Showing posts with label قبول الآخر. Show all posts
Showing posts with label قبول الآخر. Show all posts

Saturday, October 08, 2011

استفزاز أم ابتزاز؟!


هل يعرف السلفيون الذين أحرقوا كنيسة «المريناب» من هو المهندس الذى بنى جامع أحمد بن طولون.. أجمل تحفة معمارية إسلامية؟ إنه المهندس القبطى سعيد بن كاتب الفرغانى الذى طلب منها بن طولون أن يبنى مسجداً يبقى ويظل شامخاً ولو أحرقت مصر أو أغرقت!! هل قرأ السلفيون عن أبى منصور وأبى مشكور اللذين صمما وبنيا قلعة صلاح الدين؟
إنهما مهندسان قبطيان، هل سمع هؤلاء الذين دمروا وخربوا عن السيل العظيم الذى صدع الكعبة قديماً وأعاد بناءها نجارون وبناءون أقباط؟! وبفضل مهارة الأقباط فى صناعة النسيج كانوا هم أفضل من ينسج كسوة الكعبة المهداة للسعودية من مصر أرض الفن الرفيع الذى صنعه مسلمون وأقباط، ويا ليت هؤلاء الكارهين الحارقين المخربين يعرفون ويفقهون أصل كلمة «قباطى»، هل لم يصلهم كتاب البلاذرى عن فتوح البلدان الذى ذكر فيه أن الوليد استعان بأقباط مصر لإعادة بناء مسجد المدينة؟!!
ما جرى من جلسات صلح عرفى بين أقباط القرية الذين لديهم رخصة إعادة ترميم كنيسة وسلفييها الرافضين للترميم، أو فلنقل بصراحة أكثر الرافضين بناءها من الأصل، يستحق لقب المهزلة الكبرى أو الكوميديا السوداء، فوسط حضور الجيش والشرطة وبرعاية المحافظ تم إملاء شروط غريبة وعجيبة ومجحفة على خادم الكنيسة لتمرير الموافقة المبدئية، منها عدم وضع صلبان وبناء قباب لأن هذا يستفز مشاعر مسلمى القرية!!
ولم يجب أحد من الحاضرين لماذا ومنذ سنة 1940 كانت هذه المشاهد لا تستفز أحداً، وكان الكل جيراناً، وكانت قيمة المواطنة وسلطة القانون هى الفيصل والحكم والمعيار، لم يكن هناك خطيب جامع يحرض ويشعل الفتنة ويلهب مشاعر الشارع بخطبه النارية من على المنبر، ويترك هكذا بدون عقاب قانونى، لم يكن هناك محافظ يبرر ما حدث بفورة وحماس الشباب! لم يكن هناك تواطؤ أو «طناش» أو «تعامى» أو غفلة، لم تكن هناك قنوات فضائية تحريضية تحتضن قتلة تنتفخ جيوبهم برائحة الريالات الوهابية لقاء صب الزيت على النار وتمزيق نسيج الوطن.
حكاية استفزاز الصليب لمشاعر أهل إدفو ذكرتنى بقصة قصيرة كتبتها فى بداية دراستى فى كلية الطب ونشرتها على مجلة حائط، ومزقها لى قطب الإخوان الكبير دكتور عصام العريان بصفته المشرف الثقافى باتحاد الكلية! عندما حملت قصاصاتى إلى حيث مكان اللجنة الثقافية، كان الرد لأن القصة بها كلمة الصليب! القصة عنوانها «مأساة عباس بن فرناس»، وكنت قد تخيلت فيها أن عباس بن فرناس طار ليدهش أهل مدينته المغيبين، طار ليحدث صدمة لسباتهم ولامبالاتهم،
فقد كان يقرأ كشاعر وعالم أن لحظة انهيار الأندلس قد اقتربت، القصة القصيرة فن، والفن خيال وتحليق، ذكرت فى القصة أن هذا المجتمع القاسى كان يريد صلبه لأنه متمرد وصادم، قامت القيامة ضدى وتم تمزيق القصة عدة مرات كلما حاولت تعليقها على حائط بعيد على أطراف الكلية، انتهت المطاردة بالمصادرة، ولكنى أيقنت فى ذلك الحين أن تكتيك الكلمات المعسولة والوعود الوردية لتيار الإسلام السياسى لابد ألا يعمينا عن استراتيجية الفاشية الفكرية التى يتبناها هؤلاء والتى تستدعى إلى الذاكرة بيت المتنبى الشهير:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
احرقوا عربات الإسعاف التى تحمل علامة الصليب الأحمر للوقاية من الاستفزاز، امنعوا علوم الحساب واشطبوا علامة الزائد فى كل عمليات الجمع لأنها تستفز المشاعر، اقتلوا الأطفال الذين يلعبون بالطائرات الورقية لأنها تبدأ برسم صليب من البوص والغاب.
لا أستبعد أن تصل مصر إلى هذا المستنقع إذا ظللنا على هذا الحال من نوبات الغيبوبة والهستيريا التى حتماً ستدفننا مع نفايات التاريخ.
 خالد منتصر - مصراوى

Monday, May 09, 2011

الخبز القاتل

أتذكر يوم رأيت فى سوبر ماركت بمدينة سياتل ماركة خبز تحمل اسم Dave`s Killer Bread. وهنا كلمة Killer تقترب لاستخدامنا لكلمة «فظيع» بالعامية، فهى لا تعنى «قاتل» بالمعنى الحرفى، إنما تعنى شيئا «قاتل» من روعته! فالماركة إذن «خبز ديف القاتل الرائع الفظيع!!»

كم استغربت من اسم المنتج، وكذلك من شكل تغليفه البلاستيكى الخارجى، فكان مميزا فعلا وسط كل الأنواع من حوله، ملوناً وعليه رسم كارتونى كاريكاتورى مضحك لشخصية «ديف»، وقد ظهر مفتول العضلات، ممسكا بجيتار، وله شارب كبير ذكرنى بشكل المرحوم محمد رضا فى فيلم ٣٠ يوم فى السجن. كذلك على التغليف، كُتبت العناصر الغذائية من القمح الكامل، والحبوب والبذور المزروعة بشكل عضوى، أى خالية تماما من أى مبيدات أو كيماويات بشهادة وزارة الزراعة الأمريكية، التى لا تعطى ختمها على المنتجات دون مراجعة دقيقة.

قلت لنفسى: يبدو خبزاً عالى الجودة فعلا.

ولكن «ديف» ليس شخصا عاديا تماما، ببساطة قرر أن ينتج نوعا جديدا من الخبز، لكنه كما نقول فى مصر «رد سجون». وقد تجرأ بأن يعلن هذا صراحة على منتجه. فكتب ما يلى فى فقرة طويلة مفصّلة على الغلاف البلاستيكى:

«أخفقت أربع مرات قبل أن أدرك أننى ألعب لعبة خاسرة.. صحيح أن قضاء ١٥ عاما فى السجن لهو طريقة صعبة جدا لاكتشاف الذات، ولكنى لست نادما على ما فات . فحين قضيت المدة الأخيرة، قررت الاستفادة من تلك الأيام الطويلة التى أمضيتها منفردا ووحيدا، وذلك بالعزف على الجيتار، وممارسة الرياضة، والتعرف على نفسى - دون مخدرات. ولدهشتى الشديدة بدأ يروقنى ما أرى فى ذاتى.. لقد قيل من قبل إن (الشدائد تجعل الرجل يعثر على ذاته التائهة) وأنا تأكدت أن هذا بالفعل أمر حقيقى، فلو لم أعانِ ما كنتم لتقرأوا هذه القصة على خبزى (الفظيع).

تحت هذه الفقرة ومع كثير من الألوان والرسومات الكارتونية الأخرى، نقرأ مقولة ثانية. هذه المرة للمهاتما غاندى: «كن أنت التغيير الذى تريد أن تراه فى العالم».

اندهشت فعلا، فكم مرة من قبل قرأت مقولة لغاندى على منتج غذائى؟!

قررت اختبار ذاتى: هل أشترى «الخبز القاتل الفظيع» كى أدعم «ديف» فى محاولته العودة بسلام إلى المجتمع؟ هل عمله الصالح الآن سيشفع له «اجتماعيا» سنوات الجريمة والسجن؟ هل سيشترى آخرون خبز «ديف»؟

بالفعل أضفت الخبز إلى سلة مشترياتى فى خطوة كانت بمثابة اختبار لقيمى. بعدها قمت بتقييم ثقافى لجرأة «ديف» بأن ينتج منتجا غذائيا أساسيا كالخبز.

مفاهيم كثيرة تبادرت لذهنى: منها الإخفاق ثم دفع الثمن، سيادة روح القانون الذى يعاقب المذنب، ثم تقبل المجتمع الذى يسامح من يعود إليه بعد تأدية ما عليه، الصدق مع الذات والأمانة تجاه الآخرين، الإبداع الذى يضع الإنسان على طريق صحيح، بعد أن كاد يكون ماضيا فى طريق مسدود لن ينفرج.. فكرت فى روح التغيير والقدرة على خلق شىءٍ من لا شىء. قلت لنفسى «نعم، إن أخطأت فدفعت الثمن، فمن حقى العودة بسلام إلى المجتمع».

