Showing posts with label ضد الكذب. Show all posts
Showing posts with label ضد الكذب. Show all posts

Friday, June 10, 2011

مركب الوطن يكابد الأمواج


د.عمرو فؤاد ١٠/ ٦/ ٢٠١١

«سيتضاءل الشر كثيرا فى هذا العالم لو كفّ الناس عن ستره بلباس الخير».. ثمة سؤال منتشر يتداوله عفاريت الفيس بوك يقول: «عارف ليه الثورة مانتصرتش؟!» ثم إجابات متعددة عليك أن تختار إحداها.. الفكرة التى تقوم عليها نوعية هذه الأسئلة غريبة ومقلقة، ولا تعرف من اخترعها ومن أجل ماذا..

أذكر يقينا أن هذا الطراز لم يظهر على ساحة الشبكة الافتراضية إلا فى شهر فبراير، بالتحديد بعد الحادى عشر منه، وكأنها إحدى أسلحة الثورة المضادة شديدة الخبث، أو نسائم الديمقراطية الوليدة التى تقضى بأن يبتّ أى شخص فى أى قضية ولو كانت من العمق والعسر بمكان.. ثم إن الإشكال الأكبر يكمن فى صياغة السؤال ذاته، من قال إن الثورة لم تنتصر حتى ترهق ذهنك فى البحث عن سبب معقول لفشلها..؟! إن هذا الافتراض الذى يلزمك به خطير، لأنه يتسلل إلى العقل اللاواعى فيحدث مفعوله الساحر.

نفس طريقة الفزورة القديمة التى تتحدى ذكاءك وثقافتك الحيوانية: هناك الموز فى أعلى النخلة، وهناك الفأر والسنجاب والقرد، ترى أيهم أسرع فى الوصول للموز.. تفكر وتفكر وتفكر، قبل أن يتنبه عقلك الواعى للحقيقة المروعة بأن النخلة لا تطرح الموز من أساسه..! يا خبر، كيف فاتك أن النخلة تطرح الجميز يا أحمق..؟!

هكذا صارت الأمور فى بلدى تدار، الكثير من (اللت والعجن)فى كل شىء، الشر ولباس الخير فى كل شىء، أنا لا أقصد الشر بالمعنى الحرفى ولكن مشروعية أن تخلّط أو تخبّط خلف ستار القصد الصالح النبيل.. كلنا يعلم أن المهمة صعبة والعبء بحق ثقيل، ولا يختلف معظمنا أن على رأس ساحتنا الآن خلقا من أروع و(أورع) من جادت بهم أقدارنا فى السنين الأخيرة، إنما..!!

تحملونى إذا صرخت، إنما يعنى إيه تُترك ثورتنا العظمى طيلة هذه المدة هملاً وسدى؟ يعنى إيه هذا الصمت المطبق الذى أحاط بحكومة شفيق (الفلولية) قبل قدوم الفارس الأسوانى الجرىء على جواده الأصيل. يعنى إيه غض الطرف عن تأمين المنشآت المفصلية إلى أن يتم على مرأى الكل ومسمعهم حرق ملفاتها الحساسة والحيوية؟! يعنى إيه استفتاء قانونى محض يتم تمريره بنعومة ككونه صراعا محموما بين الملائكة والأبالسة، والجنة والنار؟ والخراب أو الاستقرار؟ «نعم»، هو يعنى إيه استقرار؟!

يعنى إيه تُتناسى (قفشات) السباعى الثقيلة من طراز «لفافة البانجو» و«الارتجاف الأذينى» إلى أن تفضحه تلك الحلقة الحوارية الساخنة التى تشى فى انفراد مبهر بما لا يخفى أصلا على أحد..؟!

يعنى إيه تؤخر محاكمة مبارك وآله إلى أن يتمكن أقلهم حظاً فى (النصاحة) واللياقة العقلية وخفة اليد من ستر أدلة إدانته وتدوير أمواله وتستيف أوراقه، ثم التلويح (عن بُعد) بورقة العفو لتواجه بموجة السخط الجماهيرى الشديد، موجة لم تكن فى صميم «سيكولوجيتها» موجهة ضد فكرة العفو كما يُتصور، بل كان لسان حالها «إذا كنتم تتعاطون بهذه الرخاوة و(الطراوة) مع المسألة الأم التى لا يختلف اثنان على خطورتها ومشروعيتها، فماذا أنتم فاعلون فى ما دونها من خفايا أو خبايا؟!».

قلتُ منذ قليل إن على رأس ساحتنا الآن خلقا من أروع و(أورع) من جادت بهم أقدارنا فى السنين الأخيرة، لكن هذا لن يمنعنى أبدا أن أسألكم عن أشياء إن تبدَ لكم تسؤكم، وقد تسوؤنا كثيرا إن تبدَ لنا.

لن يمنعنى، فمركب الوطن يكابد الأمواج العاتية والرياح النابية والحيتان الضارية و.........

بالمناسبة: (هو إنتو شغلتكو على المركب إيه ؟!!)

المصرى اليوم

Thursday, June 09, 2011

حسام عيسى: عودة أموال مصر المنهوبة وهم كبير


قال الدكتور حسام عيسى، رئيس لجنة استرداد أموال مصر من الخارج، إن السلطات السويسرية هي أولى الدول التى تعاونت مع اللجنة من خلال قرارها الجريء بتجميد أموال عائلة الرئيس السابق حسني مبارك عقب يوم واحد من مطالبة اللجنة بذلك، واصفا مسألة عودة الأموال المهربة من الخارج بأنه ''وهم كبير''.

وأضاف عيسى – خلال حواره في برنامج ''محطة مصر'' الذى يقدمه معتز مطر على فضائية ''مودرن حرية'' - أن الضغط السياسي هو أشد انواع ممارسة اللجنة لاسترداد الاموال، لافتا الى ان السفراء الأجانب كانوا يعلمون مدى الجرائم التى ارتكبها نظام مبارك.

وأضاف عيسى أن المخابرات المصرية تعلم حقيقة ثروات المسئولين الهاربين خاصة رجل الأعمال الهارب حسين سالم الذى حقق المليارات من خلال الاستيلاء على الأراضي فى شرم الشيخ، مؤكدا أن حسين سالم كان يمتلك شرم الشيخ باكملها، وان ثروته لا يمكن حصرها لضخامتها لكنها لن تقل عن 10 مليارات دولار.

وكشف عيسى أن ميزانية رئاسة الجمهورية بلغت 40 مليار جنيه، ومع ذلك فالجهاز المركزي للمحاسبات لا يملك التفتيش عليها واصفا ما حدث فى مصر يؤكد أننا نعيش فى دولة مملوكية لابناء مبارك وحاشيتهم.

وقال إن هناك أكثر من 12 ألف صندوق مخصصات مملوكة للدولة ومع ذلك لم يتم الكشف عنها أو الإشراف عليها من قبل الأجهزة الرقابية.

وقال الدكتور حسام عيسى، رئيس لجنة استرداد اموال مصر، إنه حدث تهريب رؤس اموال كبيرة فى الفترة التى تولى فيها أحمد شفيق رئاسة الوزراء، مؤكدا ان الحكومة السابقة خدعت الشعب بادعائاتها انها طلبت تجميد اموال اعضاء النظام السابق بالمخالفة للحقيقة قائلا ''خاطبت شفيق اكثر من مرة لتجميد اموال مبارك وحاشيته فى الخارج دون جدوى''.

وأضاف عيسى أن الضغط الشعبي على الدول الأجنبية هو فقط الذى يساعد على الكشف عن الأموال المهربة للخارج، مطالباً الدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء بانشاء صندوق لمساعدة أهالي ضحايا الثورة قائلاً ''ان الشعب المصرى سيواجه أزمة كبيرة فى حالة عدم النجاح فى استرداد امواله من الخارج لافتا الى ان تلك الأزمة تحيطها حالة كبيرة من الضبابية.

وقال ايمن سعد، عضو لجنة استرداد أموال مصر، أن ثروات الرئيس مبارك وعائلته ثروات غير مشروعة، مؤكدا أنه جمعها من مصادر غير مشروعة باعتبار أنه لم يعمل فى مجالات الصناعة أو الزراعة أو غيرها.

وأكد سعد أن ''مسئولين أجانب وسفراء الدول الأجنبية أخبرونا أكثر من مرة أن الرئيس مبارك وعائلته لا يملكون ثروات مشروعة مما أثار انتباه اللجنة''.

وقال إن جهاز المحاسبات كان متواطئاً مع نظام مبارك بدليل أنه لم يرفع تقارير الفساد إلا بعد 25 يناير مما يعد اهمالاً جسيما وتسهيل الاستيلاء على المال العام، مؤكداً ان الرئيس السابق مبارك لايزال يحكم حتى الآن ويسيطر على جهاز المحاسبات.

وطالب سعد جودت الملط رئيس جهاز المحاسبات بتقديم استقالته، قائلا إنه يشفق على الملط لانه يعمل تحت قيادة مبارك.

وأشار سعد ان القانون السويسري ينص على تجميد الأموال المهربة دون الحاجة إلى حكم قضائي أو طلب من الحكومة المصرية وهو ما سارعت سويسرا بتفيذه وكانت اولى الدول التى نفذت القانون وجمدت اموال اعضاء النظام، موضحاً أن سويسرا ليست دولة منتجة لكن سكانها يعيشون على الاموال المهربة من الدول الفقيرة والمودعة فى بنوكها.

وقال سعد ''ثورة يناير أصابت العديد من المسئولين بالكثير من الاضطرابات على اعتبار اننا لم نشعر طيلة الفترة السابقة بالحالة التى نعيشها الآن''، لافتاً إلى أن الجميع فى خدمة مصر وأنه لا يسعى لمنصب أو غيره.

وقال سعد انه يوجه نداءا لعصام شرف باتخاذ اجراءات حاسمة نحو انشاء صناديق للانفاق على المشروعات القومية وانه يجب اتخاذ قرارات ثورية

كتب – سامي مجدي: مصراوى

Monday, May 30, 2011

هويدا طه تكتب: الإخوان والمجلس والطريق إلى يوليو 2011

جمعة الغضب الثانية يوم 27 مايو كانت نقطة فاصلة بين مرحلتين في مسار ثورة 25 يناير، فقبلها كانت هناك "مسلمات".. تنتقل بالتواتر وليس بقياس علمي دقيق، وبعدها وُضعت تلك المسلمات في حيز التساؤل والاختبار.. إذن لم تعد "مسلمات"بل (مسائل)،على رأسها: سلطة المجلس العسكري، ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين

أولا: المجلس العسكري

في رسالته يوم الخميس رفع المجلس يده عن (حماية المتظاهرين) بانسحابه من ميدان التحرير وميادين المدن الأخرى، الرسالة حملت- بصراحة- تهديدا للمتظاهرين وتفويضا للمجرمين! لكن الثوار الرائعين الذين واجهوا جبروت مبارك والعادلي يوم 25 يناير ردوا عليه في صفحته الرسمية برسالة على شاكلة رسالته قالوا فيها بخفة ظل وثقة وتحد ووعي (الحامي ربنا يارجالة)! وقد كان!..

