Showing posts with label ثورة الياسمين. Show all posts
Showing posts with label ثورة الياسمين. Show all posts

Friday, March 18, 2011

وطنى ليس حقيبة

أكتب عن ثورات العالم العربى. أكتب عن مصر. ليبيا. تونس. اليمن.. وأكتب عن السعودية من زاوية أخرى...

الجميع يحكى عن الإصلاح. الشعوب تتجرأ وتطالب، والحكومات تنصت بحذر، لأول مرة تعلم أن لشعوبها صوتاً وأن حركة فيزيوكيميائية تنتج عن هذا الصوت فتنقله للشوارع ببساطة لتنيرها وتشعل ركودها. لأول مرة تسمع الحكومات أصوات أبنائها. مصطلح (كالإصلاح التدريجى) لم يعد له مكان فى زمن النور والتغيير. الإصلاح الفورى مطلوب، ولا خوف على الشعوب من وهم الصدمة الإصلاحية، فالطامة الحقيقة كانت بالسكوت عن الفساد وتأجيل العلاج بحجة أن الشعب غير مؤهل. وكأن أفراده أطفال بلغوا من الجهل والتخلف مبلغاً كبيراً، تفصلهم عن حكوماتهم المتقدمة الجادة فى التغيير آلاف من سنوات وعصور الظلام، عدا الصحة والتعليم والفقر والديكتاتورية والفساد بمختلف أنواعه، هناك الفساد الأكبر الذى أعتبره دعامة من دعامات الحكم فى العالم العربى. القبلية والطائفية والعائلية والمناطقية التى أصروا على إقحامنا بها، ومارسناها بجدارة لأننا فى النهاية عرب فرحون معتزون بأصولنا وجذورنا وتباهينا على الخلق بالحسب والنسب والدين.

التفرقة الطائفية والعنصرية أدتا لتمييع مفهوم المواطنة وعدم وضوحه. حتى إن تعريف هذا المفهوم لا وجود له بالقاموس السياسى العربى ولا وجود له بقاموس أى وطن.

لا أعلم إن كان عدم الاستقرار السياسى والخوف من المجهول وعدم الثقة فى الأنظمة هو السبب، لكن النتيجة الواحدة هى أن أفراد العالم العربى بحثوا عن أوطان بديلة غير التى اتفقت عليها خرائط بريطانيا وفرنسا، وجدوا أوطانهم الجديدة فى أماكن عدة، كل بحسب ما يجد ملاذه وأمانه. فى لبنان، الطائفية تغنى أبناءها عن الوطن اللبنانى. وفى مصر اشتعلت بين المسلمين والأقباط. وفى ليبيا هناك حديث عن أن الشرق هو أصل الثورة. والأردن بلد العشائر بجدارة. والسعودية والخليج تهددهما القبلية بطريقة مرعبة.. وهكذا دواليك.

الآن.. هل ستقوم الحكومات بمعالجة الفساد من وجهة نظرها الخاصة أم من وجهة نظر الوطن؟

يرى أهالى المنطقة الوسطى فى السعودية (نجد) أنهم يحتلون مرتبة عالية تنزههم عن بقية المواطنين المنتمين لشمال وجنوب وغرب السعودية. ويعتقد أهالى الحجاز أنهم متحضرون متقدمون على من يسمونهم (البدو) دون أدنى معرفة للمقصود بالبدوى.

أما أهالى الجنوب، فبنظر البقية دخلاء، بحكم انتمائهم لليمن قبل توحيد السعودية. ويطلق عليهم تهكماً (٠٧) وهو الرمز الهاتفى للمنطقة الجنوبية.

هناك الأفراد الأصليون والفرعيون، وهناك المنبوذون.