من خلال هذا التقييم، تعاطفت مع «ديف» واستحسنت خطوته لأن يكون عضوا منتجا فى المجتمع. اشتريت خبزه لأقف بجانب مشروعه الصغير الذى حاول أن يتغير من خلاله. ولكن ما زاد على كل تلك الأمور النظرية هو أننى عندما تذوقت خبزه، ومنذ هذا الحين، لم أستبدله بآخر.

سؤالى الآن لنا فى المجتمع المصرى: كيف نقوّم من أخطأ فصحح مساره؟

هل من سماتنا الثقافية كمجتمع ما يجعلنا نستطيع أن ندعم ماركة تحمل اسم أحد «السوابق»، إذا ما أمضى هذا العنصر الهدام اليوم مدة سجنه وخرج تائبا ذا مشروع، أم أننا سنظل «نجعل» من أمثاله «مجرمين» بنظرة تُصرّ على أن تَحبِسهم فى ماضيهم، أكثر من حبسِ السجون لهم؟

لعلنا فقط نتذكر «ديف» وقصته، إذا ما قابلنا مَنْ مثله وقد اختار التوقف ثم البدء من جديد.

مروى مزيد - المصرى اليوم

*زميل مركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة واشنطن، سياتل،الولايات المتحدة الأمريكية


Sunday, March 27, 2011

محمود عبد الرحيم يكتب :جنرالات الاخوان والتآمر على الثورة

يخطئ جنرالات الاخوان المسلمين، ومن على شاكلتهم من الجماعات الدينية المتطرفة سياسيا ودينيا، إن تصوروا أن القوى الديمقراطية الحقيقية، سواء كانت ليبرالية أو يسارية، سوف تخشاهم وتنزوي حين يبادرون بشن حروب هجومية قذرة تتعمد الاساءة والتشويه العمدي، ولي الحقائق و تحريفها

على غرار ما كان يفعل الرئيس المخلوع وعصابته، للتغطية على صفقاتهم مع بقايا النظام ومع واشنطن، وتآمرهم البين على الثورة، وتعبئة الشعب خاصة البسطاء منهم لحساب مصالحهم الخاصة، عبر سلاح الدين والتأويلات المغلوطة ذات الطابع الانتهازي المفضوح.

ويخطئ من يتصور أننا غير قادرين على الرد عليهم وفضح خطابهم المضلل، وتطرفهم وعنصريتهم البغيضة، واستعدادهم لفعل أي شئ، حتى ولو كان غير أخلاقي للوصول إلى مآربهم، فضلا عن نهمهم المريض للسلطة، لدرجة التحالف مع الشيطان، وإن ادعوا أنهم أصحاب دعوة، لا سلطان.

ونود أن نذكرهم بأدبياتهم وخطابهم المهادن المتخاذل الذي لا يعرف"الثورة" ويضعها جنبا مع جنب مع الفتنة، فضلا عن تحريم الخروج على ولي الأمر

والاستعداد للرضوخ لحاكم ظالم بدلا عن الفتنة، وتأكيدهم الدائم أنهم دعاة اصلاح لا تغيير، مصدرين في كل مواقفهم الآية القرآنية"أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنى" و"ما أريد الا الاصلاح ما استطعت".

فمتى كان الاسلاميون وفي مقدمتهم الاخوان، ثوارا أو وكلاء عن الثورة، وهم من وقفوا في طريقها في البداية، واستنكروا الخروج لإسقاط نظام مبارك، ثم حين بدا أن مركب النظام تغرق قفزوا سريعا إلى مركب الثوار

متعمدين تضخيم مشاركتهم بالظهور الإعلامي البارز في القنوات الموالية لهم، أو بجعل شبابهم يقومون بأعمال تنظيمية للإيهام بأنهم من يقود هذه الثورة الشعبية.

ثم كانت فضيحتهم الأخلاقية بأن هرولوا للجلوس مع نائب الرئيس المخلوع جنبا إلى جنب مع الأحزاب الكارتونية قبل أن تضع الثورة أوزارها، ورغم رفض كل الثوار الحقيقيين للحوار، حتى لا يتم اضعاف الموقف، لكن الاخوأن اختاروا لمن ينحازون،

وليؤكدوا من جديد أنهم جزء أصيل من هذا النظام الفاسد المستبد، وأنه كان يستهدفهم فقط، لأنهم الوجه الآخر له، المنافس على تركة المصريين المستباحة، لكن حين يجد الجد تتلاقى المصالح، ويصبح أعداء الأمس حلفاء اليوم.

وهو ما تجسد في الصفقة التى تفوح منها الرائحة الأمريكية من التآمر المشترك على تصفية الثورة، والاصرار على الحفاظ على النظام التابع الفاسد لتأمين المصالح الأمريكية الصهيونية، مكتفين بخلع الرجل المريض الذي بات ورقة محروقة استنفدت اغراضها داخليا وخارجيا

مقابل توسعة مساحة النخبة الحاكمة وضم الأخوان إلى "تحالف السلطة والمال" غير الشرعي الذي كان يحكم مصر خلال السنوات الأخيرة، بعد اطلاق قياداتهم من السجون وإعطاء الأخوان مشروعية سياسية وإعلامية وقانونية كانوا يتوقون إليها منذ حظر نشاطهم في عهد الزعيم جمال عبد الناصر.

وكلنا يذكر الهجوم العنيف على الأخوان المسلمين من قبل النظام ووسائل إعلامه، ومحاولة تحمليهم مسئولية "الاضطرابات" حسب توصيفهم والفوضي التى تتم لصالح اجندات خارجية

ثم سرعان ما تحول الأمر الى المديح والاشادة وفتح الأبواب واسعة لتصدر الاخوان المشهد إعلاميا وسياسيا، بل وضمهم دون غيرهم من القوى السياسية إلى لجنة التعديلات الدستورية، بعد جلسات الحوار والإشارة الأمريكية التى جاءت على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، بشأن عدم ممانعة واشنطن لدور سياسي للأخوان في هذه المرحلة.

ثم حين عارضنا هذه التعديلات التى استهدفت تقويض الثورة ومطالبها الأساسية، وفي مقدمتها دستور جديد يقلص صلاحيات الرئيس ويؤكد على الفصل بين السلطات ويعبر عن الروح الثورية والعقد الاجتماعي الجديد للمصريين، ما كان منهم إلا أن تحالفوا مع بقايا الحزب الوطني لصالح تمرير التعديلات

على خطورتها الفادحة على التحويل الديمقراطي الحقيقي، لا لشئ إلا طمعا في السيطرة على البرلمان القادم، واقتناص الفرصة المتاحة في ظل مناخ ديمقراطي لم يتبلور بعد، وتكافؤ فرص مفقود مع القوى الديمقراطية الثورية التى لم تعط المجال لتعلن عن نفسها بين الجماهير.

ثم كانت حملاتهم العدائية الممنهجة المتواصلة ضد دعاة الديمقراطية الحقيقية حتى الآن، وابتزاز مشاعر الجماهير البسيطة وتوجيههم الوجهة غير الصحيحة..بالإدعاء أننا من معسكر أمريكا، وأننا نناصب الإسلام العداء.

والسؤال هنا ..من يقف في هذا الحلف نحن أم هم؟ من حظي بدعم كلينتون وادارة اوباما، ثم ماذا عن لقاءات رموز الاخوان الممتدة لسنوات بالسفارة الامريكية في القاهرة، والحوارات التى كان يرعاها مدير مركز ابن خلدون ورجل أمريكا الأول في مصر سعد الدين ابراهيم التى جرت في عواصم اوروبية، خاصة بعد غزو العراق.

ثم من يناصب الإسلام العداء.. الذي يلوثه في السياسة بألاعيبها وحيلها ونسبية مواقفها، أم من يضع الدين في مكانه ومكانته الصحيحة، ولا يجعل منه فزاعة وأداة لضرب المعارضين والمنافسين سياسيا، واتهامهم بغير حق بالكفر تصريحا أو تلميحا، أو من يكذب وينافق ويتلون ويشوه صورة المتدين والدين معا.

الجنرال عصام العريان في مقال أخير له يصل أقصى مداه في تزييف الحقائق وخلط الأوراق والادعاء بأن رسالتنا لم تصل لأننا بعيدون عن الواقع وعن الشعب الذي قام بالثورة، وكأن المنافسة كانت شريفة بلا تزييف للوعي واستغلال الدين والمال والخداع في أوساط البسطاء

وكأننا لسنا جزءا أصيلا من هذا الشعب، وطلعيته التى تقدمت الصفوف في الثورة، ولازالنا صامدين لحماية مسيرتها والتضحية من أجلها عن قناعة راسخة، لا عن منفعة واستغلال.

ثم أنه يدعي أن مصر تغيرت و مسيرة الديمقراطية تسير، وهو قول مناف للحقيقة وينطوي على شعارات مضللة لا ظل لها من الواقع، حيث أن معركة الاستفتاء وعودة ظهور جمال مبارك وزكريا عزمي وفتحي سرور للمشهد، مع الحديث عن استحالة محاكمة مبارك، وضرورة التسامح مع رجال الاعمال وكبار المسئولين مقابل رد الاموال،علاوة على مساع تجريم التظاهر

والتعامل بعنف مع الاحتجاج السلمي، والسير في طريق متعرج غير طريق الثورة والثوار، ودون إنصات لمطالبهم، أو الرغبة في حوار وطني جاد يعني أن مصر لم تتغير بعد،وأن مسيرة الديمقراطية التى كنا نبتغيها، ومن أجلها نقاتل، تتعرض لانتكاسة قوية

خاصة مع بقاء أركان نظام مبارك طلقاء، والحفاظ على كل رموز حزبه الفاسد في مواقع عديدة، سواء في المحليات أو المحافظات أو الجامعات أو وسائل الاعلام والتلكوء في تنفيذ المطالب العاجلة.