** نظم شبابنا الصغار سناً الكبار همةً يومهم.. قد لا يدركون الآن حجم الخدمة الجليلة التي قدموها لمصر بهذا اليوم.. فقد كشفوا العديد من أقنعة الزيف في مصر، أولها بطرح سؤال واضح وبسيط: لماذا يناقض المجلس العسكري نفسه؟ ألم يعلن منذ انضمامه للشعب في ثورته أنه ملتزم (بواجبه في حماية حق المصريين المشروع في التعبير عن رأيهم)؟ لماذا الآن يقول لهم (مليش دعوة؟!) أي مصريين كان يقصد ياترى بهذا الوعد؟! لماذا هدد المجلس شبابنا بل الشعب كله بأنه سيلقي بهم (فريسة) لهجوم (توهمه أو أوحى به) تخويفا وترهيبا؟ ففي الأيام السابقة مباشرة ليوم الجمعة ظلت الأخبار تتوالى بعضها من المجلس مباشرة وبعضها تخديما على رسالته (غير المقبولة).. عن هجوم محتمل لآلاف البلطجية على الميدان.. وعشرات من سيارات الإسعاف تستعد.. وتركيز لحماية المنشآت.. وغيرها من (إيحاءات) بمجزرة وفوضى عارمة ستحدث إن.. إن ماذا؟ إن (تمردتم) على (انفراد) المجلس بالحكم والقرار! هل يفهم من هذا التكثيف ضد شباب جمعة الغضب الثانية غير هذا؟ حسنا.. جاء اليوم بأشد ما تكون الأيام تحضرا ورقيا ونظاما.. أو بتعبير الكاتب الجميل وائل قنديل (غاب الإخوان والعسكر وحضر ضمير مصر).. لم ينفع إذن تهديد المجلس للشباب ومن خلفه الشعب.. فكانت نقطة تقدم للشباب ونقطة تراجع للمجلس.. الذي يصر على الانفراد بالقرار واستبدال وعده (تنفيذ مطالب الشعب) بفعل آخر هو (الوصاية على الشعب)،

** هذه الوصاية من المجلس عبر عنها اللواء ممدوح شاهين في مكالمته الشهيرة لتليفزيون (أون تي في) حين غضب من وصف المظاهرة بكلمة (حاشدة) وقال إن الاستفتاء كان استفتاءً على شرعية المجلس! وقال نحن لا نستجيب للضغط! إذن على الشعب أن يفهم من رسالة سيادة اللواء أن المجلس بعدم استجابته للضغط سوف (ينفذ اللي في دماغه)! فماذا يا ترى في دماغ المجلس؟!

** لا قراءة للنوايا هنا إنما قراءة للظاهر من السلوك.. أولا: المجلس رأى أن من حقه الالتفاف على نتيجة الاستفتاء فأسقطه واستبدله بإعلان دستوري لم يستفت عليه..ثم أنكر على أي قوة أخرى الحق في أن ترفض هذا الالتفاف وتطالب بإعادة النظر! إعادة النظر إما في الاستفتاء نفسه وقد شابه ما شابه من نواقص أو إعادة النظر في التفاف المجلس ومناصريه على الاستفتاء المعيب! المطلوب هو الخرس التام إذن وليفعل المجلس (الوصي على العرش) ما يشاء! هذه ليست إلا.. وصاية!

ثانيا: المجلس يصر على إصدار قوانين تصب كلها في غير صالح (عموم الشعب) ولا يستفيد منها إلا فئة وحيدة لا تعبر عن كل الشعب ولا عن مصر التي عرفها التاريخ.. من تلك القوانين التي لم يؤخذ فيها رأي أي قوة سياسية في البلاد ولم تعرض لنقاش مجتمعي بشأنها.. قوانين مباشرة الحقوق السياسية والانتخابات وتصويت المصريين في الخارج وتجريم الاعتصام والتظاهر وقانون مصالحة رجال الأعمال (أو تدليلهم) وغيرها كثير من قوانين يؤسفنا حقا أنها كلها- وهذا باد للعيان- ضد عموم الشعب! ومع هذا يغضب المجلس عندما يعبر أحد عن استنكاره لهذا الإهمال المتعمد لمطالب الشعب.. بل ويحاكم بعض المنتقدين عسكريا ويلقي بهم في السجون.. بينما هو- المجلس- وكذلك الجميع يعرف بداهة أن انتقاد سلوك المجلس لا يعني انتقادا للجيش الذي يحبه المصريون ويحترمونه! الخلط المتعسف بين الجيش والمجلس هو بصراحة إرهاب لمن ينتقد المجلس، وتلك وصاية.. غير مقبولة!

** ولعل غضب المجلس من جمعة الغضب الثانية جاء لسبب آخر كذلك إضافة إلى استنكاره أن (يتمرد) الشباب على سلوكه المنفرد بالقرار، غضب المجلس بسبب(فشل توقعاته) وتوقعات أعوانه! فقد توقعوا أن إرهابهم للشعب بالحديث عن مجازر سوف تقع في الميدان أو عن كفار سوف يتظاهرون بالميدان.. سوف يقلل حجم المظاهرات إلى الدرجة التي تقر لهم إلى غير رجعة (الانفراد) بتخطيط المستقبل.. فإذا بحشود الشعب في معظم المدن تفاجئهم.. وتفاجئ أعوانهم! فغضبوا!

** أصبحت تلك الحشود إذن قوة ذات وزن تواجه المجلس بأهم تساؤل بينه وبينهم: لماذا كل تلك الحماية للمخلوع وأسرته ورجاله؟ لماذا كل هذا التباطؤ المستفز؟ لماذا يتعالى المجلس على الرد على اتهامات من هنا وهناك تقول- وأحيانا بمستندات كما ذكر بلال فضل في أحد مقالاته-إن تجميد أموال مبارك وعائلته لم يتم على خلاف ما أعلن، بل وفي الميدان تساءلت الناس هل مبارك فعلا موجود في مصر؟! هل العادلي وجمال وعلاء محبوسون فعلا؟ وكيف نتأكد؟.. نحن لم نر ولا صورة واحدة لأي منهم في محبس أو في قفص! لماذا لا يسمحون بتصوير هؤلاء الناس في المحاكم؟ هل مازال هناك درجة ما من الولاء لهم؟ إذا كان هناك درجة من الولاء أو الحماية لهم فهذا ببساطة.. خطر على الشعب وحقوقه!

** ثم هذا التآلف والود الواضح بين المجلس وفئة واحدة من الشعب هي جماعة "الإخوان المسلمون".. لماذا يأتي دائما على حساب (عموم الشعب المصري)؟!.. بل ما نوع ذلك (التوافق) بينهما؟ يحق للمصريين السؤال ويجب على المجلس بحكم وجود السلطة بين يديه أن يجيب.. المجلس ليس أعلى من الشعب.. بل الشعب هو من وضع المجلس هناك.. مجرد تذكير.. ذكر لعل الذكرى تنفع!

** السؤال الأكثر الحاحا الآن.. هل استمع المجلس لهذه التساؤلات؟ هل وصلته؟ إذا وصلته ولم يهتم ولم يبادر ليثبت العكس فهو إذن مازال محل تساؤل.. وإذا لم تصله.. فالحشود التي أغضبته يوم جمعة الغضب الثانية سوف تتضاعف في المرات القادمة! والأيام بيننا!

ثانيا: الإخوان المسلمون

** الحديث عن الجماعة هنا هو حديث باعتبارها قوة سياسية، أما دورها الثقافي فمجاله مقال آخر، أبرز ما يلاحظ عن علاقة الجماعة بالمجلس العسكري هو ذلك التحالف ضد رغبات (عموم الشعب المصري)! تحالف يستدعي في ذاكرة المصريين العودة إلى الوراء تسع وخمسين سنة! إلى عام 1952 حين قام تنظيم الضباط الأحرار بانقلاب عسكري.. وكان ضمن الضباط الأحرار بعض الإخوان المسلمين إلى جانب آخرين شيوعيين وليبراليين وغيرهم من تيارات سياسية في ذلك الزمان، بدأت العلاقة حميمة بين الإخوان و(مجلس) قيادة الثورة! ثم جاء حادث المنشية الذي انقلب فيه الإخوان على المجلس فقلب المجلس عليهم طاولة الحكم وبدأ العداء المبين بين الإخوان وثورة يوليو والذي استمر حتى 24 يناير! نعود الآن إلى الحاضر..

** في رأي الكثيرين لا يريد الإخوان قلب الطاولة عليهم ولا يريد المجلس حادث منشية جديدا! وكلاهما على الأقل كما استشعر كثير من المصريين يريد (تطويع الثورة) لصالحه.. لكن كل منهما لا يستطيع ذلك منفردا ويريد معينا على ذلك.. أمام شعب قام بثورة ثبت منها بما لا يدع مجالا للشك أنه في عمومه شعب واعٍ يصعب على قوة منفردة.. خداعه! المجلس اعتقد منذ اللحظة الأولى أن الجماعة (تمتلك ناصية الشارع) وهذا هو الوهم الذي (عاشت عليه) الجماعة سنينا! حتى صدقها خصومها وصدقها كذلك.. المجلس! والجماعة اعتقدت أنها لن تلدغ من ذات الجحر مرتين وبالتالي لن تعادي المجلس حتى تجني كل ما تستطيعه من مكاسب! فبدأ (الغزل) بينهما على عينك ياتاجر وعلى مرأى من الشعب وسمعه! أول مظاهر (الغزل) بين المجلس والإخوان كانت لجنة التعديلات الدستورية! التي كانت سلطة اختيارها بيد المجلس فاختار لجنة جاءت إخوانية بامتياز! تلك كانت البينة الأولى! ثم صمت الإخوان على التفاف المجلس على نتيجة الاستفتاء عندما اسقطه فعليا بإصداره إعلانا دستوريا لا يمت بصلة للاستفتاء! ثم سموا الأشياء بنقيضها وإياكم والاعتراض.. فسموا (تجاهلهم) لإرادة الشعب (خضوعا) لإرادة الشعب! ويستمر التحالف بينهما.. فيصدر المجلس قوانين لا يستفيد منها إلا الإخوان أو الأثرياء! فيروج لها الإخوان.. الأثرياء! بينما هي قوانين لا تقابل ولو في منتصف الطريق المطالب الاجتماعية لشعب قام بثورة من أجل العدالة الاجتماعيةوليس من أجل تحسين وضع جماعة الإخوان! قوانين تمهد الطريق لتقاسم السلطة بينهماإلا إذا.. إلا إذا طمع أحدهما في أكثر مما يعنيه منطق التقاسم! وحينها لا قدر الله ربما نشهد نسخة 2011 من.. حادث المنشية!