بصفة عامة هناك تصنيف داخلى يفرق بين المواطنين ويقسمهم لطبقات. أساس التقسيم هو النسب والدين. بالنسبة للنسب فتستخدم قوة الكهرباء للسخرية وليقيّم بها الأفراد بعضهم البعض.. هناك تصنيف (٢٢٠ فولت) ويرجع أبناء هذا التصنيف لأصول قبلية، وهم تقريباً المواطنون درجة أولى فى البلاد. وهناك تصنيف (١١٠ فولت) وهؤلاء يعودون لأصل (خضيرى) ولا ينتمون فعلياً لقبيلة عريقة، وهناك الصناع والصلب غير معروفى الأصل. ثم هناك (طرش البحر) الذين أتوا من مختلف المعمورة إلى بلاد الحجاز، الواقعة على البحر الأحمر، منذ مئات السنين للحج والتجارة وعاشوا بها واستوطنوها وامتلكوا جنسيات محلية بعد الوحدة السعودية. هؤلاء ينظر إليهم بشىء من الشك كونهم لا يرجعون لأصول عدنانية وكون المنتمين للداخل أفضل سكان العالم، فكان أن تحول اسمهم إلى (حج ولم يعد) والأخيرون ليسوا بأفضل حال، فكما ذكرت هم بدورهم يصنفون جميع أبناء المناطق الأخرى (بدوان) متخلفون تصعب مخالطتهم ويستحيل التعاطى معهم. هذا من زواية النسب، أما من زاوية الدين فالفكر المحلى يسير بمنحى دينى خطير وهو تكفير المواطنين السُنّة للمواطنين الشيعة، مقتدين بفتاوى دينية تكفيرية أقرها أبرز رجال الدين السعوديين. وإذا ما علمنا أن التكفير يبيح هدر دم الخارج عن الدين والملة فيمكن لتلك الفرقة الدينية إشعال فتيل معارك طاحنة أهلية بأى وقت إن لم يتم تداركها فوراً. والمفترض أن يتم علاج المسألة من قبل المواطنين أنفسهم بإعادة التفكير بالفتوى. لكن مع الأسف، الجمهور الغفير نائم وعليه، كل يعتقد أنه الأفضل، معتبراً الآخرين عالة على دولته، مؤمناً بأن وجوده هو سبب علو شأن هذه الدولة وأنه لولاه ولولا نسبه لانتهى أمرها. حين قام الملك عبدالعزيز آل سعود بتوحيد الأراضى والقبائل وضمها فى إطار واحد أطلق عليه مملكة نجد والحجاز ثم تغير اسمها ليصبح الاسم الحالى (المملكة العربية السعودية) قيل إنه تمكن من تحقيق التوحيد السياسى بجدارة، لكن لا يبدو أن التوحيد الاجتماعى قد تحقق أبداً. ولم يكن الانصهار السياسى دافعاً لتحقيق الانصهار العاطفى الوطنى بين القبائل والمناطق، ولو تم الإبقاء على اختلاف الثقافات فيما بينها.

فحتى التزاوج يصعب فى كثير من الأحيان بين أفراد المناطق المختلفة بل يبدو معقداً. فالقبيلى لا يزوج ابنته لخضيرى وإن كانا يعيشان بنفس المكان وينتميان لذات المنطقة. وقد حدثت قصة شهيرة قبل سنوات وهى شكوى رفعها أشقاء زوجة أمام قاض من أجل التفرقة بينها وبين زوجها بحجة عدم تكافؤهما فى النسب، فكان أن حكم القاضى بتطليقها من زوجها رغم أن لديهما عددا من الأطفال وتم الطلاق. هذا شىء من الفرقة، يمكنك رؤيته أينما ذهبت. تكتلات عنصرية غير رسمية داخل المؤسسات العامة والخاصة، محاباة، نظرة دونية للآخر مجتمع مفكك غير ملتحم. بغض وتنافر واستعلاء وتكفير.. تلك هى مشاعر أبناء الوطن تجاه بعضهم.

ما سبب هذا التعلق بالمنطقة والأصل؟

بماذا أشعر حين أقول أنا سعودية؟ وكيف أشعر حين أعلن عن قبيلتى؟ أيهما أكثر زهواً وانتصاراً؟

وبأيهما يثق الفرد: بالدولة أم بالقبيلة ؟ بالوطن أم بالقبيلة؟

هل نحن متكاتفون أم متباعدون بانتظار من يعلن لحظة الانهيار الأخيرة؟

ليس هناك أى حديث عن أهمية التلاحم والوفاق وإنهاء العنصرية والجهل، أشد الجهل «مزايين الإبل»، وهى مسابقات تجرى لانتخاب ملكة جمال الإبل التابعة للقبائل، ليتكرس التعصب القبلى بطريقة بدائية جداً وليزيد الكره دون أن نشعر به. هل سيحكى عن إصلاح هذا السقوط؟

هل نحن مواطنون؟ وهل مواطنتنا واضحة؟ وهل مطالبنا الإصلاحية واضحة إن كان تعريفنا لبعضنا ناقصاً ومختلاً؟

لو قمنا بإجراء مسح شامل حول مفهوم المواطنة من الخليج إلى المحيط، لوجدنا أن غالبية التعاريف ستدور حول المواطنة بصفتها إعانات حكومية وأغذية وأدوية ورواتب عالية وأموال وفيرة ووظائف كثيرة وأسعار زهيدة.