ثم أن الجنرال العريان يتحدث عن الثورة بإعتبارها ملكية خاصة"ثورتنا"، وكأن الاخوان قاموا بخصخصتها، أو هم وكلاء الشعب والمتحدثون باسمه، فيما نحن الفئة الضالة أو القلة المندسة المعزولة على الشعب التى لا دور لها ولا موقف، أو التى لا تريد له خيرا، وإن كان يفهم من قوله أنهم الوحيدون الذين استفادوا منها، وسارعوا إلى قطف ثمارها ليحرموا بقية الشعب من حقهم المشروع ومن توزيع عادل للثروة والسلطة.

ومن المضحك حديث الجنرال العريان عن التسامح والاعتدال، فيما جماعته ومن على شاكلتها ابعد ما يكونوا عن هذا النهج.

ونذكرهم بأنهم حين اختلفنا معهم سياسيا اشهروا سلاح الدين المحرم والمجرم في الاطار الديمقراطي السليم، وكادوا أن يلصقوا بنا تهمة الفسق والفجور والعصيان والكفر، وإن مرروها هم وشركاؤهم في التطرف بين السطور وعلى المنابر والبيانات الموزعة هنا وهناك

بإعتبار أن اليساريين والليبراليين انصار الدولة المدنية ومعهم المسيحيين أخوة الوطن في فسطاط واحد معادي، في مواجهة فسطاط الايمان الذي يجب ان يتسيد وينتصر في غزوات الصناديق .

ونتحدى من يجرؤ فيهم على التصريح بأنه يقبل وفق مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات على ترشح أمرأة أو مسيحي للولاية الكبرى أو التعهد بالتوقف عن توظيف الدين في السياسة، وإستدعاء المرجعية الدينية في مكانها وغير مكانها، والتنافس السياسي على الأرضية المدنية الحيادية.

فمن منا المتسامح والديمقراطي والثوري الحقيقي الذي يغلب القيم الاخلاقية الحضارية على التعصب والانغلاق والانتهازية؟! ومن منا يبغي مصلحة الوطن والمواطن وليس مصلحته الخاصة

الدستور

Thursday, March 24, 2011

حل اللغز

كان المشهد فى ميدان التحرير دالا بقوة على ما تتبناه الثورة.. فعندما كان أحدهم يرفع شعارا دينيا أو يردد هتافا دينيا كان المحيطون به يجبرونه على التوقف مرددين «لا نريد شعارات أو لافتات دينية».. كان هذا هو دستور الثورة المصرية.. كانت هذه هى مصر تعود إلينا كما عهدناها من قبل وكما تمنيناها، كانت روح مصر تعود إليها بلا عنصرية ولا طائفية.. فما الذى حدث ونحن لم نبتعد كثيرا عن الثورة، هل كانت عودة الروح مقصورة فقط على ميدان التحرير أم أن روح الثورة قد تم الانقلاب عليها؟

كيف تحول الاستفتاء على التعديلات الدستورية إلى معركة طائفية قائمة بالأساس على الاصطفاف الدينى.. كيف تحول عرس الديمقراطية إلى استفتاء ليس على التعديلات الدستورية بل على الطائفية.. كيف تبدل الموقف الذى كان لابد أن يتعرض لما يؤكد «نعم» أو يدلل على «لا» إلى ادعاءات قائمة على أكاذيب لا تفعل شيئا سوى الحشد الطائفى.. كيف تحولت «نعم» بقدرة قادر من تعديلات يُتفق أو يُختلف عليها إلى إيمان دينى لا يأتيه الباطل؟ من قالوا إن فى قول نعم إهداراً لدماء الشهداء أقول لهم إن تبادل الحجة الدستورية أو القناعة الفكرية ليس إهدارا لدماء الشهداء، لكن ما جرى من استخدام الدين بشكل فج وترويج دعاوى بأن «لا» تعنى حذف المادة الثانية وأن هذا هو «ما يسعى إليه الكفرة والنصارى» كما جاء فى المنشورات التى وزعوها- هذا بالضبط هو الذى فيه تنكر فادح لدماء الشهداء الذين دفعوا دماءهم ثمنا لوطن ينعم فيه الجميع بالمساواة وتختفى منه الطائفية، وعندما ينقلب البعض إلى استخدام الدين للتعبئة بل الادعاء كذبا بأن هناك محاولة لحذف المادة الثانية من الدستور- رغم أن هذه المادة ليست من المواد المطروحة للتعديل- فإن هذا ليس فقط تجذيراً للطائفية لكنه أيضا استعداء على الأقباط بنفس الأسلوب الذى كان ينتهجه نظام مبارك.

والأسوأ من هذا أن فيه إشعالاً لنارها من أجل مكاسب سياسية.. هل شعرنا بالفرحة والمصريون يمتدون فى طوابير طويلة أمام اللجان ليمارسوا الديمقراطية لأول مرة؟ نعم لكن هذه الفرحة سرقت وتفاصيل ما جرى تتكشف شيئا فشيئا.. المسألة ليست فريقا تفوق على فريق، لكنها إشارة لما يمكن أن يحرك الكثير من المخاوف من استخدام الدين فى السياسة بشكل لا يفسد فقط الحياة السياسية بل يضربها فى مقتل، فهل قامت الثورة لتقتل بمثل هذه الطريقة من أجل مكاسب سياسية لفريق ما؟

نحن جميعا أمام لغز من حقيقة ما جرى، وما يجرى الآن؟ الشارع المصرى ملىء بالشائعات، والسيناريوهات تستطيع أن تدركها ليس فقط من المناقشات الدائرة فى برامج التوك شو بل فى أى جلسة تجمع مهتمين بالشأن العام.. ما جرى ليس فقط مليئاً بالتجاوزات الخطرة لكنه ملىء بالأسئلة التى لا تجد إجابات؟ أهمها فى رأيى لماذا تم كل هذا الحشد الطائفى من أجل التعديلات الدستورية، ولماذا انفصل الإخوان عن باقى القوى الوطنية التى اتحدوا معها طوال الثورة وتحالفوا بدلا من هذا مع السلفيين والجماعة الإسلامية بل الصوفية؟ ولماذا باتوا يتصدرون المشهد وكأن هذا مقصود، ولماذا يحدث هذا فى نفس التوقيت الذى نجد فيه الصورة قد ازدحمت بلقطات الإفراج عن مالك والشاطر ثم احتلال الإعلام المصرى من قِبَل عبود الزمر.. هل هذه معركة تؤصل لمعارك قادمة؟ هناك إحساس بأن ما جرى جزء من سيناريو موضوع يراد تنفيذه..

من حق الناس أن يخرج علينا المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتفسير لما يجرى وللإجابة عن تساؤل مطروح بحدة وهو هل يسعى المجلس الأعلى لـ«تركيب» تيار بعينه؟ فلا تنتشر الشائعات والتكهنات والسيناريوهات والحديث عن الصفقات إلا عندما تغيب الشفافية ويستشرى الغموض فى الصورة.. لا يمكن أن يُقْبل كل هذا التجاوز فى استخدام الدين إلى الحد الذى يهدد بفتنة طائفية ما لم يكن هناك دافع وراءه فما هو الدافع؟

هل يخرج علينا قادة المجلس الأعلى بتفسير أم نعتمد السيناريوهات المطروحة رغم كل ما تثيره من بلبلة وما تطرحه من مخاوف حول المستقبل.. ما يتردد ليس خافيا على أحد والصمت حياله لا يعنى سوى الموافقة عليه، فهل المطلوب منا اعتماده؟ هل المطلوب تمريره من أجل قبوله أم أن هناك سيناريو آخر لا يدركه سوى من وضعوه؟

كريمة كمال-المصرى اليوم

karimakamal@almasry-alyoum.com

Thursday, January 20, 2011

جورجيت قللينى: توليت اتحاد الطلبة فى الثانوية بأصوات زميلاتى المسلمات

بالملابس الرسمية والتصريحات الرسمية، بزخم المنصب وقيوده واشتراطاته، بالمظهر الحاد والكلمات والنظرات والخطوات المحسوبة، يتحركون فى الحياة، كمن يسيرون على طريق، لو حادوا عنه لسقطوا فريسة ألسنة الناس والإعلام.

نسميهم الشخصيات العامة.. سياسيون ومفكرون ومثقفون، أولئك الذين يمتلك الناس حياتهم كاملة، لا نعرف عنهم غالبا سوى ما تقتضى مناصبهم أن يفصحوا عنه، حتى ليظن البعض أنهم يتنفسون المناصب والمسؤوليات والمهام والحياة الرسمية المرسومة بعناية، خلف تلك الأقنعة تختفى تفاصيلهم الصغيرة، وحكاياتهم اليومية كبشر عاديين يتنفسون ويأكلون ويشربون ويحبون ويكرهون مثلنا. «المصرى اليوم» فى رحلة أسبوعية لاستكشاف الجانب الآخر فى حياة المشاهير والشخصيات العامة، بحثا عن أجوبة لأسئلة طالما لم نعثر على إجابات لها وأهمها السؤال الأصعب فى حياة أى شخص: كيف يعيش؟!