** جاءت جمعة الغضب الثانية فاصلة بحق حيث عبرت عن (حرب إثبات القوة في الشارع) بين الإخوان الذين ظلوا يتحدثون عقودا وبغطرسة متناهية عن (ملكيتهم التامة للشارع).. وبين القوى السياسية الليبرالية واليسارية الأخرى التي كانت حتى دعوتها الشجاعة لذلك اليوم خائفة من وهم ملكية الجماعة للشارع.. قامرت تلك القوى وقاطرتها شباب يرفض (الدخول في بيت طاعة المرشد واللواء) وحشدت ليوم الجمعة، وأذكركم أنه حتى منتصف الليل يوم الخميس كانت قيادات الإخوان تظهر في القنوات المختلفة مبدية سخرية من الشباب بل وأحدهم قال (لنرى من سيؤازركم)! ووزعت الجماعة بيانا بعنوان (جمعة الوقيعة) ظهر فيه النفاق للمجلس بأقصى ما يكون النفاق! وحذرت وتوعدت بتكفير وتخوين من يشارك في تلك الجمعة.. كانوا جميعا على يقين حتى ذلك اليوم أن الشعب المصري هو (قطيع) عصا قيادته في أيديهم! ثم جاءت الجمعة الفاصلة، وفي الإسكندرية(معقل الإخوان!) كانت الناس تردد في هدير بالغ هتاف:"لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة إنسان"، كم كانوا بلغاء في هتافهم هؤلاء الشباب! وبعد ذلك اليوم الذي أعاد الثقة بالنفس إلى شباب رفض أن يكون قطيعا يسوقه المرشد واللواء.. حتما ستكون هناك إعادة تقسيم للقوى.. لكن المدهش حقا كان موقف الإخوان الغاضب إلى درجة الهيجان من نجاح الشباب بدون قوتهم المزعومة.. كان يشبه تماما موقف الحزب الوطني المقبور وذيوله! إنكارٌ فإنكارٌ فإنكار!

** ولم يكن يوم الجمعة الفاصلة تلك كاشفا فقط لقوة الإخوان السياسية في الشارع.. بل كشف أمام المجتمع المصري مدى فاشية تلك الجماعة.. والحق يقال أنهم هم بأنفسهم قدموا لمصر خدمة جليلة بالعمل على كشف عنجهيتهم وعقليتهم المستبدة الإقصائية.. فجندوا خير من يمثلهم (ويمثل بهم!) في ذلك المجال.. الأستاذ صبحي صالح! فمهما حاول المناوئون للجماعة كشف سلبيات تلك الجماعة أمام المجتمع لم يكن لينجح أحدهم بمثلما نجح ممثلهم العظيم في هذا! فهذا الرجل تطاول على فتيات مصر ونساءها (غير الأخوانيات أو الأخوات) ووصفهن بأنهن في (مرتبة أدنى) من الإخوانيات اللاتي رباهن سيادته في حظيرة الجماعة! ثم حاول التخفيف فاعتذر، ثم حاول التراجع عن الاعتذار فقال إنه كان (بيهزر!) ثم توج فعلته في برنامج العاشرة مساء حين وصف فتيات ونساء مصر غير الإخوانيات بأنهن.. بنات رصيف! هذا الرجل كان ضمن من اختارهم المجلس للجنة التعديلات الدستورية! وهو ما جعل البعض بعد ان استمع إليه يقول ضاحكا (يافضيحتك يا مجلس!)، وغير تلك الحادثة أظهر نفاق الجماعة للمجلس العسكري (عمال على بطال) أمام عموم الناس- حتى من كانوا يتعاطفون معهم أيام (ذريعة الاضطهاد)- كم هم منافقون وانتهازيون يخططون للاستحواذ على مصر عن بكرة أبيها!

** لكن المجتمع المصري ليس غبيا! هل سمع أحدكم عن قيام الإخوان بتنظيم إضراب عمالي واحد مثلا على مدار ثمانين عاما هي عمر الجماعة؟! هل سمع أحدكم أياً من قادة الإخوان الأثرياء يتحدث عن (عدالة اجتماعية) أو (إنصاف الفقراء) أو حقوق المرأة أو حقوق الإنسان أيا كان؟! لطالما كان هؤلاء الناس يتحدثون عن جماعتهم وحقوق جماعتهم واضطهاد جماعتهم وكأنهم دولة داخل الدولة.. كذلك لا يُعرف الكثير عن مصادر تمويل هذه الجماعة التي تنفق الملايين، إنهم لا يختلفون عن الحزب الوطني المقبور في شيء سوى أنهم أشد بأسا وقسوة على الفقراء في برنامجهم ورؤيتهم للدولة القادمة! الفقير حقه عندهم (الإحسان من الأغنياء) وليس (تعديل ميزان الثروة) بين المواطنين! قد يثور سؤال إذن لماذا يتبعهم آلاف المصريين ويتعاطفون معهم وخاصة الفقراء؟! ذلك أنهم أيها السادة يشهرون سيف الدين في وجه كل مُطالب بدولة للجميع! ذلك أنهم أيها السادة يتسلحون بأداة استحلاب العواطف الدينية لدى الناس! ذلك أنهم كانوا يتاجرون باضطهاد خصمهم القديم لهم الذي كانوا يصارعونه على السلطة! ولعلكم شاهدتم الأستاذ صبحي صالح وهو يصرخ محمر الوجه منتفخ الأوداج في مؤتمر العباسية الشهير قائلا:"لن نسمح لأي قوة أن تحرمنا من (ثمرة الثورة) نحن الذين اضطهدنا لن نسمح لن نسمح"! لكن هل يستمر تعاطف المصريين معهم بعد أن (تكالبوا) على الثورة والمجلس بهذا الشكل المكشوف؟ أحد الشباب علق على افتتاحهم لمقرهم الفخم في المقطم قائلا: هذا المبنى سيحرقه المصريون في ثورتهم القادمة! المصريون إن آجلا أو عاجلا وأظنه قريبا سوف ينحازون لمن يطالب لهم بالعدالة والكرامة والإنصاف والنصيب العادل في ثروات البلاد في الدنيا.. وإلا لماذا احتشدوا يوم جمعة الغضب الثانية رغم ضغط الإخوان في اتجاه تكفير كل من يشارك فيها؟!

** تذكروا أن ثورة 25 يناير عندما نودي إليها فإن الإخوان لم يكتفوا بإعلان رفضهم المشاركة فيها بل عرضوا على نظام مبارك المساعدة حتى لا تقوم الثورة! وهذا كله موثق والإخوان وُدهم لو أخفوا تلك الوثائق الآن لكن أنى لهم أن يستطيعوا ذلك! وعندما بدأت تباشير النجاح للثورة قفز عليها الإخوان قفزا وصوليا إلى أقصى درجة.. حتى أن الدكتور عصام العريان وفي استخفاف بعقول الناس قال إن الإخوان كانوا يجهزون للثورة منذ عام 2004! مع أنه هو نفسه صاحب التصريح الشهير يوم 24 يناير بقرارهم عدم المشاركة! وبالطبع كل قادة الإخوان الذين فتحت لهم كل أبواق الإعلام المنافق بدوره كذلك راحوا يشهرون على الملأ ملكيتهم للثورة وهم على يقين مغرور بأن ذلك لن يستفز أحدا وأن (الوضع مستتب لهم)! لكن ورغم رفض موقف الجماعة وقادتها لا ينبغي أن ننكر دور شباب الإخوان في تلك الثورة.. فهم شباب مصريون وطنيون ورائعون رفضوا الانصياع لأوامر المرشد واجبة الطاعة في عرفهم.. وشاركوا في الثورة بأحلامهم لمستقبل أفضل وشاركوا مع الآخرين بالدم حتى تنجح تلك الثورة، هؤلاء الشباب من حقهم أن يكونوا متدينينوهذا جق بديهي ولكن من حقهم ايضا الحلم (بتطهير الجماعة) من قادة لا يهمهم الوطن بقدر ما يهمهم دولة الجماعة! نفس هؤلاء الشباب حينما استجابوا لنداء الوطن وشاركوا في جمعة الغضب الثانية.. رغم أنف قادة الجماعة الذين حذروهم بل حذروا الشعب كله من المشاركة ورفعوا في وجهه سيف التكفير.. هؤلاء الشباب حنق عليهم القادة ففصلوا بعضهم من جنة الجماعة وأعلنوا أن الجماعة ليس لها ممثلون في الائتلاف الذي نظم تلك الجمعة! بدا ذلك (عينة) مما يمكن أن يفعلوه مع (المواطن) إذا كانت سلطة حكم البلاد في أيديهم! فتلك الجماعة كما أن مصطلح العدالة الإجتماعية (مكروه) في قاموسهم كذلك مصطلح الثورة لا يروقهم! لأن الثورة تعني أن هناك مطالب تطالب بها (جموع الشعب) وهم لا يريدون تحقيق مطالب تلك الجموع إنما يريدون تحقيق مطالبهم هم مطالب الجماعة ولو على حساب تلك الجموع!

** ما الخلاصة إذن من هذا الاستعراض لجزء من مسلسل (انكشاف الجماعة) وسقوط قناع تقواها أمام المجتمع؟ الخلاصة أن هناك الآن قوتين تسلبان حق الشعب المصري في التعبير عن رأيه وحقه في الاختيار وحقه في العدالة.. إحداهما قوة انتهازية كما هو معلوم من تاريخها ولا رجاء فيها هي قوة جماعة الإخوان والأخرى هي قوة المجلس العسكري.. وتلك الأخيرة قوة فيها الكثير من الرجاء رغم كل ما بدر منها! فإذا التمسنا للمجلس العذر في تخبطه في المرحلة الأولى فإننا وبعد جمعة الغضب الثانية.. نأمل منه أن يدرك أن هناك داخل حدود مصر شعب كامل عريق يعيش هنا وليس جماعة! وأنه مازال بيده استثمار حب الشعب للجيش من أجل صالح (عموم الشعب) والتراجع عن ميله الذي لا تخطئه عين لجماعة لا تمثل عموم الشعب المصري.. ونقترح عليه إعادة النظر في كل ما اتخذ من تدابير سابقة والاستماع إلى صوت الشعب.. صوت الشعب يا مجلس مازال يقول (الجيش والشعب إيد واحدة) وليس المجلس والجماعة إيد واحدة! أما تهديد الجماعة بأنها (لن تسمح بحرمانها من ثمرة الثورة) فهو تهديد نمر من ورق! الشعب ببساطة سيقف وراء من يحمي مصالحه وليس وراء من يحمي مصالح جماعته! والشعب يريد العدالة! يريد مساندتك يا مجلس ضد خصومه من الانتهازيين ومصاصي الدماء وليس تحالفك معهم!

** نقترح على المجلس إذن ومن واقع ما نسمع من (عموم الشعب) فك هذا الارتباط! والتعامل مع جماعة الإخوان باعتبارها إحدى القوى السياسية الموجودة في الشارع المصري، والإعلان عن تكوين جمعية تضم (كافة) القوى السياسية الصغيرة منها والكبيرة لوضع دستور جديد للبلاد.. تضم الجمعية ممثلين ليس عن القوى السياسية فقط ولكن عن النقابات والهيئات والاتحاداتوالأدباء والمثقفين والإعلاميين والمهنيين وحتى الأزهر والكنيسة.. ويرأسها كبار فقهاء الدستور الذين تشرف بهم بلادنا.. ويوضع دستور جديد أو تناقش الدساتير التي وضعت أصلا ولم يعرها النظام السابق أي اهتمام.. تناقش كل مادة فيه على حدة أمام الشعب وفي جميع وسائل الإعلام، ثم يطرح الدستور الجديد لاستفتاء عام بعد أن يهضمه جيدا الرأي العام بمختلف مستوياته الثقافية، تليه انتخابات برلمانية ثم رئاسية حسب القواعد التي أقرها الدستور الجديد.. وليس عيبا أن يتراجع المجلس فهذا هو الخضوع الحقيقي لإرادة الشعب.. إن كان هناك أصلا ثمة اكتراث بها..