فهل هذه هى المواطنة التى نحلم بها وتحلم بها الأوطان؟

هل المواطنة منفعة مادية وعلاقة اقتصادية بحتة؟ هل هى علاقة مصالح بين الفرد والنظام أم أكثر من ذلك وأبعد نحو روابط قوية من الحب والترابط والتواضع والتضحية؟!

«وطنى ليس حقيبة وأنا لست مسافراً»

محمود درويش

نادين البدير- المصرى اليوم

nadinealbdear@gmail.com

Monday, January 24, 2011

الفرق بين تونس ولبنان

بينما يتنفس التونسيون عطر ثورة الياسمين على أمل تحقيق ما ظل الشعب محروما منه طوال ربع قرن من غياب الحريات.. فيقرأون صحفا لم تمسها يد الرقابة، ويتحاورون ويتجادلون كما يشاءون فى المقاهى والطرقات حول القضايا السياسية الراهنة، ويخرجون إلى الشوارع احتجاجا، ويستمعون إلى خطب يوم الجمعة دون أن تملى عليهم من أجهزة الأمن، ويتحركون فى المحافل والجامعات بغير حرس جامعى يراقب كل حركة وسكنة.. وتعقد الأحزاب وقوى المجتمع المدنى والمنظمات الحقوقية اجتماعاتها دون خوف من اعتقال أو مطاردة. وينشط الشباب إلى الإنترنت والفيس بوك ووسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة بعد أن ألغيت وزارة الإعلام (الاتصالات).. تجد تونس نفسها الآن أمام حقائق جديدة لابد من استيعابها. تملى على أى نظام سياسى ضرورة إعادة النظر فى الأوضاع القائمة، ومحاولة ملء الفراغ السياسى والدستورى الذى خلا بخلع نظام بن على وبطانته.

وهنا تكمن المشكلة. فالذين وجدوا أنفسهم فى موقع المسئولية، هم أنفسهم الذين يطالب الشعب بتغييرهم والتخلص منهم. وقد أحسنت الحركة الشعبية صنعا، وبالذات قيادات المجتمع المدنى واتحاد الشغل (النقابات) حين أصرت على استبعاد الغنوشى نفسه وكل وزراء الحزب الدستورى الذين وقفوا مع الطاغية، وتشكيل حكومة انقاذ وطنى. واضطر الغنوشى إلى التسليم وتعهد باعتزال العمل السياسى بعد انتهاء الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات، وتولى حكومة جديدة زمام المسئولية.

غير أن الخروج من المأزق الراهن لن يكون بهذه البساطة.. فقد أعطى التأييد الشعبى الجارف زخما للحركة التى انطلقت من غضبة تلقائية لشاب أشعل النار فى نفسه احتجاجا على ما يعانيه من بطالة ومطاردة أمنية.. كان الحادث نوعا من طلب الخلاص والتحرر من ظروف اجتماعية خانقة.. صرخة فى وجه الطغيان وتحريضا للشعب على المواجهة.

واستجاب الشعب التونسى للصرخة. ولكن المشكلة التى بقيت تواجه الثورة أن المجتمع التونسى تعرض خلال سنوات طويلة من القمع والكبت لتجريف سياسى قاصم. أفرغ تونس من قيادات وشخصيات سياسية نافذة اضطرت إلى الهروب إلى المنافى فى باريس ولندن. وأرغم الأحزاب وقوى المعارضة ــ التى كان يمكن أن تملأ الفراغ السياسى الراهن ــ على التوارى والاختباء أو ممالأة الحزب الحاكم. وهى صورة تتكرر فى معظم البلاد العربية التى تدعى الديمقراطية.. حيث تنطفئ مصابيح الأمل ويسود اليأس أجيالا صاعدة، ويظلم المسرح فلا يبقى على خشبته غير وجوه صفيقة لا تتغير. وتسمع الحجة التى تسمعها فى مصر كثيرا عن عدم وجود صف ثان.

بعض المعلقين يرون أن نجاح ثورة شعبية فى بلد مسلم كتونس، قامت بدون تنظيم إسلامى يحركها ولا زعامة توقدها ــ دليل على المخاوف التى سرت فى بدن النظم العربية، والتى أقامت سياستها على أساس أن الإصلاح والتغيير، لا يمكن أن يتحقق إلا من أحد طريقين: فرض نظام حكم شمولى صارم، أو ترك المجتمعات العربية لقمة سائغة بين يدى التطرف والتعصب الذى تغذيه بعض الحركات السياسية الإسلامية. وانتهى الأمر إلى تفضيل الديكتاتورية المطعمة بالفساد. وهذه كما كشفت أحداث تونس وجهة نظر عقيمة فاسدة. تشجعها أمريكا والغرب بحجة مكافحة الإرهاب!