بعد مشوار طويل ومتميز من العمل فى السلك القضائى، تم تعيينها عضواً بمجلس الشعب خلال الدورتين السابقتين، بدأت الحديث معنا بتعريف نفسها قائلة: «أنا مواطنة مصرية والأخت الكبرى لثلاثة أشقاء، وكان لوالدى مكتب هندسى وتوفى وعمرى ١٤ سنة، وأشكرك يا رب أنك أعطيتنى هذا اﻷب حتى ولو لفترة صغيرة، ﻷننى أدركت أن ما يعطيه اﻷب ليس مرتبطاً بطول العمر وإنما بقيمة العطاء، وأبى عمل لنا دستوراً، والدستور من أكثر النصوص التى يصعب تغييرها فلا هو كلام ربنا وﻻ هو كلام بشرى سهل تغييره، وفى تصورى أن كلام الدستور من أكثر الكلمات التى لها احترام».

■ ما أهم مادة فى هذا الدستور؟

- أهم مادة هى الحب، أبى- الله يرحمه- لم يكن يتعامل مع الدين على أنه عبادات فقط، ﻷن ظروف عمله لم تكن تسمح له بالذهاب إلى الكنائس باستمرار، لكن كان يعرف معنى أن البنى آدم يحب ربنا وكان دائما يقول لى عايزة تثبتى لربنا إنك بتحبيه، أحبى الناس التى حولك، خصوصا الناس البسطاء وقد غضب من والدتى أكثر من مرة لأنها وزعت علىَّ وأخواتى حلوى قبل أن توزع على أوﻻد البواب، وفى أحد اﻷيام كان عائدا من العمل فوجد أمى واضعة أمامنا حلوى فسألها هل أعطيت جيراننا أوﻻ من هذه الحلوى فقالت: ﻻ فغضب منها جداً، وكان دائما هذا حاله لا يأكل شيئاً إﻻ بعد أن يعطى بعضا منه لجيراننا.

■ ما الذى تتذكرينه له؟

- كلما ارتفع صوته أثناء ترحيبه بمن على الباب كنا نعرف أنه إنسان بسيط كان يتعامل بالحب، ويرى أن دستور أى ديانة هو الحب.

■ كيف كان شكل العلاقة بينك وبينه؟

- الصراحة كانت هى أساس علاقتى به، وكنت مرتبطة به أكثر من ارتباطى بأمى، وبقدر حبى واحترامى له كنت ﻻبد أن أحكى له كل شىء.

أيضا أتذكر عندما كنت فى المدرسة وأعطانى أحد زملائى «كارت» فغضبت جدا، وعندما ذهبت إلى البيت قلت له ما حدث فسألنى ما الذى يغضبك بالضبط؟ فقلت له: الكارت فيه صورة واحد بيلبس واحدة دبلة، فسألنى هل قال لك شيئا؟ فقلت له: ﻻ، فقال لى أبى: اتصلى به واطلبى منه أن يأتى ليشرب شاى معنا فى البيت، وأعطيه الكارت وقولى له نحن لسنا فى سن تسمح لنا بتبادل مثل هذه الكروت، فهو احترم فىّ الصراحة، ولم يعنفنى بل علمنى كيف أتصرف، ولم يفرق أبداً بين البنت والولد.

■ ما فارق العمر بينك وبين إخوتك؟

- سنة ونصف بينى وبين الأخ الذى تلانى و٦ سنوات بالنسبة للشقيقين التوأم.

■ أين ولدت؟

- فى القاهرة وعشت فيها وجذور الأب من المنيا لكنه تربى فى طنطا.

■ هل تعرضت لموقف عدائى بينك وبين زملائك فى أى مرحلة من مراحل التعليم بسبب اختلاف الدين؟

- ﻻ لم يحدث إﻻ مرة واحدة عندما كنت فى الثانوية، كنا نجرى انتخابات اتحاد الطلبة فى إحدى المدارس الحكومية، ورشحت نفسى، وفوجئت بالإخصائية اﻻجتماعية تحاول أن تبعدنى عن موقع اﻻنتخابات ولكن كل زميلاتى المسلمات اتحدن معى حتى الزميلة التى رشحت نفسها ضدى تنازلت عن ترشيحها من أجلى، وكانت النتيجة أنى نجحت بأغلبية ساحقة، وهذا الموقف جعلنى أشعر بمدى حب زميلاتى، وهنا أتذكر المثل القائل: «رب ضارة نافعة».

■ هل هناك مواقف أخرى عالقة فى ذهنك تتذكرينها دوما؟

- أتذكر أننى عندما كنت تلميذة فى اﻻبتدائى، زميلة لى اسمها مشيرة العربى ابنة الفنان عبدالبديع العربى تشاجرت مع إحدى زميلاتنا فى الفصل وكانت مسيحية، ووجدتنى أدافع باستماتة عن مشيرة المسلمة ضد المسيحية بشكل عفوى تلقائى ،ﻷن الحق كان معها، حتى إن مدير المدرسة قال لى آنذاك إننى أذكره بـ«مكرم باشا عبيد» عندما كان يترافع فى القضايا، وتوقع لى أن أكون محامية مشهورة.

■ ماذا عن ذكرياتك فى الجامعة؟

- لم أكن متفرغة تماماً للمحاضرات، ﻷننى تزوجت فى السنة الأولى بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وكانت هناك ظروف أسرية كثيرة جعلتنى ﻻ أنتظم.

■ هل كان زوجك زميلا لك فى الجامعة؟

- ﻻ، تعرفت عليه من خلال العائلة أثناء الحفل السنوى الذى كانت تنظمه اﻷسرة وكنت وقتها فى ثانوى، وعندما رآنى سألنى عن الكلية التى أدرس فيها فقلت له: إننى أدرس فى كلية اﻵداب، ﻷنى خجلت أن أخبره بأنى فى الثانوية، وبعد عامين التقينا فى الحفل السنوى فقال لى: إيه أخبار كلية اﻵداب؟ فقلت له: أنا بصراحة فى الثانوية، فقال لى: إنه يعرف ذلك، واستمرت علاقتنا حتى نجحت فى الثانوية وفاتح أسرتى برغبته فى اﻻرتباط بى ثم تزوجنا فى بداية دراستى الجامعية.

■ ماذا عن والدك ووالدتك؟

- أبى كان رجلاً حنوناً ورائعاً، توفى وأنا فى سن الرابعة عشرة، أما والدتى فتوفيت منذ عامين رحمها الله، كانت شديدة جدا فى المعاملة لكن كانت شدتها هذه دون قصد، وهنا أتذكر أننى وإخوتى كنا ﻻ نخشى والدنا لكننا كنا نخاف على (زعله) ونعمل لذلك ألف حساب، حتى إننا حين كنا نحصل على درجات جيدة كنا نسارع بالذهاب إليه لإبلاغه بها وكانت طبيعة عمله تضطره للسفر كثيرا فكانت والدتنا تتولى جميع شؤوننا.

■ .. وزوجك؟

- الحمد لله على كل شىء توفى فى عمر الـ٤٠، وقد استمر زواجنا ٢٠ عاما، وحين توفى كانت ابنتى الصغرى فى الابتدائى.

■ هل كان مريضا؟

- ﻻ إطلاقا بل إنه ذهب إلى العمل وتوفى فى مكتبه، وأنا أحمد الله أن منحنى هذا الزوج الحنون الطيب، وقد تعودت أن أواجه اﻷزمات بالصبر والتمسك والرضا بالقدر.

■ كم عدد أوﻻدك؟

- لدى بنتان، الأولى اسمها هبة تزوجت ولديها طفلة «عفريتة» عمرها ١٠سنوات، وطفل عمره ٧ سنوات، أى أنى جدة منذ ١٠ سنوات، وابنتى اﻷخرى هالة أنهت دراستها الجامعية، وتعمل ولم تتزوج بعد، وعلى فكرة حفيدى رغم أنه طفل لكنى أشعر بأنه رجل وجدع وشخصية جديرة باﻻحترام، وحفيدتى قريبة جدا منى، وأشعر أنها أنا فى طفولتى.

■ هل كنت شقية فى طفولتك؟

- كنت شقية جداً، خاصة أننى اﻻبنة الكبرى والوحيدة مع ٣ أوﻻد، لدرجة أن أمى رحمها الله كانت تقول «يا ربى نفسى فى بنت، أنا عندى ٤ صبيان»، ﻷنها كانت ترى سلوكياتى صبيانية بسبب شقاوتى الشديدة.

■ كيف كانت هذه الشقاوة؟

- كنت أعشق صنع المقالب فى اﻵخرين، مقالب كثيرة منها مثلا بسبب حبى ﻻبنة خالتى كنت ﻻ أحب أن تفارقنى، وحين تأتى خالتى لزيارتنا ومعها ابنتها كنت أظل ألعب معها ووقت رحيل خالتى كنت أخبئها تحت السرير أو فى أى مكان آخر، وأخبر الجميع أنها غير موجودة وظلوا جميعا يبحثون عنها لفترة طويلة وعندما يجدونها أجرى إلى أبى حتى ﻻ يضربنى أحد، فسألنى لماذا فعلت ذلك فقلت له: أحبها وأريد أن تبيت معى فضحك ومنع أمى وخالتى من تعنيفى.

