدفاع الى جانب القائد العام و رئيس الأركان

و جميعهم ترقوا بموافقة مبارك و تدرجوا الى مناصبهم الحالية تحت رقابة لصيقة من نظامه

الاستبدادى و تربوا على مبادىء نظامه المتسلط الفاسد الذى أعلى من شأن الفاسدين و

المنبطحين و الأغبياء و المتعامين عن الحقائق و اطاح بالأكفاء و المبدعين و المجددين و

الشرفاء و كان جزاؤهم الأغداق عليهم بمئات الملايين من الرشاوى المجتزئة من أقوات

الشعب و بالتالى انفصل هؤلاء مبكرا عن نسيج الوطن و باعوا مصلحته و قبضوا الثمن و مازالوا

يعلم الجميع كم الفساد الرهيب المستشرى بالجيش و الظلم الذى يمارس على كل ضباط

الجيش من جانب قياداتهم و الكراهية العميقة التى يكنها الضباط تجاه قادة الجيش فكأن الظلم

الجبروت و الغباء و كراهية الأخرين و مهارة التسلق على أجساد الشرفاء و الضعفاء هى شروط

أساسية للاستمرار و الترقى و الانضواء فى عصبة الفسدة

يخطىء كثيرا من يختزل جيش مصر الاصيل العظيم الذى يستمد قوته و روحه من الوطن منبع

السمو و الانتماء فى شخوص المجلس العسكرى فكأنه يساوى بين الشمس و ضوء خافت

لبقايا سيجارة ملقاة ... ليس فى أبدا هذا تحقيرا لشأن أعضاء المجلس بل توصيفا

لم يمن الجيش علينا بحماية الثورة بل لقد انضم الفرع للاصل فى رفض الانكفاء و الذل و الظلم

و الطغيان و لم يجد قادة المجلس مفرا الا الاستجابة لذلك حماية لأنفسهم و لكراسيهم و

ثرواتهم و محاولة لطمس جرائمهم و التماهى مع القوة الثورية و محاولة تطويعها و ترويضها

لعلها تنخدع فتنضوى تحت قيادته و تقنع برغباته و تكتفى بخلع الرأس الفاسدة فكانها هيرا

السوداء تقطع رأسا فتنطلق عشرات الرؤوس الخبيثة المتلهفة لقضم جسد الوطن الذى ما

برحت جروحه تندمل

التاريخ ينبأ بأصل ما يحدث فى سوريا و اليمن و ليبيا ....

لم تعرف سوريا فى عصر الأسد الأب و الابن جيشا وطنيا بل تجمعا عسكريا طبقيا فئويا لا مكان

فيه الا للمنضوين تحت لواء أسرة الأسد من العلويين و هم فى مجموعهم لا يزيدون عن 11%

من تعداد سوريا و لامكان فى قيادات الجيش و كبار الضباط و رجال الدولة لغير العلويين و

بالتالى فالجيش لا ينتمى للشعب بل يناصبه العداء و يخشى انتقامه جراء عهود طويلة من

الظلم و التهميش و التعذيب و الطغيان

أما ليبيا فهى دولة حديثة التكوين تفتقد مفهوم الدولة الوطنية المدنية و ترتكن فى قيامها على

تفاهمات قبلية عشائرية تقتسم بموجبها ثروات الدولة و تقنع بموائمات تفى بمصالح متبادلة

ومن هنا ظهرت كتيبة سيف الاسلام و كتيبة المعتصم و كتيبة خميس و هم من استطاع أبناء

القذافى شراء جهودهم من المرتزقة

اليمن دولة شديدة القبلية لا سيطرة للدولة الا على المدن الرئيسية فقط بينما تخضع غالبية

الدولة لسيطرة القبائل و تقتسم القبائل السيطرة على الأرض و الثروة طبقا لمنطق القوة لذا

تحظى اليمن بأكبر نسبة تسلح بالنسبة لعدد السكان اذ تملك القبائل الكبيرة أسلحة ثقيلة و


مدافع مضادة للطيران و من هنا اصبحت الدولة اللاعب الأضعف على الساحة فترتضى بجزء

من الأرض و السلطة مقابل التسليم بنفوذ القبائل و اقتسام دخل البلاد معها و الانتماء هناك


ليس للدولة بل عشائرى بحت


من هنا كانت مصر مختلفة و كانت ثورتها متفردة و كان اتحاد الجيش مع ثورة الشعب نتاجا

طبيعيا

Friday, June 24, 2011

الحلم أولا


نوستالجيا

هيمن على الميدان حالة لا يمكن أن يصفها حتى أقلنا التزاما إلا بأوصاف قدسية أو صوفية، عبقرية الفعل العفوى الجماعى جعلت القدر يستجيب. كيف تمكنا من اختراع آليات لاتخاذ القرار من لا شىء؟ كيف دافعنا عن أنفسنا يوم الجمل؟ من أول من بدأ بقرع الأسوار الحديدة لبث الرهبة فى نفوس أعدائنا؟ اكتشفنا قداسة فينا عندما وقفنا معا وكانت يد الله مع الجماعة.