الجماعة

** بهذا يستجيب المجلس لرغبات عموم الشعب بدون إقصاء لأي من قواه بما فيها الإخوان وغيرهم من التيارات الدينية والسياسية.. وتتحقق العدالة لهذا الشعب الذي مازال يتطلع بأمل إلى مجلسه الأعلى حتى وهو يكظم غيظه من استعلاءه المستفز..وكتمهيد لهذا التغيير في أسلوب المجلس عليه أن يتودد إلى الشعب بالسماح بتصوير جلسات المحاكمة لكل مجرمي النظام السابق بمن فيهم ال

مخلوع وأسرته.. مبارك ليس أغلى من الشعب المصري.. هذا فقط للتذكير..

** أما إذا استمر المجلس لا يرى إلا تلك على حساب الشعب المصري فإن المستقبل لا يبشر بخير.. فإما الشعب ينفذ صبره ويغضب غضبا أشد في الأيام المقبلة بسبب هذا الغياب العمدي للعدالة.. وإما توغل الجماعة في غيها وتطمع في المزيد فيفيق المجلس على عدم قدرته مسايرة اطماعها فتجد مصر نفسها أمام سيناريو قديم يتجدد ببلاهة! مع الفارق.. كان في يوليو 1954 رجل مثل عبد الناصر! وفي جميع الأحوال ستدفع مصر الثمن غاليا! فلماذا يا مجلس نعرض مصر وشبابها الرائع لهذا المصير؟ لديك مازال الوقت.. فاسمع للشعب.. وتذكر هتاف الشباب في ساحات المدن المصرية.. فهو رسالة إليك بأكثر منه هتاف في مظاهرة.. "لاسلفية ولا إخوان.. ثورتنا ثورة إنسان

الدستور الأصلى

Monday, May 02, 2011

لماذا تخاف إسرائيل من البرادعى؟

لامنى صديق لأننى أعلنت فى أكثر من موضع تأييدى المبكر للدكتور محمد البرادعى كمرشح رئاسى فى الانتخابات الرئاسية القادمة، قائلا إنه كان يتوقع منى أن أكون حياديا، وفوجئت بأن عددا من القراء يشاركون صديقى فى هذا اللوم، نظرا للاعتقاد الشائع لدى البعض أن كاتب الرأى يفترض به أن يعبر عن آراء القراء، مع أن كاتب الرأى لا يفترض به أبدا أن يكون حياديا بل يجب أن يكون منحازا لموقف ما فى جميع القضايا المطروحة، تاركا للقارئ حق الاقتناع برأيه أو رفضه أو حتى لعنه.

أيوه، أنا أحب الدكتور محمد البرادعى، وأؤيده كمرشح رئاسى ليس لأنه لعب دورا فى اندلاع الثورة لا ينكره إلا جاحد، فالثورة أكبر وأعظم من أن تُنسب إلى شخص أو إلى جيل أو حتى إلى ميدان بعينه، بل أؤيده لأننى أرى أنه يمكن أن يقدم الكثير لمصر من خلال المشروع الحضارى الشامل الذى يمتلكه، وبفضل رؤيته العالمية التى يمكن أن تضع مصر فى المكان الذى يليق بها، لأننى أعتقد أن جزءا من خلاص مصر يكمن فى أن يتخلى قادتها عن محليتهم المفرطة ورؤيتهم الضيقة.

بالطبع من حقك أن تختلف معى حول رؤيتى للبرادعى ومشروعه، من حقك أن تكرهه أو تعارضه وتنحاز لأى مرشح رئاسى آخر، خاصة والساحة أصبحت ملأى بالمرشحين الرئاسيين المحترمين والحمد لله.

من حقك أن تعتبر إقامته خارج مصر لفترة طويلة عيبا ينتقص منه، مع أننى أراه ميزة تحسب له لأنها تجعله قادرا على رؤية مشاكلنا بشكل مختلف ربما كنا أحوج إليه الآن.

من حقك أن تراه فاقدا للجاذبية والكاريزما، مع أن ذلك تحديدا ما يشدنى إليه أكثر من كل مرشح يمتلك جاذبية ربما فرحنا بها الآن وبكينا بسببها غدا عندما تصنع منه الجماهير طاغوتا جديدا.

من حقك أن توجه أى اتهامات موضوعية للرجل، لكن ليس من حقك أن تصيب هذا الرجل بجهالات ظالمة ترددها دون أن تتبين من مصدرها أو تناقشها قبل أن تتبناها، كأن تردد مثلا أنه لعب دورا فى تدمير العراق، مع أنك لو دخلت إلى شبكة الإنترنت وبذلت بعض المجهود لوجدت نصوصا مصورة ومترجمة تعرض مواقف الرجل المشرفة التى وقف فيها ضد الجبروت الأمريكى وقفة أكسبته احترام العالم المتقدم الذى لا يؤمن بالعنعنة والإشاعات، أو أن تردد ما يقوله بعض المغرضين عن كون البرادعى جزءا من مخطط إسرائيلى لحكم مصر، مع أنك لو بحثت فى مواد الصحف الإسرائيلية المترجمة عن العبرية لعرفت أن إسرائيل ربما تكون مرتاحة أكثر لمرشح رئاسى يشيع البعض أنه عدو إسرائيل، لن أقول لك اسمه، ابحث بنفسك واعرفه،

هنا تحديدا أدعوك لقراءة ما أرسله لى الباحث المصرى الذى يدرس الماجستير الآن فى الولايات المتحدة الدكتور على سامى مجاهد عن رأى فى الدكتور البرادعى أعلنه مثقف شهير معاد للصهيونية، وهو واحد من أعدى أعداء إسرائيل فى العالم، لعلك تستفيد منه بعض الشىء وأنت تبنى رؤيتك للرجل، ولعلها تكون فرصة لكى تحاول البحث عن إجابات بنفسك لجميع الأسئلة التى قد تثور فى ذهنك بعد قراءة هذه الرسالة.

يقول الدكتور على سامى مجاهد فى رسالته: «الغرض من كتابة هذه السطور هو نقل ما سمعته وتناقشت فيه مع الدكتور نورمان فنكلستين، قد يتهمنى البعض بأنى أروج للدكتور البرادعى فى صراع رئاسة الجمهورية، ولكنى أؤكد أن هذا ليس غرضى الأساسى هنا، وإنما غرضى هو توصيل وجهة نظر ورؤية أحد أهم العلماء والمناضلين فى العالم فيما يتعلق بمسائل الشرق الأوسط السياسية بصفة عامة، والصراع الإسرائيلى الفلسطينى بصفة خاصة.

ونورمان فنكلستين، لمن لا يعرفه، هو أستاذ علوم سياسية يهودى، أُحرق والداه وكثير من أفراد عائلته فى الهولوكوست، وعلى الرغم من ذلك فـهو من أكثر المدافعين عن القضية الفلسطينية فى العالم، ويؤكد دائما أن ما حدث لعائلته يحتم عليه أكثر أن يكون ضد الإرهاب الذى تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى، على حد قوله، وفى هذا السياق، أعتقد أن هذا الرجل من المؤكد أنه قدم للقضية الفلسطينية أكثر كثيرا من الكثير من العرب والمسلمين فى آخر عشر سنوات على الأقل. هذا المقطع أحد المقاطع المعبرة عما أقول هنا:

http://www.youtube.com/watch?v=zgzVE-PzCaY&playnext=1&list=PL0AD720549C1...

وقد كنت محظوظا أن حضرت محاضرة له هنا فى جامعة جورجيا تك (حيث أدرس للحصول على الدكتوراه)، بل كنت محظوظا أكثر أن أتيحت لى الفرصة للتحدث مع الرجل لمدة حوالى نصف ساعة.
أما عن المحاضرة فقد كانت محاضرة رائعة، لخص فيها رؤيته المنطقية للغاية للصراع الإسرائيلى الفلسطينى خلال آخر أرْبع سنوات، وعلى الرغم من أهمية ما قاله ﺇلا أنه ليس الغرض من هذا المقال، ولكن استوقفنى شىء قاله، وكان محور حديثى معه بعد المحاضرة، وهو ما أردت أن أشرككم معى فيه هنا. فقد قال الدكتور فنكلستين أثناء تحليله لمستقبل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى إنه يرى أن أكبر تهديد لإسرائيل حاليا خصوصا فى خضم الثورات العربية هو وصول الدكتور البرادعى للسلطة فى مصر قائلا بالنص فى محاضرته «البرادعى لمن لا يعرفه هو الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية، وهو نفس الشخص الذى وقف بمنتهى الشجاعة أمام الولايات المتحدة ﺇبان محاولاتها أخذ الشرعية الدولية لغزو العراق، وقال إنه ليس هناك أى دلائل لوجود أسلحة دمار شامل هناك.

هذا الرجل أنا أعرفه جيدا وأعلم أنه بالإضافة إلى أنه سياسى محنك، هو شخص ذو مبادئ ومستقل، وقد كان ذلك أيضًا واضحاً فى تصريحاته أثناء اشتراك مصر فى محاصرة غزة. لذلك فوصوله للسلطة فى مصر سيعطى مصر الاستقلالية، التى ستجعلها تقف دبلوماسيا ضد مصالح إسرائيل، وهذا آخر شىء يريدونه هناك. فـإذا أضفنا البرادعى مع حسن نصرالله نجد إسرائيل فى موقف خطير لم يحدث لها من قبل فى السنوات الأخيرة على الأقل.

ولكن دعونى أؤكد مرة أخرى، طريقة نصر الله تختلف تماما عن البرادعى، حيث يؤمن الأول بما يسميه المقاومة المسلحة، بينما الآخر سياسى محنك يؤمن بالمواقف الدبلوماسية الاستقلالية والديمقراطية الشعبية، وهذا اختلاف واضح بينهما، ولكن لا ينفى أنهما يشتركان فى كونهما تهديدا لمصالح إسرائيل».