إن الصور التى حملتها محطات التليفزيون، تعكس من خلال تفاعلات الشارع التونسى وجوها لشباب وشابات رجالا ونساء من مختلف الأعمار.. جيل جديد من المحتجين لا تحركه شعارات إسلامية أو نداءات طائفية أو حزبية، بل مطالب ديمقراطية لحكم نظيف قادر على محاربة الفساد. وهى مرحلة من النضج لم تتوفر حتى الآن فى عديد من الشعوب العربية ومنها مصر.

وحتى هذه اللحظة لم يسمح التونسيون لأطراف خارجية بالتدخل فيما يجرى فى تونس، حتى عندما تطوع العقيد القذافى بالدفاع عن بن على. وهذا هو الفرق بين تونس ولبنان. فحيث تتشرذم القوى السياسية فى لبنان، ويبحث كل فريق عن شرعية خارجية تسانده، يصبح انهيار الدولة محتوما، ويصبح تدخل الغرب مقدرا. وذلك ما تسعى تونس إلى تجنبه، حفاظا على انجازات قد تذهب هباء، إذا تغلبت حالة الفوضى ولم تنجح القوى السياسية فى التوافق على حل للخروج من المأزق الراهن

بقلم:سلامة أحمد سلامة- الشروق

Friday, January 21, 2011

المُدوِن التونسي سليم عمامو.. من معتقل إلى وزير في حكومة الغنوشي

بعد أيام من إطلاق سراحه من السجن، تحول سليم عمامو من مُلاحَقٍ أمنيًّا إلى وزير للدولة مكلف بالشباب. وفيما يخشى البعض أن يكون تعيينه مجرد لمسة تجميلية، يرى آخرون أن عمامو سيدعم حرية الرأي ومناهضة الرقابة على الانترنت

من المعتقل إلى عضو داخل الحكومة التونسيةالمؤقتة، وصف يختزل مسيرة المدون التونسي سليم عمامو، الذي كان اعتقل في السادس من الشهر الحالي إبان الاحتجاجات الواسعة في تونس بتهمة الانتماء إلى مجموعة "أنونموس" التي مارست القرصنة الالكترونية ضد مواقع للحكومة التونسية قبل إطلاق سراحه في 13 من الشهر نفسه، أي بيوم من سقوط بن علي.

الشاب البالغ من العمر 33 عاما الذي وقع الاختيار عليه لشغل منصب كاتب الدولة(وزير دولة) المكلف بالشباب لدى وزير الشباب والطفولة، عُرف "بحملاته ضد جهاز الرقابة في تونس والمعروف باسم "عمار 404" وبنضاله من أجل حرية التعبير وفتح المجال الالكتروني لكل التونسيين دون رقابة أو وصاية"، وفق ما يصفه صديقه وزميله في النضال من أجل رفع الرقابة عن الانترنت في تونس المدون التونسي سفيان الشورابي في حوار مع دويتشه فيله.

"الانتصار على عمار 404"

ويعرب الشورابي، الذي لم يتجاوز عمره 28عاما، عن ثقته بأن تواجد المدون سليم عمامو داخل الحكومة التونسية المؤقتة من شأنه أن يشكل "صمام الأمان أمام أي محاولة للالتفاف على مطالب التونسيين في الدخول إلى شبكة الانترنت دون أي رقابة". ويؤكد قائلا: " تواجده سوف يساهم في إدراك مسيري البلاد أن عهد ممارسة الرقابة على عقول التونسيين قد ولى ومضى مع انتهاء عهد الخوف". ويشدد سفيان الشورابي على أن سليم عمامو "سوف يلعب دورا كبيرا في إعادة إحياء دور المؤسسات الشبابية في تونس التي تعد مهترئة ولا تلعب أي دور كبير في الاتصال بالشباب".

وقد ذاع صيت المدون سليم عمامو خلال تغطيته للاحتجاجات الواسعة من خلال مدونة "نواة تونس"، التي يعتبر أحد مؤسسيها، وذلك في ظل الحظر الذي كان مفروضا على الإعلام الرسمي والخاص. وكانت هذه المدونة، التي قيل أنها قد تعرضت عديد المرات لمحاولات قرصنة وحجب من قبل "عمار 404"تنشر تقارير صحفية عن الاحتجاجات في شتى أنحاء البلاد ومقاطع فيديو للأحداث، كاسرة بذلك الحظر الذي حاول نظام بن علي فرضه على شتى وسائل الإعلام.