■ هل ضربك والدك ذات مرة بسبب شقاوتك؟

- لم يضربنى إﻻ مرة واحدة، وحين كان يشكو له أحد من شقاوتى كان يحدثنى بهدوء، ويقول لى: إن سلوكى هذا يضايق الناس ويزعجهم ثم يطلب منى بكل ود أن أكف عن هذه التصرفات.

■ ما الموقف الذى دفعه إلى ضربك.. ومتى؟

- كان بيننا ذات مرة حديث، واشتد الحديث حتى إنه انفعل وصرخ فى وجهى، ودون أن أفكر رديت عليه فضربنى على وجهى، بعدها مضت فترة طويلة دون أن يتحدث معى، وأنا كذلك، وكنت فى شدة الحزن لحرمانى من الجلوس معه والتحدث إليه سواء بالجد أو الهزل، وهو أيضا كان حزينا، ﻷنه أهاننى وأنا كنت فى غاية الألم بسبب ردى عليه وليس بسبب ضربه لى وظللت أشعر بالندم فترة طويلة وبعد حوالى ١٥ يوماً بدأنا التحدث سويا دون التطرق لهذا الموقف رغم عشقى له الذى وصل إلى حد أنه حينما كان يتأخر عن الحضور إلى المنزل فى موعده كنت أفقد عقلى من الخوف عليه، وأتخيل أن مكروهاً أصابه وﻻ أهدأ حتى أراه يدخل من الباب وكان هذا الإحساس يدفعنى إلى البكاء وﻻ أتوقف حتى يضمنى إلى صدره ويطمئنى وهو «يطبطب» علىَّ، وحين توفى طلبت من الجميع عدم الصراخ وأن يتركونى وحدى معه فى غرفته وظللت جالسة إلى جواره أبكيه بـ«قهر» وأدعو الله وأناجيه بعشم طفلة فى ربها حتى إنى قلت له: أنا لن أعاتبك ﻷنك أخذت منى أغلى شىء فى حياتى أبى وأنت من اليوم المسؤول عنى وعن أوﻻدى «اللى هاجبهم» لما أتزوج، وشعرت أن الله أجابنى بأنه يعاهدنى على اﻻستجابة لمطلبى، وبالفعل عوضنى الله فى كل من حولى فكان كثيرون يعاملوننى على أننى ابنتهم منهم لويس جريس وفتحى نجيب.

■ إلى أى مدى تفتقدينه حاليا؟

- إلى أقصى حد، أفتقده بشدة وكثيراً ما يزورنى فى أحلامى، خاصة إذا كنت أمر بأزمة أو مشكلة أو حالتى النفسية سيئة، وحين لم يزرنى كان يذهب إلى أشقائى ويوصيهم خيرا.

■ هل تغيرت معاملة والدتك لكم بعد وفاة والدك؟

- تغيرت كثيرا حتى إنها صارت تمزج بين الشدة والحنان والصداقة فى ذات الوقت، ورغم أننى كنت «أستغرب» بشدة من شدتها معنا فى حياة أبى إﻻ أننى عندما تزوجت وأنجبت أصبحت شديدة مع أوﻻدى وكأنى تقمصت شخصيتها فى تصرفات كثيرة، وخاصة بعد وفاة زوجى، حيث أصبحت بالنسبة لهم اﻷم واﻷب فشعرت بما كانت تشعر به.

■ بما شعرت بعد وفاة زوجك؟

- كدت أدخل فى نوبة انهيار لولا أن من حولى وقفوا بجانبى وشجعونى على التماسك، بعد أن أمضيت عدة أيام «متقوقعة» فى بيتى ومنعزلة عن الناس، ثم والحمد لله وبفضلهم استرددت نفسى بالتدريج، خاصة الدكتور فتحى نجيب الذى قلت له ذات مرة: إننى أريد أن أترك البلد وأسافر فقال لى: انتى فاكرة لو سافرتى هاتسيبى حزنك هنا، يا بنتى إنتى حزنك فى قلبك، وإنتى قوية، وأتذكر أننى فى هذا الوقت كنت أتصور أننى لو هربت سأترك حزنى وأرحل دونه.

■ هل أنت عنيدة؟

- إطلاقا.. لست عنيدة بالمرة وأحترم اﻵخرين وأقدر خبراتهم وثقافاتهم وآراءهم.

■ هل دخلت كلية الحقوق عن حب؟

- ﻻ بأمر المجموع، أنا كنت أريد أن أكون صحفية وكنت فى الثانوية من المتفوقين جدا وكنت رئيسة اتحاد الطلبة وكان حب الصحافة يتملكنى فى هذا الوقت.

■ لماذا اخترت القسم اﻷدبى فى الثانوية العامة؟

- بسبب كرهى لإحدى المعلمات وكانت مدرسة طبيعة، كانت ﻻ تطيقنى وكنت أبادلها المشاعر نفسها وذات مرة قالت لى: «يابنتى خديها من قصيرها.. إحنا مش هاننفع مع بعض» ولحسن الحظ أنى كنت أعشق المواد اﻷدبية، خاصة علم النفس والمنطق، لكن بعد وفاة والدى تأثرت بشدة وهو ما أثر على حالتى النفسية وبالتالى على درجاتى فى اﻻمتحان.

■ كم كان مجموعك؟

- كان «حاجة تكسف» ولذلك سأحتفظ به لنفسى.

■ هل كانت أمامك اختيارات أخرى؟

- كان أمامى «التجارة» و«الحقوق» فاخترت الأخيرة، وبعدها تزوجت وأنجبت سريعا واعتذرت عن عدم حضور اﻻمتحان عاما واحدا، وبعد حصولى على الليسانس حصلت على الماجستير ثم الدكتوراة.

■ ما أبرز سماتك؟

- أعشق الحرية وأكره القيود، وإذا شعرت أن أحدا يريد تقييدى أخرج عن شعورى وأكون فى غاية الضيق والعصبية.

■ ما أكثر ما يستفزك؟

- عدم احترام ذكائى، بخلاف ذلك من يرد عينى أعطها له، المهم أﻻ يكون هناك قهر أو استخفاف بعقلى، ومن يتعامل معى باحترام يأسر روحى.

■ هل شعرت بالقهر من قبل؟

- كثيرا ما شعرت بهذا الإحساس.

■ كيف ومتى؟

- حين يسلبك أحد صاحب سلطة حقك وﻻ تستطيعين أن تستردى حقك.. فهذا قهر.

■ أﻻ يوجد موقف محدد؟

- أرجو إعفائى من الإجابة.

■ من الذى أبلغك بقرار تعيينك فى مجلس الشعب؟

- الدكتور كمال أبوالمجد، وكان ذلك منذ ١٠ سنوات، كنت وقتها فى النيابة الإدارية، وكان يجب حينها أن أقدم استقالتى من عملى إذا قبلت تعيينى بالمجلس ولذلك لم أكن سعيدة حينها.

■ ماذا فعلت بعد ذلك؟

- قدمت استقالتى من وزارة العدل ﻷن القرار كان تكليفا بخدمة عامة وترتب على ذلك أن النيابة الإدارية التى كنت أعمل بها قررت سحب قرار اﻻستقالة وكذلك فعل وزير العدل، حيث صدرت فتوى من مجلس الدولة بأن القرار تكليف بخدمة عامة يتبعه إنهاء الخدمة وليس استقالة، ووافق المجلس اﻷعلى للنيابة الإدارية وسحب قرار اﻻستقالة بالإجماع.

■ ما الذى أضافه لك وجودك بمجلس الشعب؟

- أشكر الله كثيرا على أننى لم أتنازل ولو مرة واحدة، ولم أتخل عن مبادئى أو قناعاتى، ودائما كنت أذكر نفسى بمقولة: «ماذا لو ربحت كل العالم وخسرت نفسك؟».. فاخترت أﻻ أخسر نفسى.

■ لماذا كنت تتوقعين خسارة نفسك عند دخولك المجلس؟

- السياسة ليست عملية سهلة، وﻻ أستطيع أن أقول أو أفعل شيئا لست مقتنعة به، ليس من أجل الحلال والحرام والعيب فقط وإنما أيضا ﻷننى أحترم نفسى، ودائما حينما أخلد للنوم أتأمل يومى وحياتى وأكره بشدة أن أفعل موقفا ما يضطرنى لتوبيخ نفسى، وأنا سعيدة بذلك وراضية عن أدائى تماما تحت القبة والحمد لله أنى خرجت من المجلس دون أن أخسر نفسى.

■ هل مازلت تحتفظين بعضوية الحزب الوطنى؟

- نعم.. وللعام العاشر على التوالى.

■ هل لك أصدقاء داخل المجلس؟

- ﻻ.. كل أصدقائى من خارج المجلس.

■ هل تفكرين فى الزواج مرة أخرى؟

- ﻻ إطلاقا.

■ هل عدت للعمل فى وزارة العدل مرة ثانية؟

- قدمت طلبا للعودة لكن لم أتلق رداً حتى اﻵن.

■ هل حدث أن شعرت بتمييز ضدك كمسيحية؟

- ﻻ.. إطلاقا، طوال فترة تواجدى سواء فى النيابة أو وزارة العدل لم أشعر بأى تمييز، بل على العكس كنت أشعر بقمة العدل والمعاملة الراقية الكريمة.