الحق أننى على الرغم من أن كلامه أسعدنى بمدحه فى مواطن مصرى قبل أى شىء، فإنى قد شعرت بالأسى والحزن والخزى والعار عندما قال شهادته على موقف البرادعى من حرب العراق (وهنا مفارقة غريبة، لأن الحديث لم يكن عن حرب العراق البتة، ولم يكن أساسا على مصر بأى طريقة مباشرة). قطعا تعلمون سبب حزنى، فى أن أسمع شهادة فخر واعتزاز بعالم مصرى، على بعد آلاف الأميال عن مصر من شخص أمريكى، وأرى علامات الإعجاب والتقدير على وجوه الحاضرين من مختلف الجنسيات، وفى نفس الوقت كنت قد تناقشت وقرأت من قبل وأعلم رأى الكثير من أبناء وطنى الذين لم يزالوا مخدوعين ومصدقين لصورة الرجل المضللة التى شوهها إعلام النظام البائد!!! بل لقد رحت أفكر ماذا سيكون رد فعل الدكتور نورمان وكل الحاضرين لو قلت لهم إن كثيرا من المصريين يعتبرون الرجل «عميلا أمريكيا» أو «هو اللى دخَّل أمريكا العراق»، على حد قولهم، وغيرها من الاتهامات السخيفة والمستفزة.

المهم أننى حاولت، بعدما سمعت كلامه هذا، أن أتناقش معه بعد المحاضرة، وقد نجحت فى ذلك كما وضحت سابقا، فبعدما شكرته على محاضرته، وعرّفته بنفسى، سألته عن رأيه فى البرادعى بالتفصيل، فقال: «الحقيقة أن البرادعى من أكثر الشخصيات التى عرفت احتراما، هو سياسى محنك، بارع فى المفاوضات، لديه عزة نفس، وثبات على المبادئ غير عادى، أعتقد أنه قادر على قيادتكم للريادة والتقدم بكل تأكيد، بالإضافة إلى أنه من المؤكد أن يعيد عزة النفس والكرامة المصرية التى أهدرت مع الأسف، ولكن دعنى أسألك أنا بما أنك تبدو لى متابعا جيدا وشابا متحمسا: ماذا ترى من فرص الرجل فى الفوز فى الانتخابات؟»، رددت قائلا إننى حتى هذه اللحظة، مع الأسف، أرى فُرصه ضعيفة بسبب تشويه إعلام النظام البائد لصورته بالإضافة لجهل غالبية المصريين بحقيقة الرجل التى تفضلت سيادتك بتوضيحها، أيضًا فإن بعض المصريين يرونه غير ملم بأحوال مصر، مع اختلافى معهم بالطبع،

فرد الرجل قائلا: «هذه خسارة بكل تأكيد، لأنى على الجانب الآخر أستطيع أن أؤكد لك أن الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية ستفعلان كل ما بوسعهما لضمان عدم وصول هذا الرجل للحكم، بل إنى أجزم لك أنهما تلعبان من وراء الستار الآن مع بعض قياداتكم وآخرين من أجل الغرض نفسه»، سألته: «هل تعتقد هذا فعلا، أم أنك تبالغ قليلا؟» فـرد قائلا: «قطعا، بل دعنى أزيدك، لو أن الولايات المتحدة خُيّرت بينه وبين الإخوان المسلمين فسيختارون الإخوان بلا تردد، وأنا بالطبع أعلم أن الإخوان لن يقدموا مرشح رئاسة، ومستبعد أن يصلوا للحكم هذه المرة على الأقل، لكنى أقول لك ذلك للتوضيح».

سألته بعد ذلك: «ما رأيك لو تولى عمرو موسى، الأمين ال....»، قاطعنى فورا قائلا بحدة: «عمرو موسى، أو أى شخص له علاقة بجامعة الدول العربية من قريب أو بعيد، لا يصلح لأى شىء، وسوف أكون حزينا لكم ولقضايا المنطقة لو حدث ذلك، دعنى أقل لك بوضوح أكثر، عمرو موسى الشىء الوحيد الذى سيجعله يختلف قليلا عن مبارك هو أنه أصبحت هناك إرادة وحراك سياسى شعبى فى مصر، سيمنع أى استبداد شبيه بعصر مبارك. كلامى هذا ينطبق أيضًا على أى اسم من النظام السابق، وأعتقد أننا جميعا رأينا موقف موسى المتخاذل للغاية أيام حصار غزة، والذى كان يستطيع فعل شىء بخصوصه!».

بقى أن أذكر أن الرجل كان ملماً بالوضع والتطورات عندنا فى مصر بشكل فاق حدود تصورى، فقد سألنى مثلا: «ماذا حدث اليوم بالمناسبة؟ هل نجحت دعوة شباب الثورة لمليونية التطهير؟» (حيث كان اللقاء فى مساء الجمعة يوم الأول من أبريل)، وغيرهما من الأسئلة المتفحصة (وكان فى الحقيقة يسمعنى باهتمام وتواضع أبهرنى أيضًا)، أُشهد الله أننى اجتهدت قدر استطاعتى فى نقل كلام الرجل بدقة وصدق.

وفى النهاية، أختم بأكثر ما أسعدنى مما سمعت منه حيث قال لى ما ترجمته هنا إلى العامية «تعرف أنا بقالى 15 سنة بادّى محاضرات زى دى، وكنت بقابل عرب كتير جدا، بس للأسف نادرا جدا ما كنت بقابل مصريين، إنما بعد ثورتكم، فى آخر كام محاضرة لى، لاحظت تواجد قوى ومكثف للمصريين واهتمام واضح منهم، أنا سعيد لأنى حاسس إن العزة رجعت لكم، تهنئتى لكم يا مصريين».


بلال فضل - المصرى اليوم

belalfadl@hotmail.com


ماذا يريد السلفيون؟ا


احترنا مع السلفيين بحيث لم نعد نعرف ماذا يريدون بالضبط، ولا ما هى نسبة الحقيقة أو الزيف والادعاء فيما ينسب إليهم؟. كما اننا لم نعد نعرف ما إذا كان الصحيح الذى ينسب إليهم يعبر عنهم فى مجموعهم أم أنه ممارسات أفراد أو فصيل بينهم، وهل هم حقا تشكيل واحد أم فصائل متعددة بعضها فى الإسكندرية والبعض الآخر فى القاهرة، فى حين أن ثمة بعضا ثالثا فى صعيد مصر؟

رأيت أعدادا غفيرة منهم يوم الجمعة الماضى ترفع لافتات تتحدث عن السيدة كاميليا شحاتة، القبطية التى أثير لغط حول تحولها إلى الإسلام ثم عودتها إلى المسيحية ثم اختفاؤها بعد ذلك. وتواترت أنباء الصحف التى تحدثت عن نزاعهم مع وزارة الأوقاف حول منبر مسجد «النور» الذى يصرون على أن يكون خطيب الجمعة فيه من جماعتهم. كما ذكرت الصحف أن سلفيين قاموا بهدم بعض الأضرحة فى محافظتين بالدلتا، بحجة أنها بِدَع يتعين ازالتها.

أما الشائعات المثارة حولهم فحدث فيها ولا حرج. فتارة هم يريدون تطبيق الحدود الشرعية من جانبهم، واخترع الإعلام أن ثمة «حدًا» يقضى بقطع الآذان، وان حادث الاعتداء الذى أصيبت به أذن أحد الأقباط فى قنا له أسبابه الأخلاقية هو جزء من ظاهرة وصفها بعض المهيجين بأنها حملة لتقطيع آذان الأقباط. وأشيع فى وقت متزامن أن السلفيين سيخطفون الفتيات غير المحجبات من الشوارع وينقلوهن إلى أماكن مجهولة لإعادة «تأهيلهن». كما أشيع أنهم هم الذين حركوا الجماهير فى محافظة قنا للاحتجاج على تعيين محافظ قبطى لها... إلخ.

أدرى أن مثل هذه الشائعات يروج لها المهيجون والمتصيدون والمتعصبون، لكن الصورة التى قدمت بها ممارستهم فى وسائل الإعلام أشاعت انطباعات سلبية عنهم سمحت بتسويق ذلك الكلام. ولأنه لا دخان بغير نار، فما كان لتلك الشائعات ان يصدقها الناس لولا أن ممارسات بعض السلفيين التى رأوها بأعينهم على شاشات التليفزيون مثلا جاءت مشجعة على ذلك.

لم أفهم تدخل السلفيين بالشكل الحاصل الآن فى ملف كاميليا شحاتة، رغم أن اختفاء مواطنة مصرية أمر يخص الأجهزة الأمنية ويتعلق بأعمال القانون وهيبة الدولة. وقد أقبل أن يقدم بلاغ إلى النائب العام بذلك سواء من السلفيين أو إحدى منظمات حقوق الإنسان للكشف عن حقيقة الأمر. كما أفهم أن تتحرى الأجهزة الأمنية المسألة وأن تحل اللغز. لكن ما أستغربه أن تصبح القضية شاغلا أساسيا للسلفيين دون غيرهم. وان تنطلق تظاهراتهم طوال الأسبوع لهذا الغرض، وان يهددوا بالزحف على الكاتدرائية القبطية لأجل ذلك. إذ إن موقفهم ذاك يشكل عدوانا على حق الدولة فى تأمين مواطنيها، كما أنه يسهم فى تعميق الفتنة الطائفية فى المناخ الراهن، ناهيك عن أنه يربك الرأى العام ويصرفه عن تحديات أكبر تواجه الوطن فى الوقت الراهن الذى يفترض أن تحشد فيه الجهود لصالح تأسيس النظام الجديد.

لم أفهم أيضا الإشكال الذى أثاروه بمطالبتهم باحتكار منبر المسجد بدعوى أن جمعية «الهداية» هى التى بنته وأن وزارة الأوقاف استولت عليه. وهى بالمناسبة معلومة غير دقيقة لأن الحكومة من خلال شركة المقاولين العرب هى التى أكملت بناءه وقامت بتشطيبه وحولته إلى تحفة معمارية مميزة. فضلا عن اننى لا أعرف أن أحدا يمكن أن يدعى أنه يملك مسجدا، حيث المساجد لله فى نهاية المطاف. ثم إننى استغرب المشاحنة واستخدام القوة فى اعتلاء منبر أى مسجد، وتحدى وزارة الأوقاف فى هذا الصدد.

أيضا فإن موضوع هدم الأضرحة، الذى نعرف أنه يشغل غلاة السلفيين فى حين أن آخرين تجاوزوه ونسوه، دليل آخر على أن إخواننا هؤلاء غير واعين لا بواقع المجتمع المصرى المتدين بطبيعته، وغير مدركين لشىء من أولويات تأسيس النظام الجديد فى مصر.

لقد دعوت من قبل إلى احترام حق السلفيين فى الوجود، لكنهم مدعوون الآن وبشدة إلى احترام النظام العام والقانون، وإلى النظر بعقل واعٍ وأعين مفتوحة إلى طبيعة واستحقاقات المرحلة التى يمر بها الوطن. وإذا كان هناك من يتصيد لهم ويشوه صورتهم فلا مفر من الاعتراف بأنهم من يقدم لهؤلاء «الطُّعم» الذى يمكنهم من بلوغ مرادهم.

إن ممارسات السلفيين قدمت لنا اسوأ ما لديهم وليس أفضله مما شوه مشروعهم الذى التبس علينا أمره، لذلك فإننى أتمنى أن يقدموا أنفسهم بحسبانهم إضافة إلى الوطن وليس تخويفا لأهله وخصما من رصيده واجهاضا لحلمه.