كما شكلت مدونة "نواة تونس" المنصة للتونسيين للتعليق على الأحداث والتعبير عن غضبهم من بن علي ومطالبهم له بالرحيل.وكان عمامو قد دعا في 22من أيار/مايو الماضي إلى تنظيم مظاهرة أمام مقر وزارة تكنولوجيا الاتصالات في تونس للاحتجاج على الرقابة الشديدة التي كانت السلطات التونسية تمارسها على الانترنت. وقامت الشرطة التونسية إبانها بالحيلولة دون تنظيم هذه المظاهرة.

"إيصال صوت شعب الانترنت"

سليم عمامو نفسه، عُرف بصورة شاب يدخن الغليون ويضع نظارات ذات إطار أسود، تناقلتها المدونات التونسية والصفحات المختلفة على موقع فيسبوك، حين تعرض للاعتقال، قال في حديث لقناة تي.أف.1التلفزية الفرنسية أنه لم يكن يسعى للحصول على أي منصب سياسي وإنما قد "فوجئ حينما وقع عليه الاختيار قبل نحو نصف ساعة من الإعلان عن تشكيلة الحكومة المؤقتة".

وشدد عمامو على أن تغطيته للاحتجاجات الواسعة التي أدت إلى الإطاحة ببن علي ونشاطه المناهض للنظام البائد على شبكة الانترنت لم يكن نابعا من أي انتماء سياسي، مؤكدا أنه لا ينتمي إلى أي حزب سياسي وأنه لم ينشط أبدا سياسيا، وأن هدفه كان إيصال صوت "شعب الانترنت".

وعلى الرغم من أن المدونات والمواقع الالكترونية الاجتماعية على غرار "فيسبوك" وبدرجة أقل "تويتر" قد لعبت دورا مهما في نشر الأخبار والصور في كسر التعتيم الإعلامي الذي فرضه النظام المطاح به، على الاحتجاجات الواسعة وتونس، بل واستخدم وسائل الإعلام في تشويهها، إلا أن عمامو يؤكد أن الشباب التونسي هو "من صنع الثورة". ويوضح عمامو بأن التونسيين "هم الذين خرجوا إلى الشوارع وتظاهروا" ضد نظام بن علي وضد الفساد وضد القمع.
مطالب بعدم مشاركة عمامو في الحكومة المؤقتة.

ولكن كثيرة هي الأصوات المنادية بعدم مشاركة سليم عمامو في الحكومة المؤقتة، التي تعتبر" غير شرعية" في نظر قطاع من التونسيين الذين شاركوا في الاحتجاجات وما يزالون يقومون بها، ويعللون رأيهم بأنها تضم وزراء من عهد الرئيس المخلوع، كما يطالبون أيضا على المدونات وفي موقع "فيسبوك" بعدم الانضمام إلى حكومة – حتى وإن هي مؤقتة –خشية أن "تلتف على ثورتهم".

وقد كتب أحدهم تعليقا في مدونة "نواة تونس" يقول من خلالها أنه قد سئم "رؤية هؤلاء البورجوازيين" في إشارة منه إلى عمامو، معتبرا أن "هؤلاء دائما من المحظوظين"، قبل ثورة الياسمين وبعدها.

وبالفعل فإن عمامو صاحب شركة مختصة في الاستشارات في مجال الانترنت لم يكن من أولئك الذين الشبان يعانون البطالة، والآن إذا به يُعيّن كاتبا للدولة مكلفا بالشباب، وربما هذا ما يزيد من مخاوف البعض من أن تعيين عمامو إنما هو "مجرد إجراء تجميلي" لا غير.

غير أن سفيان الشورابي يؤكد في مقابلة مع دويتشه فيله أن سليم عمامو "ليس من أولئك الذين يمكن التلاعب بهم بهذه السهولة". ويعرب عن ثقته في دور عمامو، ويقول: "في حال حدوث أي محاولات لإخراس أصوات المدونين أو النشطاء على الانترنت، فلا أعتقد أن سليم عمامو سوف يواصل توليه هذه المسؤولية". ويتحدث سفيان، وهو بدوره صاحب مدونة "تونس أخرى ممكنة"، على لسان أبناء جيله، الذين تظاهروا في الشوارع وكسروا التعتيم عبر الانترنت، قائلا: "المدونون الآن يعلقون آمالا كبيرة على أن يحافظ سليم عمامو على هذه المكاسب التي تحققت بفضل انتفاضة التونسيين."