هل ألهم القدر بوعزيزى إذن؟ هل كان يعرف أنه باستشهاده يشعل ثورة تعبر الحدود؟ أكيد كان يعرف.. لم أختر الانتحار بأكثر الوسائل ألما إن لم يكن لغرض ثورى؟ الانتحار ملاذ من تسلب إرادته، أما بوعزيزى فقد اختار أن يؤكد على إرادته، اختار أن يستشهد قبل أن يطلق أعداء الثورة الرصاص، فقد عرف أن الثورة تحتاج لبحار من دماء الشهداء، اختار أن يستشهد حتى تبدأ الثورة وقد دفعت أغلى ثمن فلا تقدر الجماهير على اختيار التراجع.

ما بين سقوط مخلوع تونس واندلاع ثورتنا فى مصر بضعة أيام، هل تذكرون شهداء تلك الأيام؟ نسيت أساميهم وصورهم فى خضم الأحداث التى تلت لكن ما نسيت بوعزيزيو مصر والشهادة تختارهم فيقطعوا الشك باليقين: مصر مثل تونس، مصر هى تونس، وإياكم وأى مطلب أقل من إسقاط النظام، إياكم الآن وأى تضحية أقل من الشهادة.

ولأن يد الله مع الجماعة يغيب عنا كل ما سيحدث فى الحياة الأخرى إلا مصير الشهداء، لدينا يقين أنهم شهداء، هم فى قلوبنا وعقولنا شهداء، ولن تكون رحمتنا أوسع أبدا من رحمة الله.

رمزية

الاستشهاد على طريقة بوعزيزى فعل استعراضى ورمزى. استعرضت الشرطية سلطتها بصفعه، وكان بإمكانه أن يحاول الانتقام إن كان قد تخلى عن رغبته فى الحياة، ولكنه رغب الحياة بشدة فاختار أن يذكرنا بقيمتها. كان عليه أن يقف فى طريق عام، كان عليه أن يتوهج لنتذكر أن الحياة بلا كرامة ليست حياة.

استعراض السلطة يواجهه استعراض ثورى. وعينا الدرس وكان الميدان مسرحا، مبهرا، ألوانا، موسيقى، أنتجنا وأخرجنا وشاركنا فى أكبر استعراض فى التاريخ، وتابعتنا جماهير العالم أجمع. حاولت السلطة مواجهة استعراضنا باستعراضها، لذا هاجمتنا بالجمال. لكن فاتها أننا آمنا بعرضنا المسرحى، وصدقنا رمزيتنا ولذا كنا على استعداد لدفع ثمن تحويل الرمز لحقيقة. أما السلطة فأى ثمن تدفع؟

وقف شباب أغلبهم تحت العشرين وحدهم بصدر عار فى مواجهة الرصاص أمام سفارة الصهاينة، هل ظنوا أنهم سيحرروا الأرض بفعلهم؟ لا.. بل كان استعراضا، حتى المطلب كان رمزيا: انزلوا العلم. لكنهم مثل بوعزيزى أدركوا ما لم ندرك، أن الثورة صراع على أفكار. جاءوا لينتصروا لفكرة أن السلطة للشعب، ولا تقرر أى قوة داخلية أو خارجية لنا، لا السياسات ولا الأولويات، حتى سياستنا الخارجية، حتى علاقاتنا بالقوى العظمى، وبالتأكيد علاقاتنا بأشقائنا.

الفكرة مزعجة جدا للسلطة، أى سلطة، حتى الانتقالية «الشريفة»، حتى المنتخبة القادمة (ولهذا غابت عن هذا المشهد كل القوى المرشحة وذلك للنيل منها)، العيال ستُملى علينا كيف ندير البلاد؟! ليسوا ثوارا إذن وإنما هم شباب متطرف مختل لا يفقه الأولويات. هكذا اتفقت السلطة والنخبة: استعرضت السلطة قوتها بلا رمزية وإنما بمباشرة فجة، وظنت أن سقوط الشباب برصاصها انتصار لها، أما النخبة فتجاهلت رمزية أن يوجه رصاص حماة حدودنا إلى صدورنا حماية لعلم الأعداء.