بقلم:فهمي هويدي - الشروق

بتهمة الغباء السياسى


طول الطريق، بعد انتهاء لقائى بالسباعى أحمد السباعى، المسؤول الأول عن تقارير الطب الشرعى فى مصر، وجملة عبقرية للرئيس الراحل أنور السادات تسيطر على عقلى. كان رئيس مصر، فى سعيه لتثبيت حكمه فى مراحله الأولى فى مثل هذه الأيام من عام 1971، يستعد للتعامل مع من سماهم مراكز القوى بتهمة التآمر عليه عن طريق التنصت على محادثاته الهاتفية، لكنهم بعد ذلك لجأوا إلى ما كانوا يظنون أنها ستكون ضربة قاضية فقدموا استقالة جماعية، فما كان منه سوى أن قبلها ببساطة وأطلق جملته العبقرية: ''دول لازم يتحاكموا بتهمة الغباء السياسى''.

شىء من هذا القبيل، بمعنى من المعانى، حدث ليلة الأربعاء الماضى بوصولنا فى نهاية مواجهة تليفزيونية مع السباعى، امتدت أكثر من ساعتين ونصف الساعة، إلى بيت القصيد عندما تحدث بافتخار عن كيفية وصوله لمنصبه: ''كنا بنيجى بالأقدمية.. أول واحد جه بالاختيار هو أنا''... بالاختيار من جانب من؟...''جهات كتيرة''... هل من هذه الجهات جهاز أمن الدولة؟... ''ممكن يكون أمن الدولة.. مش معنى إن أمن الدولة هو اللى جابنى يبقى أمن الدولة له فضل علىّ، لأ''.

فى الليلة نفسها بادر الدكتور أيمن نور بالاتصال بالبرنامج للرد على بعض مزاعم السباعى بحقه، لكن هذا رفض أن يمنحه فرصة للرد، وهو أيضاً فى حد ذاته تصرف كان يمكن للسادات أن يحاكمه عليه بتهمة الغباء السياسى. وفى الليلة التالية كان من واجبى أن أمنح نور الفرصة كاملة للرد فأكد أنه أثناء وجوده فى سجن طرة استطاع تسريب صور فوتوغرافية لإصابات فى ظهره، وأن ضابطاً من جهاز أمن الدولة استجوبه فى هذا الأمر فرد عليه بذكاء: ''والله الشخص الوحيد الذى صورنى هو الشخص الذى وقّع الكشف الطبى علىّ، وهو السباعى''، وعندئذ قال له الضابط: ''لاااااا، السباعى ده بتاعنا، السباعى ما يسربش''.

سيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن نستطيع تنظيف هذا الوطن، فما ورثناه من فساد يمتد عقوداً طويلة إلى الوراء. فى أثناء ذلك سيستميت كل من له مصلحة فى البقاء سواء لغرض إطالة أمد الانتفاع أو لدرء تبعات السقوط أو لكليهما معاً وسيجد من يسانده، ولكن فقط إلى حين. فمثلما يوجد فى العلوم الإمبيريقية شىء اسمه نقطة الحسم Critical Point يوجد الشىء نفسه فى العلوم الاجتماعية، ومنها علم السياسة. الأمر، للتبسيط، أشبه بسفينة على وشك الغرق، سيكون كل واحد من ركابها على استعداد لمساعدة الآخر إلى أن تأتى لحظة يزداد فيها ضغط الظروف المحيطة ويكون عليه أن يختار بين أن ينقذ نفسه أو أن ينقذ الذى إلى جواره. منتهى المثل على هذه القاعدة هو يوم الحشر، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.

الثوار الحقيقيون يفهمون هذه القاعدة بالفطرة فتراهم يضغطون ثم يضغطون فى الطريق إلى نقطة الحسم. هى فى الواقع نقاط للحسم كثيرة متباينة، بعضها فى ضخامة نقطة الحسم التى لديها وصلت القوات المسلحة المصرية نيابة عن الوطن يوم 11 فبراير إلى قرار إما نحن أو حسنى مبارك. وبعضها يبدو صغيراً كنقطة الحسم تلك التى لم تستغرق من رئيس نيابة جنوب القاهرة أكثر من 30 ثانية عندما نزل إلى العمل فى يوم جمعة كى «يصرف» موظفاً صغيراً فى مصلحة الطب الشرعى كان قد أجبره على قضاء ليلته السابقة فى الحبس ظلماً وعدواناً بعد أن افترى عليه رئيسه السباعى.

نقطة الحسم فى هذا المثال لا تقل أهمية على الإطلاق عن نقطة الحسم فى المثال الأول. هى أكبر خابور حتى الآن فى نعش السباعى لكن أهميتها تتعدى هذا الشخص بكثير. هى فى الواقع سابقة حاسمة تمثل أولى خطواتنا نحو ثورة حقيقية على الفساد الإدارى.

نعلم نحن أن الذين وقفوا وراء السباعى، كانوا يريدون إرهاب الشرفاء كلهم نحو السكوت على الفساد أينما كان. ويعلمون هم أن الذين وقفوا إلى جانب الموظف الصغير الشريف الشجاع، رغم أنهم لا تجمعهم به مصلحة، كانوا يريدون مقاومة الظلم لكنهم أيضاً كانوا يريدون تشجيع الشرفاء كلهم على فضح الفساد أينما كان. ويعلم الجميع أى فريق ينطلق فيما يريده من مصلحة الوطن لا من المصالح الشخصية، مثلما يعلمون جميعاً بأى فريق ستفتخر مصر.

بسبب السباعى، صاحب ''لفافة بانجو'' الشهيد خالد سعيد وصاحب ''ارتجاف أذين'' السيد حسنى مبارك وصاحب الكثير من ''هبوط حاد فى الدورة الدموية''، استدعت نيابة جنوب القاهرة المواطن فريد حشيش صباح الخميس الماضى. سأله رئيسها فى البداية: ''إنت عارف إنت جاى هنا ليه؟'' بعد قليل سيكتشف الرجل الذى يعمل محققاً فى مصلحة الطب الشرعى أن رئيسه فى العمل، السباعى، قدم بلاغاً إلى النيابة بحقه وأن رئيس النيابة (س.) يحقق الآن معه رسمياً رغم أنه قال له فى البداية: ''كلمتين وهتروّح''، وهو ما دعاه إلى التنازل عن حقه فى طلب حضور محاميه.

تمحور التحقيق، وفقاً لفريد حشيش، حول ما رآه تقصيراً وإهمالاً فى تقارير المصلحة بشأن جثث شهداء الثورة، وكان من الشجاعة بحيث عبر عنه فى العلن مدعوماً بالوثائق والشهود. لكنه بعد حوالى ساعتين من التحقيق وجهت إليه تهمتان: أولاً، التشهير بالسباعى أحمد السباعى بصفته موظفاً عاماً، وثانياً، إثارة الفوضى والبلبلة وتأليب الرأى العام. وقع على أقواله وامتثل لأمر الانتظار فى الاستراحة تحت الحراسة التى جردته من هاتفيه المحمولين.

بعد قليل جاءه اثنان يرتديان ملابس مدنية: ''تعالى معانا 5 دقايق كده مشوار صغير وبعدين هتروّح''. امتثل للأمر فقاداه مشياً على الأقدام خارج المبنى فى الشارع لمسافة حوالى 300 متر حيث تقع نقطة شرطة السيدة زينب، وهى نقطة تقوم الآن مقام قسم الشرطة الذى كان قد احترق أثناء الثورة. عندما سلماه فى النقطة سلم أحدهما أيضاً ورقة لنائب المأمور اكتشف أن مفادها ''حجز المتهم للعرض على النيابة صباح باكر 29/4''. سأل فريد نائب المأمور الذى يحمل على كتفيه رتبة مقدم شرطة: ''ليه؟ أنا عملت إيه؟'' رد عليه: ''أنا مالى؟ إنت عايز تودينى فى داهية؟''.

نادى نائب المأمور على الملازم أول (ع.) كى يقوده إلى إحدى غرف الحجز. فعل هذا بخشونة. أثناءها التمس فريد أن يستخدم الهاتف ولو مرة، خاصة أنه لم يكن يعلم أنه لن يعود إلى المنزل، لكنهم رفضوا التماسه. فى الممر لاحظ أن النقطة تحتوى على ثلاث غرف للحجز. دفعه الضابط الصغير داخل إحداها وأغلق الباب. واحد، اتنين، ثلاثة، أربعة، خمسة نزلاء فى هذه الغرفة، كل منهم يفترش إما مرتبة أو بطانية. أما هو فلم يكن من نصيبه سوى البلاط. ويا ليت الأمر توقف عند هذا.

بمجرد دخوله تسلمه اثنان منهم. أحدهما (أ.) أمسك به من الخلف، والثانى (ش.) صفعه على الوجه، ثم تناوبا ضربه من كل ناحية. صرخ فريد مستنجداً بالضابط. فتح هذا شراعة الباب. ''بيضربونى، حد ينقذنى''. أطل الضابط قائلاً: ''أنا ما شفتش حاجة''. فى مثل هذا الوقت قبلها بيوم واحد كان السباعى معى على الهواء يقول: ''هتسمعوا عنه أخبار كويسة إن شاء الله'' فى إشارة تهكمية صفراء إلى نيته التى أفصح لى عنها صراحة قبل الدخول إلى الاستوديو: ''وحياتك هيتحبس ويتبهدل''.

وبينما كنت أوجه ندائى إلى المشير محمد حسين طنطاوى والدكتور عصام شرف لدى نهاية لقائى بالدكتور أيمن نور والسيدة زهرة شقيقة خالد سعيد، والدكتور فخرى صالح كبير الأطباء الشرعيين سابقاً قرب الثانية صباحاً وأنا أقاوم رغبة شديدة فى التقيؤ، كان ذلك الضابط نفسه يدخل إلى غرفة الحجز كى يعطى هذين النزيلين (أ.) و(ش.) هدية معتبرة. يكتشف فريد بعد قليل أنها ليست سوى حشيش أخذا يدخنانه وينفثان دخانه فى وجهه وهما يكيلان له السباب والتحرش الجسدى. من حين إلى آخر كان أحد النزلاء الآخرين يحاول الدفاع عنه بالكلام لكن شيئاً لم يكن ليردعهما كما هو واضح.

استمر هذا الفاصل حتى الخامسة صباحاً عندما كبس الحشيش على أنفاسهما فغلبهما النعاس. على عكس ذلك، لم يكن النوم ليقترب من عينى فريد وهو جالس القرفصاء على بلاط غرفة الحجز بينما يتخيل رئيسه يغط الآن فى نوم عميق على فراش وثير فى منزله.

وفى العاشرة والنصف من صباح الجمعة، بينما بدأت وفود من شرفاء المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان تصل إلى مقر نيابة جنوب القاهرة، وبينما كنت أنا أقوم بما تيسر لى من اتصالات كان أحدها بواحد من أبرز أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، صدر الأمر لفريد فوضعوا يديه فى الكلابشات تمهيداً للتوجه إلى مقر النيابة. قبل مغادرته يتذكر فريد ضابط الاستيفاء الذى كان، على حد قوله، فى غاية الاحترام والأدب إلى حد أنه اعتذر له بشدة عن أن الإجراءات تملى عليه استخدام القيود أثناء الترحيل. بل إنه عرض عليه إن كان يريد طعاماً أو سجائر.