شمس العياري

مراجعة: منصف السليمي

Thursday, January 20, 2011

من وحى تظاهرة الصليب

أثناء التظاهرة كنت أقف على بعد خطوات من رافعى الصليب. أنا من بلد لا يعرف التظاهرات. أنتمى لمجتمع لم يعتد البوح عن المكنونات إلا سراً وبالجلسات الخاصة. شاهدت عن قرب كثيراً من مظاهرات أوروبا، لكنها المصادفة التى لم تجمعنى بأى مظاهرة عربية سوى تلك التى خرجت ذلك اليوم تلوح لأجل الصليب. كأنى لمحتها تلوح لى وتدفعنى للتساؤل: لم لا يحق لى التظاهر وإعلان رفضى أو تأييدى مثلهم؟

لأن المفترض والمتوقع منى سياسياً، كمواطنة صالحة، مبادرتى باتخاذ موقف التأييد على الدوام. تأييد كل شىء. فإذا ما قررت أن أكون غير صالحة أعلنت رفضى سرا لا جهراً. تلك ردود أفعالنا عادة. منذ بدأت الكتابة اعتدت تلقى رسائل من رجال مختلفى الجنسيات العربية، يعيدون فيها كتابة عبارة تتردد على مسمعى: «أنت قلت ما لم يقله الرجال»، «عجز الرجال عن مجاراة جرأتك».. إلى آخر تلك العبارات المتكلة التى تستفزنى. فى الحقيقة لا أعلم عن أى جرأة يتحدثون، فكل ما أفعله أنى ألحظ حدثاً يغيظنى فأكتب عنه. أما الجرأة فشأن آخر لا علاقة له بالتعبير عن الرأى والمجازفة بإعلان الرفض. لكن سؤالى المطروح هو: إن كانت الكتابة عن الأمر عملاً جريئاً فلم لم يكتبه الرجال ولم لم يقله الرجال؟ أليست الجرأة سمة الرجال لا النساء؟

يعتقد البعض أن الرجال تعلموا من وزراء الداخلية العرب (يمشوا ع العجين مايلخبطهوش)، ويعتقدون أن الرجال لم يعد بمقدرتهم خسارة ما خسروه فى الماضى لأجل قضايا مستقبلية خاسرة بدورها. الرجال خائفون، مذعورون، يقلقهم المجهول، وترعبهم الحكومات، وتقف لهم أجهزتها الأمنية بالمرصاد. مرض المحارب القديم الساكن فيهم وصار عجوزاً. أخذوا يلتفتون حولهم أينما ذهبوا بحثا عن منقذ جرىء يبعث فيهم الأمل بالشفاء، عن الشجاع، عن أى أضحية عداهم. لا يعلمون أن شفاء المحارب من آلامه المزمنة التى سببها قمع الاستخبارات يستلزم استذكار دروس الإيمان الماضية. الحقيقة أنه لم يكن محارباً جريئاً بل كان محارباً مؤمناً. الأمر برمته ليس بحاجة لجرأة أو شجاعة أو أضحيات مؤقتة ينتهى أثرها بمجرد دفنها، بل لإيمان بالمقام الأول. حين تؤمن بأنك تستحق حياة أفضل فستنفذ المستحيل وستتحدى الجيوش لأجل حلم الحياة الفضلى. وحين تؤمن بأنك مخلوق محترم يستحق أن يعامل باحترام فستتوقف ساعة الكون عن الدوران بانتظار أوامرك. حينها ستدق ساعة الصفر وطبول الإنذار. سيعلن الكون عن انتهاء الماضى وتدمير كل مجراته. سيعلن عن انفجار جديد وولادة مجرة شرطها الوحيد أنك رجل محترم. كل نجاح أساسه الإيمان. وكل تظاهرة أساسها الإيمان، كإيمان رافعى الصليب بالدفاع عنه. كإيمان التونسيين بالتغيير. ليس أصعب من التغيير. التغيير مخيف، لذلك تهابه الشعوب الراكدة فتدعو ليل نهار (الله لا يغير علينا) وهو أمر منطقى، إذ لم يعد سهلاً عليها القيام بالتغيير لأنها على موعد مع الأسوأ دائماً.