■ هل دمعتك قريبة؟

- حين أفقد أشخاصاً أعزاء جداً، وهذا يؤلمنى جداً وأيضاً حينما أشاهد موقفاً أو مشهداً رومانسياً فى الواقع مثل إطعام عصفور أو يحدث تعاطف فيما بين المسلمين والمسيحيين مثلما حدث فى حادثة الإسكندرية.

■ هل شعرت بأن هذا التعاطف حقيقى؟

- طبعا حقيقى والمشاعر كانت فياضة والحب متدفقاً والتضامن كان من القلب دون زيف أو مبالغة وشعرنا جميعا بهذا الإحساس خاصة أنها مشاعر شعب وليست مشاعر سلطة.

■ ما علاقتك بالمطبخ؟

- دخول المطبخ بالنسبة لى متعة غير عادية.

■ هل لك هوايات؟

- أحب الموسيقى وأعزف على اﻷوكورديون إلى جانب المشى.

■ هل سألك أحفادك عن حادث كنيسة الإسكندرية؟

- نعم سألونى.

■ ماذا قلت لهم؟

- قلت لهم إنه مجرد حادث، ولم نتطرق إلى التفاصيل حتى إن ابنتى قالت لهم: «دى مش حادثة .. دى عمارة وقعت».

حوار ملك عبد العظيم - Almasry Alyoum

من أجـل الوطـن والديـن معاً

فى كل مرة كانت تقع فيها أحداث تفاقم من الاحتقان الدينى فى المجتمع المصرى كان المسئولون يسارعون أولا إلى نفى صفة الفتنة الطائفية عنها، ثم يبادرون ثانيا بلقاءات للمصالحة يحضرها بالإضافة إليهم رجال دين من الطرفين، ولا يدرى المرء ماهية جدوى هذه اللقاءات إن لم يكن الأمر متعلقا حقا بفتنة طائفية. وعلى أى حال كنا نشاهد فى هذه اللقاءات أيادى متشابكة وعناقا حارا بين ممثلى المسلمين والأقباط، وتصريحات وردية عن تجاوز الأزمة، غير أن شيئا عدا هذا لم يكن يحدث إلى أن يحين أوان الأحداث الطائفية التالية فيتكرر السلوك ذاته وكأن المجتمع قد أصيب بجلطة فكرية وسياسية، علما بأن معدل تكرار هذه الأحداث قد زاد على نحو ملحوظ فى السنوات الأخيرة.

من هنا آن أوان الحديث عن الحلول الجذرية، وهو حديث يدخلنا من ناحية فى مناطق شائكة للغاية، ويتطلب من ناحية أخرى لنجاعته وقتا طويلا الأمر الذى يعزز ضرورة البدء فى التحرك بأسرع ما يمكننا. ولا شك أنه من الصعوبة بمكان التوصل بسرعة إلى وفاق وطنى حول ماهية الحلول، ولكن طرح القضية ينبغى أن يكون نقطة البداية.

ثمة أمور كثيرة سكتنا عليها طويلا، واعتبرناها من حقائق الحياة، ومن أهمها سقف الوظائف العامة المسموح به للأقباط. سوف يقال كالعادة إن بين الأقباط وزيرين ومحافظ إلى غير ذلك من «الرموز»، لكن المسألة لا تطرح هكذا بالتأكيد، وإذا كنا لم نتمكن حتى الآن من تحقيق المواطنة الكاملة فى حياتنا السياسية ككل فلنحققها فى مجال الوظائف العامة، بمعنى أن تشغل استنادا إلى الكفاءة وحدها وليس لأى اعتبارات دينية، وهكذا يمكن أن تأتى وزارة مثلا دون وزراء أقباط على الإطلاق أو يشكل الأقباط نصفها أو أقل أو أكثر، وأقول هنا لكل مسلم يعارض هذا الرأى إن عزة الإسلام الحقيقية فى اجتهاد أبنائه وتفوقهم وليس فى شغلهم الوظائف العامة على غير أساس من الكفاءة.

سيقولون إن تولى الأقباط مناصب عامة عديدة قد تشمل رئاسة الوزارة وعضويتها ومحافظين ورؤساء جامعات وغير ذلك سوف يجعلهم يمثلون قوة حقيقية تتحزب لأبناء دينها بحيث ينتهى الأمر بسيطرتهم على الدولة، ناهيك عن ارتباطاتهم الخارجية المشبوهة، فما أسخف القول!. فهو مبنى ابتداء على التسليم بأن المسلمين أقل كفاءة من الأقباط، وهذا غير صحيح، وبالتالى فإن التطبيق الجاد للفكرة سوف يؤدى تلقائيا إلى ميزان للعدالة الحقة بين مكونى المجتمع، بحيث يشغل كل من المسلمين والأقباط ما يقارب نسبتهم فيه.

ما أسخف القول كذلك لأنه حدث عندما أعملت الكفاءة فى أهم المؤسسات المصرية وهى المؤسسة العسكرية كان الفريق فؤاد عزيز غالى قائدا مظفرا للجيش الثانى فى درة الإنجاز العسكرى المصرى فى حرب أكتوبر1973، وعلى صعيد آخر كان المرحوم يونان لبيب رزق بطلا من أبطال كتيبة العقول المصرية التى أعادت طابا لمصر، ولم يسمع أحد منا يوما عن تهمة وجهت لقاض قبطى بتحيز قائم على الدين فى أحكامه.

من ناحية أخرى وعلى مستوى القطاع غير الحكومى فإن آلافا وربما عشرات الآلاف من أقباط مصر أطباء وصيادلة ناجحون بفضل عدالة نظام التعليم المصرى، ولم يسمع أحد يوما أن مسلما قد حرم من خدمة طبية أو دواء ضرورى بسبب هذا الوضع، كما أن الحركات الاحتجاجية للصيادلة والأطباء كانت تتم دوما على أساس مهنى وليس دينيا. ومع ذلك كله فإن حديث «الضمانات» ضرورى فى هذا السياق كى يطمئن الجميع، فجنبا إلى جنب مع المساواة فى فرص شغل الوظائف العامة أو غيرها ينبغى أن تكون هناك رقابة جادة على شاغليها منعا لأى استغلال منحرف لها سواء فى مجال التحيز الدينى أو غيره، كذلك فإن عملية المساواة هذه يمكن أن تتم عبر خطوات تدريجية يمكننا دائما السيطرة على أى نتائج غير حميدة لها.

يأتى بعد ذلك دور رجال الدين، وقد آن أوان التوقف عن الإبحار فى مجال إبداء الآراء الانتقادية التى تمس صميم عقيدة كل طرف من جانب رجال الدين فى الطرف الآخر بالقول أو بالكتابة.

هذا باختصار عمل غير مسئول يمارسه البعض للأسف انطلاقا من بطولات زائفة. كذلك ينبغى لوم كل قيادة دينية ومحاسبتها إذا لم تجهر بالصوت العالى بإدانة ما يقع من أخطاء من الجانبين، فكثير من رجال الدين المسلمين لا يتحدثون عن الرأى الصحيح للإسلام فى حرق الكنائس التى أكد الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر أن الدفاع عنها واجب إسلامى، وكثير من رجال الدين المسيحيين لم يبادروا بإدانة الأقباط الذين قاموا بمهاجمة مقر محافظة الجيزة فى أحداث كنيسة العمرانية الأخيرة، وفرق كبير بين أن تكون مظلوما وبين أن تنتهك القانون وإلا أعطينا ذريعة للممارسات المضادة.

أما خطباء المساجد ووعاظ الكنائس فحدث عنهم ولا حرج، لأنه من المؤكد أن نسبة منهم على الأقل لا تحفل بتعزيز الوحدة الوطنية، ومن حسن الحظ فى هذه الآونة أن على رأس أهم مؤسستين إسلاميتين لهما صلة بموضوعنا وهما الجامع الأزهر ووزارة الأوقاف رجلان يسكن الإسلام الصحيح عقليهما وقلبيهما، كما أن ثقتى كبيرة فى حكمة البابا شنودة فى هذا الصدد.

أما وسائل الإعلام فتحتاج وقفة خاصة لأنها تبقى الأكثر انتشارا وتأثيرا، وبعضها دون شك يلذ له كثيرا أن ينفخ فى الفتنة الطائفية بدعوى الاهتمام بها أو الغيرة على الدين، وهكذا تنتشر الروايات المثيرة والمغلوطة والتى من شأنها أن تؤجج مشاعر الفرقة والاحتقان، ناهيك عن دور الفضائيات التليفزيونية الخاصة إسلامية كانت أو قبطية فى توسيع الهوة بين أبناء المجتمع. ومن أسف أن بعض المثقفين يجد طريقه إلى وسائل الإعلام هذه فتكتسب بهم قيمة وقدرة أكبر على التأثير، والحق أن سيف القانون يجب أن يكون قاطعا فى هذا الصدد حتى ولو اقتضى الأمر بعض الإصلاحات التشريعية.

يتصل بما سبق حديث واجب عن النظام التعليمى بحيث يجب أن تكون المساواة بين الديانتين واضحة فى المناهج التعليمية ولا أزيد!، ويجب ضمان أن يكون المدرسون حريصين على الوحدة الوطنية. وكلنا يعرف الممارسات التى تخرج عن هذا السياق، وكان لبعض وزراء التعليم السابقين فضل إيقافها أو على الأقل شرف المحاولة.