حملته سيارة الترحيلات تلك المسافة القصيرة إلى مقر النيابة. حين وصل إلى هناك استبشر خيراً بوجود الأهل والأصدقاء والمحامين والمتعاطفين. لكنه عندما دخل إلى مكتب رئيس النيابة (س.) لاحظ أيضاً، وجود رئيس النيابة الكلية. لم يستمر هذا المشهد سوى حوالى 30 ثانية قال أثناءها محاميه لهما: ''متشكرين على قرار النيابة''.. أما القرار فهو: ''يُصرف السيد فريد حشيش من سراى النيابة بضمان محل إقامته''. هكذا. فقط. لا غير. لم يوجه إليه أى أحد أى سؤال ولا كلمة. خالص.

فى أثناء هذا الفيلم كله كان رئيس الوزراء، الدكتور عصام شرف، مشغولاً خارج البلاد فى جولة خليجية ولم تتسن له متابعة الموقف. لكنه فور عودته طلب منى نسخة من الحلقات الثلاث التى عالجت الموضوع. فعلنا ذلك. وفى هذه الأثناء اتصل بى العضو البارز فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة كى يزف لى الخبر بعد اتصاله قبل ذلك بالنائب العام، المستشار عبدالمجيد محمود، فقدمت له شكراً مستحقاً باسم أسرة فريد حشيش، وباسم الشرفاء فى هذا البلد.

لكن القصة لم تنته بعد. ستبدأ القصة الحقيقية فى النهاية عندما يستدعى السباعى أحمد السباعى إلى تحقيق جاد فيما نسب إليه من اتهامات ووقائع خطيرة، ليس فقط من جانب فريد حشيش، بل من أطراف يصعب حصرها سواء داخل المؤسسة التى يرأسها أو خارجها. لقد صار هذا الشخص الآن بما لا يدع مجالاً للشك مسؤولاً عن تشويه صورة مصلحة الطب الشرعى فى عيون الناس. وحين تتحدث عن مصلحة من هذا النوع فى علاقتها بالمواطن فإنك تتحدث عن علاقة لا تنبنى إلا على أساس الثقة العمياء. ومما لا شك فيه للأسف أن شرخاً غائراً أصاب هذه العلاقة.

هذا الشرخ الغائر فى هذا الظرف التاريخى الذى تمر به بلادنا يضيف عبئاً كبيراً على كاهل الحكومة المصرية، بل وعلى كاهل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقد انفجرت مواقع التواصل الاجتماعى على الإنترنت بغضب جام على ذلك الشخص، وخرج المئات إلى شوارع الإسكندرية للمطالبة بمحاكمته وقفز هو فجأة إلى مرتبة متقدمة لم يكن ليحلم بها على لائحة أولويات مطالب الثورة إلى حد أن كثيرين يطالبون بتنظيم تظاهرة مليونية خصيصاً له. هذا الشرخ الغائر فى هذا الظرف التاريخى الذى تمر به بلادنا كنا جميعاً فى غنى عنه.

لن تستقيم الأمور فى هذا الموضوع إلا بإعفاء السيد السباعى أحمد السباعى فوراً من مهام عمله إلى حين الانتهاء من التحقيق معه، ولن يكتمل الإصلاح إلا باستقلال مصلحة الطب الشرعى عن السلطة التنفيذية إدارياً ومالياً ومهنياً وعلى كل مستوى، حتى لا تتهم المصلحة مرة أخرى فى علاقتها بالمواطن بأنها خصم وحكم فى الوقت نفسه.

لم يكن ليصح بأى حال من الأحوال أن يبيت موظف شريف شجاع ليلته محبوساً. ولم يكن ليصح أن يسكت مواطن شريف عن مسألة كهذه. ولم يكن ليصح ألا يتحرك ولاة أمورنا إلا بإيعاز من ضمائرهم ومن نبض الشارع. لقد تحول المواطن فريد حشيش المغلوب على أمره إلى بطل بين ليلة وضحاها... شكراً للسباعى على ذلك. لكن الأهم من ذلك أنه فى هذه اللحظات بعينها يتحول أيضاً إلى معادل موضوعى لكل المصريين الشرفاء.

انطلاقاً من هذا، فإن الصفعة التى تلقاها فريد حشيش على وجهه فى محبسه صفعة على وجه كل مصرى شريف يسأل عنها أولاً السباعى أحمد السباعى. نحن نعلم أن الدكتور عصام شرف، الذى وصل إلى رئاسة مجلس الوزراء على أسنة الثورة محمولاً على أعناق الشرفاء، لا يرضيه أن يتلقى أحدهم صفعة على وجهه. أعد لنا حقنا وكرامتنا يا دكتور

يسري فودة - مصراوى

Sunday, May 01, 2011

إنهم يُغرقون الثورة فى بحر الظلمات


لكى لا ننسى: لولا المليونيات فى ميدان التحرير لما كان كل هذا الحشد من كبار الزوار نزلاء فى «بورتو طرة» الآن، ومن ثم يجب على كل من يعطينا دروسا سطحية فى ضرورة الكف عن الاحتشاد والاصطفاف لتجديد دماء الثورة ــ التى مازال أمامها طريق طويل ــ أن يرشد قليلا فى الثرثرة والسفسطة والكلام الأجوف عن الذهاب إلى البناء.

إن أحدا ليس ضد بناء مصر الخربة بفعل 30 عاما من الفساد، لكن البناء على التربة الهشة المصابة بالنشع، عملية محفوفة بمخاطر السقوط والانهيار.

وإذا كان من حق أى مصرى أن يفتى بعلم أو بغير علم فى مستقبل مصر، فإنه لا يستقيم خلقا أن يعتبر البعض الدعوة إلى مظاهرات مليونية سلمية فى يوم الجمعة تعطيلا لعملية البناء أو تعويقا لعجلة الانتاج، خصوصا أن الفضل فى كل ما تحقق حتى الآن يرجع بعد الله إلى وعى شعب مصر بما تقتضيه مسيرة الثورة، وهو ما أدى إلى تحول مليونيات الجمعة إلى جمعيات عمومية للوقوف على ما تم إنجازه، وما يجب أن ينجز مستقبلا.

وبهذا المنظور تبقى المليونيات عملا شعبيا نبيلا ومحترما، طالما هى فى سياق الدفاع عن الثورة ضد أخطار التفتيت والتذويب والسرقة أيضا.

غير أن هذه المظاهرات الحاشدة، ولكى تحتفظ بنقائها وبهائها، يجب أن تظل قابضة على حزمة الأهداف النبيلة والمبادئ الجامعة لكل أطياف الشعب المصرى حول مطالبه المشروعة، وهو ما تحقق فى المليونية الأخيرة فى ميدان التحرير والتى أسفرت عن تساقط الرءوس الكبيرة فى نظام مبارك.

أما أن تضل الحشود طريقها، وتبدل أهدافها، وتتجه خطأ إلى ميدان العباسية، مخلية ميدان التحرير.. وتعود إلى تضييق عدسة الرؤية بحيث تختزل قضية مصر مجددا فى اختفاء وفاء وكاميليا، ونعود إلى خناقة الامتحانات بالنقاب أو بدونه، فهذا معناه أن الثورة فى خطر محدق.

وأظن أن ألف باء العدل والإنصاف أن الذين أعلنوا رفضهم للمشاركة فى الثورة حين دعاهم الناس إلى المشاركة يوم 25 يناير، بل اعتبروا أنها مظاهرات تهدف إلى الفتنة، باعتبارها خروجا على طاعة ولى الأمر، أظن أنهم لا يحق لهم أن ينقضوا عليها، ويختصروا مطالب الشعب المصرى إلى السيطرة على مسجد هنا وهناك، أو النبش فى ملفات لم نأخذ من ورائها إلا الفرقة والانقسام، والانشغال عن قضايانا الكبرى والرئيسية.

وحتى لا يزايد أحد أو يفتح معسكرات التكفير ويستخرج حفنة من الاتهامات بخذلان الإسلام ومعاداته، فإن حرية أى مصرى فى حياته ومعتقده حق أصيل ومقدس، سواء كاميليا أو وفاء أو أى مواطن آخر..

لكن هذا لن يمنعنا من التحذير من أن العبث فى خريطة الثورة، ونقل التظاهر من ميدان التحرير إلى ميدان العباسية، والاحتشاد أمام مسجد النور، بدلا من عمر مكرم، يعنى أن هناك من يريد إغراق الثورة فى بحر الظلمات

بقلم:وائل قنديل - الشروق

فاروق جويدة يكتب: خفافيش الحظيرة الثقافية.. وجوه ينقصها الحياء


أعتقد انه جاء الوقت لكى يجلس أعضاء مجلس الحظيرة الثقافية مع بعضهم البعض لكى يراجعوا تاريخهم الأسود مع الثقافة المصرية والإنسان المصرى بصفة عامة.. لقد تآمرت هذه الحظيرة على تاريخ مصر ومثقفيها الحقيقيين زمانا طويلا وربما جاء الوقت بعد ثورة 25 يناير لكى يحاسبوا أنفسهم لأن حسابهم قادم.. ما حدث من خراب فى الثقافة المصرية بسبب كوادر الحظيرة لن يسقط بالتقادم أو طلب الصفح والغفران.



إن من أفسدوا عقل هذا الشعب وتركوه للمجهول وكانت كل معاركهم من أجل الحصول على مكاسب ومصالح لا بد وأن يعاقبهم هذا الشعب عن سنوات الظلام التى أضاءوا فيها المهرجانات الصاخبة والحفلات والسفريات والولائم وتركوا خرائب الجهل والتخلف تعصف بالعقل المصرى.. هؤلاء الذين نهبوا ثروة هذا الشعب وتركوا ثقافته أطلالا.. لابد وأن يحاسبوا مثل كل اللصوص الذين سرقوا المال العام.

إن عصابة الحظيرة الثقافية التى أهدرت المال العام وأضاعت هيبة الثقافة المصرية وأهملت عقل هذا الشعب وهو أعظم ثرواته.. هؤلاء لابد وأن نحاسبهم وأن يكون الحساب عادلا.

إن منهم من ارتكب جرائم نهب المال العام وهؤلاء يتولاهم قضاء مصر الشامخ ومنهم من أفسد عقل هذا الشعب وإهدار ثقافته فى المهرجانات والليالى الملاح.. ومنهم من حمل المباخر للنظام السابق مبررا الخطايا وتاجر بالضمائر وكان أبواقا للباطل.. هؤلاء الذين تحولت الثقافة بين أيديهم أسواقا للعرض والطلب وتاجروا فى تراثنا الفكرى والفنى والحضارى وباعوه بأرخص الأثمان.