يحزننى ما وصل إليه بدوى الصحراء الذى امتاز بتغييره الدائم لكل نمط حياة. اليوم يدعو الله بدوام الاستقرار ودوام الحال. كيف حدث ذلك؟

البدوى كان من أشد الناس مراساً وأصعبهم تكيفاً فكيف تم تطويعه وتحويله لحياة الخمول والخضوع؟

كيف توصف معيشته بعد انتقالها من حرية الصحراء إلى كنف المدنية والسياسة الخانقة؟

هل صار البدوى جباناً؟

أذكر أنه أيام الجامعة كنا كلما تذمرنا من سوء معاملة إحدى الأستاذات نجمع على إبلاغ العميدة أو رئيس الجامعة بالأمر من خلال شكوى كتابية أو لفظية.

مرة، مثل كل مرة، كنت أسير بين مجموعة من الطالبات، أُحضر برأسى مجموعة من العبارات لأقولها أمام العميدة لإقناعها بشكوانا، وحين وصلنا لمكتبها نظرت خلفى فلم أجد أحداً، بقى منا خمس طالبات فقط من أصل خمس وعشرين أو يزيد. ما سبب ذلك بين فئات الشعب العمرية المتفق (عالمياً) أنها الأكثر جرأة وجنوناً وإقداماً دون تفكير؟.. ما سبب ذلك بين بنات الصحراء اللواتى عرفن بالجرأة والقوة وفصاحة اللسان؟

ثم إن هذه الفئة الصغيرة تفكر وتحسب الحساب وتخاف وتسكت فى النهاية، فيما الوضع الطبيعى لأى مراهقة المجازفة والتحدى ودخول المخاطر. أهو الخوف من المجهول؟ أم العقاب؟ أم أنها الثقافة التى لا تعرف الشكوى واعتادت الصمت؟!.. فى الامتناع عن الشكوى عزة نفس. هذا جزء من ثقافتنا.

ثقافة الديمقراطية مغيبة لأن المشرع يرفض الرأى الآخر. فى المنزل والمدرسة والمصنع والشركة وصولاً للسلطة السياسية تكون طاعة الكرسى واجبة دينياً.

أنا لم أعرف معنى الاتحاد الطلابى. لم أعش فترات انتخابية فى حياتى. لم أتعرف على البطاقة الانتخابية.

وحين جاءت أحداث الحادى عشر من سبتمبر ورفعت الولايات المتحدة شعارات عديدة لإنقاذ الشرق الأوسط ونساء الشرق الأوسط، كنت آمل أن يحدث التغيير سواء كان مصدره الداخل أو الخارج. ضغطت أمريكا كثيرا فى البداية لكنها لم تعد تضغط ولم نعد نسمع كثيراً عن ضغوطاتها بشأن إصلاح أوضاع العربيات. حتى وزيرات الخارجية النساء من كوندوليزا رايس إلى هيلارى كلينتون مؤخراً لم تترددن عن طمأنة المجتمعات أنهن تؤيدن الفكر المنتشر وأنهن معجبات بحياة العربيات.. إلخ. كانت النساء ضمن لعبة السياسة.

المهم من يكون أو من تكون أضحية اليوم؟ وهل قررت أن أكون كائنة مستقلة أم لا؟ هل قررت بدورك أن تكون كائناً محترماً ومستقلاً فى بلدك؟

اليوم أعرف أنه لن يتغير ما بى إن لم أعلن لنفسى، قبل نزولى للساحة العامة بالبلد وإعلانى للدولة أنى أستحق الحياة الأفضل وأنى مواطنة تتمتع بحقوق ديمقراطية. أنى أنتظر مساعدة الآخرين يعنى ألاَّ أراوح المكان، فى النهاية لن يشعر بألم الداخل غير أهل الداخل. آخر البطولات هى أكبر الدلائل. لم تتدخل أمريكا. لم تقصف تونس بالقنابل ولم تحم فوقها الطائرات. البيوت فى أماكنها. المدارس فى أماكنها. المصانع فى أماكنها. المتاحف. الآثار. القبائل. الكتب. الأفكار.. كل شىء فى مكانه، وحده انخلع الرئيس. لم يحتج الأمر إلى قرار من الأمم المتحدة تجمع عليه الدول الأعضاء. لم تدر الخلافات بين دول الناتو حول غزو تونس أم تركها وشأنها لمصيرها. وحده الشعب اتخذ القرار.

بوعزيزى حرق نفسه وتوالت الأجساد المحترقة لتنير الساحات العربية بشعلات التغيير البشرية، فليشتعل معها الفكر المتعفن وليتقد فكر نير جديد ليتم التغيير. وسيتم. سترون. هو الإيمان.