من ناحية أخرى فإن التعليم الدينى على الجانبين يجب أن ينقى من أى شىء يسىء للوحدة الوطنية إن وجد، ويقودنا هذا كله إلى تغيير ثقافى واجب لا أمل بدونه فى إحراز أى تقدم فى هذه القضية المصيرية. ولقد هبت على مسلمى مصر وأقباطها رياح فكرية من خارجها ساعدت على خلق أساس فكرى للفرقة والاحتقان لا علاقة له بجوهر الديانتين، وبسبب هذه الرياح المدمرة حدث الكثير من حالات الفتنة، وفى ظل استمرارها لا أمل يرجى فى أى شىء بما فى ذلك الإنجازات التشريعية المطلوبة كالقانون الموحد لبناء دور العبادة، لأن تشريعا لا تتقبله ثقافة المجتمع لا يمكن أن يكون فاعلا.

الأفكار كثيرة يضيق بها المكان، ومسيرة الحلول الجذرية لا ريب طويلة وشاقة وشائكة، وبعض النفوس أو كثير منها مشحون، لكن الجميع يجب أن يؤمن بأنه لا عزة للدين إذا عاش أبناؤه فى وطن ممزق، ولهذا فإن وحدة الوطن وسلامته تستحق منا أن نبادر الآن وليس غدا بكل ما يمكننا من خطوات من أجل حماية الوطن وإلا فإن التاريخ لن يغفر لنا ما فعلناه بهذا الوطن الحبيب ذى التاريخ العظيم.

بقلم:أحمد يوسف أحمد- الشروق

Thursday, January 13, 2011

الإسكندرية.. مدينة «التسامح» تغرق فى ظلمات التعصب

هل كان الإسكندر يعلم أنه لا يقيم مدينة تحمل اسمه خالداً فى الزمان، وإنما يقيم عالماً بأسره وتاريخاً كاملاً؟ أغلب الظن أنه كان يعرف، هو لم يكن معنياً بالخلود فقط، وإنما بتغيير الدنيا».. هكذا افتتح الروائى المصرى «إبراهيم عبدالمجيد» أحد فصول روايته المهمة «لا أحد ينام فى الإسكندرية». هل كان «عبدالمجيد» يعرف أنه لا ينعى فقط مدينة تاريخية لم تعرف على مدار تاريخها فضيلة مثل التسامح وتقبل الآخر، وإنما ينعى مصر كلها؟

أغلب الظن أنه كان يعرف، وهو لم يكن معنياً بتلك القضية فقط، وإنما بتسجيل فترة مهمة من تاريخنا لا يسعنا إنكارها.

على كرسى خشبى صغير داخل صيدليته العتيقة التى تحمل اسم «أثينا» يجلس «نيقولا نيكيتاس بابا أنطونيوس» ٨٦ سنة، يسمح له موقعه الاستراتيجى فى مواجهة المدخل بأن يرسل بصره من حين لآخر عبر نظارته السميكة ليتابع المارة فى شارع الأسقفية بحى المنشية بمدينة الإسكندرية، ذلك الشارع المزدحم على الدوام بسبب وقوع مبنى الكنيسة اليونانية به، بالإضافة إلى عشرات المحال التجارية التى يرجع عمر بعضها إلى ما يزيد على المائة عام،

تلك التى كانت تتوزع ملكيتها بين يونانيين وإيطاليين وأرمن ويهود مصريين عاشوا فى المدينة التاريخية جنباً إلى جنب أهلها من المسلمين والمسيحيين لسنوات طويلة، قبل أن يختار بعضاً منهم هجرة المكان، ويُجبر البعض الآخر على تركه، مخلفين وراءهم محالهم التى ورثها عنهم مصريون من أولاد البلد.

وحده «نيقولا» - ذو الأصل اليونانى - رفض الهجرة، تسأله فيرفع رأساً مكللاً بالبياض، ويرد بعربية سليمة تفقد سلاستها أحياناً فتؤنث المذكر وتذكر المؤنث «ليه هو أنا مش مصرى ومعايا الجنسية المصرية؟» يتركك لثوان يتحرك فيها بخطوات أثقلها الكبر إلى داخل مكتب صغير يشغل جزءاً من الصيدلية، ويعود حاملاً فى يده شهادة جنسية ممهورة بخاتم المملكة المصرية تشهد بـ «منح نيقولا بابا أنطونيوس نيكيتا الجنسية المصرية فى أغسطس من عام ١٩٥٢»، وفيها «توجه وزارة الداخلية النظر إلى نص المادة العاشرة من قانون الجنسية المصرية رقم ١٦٠ لسنة ١٩٥٠، التى تقضى بألا يكون لحامل هذه الشهادة حق التمتع بالحقوق الخاصة بالمصريين أو بمباشرة حقوقهم السياسية قبل انقضاء خمس سنوات من تاريخ كسبه هذه الجنسية كما لا يجوز انتخابه أو تعيينه عضوا فى أى هيئة نيابية قبل مضى عشر سنوات من التاريخ المذكور». يشير «نيقولا» لصورة فوتوغرافية قديمة له مثبتة فى الشهادة قبل أن يقول «شوف كنت حلو إزاى وأنا صغير».

تحمل الصورة بالفعل قدراً كبيراً من الوسامة لشاب صغير لا يتجاوز عمره الثلاثين، يُظهر عناية فائقة بشعر أسود على رأسه، وشارب رفيع يزين أعلى الفم، فيما تظهر بوضوح أناقة لافتة تليق بشاب عاش فى أربعينيات القرن الماضى، ولد فى مصر كما يروى لأبوين من أصول يونانية ولدا هما أيضاً فى الأراضى المصرية. لا يعلم كما يقول تاريخا لدخولهما البلد رغم اهتمامه البادى بالتواريخ. يتحدث بفخر ممزوج بالحنين عن والده الصيدلى الذى افتتح الصيدلية فى مكانها الحالى ثلاثينيات القرن الماضى عقب حصوله على دبلوم من إنجلترا ممثلاً بذلك الجيل الثانى فى الأسرة- بعد الجَد- الذى يعمل بالصيدلة، نفس المهنة التى حلم الأب بأن يورثها لولده الوحيد «نيقولا» الذى فتح عينيه للمرة الأولى على الدنيا فى ٣٠ مارس عام ١٩٢٤.

«أنا اتولدت فى المزاريطة» يروى «نيقولا»، ويواصل «وأنا صغير دخلت مدارس وفضلت فى إسكندرية لغاية ما قامت الحرب، سافرنا المنصورة عشان هنا كان فيه قنابل بتنزل». من المنصورة للقاهرة حيث التحق الشاب الصغير بالجامعة الأمريكية كلية الصيدلة ليحقق حلم والده الذى يقول عنه «صرف على ياما وتعب عشان يشوفنى صيدلى»، وبعد عامين عندما أنشأت جامعة الإسكندرية كلية للطب والصيدلة انتقل إليها «نيقولا» وحصل منها على البكالوريوس بتفوق ثم عين معيداً قبل أن يترك الجامعة للأبد فى نهاية الأربعينيات ليساعد والده فى عمله بالصيدلية.

سارت الأمور سيرها الطبيعى: يدير الوالد الصيدلية بمعاونة الابن الوحيد الذى يقضى وقته ما بين العمل وممارسة هواية الصيد مع أصدقاء كثيرين بنادى الصيد بمنطقة محرم بك، والذى كان يرأسه فى ذلك الحين «سليمان عزت» رئيس البحرية. لا يكدر صفو العيش شىء حتى يأتى يوم ١٧ يوليو عام ١٩٦١، وهو يوم يتذكره «نيقولا» تماماً والسبب «أممونى».

صدرت القرارات الاشتراكية للرئيس «عبد الناصر» حتى يفقد «نيقولا» كل شىء، فعلى حد تعبيره «خدوا كل حاجة»، يعددها «خدوا عربيتى، خدوا فلوسى من البنك، خدوا حاجتى من هنا، خدوا بضاعة ٩٠ ألف دولار فى لوت على مركب»، وأسوأ ما فى الموضوع أن الأب لم يستطع أن يتحمل الخبر فـ«راح فيها» ووجد «نيقولا» نفسه وحيداً «صحيت الصبح بدرى وخدتها مشى من الصيدلية لسرايا المنتزه، مسكت السور بتاع السرايا وقلت للملك أنا وأنت واحد، أنت راح منك السرايا بتاعتك، وأنا خدوا منى السرايا بتاعتى، سرايتى شبر بس السرايا بتاعتك بلد بحالها».

رغم ضيق الحال رفض «نيقولا» أن يغادر مصر «أسيب بلدى وأروح فين.. أنا اتولدت هنا»، ويواصل «مش أنا بس اللى اتأممت، أمموا برضه محلات كانت جنبى هنا، ودلوقت بتتباع»، ولم يفرق التأميم بين مصرى وأجنبى «شفت عبود باشا اتنين ماسكينه بيطلعوه المباحث العامة، يعنى بيطلعوه ليه؟ عشان يشوفوا طوله وعرضه؟

لأ خدوا منه كل حاجة»، ورغم حزنه وقتها، لا يشعر نيقولا بأسف حالياً، فمن وجهة نظره أن قرارات التأميم كانت مطلباً للشعب، وهو كما ردد أكثر من مرة «باحترم الشعب»، هذا على الرغم من أنه فقد بعد التأميم أصدقاءه الذين رحلوا نهائياً عن المدينة بعد أن فقد والده وممتلكاته، غير أنه تمسك بالبقاء فى الإسكندرية وغير نشاطه التجارى نهائياً فصنع فى البداية «منفحة» وصار يبيع الجبن للمصانع، وعندما طبق الرئيس السادات نظام الانفتاح فى عام ١٩٧٥ ذهب للقاهرة وعاد برخصة استيراد ليحول الصيدلية إلى محل لبيع الكيماويات.