نسوا أن الواقع يتغير فى العقول أولا. حتى عندما تحاول السلطة الاستعراض لا تقدر على دفع الثمن، فالسيد اللواء لم يجد مفر من الاعتذار الأبوى عندما واجهته فتاة بحقيقة تعذيبها على يد جنوده. ربما كان يمكن له أن يجعل من استعراض أبوته واعتذاره واقع لو أنه آمن به وتحمل ثمنه، لكنه هاج وماج عندما خرج الاستعراض من جدران مكتبه لصفحات الجرائد. السلطة لا تدفع ثمن تحويل الاستعراض لواقع.

سرد

هل كان الميدان حقا مدينة فاضلة «ولا فى الأحلام» ذابت فيها فوارق الجنس والدين والثروة؟ أم أننا حلمنا به هكذا فصار الحلم واقعا لأننا آمننا؟
الميدان كان استعراضا كبيرا، والفعل الثورى من بوعزيزى للسفارة مشبع بالرمزية، لكن الاستعراض والرمز مجرد جزء من الثورة. الاستعراض يحتاج لجمهور، والجمهور فى عصرنا هذا يعتمد على كاميرات وفضائيات. بعيدا عن الكاميرات مجال الاستعراض محدود أكثر، وفرص الرمزية أقل.

بعيدا عن الكاميرات الصراع لم يكن استعراضيا. بعيدا عن الكاميرات خاض أهالينا حربا مع شرطة مبارك، حرب سقط فيها الشهداء بالمئات إن لم يكن الآلاف وانتصرت فيها الثورة برد العنف أحيانا، وأتمت انتصارها بحرق قلاع الداخلية.

تغيب عنا الآخرة لكننا نعرف مصير الشهداء، ولكن أغلب شهدائنا فقراء. أسوأ ما فى الفقر ليس الحاجة وإنما الإحساس بانعدام الإرادة، فمصيرى ليس بيدى. ألهمت الثورة فقراءنا وأقنعتهم أن مصائرهم بيدهم.

الثورة حتى فى أقل تجلياتها رمزية تظل صراعا على الأفكار. وكما أمام السفارة، الفكرة مزعجة جدا للسلطة، أى سلطة، فحتى فى الديمقراطيات نرى الفقراء منزوعى الإرادة.

ليسوا شهداء إذن، ما هم إلا بلطجية. والشرطة؟ صحيح من قتلوا الفنانين والمهندسين سفاحون، لكن فى الأحياء الشعبية أبطال بواسل، فى أمن الدولة سلخانات، لكن فى الأقسام رموز لهيبة الدولة طبعا. هيبة الدولة هى ما تَفرض على من لم ير ثمار الانصياع لقواعد الدولة ومن لن يرى فرصة فى تحديد مصير الدولة الالتزام بتلك القواعد (مع أنهم لن يروا منه خيرا) وتقبل ذلك المصير (مع أنهم لم يشاركوا فى صياغته). كيف يمكن لنا أن نسمح بسرد لقصة الثورة يهدد تلك الهيبة؟

قتلت الداخلية الشهداء مرتين، مرة على يد العادلى عندما أطلقوا الرصاص، ومرة على يد العيسوى عندما استكثر عليهم الشهادة. مرة بلا كاميرات، ومرة علنا على الهواء مباشرة.

خطاب

ربما لا يعرف من لا نصفهم بالمثقفين ما تعنيه كلمات مثل سرد ورمز وخطاب، لكنها تؤثر فيهم. الشعب أعلم مما يظن الكثيرون، الشعب يعرف أن التحرير لم يكن إلا استعراضا، يعرف أن الثورة انتصرت فى الحوارى والأزقة وفى المصانع، يفهم أن الاستعراض مهم لصراع الأفكار ويفهم أن الميدان يسقط لو سقط الحلم، الميدان أسطورة تخلق واقع طالما آمننا به، ولو أصررنا على تجاهل من ينكر على أهل إمبابة والمطرية الشهادة سيتخلى أهل المطرية وإمبابة عن حلم الميدان، وبدون الحلم أين نكون؟

تغيب عنا الآخرة لكننا نعلم علم اليقين مصير الشهداء، هل نتصور فعلا أن رحمة الله تعرف الطبقية؟ ألا يكفينا ذنب أننا عشنا ولم ننل الشهادة؟ هل نقدر على تحمل ذنب السكوت عن إنكارها؟ هل سنبيع دماء الشهداء مقابل نهاية انفلات أمنى مزعوم وعودة عجلة إنتاج ظالمة للدوران؟