الغريب فى الأمر أن عددًا من هؤلاء سرعان ما حاول أن يركب جواد الثورة وبدأ يتحدث عن الشباب وأمجاد الشباب وانتصار الثورة ولم ينس فى زحمة النفاق الرخيص أن يتحدث عن خطايا الحزب الوطنى رغم أنه كان من أبواقه حتى أيام قليلة ويدين النظام السابق ونسى أو تناسى أنه كان من ذيوله وحوارييه فى مهرجانات القراءة للجميع والقومى للمرأة والمؤتمرات الصاخبة واللجان والجوائز والسفريات ومواكب النفاق الرخيص..إنهم يتحدثون عن الثورة الآن ويتاجرون بكل فساد النظام السابق رغم انهم حتى أيام قليلة سبقت قيام الثورة كانوا يحملون المباخر ويقدمون القرابين ويسرقون مال الشعب ومن أراد أن يكشف الحقيقة عليه أن يعود إلى أرشيف المهرجانات اليومية الصاخبة ليرى حشود الحظيرة الثقافية وهى تتزاحم فى مواكب النفاق.

إن الأخطر من ذلك أنهم يطالبون الناس بالصفح والغفران.. ولا أدرى من لديه القدرة الآن على ان يسامح.. كيف نطالب شبابا أهملته الحظيرة فكرا وعقلا وضميرا أن يتسامح.. كيف نطلب الصفح والغفران لمؤسسات فاسدة وأشخاص أكثر فسادًا نهبوا أموال الشعب واستباحوا حرماته وتاريخه.. من أين جاءت الشجاعة لهؤلاء أن يكتبوا عن الثورة وهم مجرد أبواق قديمة لنظام فاسد.. من أين جاءتهم هذه البجاحة ليطالبوا بالغفران وحساباتهم مكدسة بما نهبوا من أموال هذا الشعب عن جرائم الفساد الفكرى والثقافى والأخلاقى.

من يحاسب حظيرة الثقافة المصرية عن إهدار دور مصر الثقافى وتراجعه عربيا وإسلاميا .. بل تراجع هذا الدور داخل مصر نفسها.. من يحاسب هؤلاء عن مهرجانات الفساد السينمائى والانحطاط المسرحى.. والإسفاف الغنائى من يحاسب هؤلاء على مهرجانات الفن الهابط.. من يحاسب هؤلاء على جرائم تهريب الآثار وسرقة التراث الفنى بكل تاريخه العريق.

من يحاسب هؤلاء من أصحاب الحظيرة عن تهميش دور المثقفين الحقيقيين وإبعادهم عن الساحة لأنهم رفضوا أن يكونوا أبواقا لمؤسسات فاسدة.. من يحاسب مؤسسات ثقافية مريضة تحتفل بذكرى غزو نابليون لمصر ولا تحتفل برموز الوطن الحقيقية وتقيم احتفالات الألفية الثالثة على أطلال الهرم وأبوالهول لفنان فرنسى مغمور.. وتشارك فى عشرات المهرجانات الراقصة فى أوروبا ولا تشارك فى مهرجان ثقافى عربى حقيقى.. من يحاسب مؤسسات العرى المسرحى ومواكب المسافرين إلى الخارج بلا هدف أو عمل أو قضية.. من يحاسب أصحاب الحظيرة الذين جلسوا على كراسى السلطة عشرات السنين ونهبوا أموال هذا الشعب وقدموا له زادا ثقافيا مريضا وملوثا؟.

ومع نهب المال العام وإفساد المناخ الثقافى كان الخلل الأكبر فى توزيع جوائز الدولة على مواكب المنافقين وحملة المباخر وتوزيع المكاسب على كل من يبرر أساليب القهر والبطش والطغيان لقد كانت حظيرة المثقفين أخطر خطايا العهد البائد فى إفساد ضمير هذا الشعب وتدمير رموز.

إن الأخطر من كل هذا أن أصحاب الحظيرة كانوا فى حالة عداء امتدت سنوات طويلة على كل من خالفهم فى الرأى والمواقف وأمام سلطة البطش اختفت لغة الحوار وتم إبعاد أعداد كبيرة من رموز الثقافة المصرية بينما كانت الهبات تنهال على مواكب النفاق.. وتحولت الحظيرة فى أحيان كثيرة إلى سلطة للبطش فى كتابة التقارير لأجهزة الأمن ضد رموز الثقافة الحقيقية.

فى سلاسل القراءة للجميع كان سكان الحظيرة هم الأوفر حظا دائما لسنوات طويلة حيث تصدر لهم عشرات الكتب التى لا يقرأها أحد ويكون مصيرها مخازن هيئة الكتاب.. لقد حصل أصحاب الحظيرة على مئات الآلاف من الجنيهات على كتب لا تباع.

فى الرحلات الخارجية والمؤتمرات تصدر أصحاب الحظيرة قائمة المسافرين كرموز للثقافة المصرية المتهاوية هذا بخلاف الوفود القادمة والمسافرة حيث تبادل المصالح والعطايا.

فى مئات اللجان كان هؤلاء دائما فى الصدارة ويحصلون أيضًا على مبالغ طائلة من هذه اللجان الوهمية.

والاغرب من ذلك هى قوائم المنح والهبات التى حصل عليها هؤلاء من النظام السابق فى صورة دعم لمؤسسات ثقافية اقتصرت كل أنشطتها على المهرجانات والحفلات والولائم ومواكب النفاق من حملة المباخر.

وكان النفوذ الأخطر والأكبر لأصحاب الحظيرة أنهم حاولوا فرض تيار فكرى واحد على الثقافة المصرية يخضع لحساباتهم وأمراضهم الفكرية وكانت النتيجة إفساد لغة الحوار وإبعاد تيارات ثقافية لها تاريخها الطويل.. كما أن هذا النفوذ كان سببا فى تراجع دور الثقافة المصرية التى كانت دائما مصدرًا للتعددية واختلاف الآراء والتيارات.

لقد تخصصت مؤسسات مصر الثقافية فى خدمة مجموعة من الأشخاص كنت تراهم فى الحظيرة الثقافية وفى لجان الثقافة وفى مهرجاناتها واحتفالاتها وأسفارها الخارجية وكنت تراها فى اللقاءات الرسمية والمحاضرات والجلسات والمباخر ومواكب النفاق والمنافقين.

طوال ثلاثين عاما من يراجع سجلات الثقافة المصرية سوف يجد عددًا من الأشخاص الذين عاشوا فى حظيرة الدولة وهم دائما فى الصداره.. إنهم يحصلون على الجوائز بالتناوب.. ويسافرون فى الوفود الثقافية بصفة دائمة.. وتطبع كتبهم فى سلسلة القراءة للجميع.. وتراهم فى جميع اللجان الفنية والثقافية والتاريخية والتنظيمية.. وقبل هذا كله فهم المنظرون وأصحاب الحظوة وهم الصفوة الذين تراهم فى كل مكان.. وقد ترتب على هذه الأحوال المختلة أن تراجعت الثقافة المصرية دورًا ووجودا وتأثيرًا.. لقد تحول أصحاب الحظيرة إلى تجار فى المؤسسات الثقافية حيث يباع كل شىء ابتداء بالضمائر وانتهاء بالمواقف.

والغريب فى الأمر الآن أن فلول الحظيرة عادت الآن تقدم القرابين لثورة 25 يناير وهم يتحدثون عن فساد النظام السابق وقد كانت من أدواته ويدينون الحزب الوطنى وهو فى رحاب الله وكم تغنوا بمآثره وإنجازاته.. وهم الآن يلعنون رموز النظام السابق وكم سجدوا تحت أقدامهم وتسابقوا من اجل إرضائهم.. وهرولوا فى مواكبهم يطلبون الرضا والقبول.

إن أهم إنجازات الحظيرة الثقافية كانت كتلا خرسانية تجسدت فى منشآت ومبانٍ رغم أن الثقافة فى حقيقتها بناء العقول قبل بناء المنشآت ولكن الفكر التجارى الذى حكم الثقافة المصرية سنوات طويلة وضع المبانى فى أول القائمة لأن فيها الأرباح والعمولات والمكاسب. ومن يتابع ميزانيات المؤسسات الثقافية سوف يكتشف أن كميات الأسمنت كانت أكثر من سطور الكتب وأن بناء المنشآت كان أهم من تشييد العقول.

على جانب آخر كانت هناك منظومة إعلامية لا تقل فسادًا عن فساد المؤسسات الثقافية ويكفى أن نعرف أن اتحاد الإذاعة والتليفزيون مدين بمبلغ 13 مليار جنيه لا أحد يعرف أين ذهبت ولكن المؤكد أنها تسربت فى مسلسلات هابطة وفنون رخيصة وصفقات مشبوهة.. وحين فسدت الثقافة وتراجع دور الإعلام وجدنا أمامنا أجيالا لا تعرف قيمة الإبداع الحقيقى ولا تدرك مسئولية الفن الرفيع.. وهذا ما حدث فى السنوات العجاف من عمر الثقافة المصرية.

لقد كانت حظيرة الثقافة المصرية عارا على تاريخ مصر الثقافى.. وحين يكشف القضاء المصرى العادل جرائم هذه الحظيرة سوف نكتشف أنها كانت اكبر خطر من حظيرة رجال الأعمال والحكومات والعصابات التى نهبت أموال هذا الشعب.. إن حظيرة الثقافة المصرية التى سيطرت على ثقافة مصر ربع قرن من الزمان وحاربت كل صاحب موهبة حقيقية وفتحت الأبواب للأفاقين وكذابى الزفة يجب أن تختفى الآن من الميدان حتى وإن قدمت القرابين وحملت المباخر للثورة.. إننى أتعجب من أقلام كانت حرفتها الزيف ومنهجها النفاق وطريقها المباخر جاءت اليوم لتتحدث عن شرف الكلمة والموقف والضمير وتطلب الصفح والغفران.

كيف نبنى بيتا جديدا قبل أن نلقى انقاض البيت القديم بعيدًا كيف نطلب الحماية من وجوه باعتنا عشرات المرات للبطش والطغيان وكيف يكون الصفح مع وجوه تلونت آلاف المرات وجلست على كل الموائد وخربت فكر الأمة وأفسدت ضمير أجيال كاملة؟.

على أصحاب الحظيرة أن يعرفوا شيئا لم يعرفوه من قبل اسمه الخجل وأن ينسحبوا من الساحة لأن حسابهم قادم.

يجب أن تكون هناك وقفة مع سنوات الفساد الثقافى التى أهدرت ثقافة مصر.. ويجب أن تراجع أجهزة الرقابة مئات الملايين التى أنفقتها الحظيرة فى السنوات العجاف.. ويجب أن نراجع المواقف حتى تتكشف الوجوه الزائفة التى احتمت زمنا طويلا بالسلطان تنشر سمومها وتحقق مصالحها وتقتل فى هذا الشعب أجمل ما فيه من الرموز الحقيقية.. هناك سجلات طويلة من الأسماء الوهمية التى تضخمت بالكذب وكبرت بالتضليل ولم تكن أكثر من فقاعات ملأت السماء وجاء الوقت لنكشف حقيقتها.. لقد قامت الحظيرة على أطلال الثقافة المصرية وجاء الوقت لنعيد للثقافة حرمتها وجلالها ودورها العريق.. وعلى أصحاب الحظيرة أن يدركوا أن الزمان تغير وأن ضوء الصبح اجتاح الآن كل الخفافيش.


الشروق