«أنا مش متمصر وماحدش يقدر يقول على متمصر» يقول نيقولا بإصرار، ثم يفسر: «متمصر يعنى أنت واحد واخد بوية على وشك، وأنا ما عنديش بوية فى وشى، أنا بوية مصرى». تظهر نبرة الحنين واضحة فى حديث نيقولا عن الإسكندرية القديمة فيقول «كنت تلاقى عربيات المطافى بتلف تغسل الشوارع لغاية الساعة ٣ بالليل، والصبح لو واحد ماشى ووقعت منه سيجارة ع الأرض يوطى ياخدها ويكملها من كتر نضافة الشوارع». ليست النظافة فقط، هناك أيضاً التزام الناس بعبور الشوارع، كان الجميع على حد تعبير نيقولا «بيمشوا ع الرصيف»، وفى وقت افتتاح أى فيلم جديد فى السينما صباح الاثنين من كل أسبوع كان لزاماً على الجميع أن يدخلوا بالبذلة وربطة العنق «لو مش لابس كرافته ما تدخلش».

من الممكن اعتبار نيقولا شاهد عيان على فترة عاشتها مدينة الإسكندرية، يقول عنها المثقفون أنها ولَّت ولن تعود، تلك الفترة التى خلدها الروائى الشهير لورانس داريل فى رباعيته التى لا تقل عنه شهرة، مدينة متعددة الأجناس والألوان، يعيش فيها اليونانيون إلى جوار الإيطاليين والأرمن والمصريين بجميع أطيافهم، يهود ومسيحيون ومسلمون. باشوات وأفندية وعمال وأولاد بلد، مثقفون وأنصاف متعلمين وأميون لا يعرفون فرقاً بين الألف وكوز الذرة.

يقول الروائى «إبراهيم عبدالمجيد» إن الإسكندرية منذ نشأتها فتحت أبوابها لليونانيين، الذين عاشوا فيها جنباً إلى جنب مع المصريين والأجناس الأخرى من الأجانب، غير أنهم اختفوا فى العصور الوسطى، وعندما شق «محمد على» فى عام ١٨٢٢ ترعة المحمودية التى ربطت بين النيل والمدينة، انتعشت الإسكندرية، وعاد إليها اليونانيون مرة أخرى والقبارصة والإيطاليون وكل الذين كانوا مضطهدين فى العالم سواء أرمن أو يهود، هؤلاء كما يقول «عبد المجيد» حصل عدد منهم على الجنسية المصرية طبقاً للقوانين المعمول بها فى ذلك الوقت، أما الذين لم يحصلوا على الجنسية فقد خرجوا من المدينة بعد حرب ١٩٥٦، لكن العدد الأكبر خرج عقب قرارات التأميم، فورث المصريون أماكنهم، وهو الشىء الذى يصفه «عبدالمجيد» بـ«الجيد»، غير أنه يعود فيقول إنه أفقد المدينة روح التسامح التى نشأت عليها.

نفس الشيء يؤكده الدكتور محمد راشد أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، فيقول إن التنوع السكانى الذى تمتعت به مدينة الإسكندرية جاء محصلة نتاج زمنى، فالمدينة التى أسسها الإسكندر المقدونى فى عام ٣٣٢ قبل الميلاد كانت أول مدينة يتخذها الحكام عاصمة تخرج عن نطاق الوادى والدلتا، كما كانت أول مدينة تشهد عولمة مبكرة منذ نشأتها، وبالأخص كما يقول راشد أثناء الفترة البطلمية، فقد سكن المدينة فى تلك الفترة فئات متعددة تنتمى لقارات العالم المعروفة آنذاك، أوروبا وأفريقيا وآسيا، واستطاعت الأجناس المختلفة أن تصنع أول نسيج عالمى.

يكفى أنه كان يمكن للإنسان أن يستمع فى حى الميدان الذى يقابله اليوم ميدان محطة الرمل وميدان المنشية إلى ما يقرب من ٤٠ لساناً مختلفاً، ويتساءل راشد كيف استطاعت الإسكندرية أن تدير المجتمعات المختلفة، وكيف استطاع من يقطنون المدينة أن يتقبلوا ذلك الخليط بكل أبعاده بما فى ذلك ممارسة الشعائر الدينية لكل فئة بمنتهى الحرية؟

الإجابة يصوغها راشد فى كلمة واحدة وهى «النظام» الذى فرض على كل طائفة أو فئة أن تنتظم فى حى خاص بها، فعلى سبيل المثال كان الحى اليهودى يقع بجوار القصر الملكى وهى المنطقة التى يشغلها حالياً حى الشاطبى على كورنيش مدينة الإسكندرية.

يعبر «راشد» بسرعة على تاريخ مصر فى الفترة الرومانية، وما تلاها من دخول المسيحية الإسكندرية وانتشارها بها وما واجهه معتنقوها من اضطهاد الرومان، قبل أن يصل لبداية دخول العرب مصر، فيقول إنه مثبوت تاريخياً أن رهبان وادى النطرون خرجوا جميعاً لاستقبال عمرو بن العاص عندما دخل مصر، وهو ما عكس تسامحاً كانت المدينة تنعم به، واستمر مع استقرار العرب فى مصر، وتحول عدد من المصريين للدين الإسلامى، وحتى ثورة الأقباط التى قامت بعد دخول العرب إلى مصر وكانت الإسكندرية مركزها، لم يكن مبعثها، كما يقول «راشد»، دينيا بقدر ما كان اقتصادياً عندما أتاح الحكام للعرب الاشتغال بالزراعة فوجد الأقباط أنفسهم فى وضع منافسة مع العرب على لقمة العيش، الأمر الذى استفزهم وألجأهم للثورة.

ومع مرور الزمن تغير تركيب المدينة السكانى، كما يواصل راشد، فخرج الأجانب وزادت هجرة الريفيين للمدينة، الذين سكنوا بدورهم الأطراف وراحوا يقيمون مجتمعات قائمة بذاتها تجذب كل ما هو فقير كالمغناطيس، وتولدت مشكلات من نوعية الجهل والبطالة أدت بدورها إلى اضطراب فى فهم الدين وممارسته، وهو ما قاد المدينة فى النهاية للحال التى تعيش عليها الآن.

يفصل الكاتب «جلال عامر» ما طرحه الدكتور «محمد راشد» أكثر فيقول إن سبب تحول مدينة الإسكندرية من تسامحها إلى ما هى عليه الآن جاء بسبب استيلاء الجماعات السلفية على المدينة، فى وقت كانت فيه الدولة مشغولة بمقاومة «الإخوان المسلمين» لأنهم طلاب كراسى وحكم، أما السلفيون فهم ليسوا طلاب سلطة، كما تعتقد الدولة، ولذلك فقد غضت الطرف عنهم وتركتهم يستولون على مصر بشكل عام والإسكندرية بشكل خاص،

وينشرون أفكارهم التى يرجع إليها عامر «خراب المجتمع»، ويدلل على ذلك بمنشورات اعتاد السلفيون توزيعها على السكان تطلب منهم عدم الاحتفال بشم النسيم، وتنهاهم عن معايدة إخوانهم من المسيحيين، ومشاطرتهم أحزانهم وأفراحهم، وأصبح كل ما يأتى عبر البحر المتوسط حراماً، فى حين أن كل ما يأتى عبر البحر الأحمر حلال، وفى النهاية جاءت الخاتمة بمظاهرات علنية انطلقوا فيها عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع، موجهة ضد المسيحيين تحت سمع الدولة وبصرها.

على أن الدكتور أحمد عتمان، أستاذ الأدب اليونانى بجامعة القاهرة، لا يرى أن المشكلة تقتصر على الإسكندرية فقط، وإنما تمتد إلى مصر كلها، ولا يراها مشكلة تسامح أو استيعاب، للآخر، وإنما مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية ألقت بظلالها على حياة المصريين، وحولتهم من سكان معتادين على الحياة فى بلد يتمتع بالتعددية الثقافية، إلى بلد لا يحتمل فيه الناس أنفسهم، أو بالمعنى البلدى «خلقهم ضيق»، رغم أن الإسكندرية مثلاً تمتعت على مدار تاريخها بجاليات أجنبية يونانية وإيطالية، عكست وجودها على العمارة الموجودة هناك والتى يمكن مشاهدتها حتى الآن.

ويواصل «عتمان» قائلاً إن التحول ضرب مصر كلها، وانتشر ما يسميه «التشدد الدينى لدى المسلمين والمسيحيين» الذى يوجزه فى «مغالاة فى التدين»، و«مغالاة فى التمسك بالرموز الدينية»، مع ابتعاد تام عن جوهر الدين عند الطرفين.

سماح عبدالعاطى- المصرى اليوم