لا يبحث أهل الشهداء عن العدالة فالعدالة لن تحى شهيد، يبحثون عن حلم يعطى معنى للتضحية، يبحثون عن نهاية سعيدة لحدوتة تشمل فاجعتهم. بعبقريتنا هتفنا «افرحى يا أم الشهيد كلنا خالد سعيد»، وأعطيناها النهاية السعيدة فى أول فصل من الحدوتة. ألا يحق لأم محمد عبدالحميد شهيد الزاوية الحمراء وأم مينا ملاك شهيد الطوابق أن تفرحا؟ العدالة مسرحية استعراضية، لن تصير واقعا إلا لو آمنا بها. العدالة فرصتنا، لو تمسكنا بها ربما تفرح أم الشهيد ولو فرحت ربما يُغفر ذنب شهادتنا التى لم ننلها.

والنخب؟ مشغولة بصراع على الأفكار أيضا، لكن بنفس درجة المباشرة والفجاجة التى يتمتع بها خطاب السلطة، بلا إبداع، بلا رمزية: مدنية أم دينية، دستور أولا أم برلمان أولا.. الخ. والمذهل أن بين كل سطر وسطر نذكر الشهداء. صاروا أرقاما وإحصاءات، بل وصلت الصفاقة بفصيل سياسى أن يدعى أن نسبة كذا منهم تنتمى إليه. هل كلفوا خاطرهم الدفاع عنهم؟ فأهاليهم تحكى حدوتة بطولتهم، والسلطة تحكى حدوتة بلطجتهم، والحق بيّن ولكننا لم نعتد أن نراه.. بعيدا عن الكاميرات.

اختار الشهداء محاربة النظام رغم إدراكهم أن اختزال مشكلتهم فى النظام أسطورة، لكنها أسطورة طعمت بالإيمان والتضحية، رهان على أن الواقع يمكن أن يتغير. لكنهم ليسوا أغبياء، مثلما أدرك شباب السفارة أن الديمقراطية وحدها لا تواجه ظلم الإمبريالية، يدرك الكادحون بالفطرة أن الديمقراطية وحدها لم ترفع فقرا أبدا، والمحاكم وحدها لم ترس عدالة للكادحين أبدا، ولنا فى تظاهرات عمال ويسكونسن وتلامذة مدارس إنجلترا عبرة.

ماذا بعد النظام؟ ليس لنا إلا الحلم. اخترنا الإيمان بحلم أن وحدتنا هى الحل وأن ثورتنا ستستمر، فما معنى إذن أن تحاضرنا نخبتنا عن مدى وضوح خارطة الطريق؟ هل يملك أحد على هذه الأرض خارطة طريق واضحة لإرساء العدالة؟ لجعل الحلم واقعا؟ لماذا لم تنفذ بعد إذن؟ إن كانوا جربوها من قبل وجاءت أقل مما طمحوا إليه، إن كنا دفعنا الثمن غاليا جدا من قبل أن نبدأ أصلا، لماذا لا نترك للحلم العنان، ننتصر معا لشهداء الميدان والحارة والسفارة، نستكمل معارك الاستعراض والرمز والسرد لآخرها. يعنى.. نكمل حدوتة الثورة ربما نجد نهاية سعيدة.

والاختيار لنا، ففى معارك الأفكار من يملك التأثير على وسائل الإعلام أقوى. كيف نحكى قصة ثورتنا؟ هل هى ثورة شباب الإنترنت الشريف الناصع الطاهر أم هى ثورة الشعب كله؟ هل هى زرع شيطانى ظهر فجأة فى يناير 2011 أم أن لها جذورا فى التضامن مع انتفاضة شعبنا فى فلسطين وأولى براعمها ظهرت فى المحلة فى أبريل 2008؟
الميدان أسطورة لو توقف أهل الشهداء عن الإيمان بها لسقطت. بديل النظام حلم لو تركناه لسجالات واقعية عقلانية ملتزمة بترتيب مضبوط للأولويات انقشع.

لو سقطت الأسطورة وانقشع الحلم انفضت الجماعة، وإن انفضت الجماعة لن يستجيب القدر، فما نعرفه عن يد الله أنها مع الجماعة.

تخلوا عن الخبراء واسمعوا الشعراء فنحن فى ثورة. دعوا العقل وتمسكوا بالحلم فنحن فى ثورة. احذروا الحذر واحتضنوا المجهول فنحن فى ثورة. احتفلوا بالشهداء، ففى وسط الأفكار والرموز والقصص والاستعراضات والأحلام لا شىء حقيقى إلا دمهم ولا شىء مضمونا إلا خلودهم


بقلم:
علاء عبد الفتاح - الشروق