نادين البدير - Almasry Alyoum

nadinealbdear@gmail.com

العدوى التونسية

بدأ الخوف من «العدوى التونسية» قبل أن تبلغ الانتفاضة ذروتها وتُسقط حكم الرئيس بن على، طال هذا الخوف حكومات فى بلاد عربية أخرى لا تختلف ظروفها الموضوعية كثيراً عن تونس.

تمكنت الحكومة الجزائرية من احتواء الاحتجاجات التى وقعت فى بعض المناطق عبر إجراءات فورية لتجميد الضرائب على بعض السلع الغذائية.

أما الحكومة الأردنية فقد اتخذت إجراءات سريعة للحد من ارتفاع أسعار الغذاء، ومع ذلك خرجت مظاهرات واسعة نسبيا الجمعة الماضى. وكان واضحا تأثير الأحداث فى تونس عبر الشعارات التى رُفعت فيها مثل ( هلا يا أردن هلا.. الموت ولا المذلة).

إنها، إذن، العدوى التى تخشى حكومات عربية عدة أن تنتقل من تونس التى حقق شبابها تحولاً نوعياً فى التعبير عن الغضب المتراكم من جراء سياسات أدت إلى تفاقم الفقر وتضخم ثروات الأكثر ثراء.

وبالرغم من أن أجهزة الدولة المصرية تتميز بحساسية خاصة فى مثل هذه الظروف، فقد أبدى بعض أركان الحكومة وأباطرة المال ثقة مفرطة عبر تأكيد أن ما حدث فى تونس لا يمكن أن يؤثر فى مصر، وإذا كان صحيحاً أنه لا استنساخ ولا عدوى بالمعنى الدقيق فى التطور السياسى والاجتماعى، فهذا لا يمنع التأثير والتأثر.

ولذلك يبدو أن هؤلاء ينامون على حرير ولا يشعرون بما آلت إليه الحال فى قاع المجتمع، فالمعاناة المتزايدة لا تقتصر على القاع السحيقة، حيث تستحيل الحياة الآدمية بالنسبة إلى الخُمس (٢٠%) الأفقر من السكان الذين يحصلون على نحو ٩% من الدخل الكلى، فى الوقت الذى يستحوذ الخُمس (٢٠%) الأكثر ثراء على نحو ٤٠% من هذا الدخل.

فإلى جانب أهل القاع الأشد فقرا، يعيش نحو ٢٠% آخرون فى فقر تتفاوت معدلاته ويأس تزداد مرارته، بعد أن فقدوا الثقة فى الوعود البراَّقة على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

وبالرغم من أوجه اختلاف عدة بين الأوضاع فى تونس ومصر، فهذا وضع لا يبعث على الاطمئنان حتى بافتراض أن المطمئنين يمتلكون خططا لا سابقة لها لمعالجة التناقضات الاجتماعية الهائلة التى ترتبت على سياساتهم، فقد كان نظراؤهم فى تونس سعداء بالنمو الاقتصادى الذى تحقق لسنوات وأدى إلى شيوع اعتقاد فى أنهم حققوا معجزة.

صدق الكثيرون فى العالم قصة المعجزة التونسية التى كشف الشاب محمد بوعزيزى حقيقتها عندما أحرق نفسه، فأوقدت ناره حماس شباب صبروا طويلا وتراكم الغضب فى صدورهم.

وليست هناك مناعة إزاء مثل هذا التحول فى أى مجتمع يبلغ فيه التناقض الاجتماعى مستوى مماثلا لما وصل إليه فى تونس، حتى إذا اقترن هذا التناقض بتشظى المجتمع وتشرذمه وتفتت المصالح فيه كما هى الحال فى مصر، فهذا التفتت يحول دون نشوب انتفاضة اجتماعية يجمع المشاركين فيها هدفُ واحد ومصالح منسجمة ، ولكنه لا يمنع انفجار هبَّات متزامنة لأهداف متنوعة يمكن أن يربط بينها غضب عام ذو طابع عشوائى.

وليس صعبا الاستدلال على هذا الغضب فى أوساط عدة فى المجتمع المصرى، ويمكن أن يؤدى انتشاره إلى إضعاف «المناعة» وتقليل القدرة على مقاومة عدوى النزول إلى الشارع، حين تنتقل من مصدرها وتنتشر فى المنطقة، ففى هذه الحالة، يمكن لعدد من الاحتجاجات الاجتماعية الصغيرة التى صارت معتادة فى مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة أن تتحول إلى هبَّات تحمل هى العدوى داخلياً وتنشرها، ولكن دون أن تنتهى بالضرورة إلى النتائج التى أسفرت عنها الانتفاضة التونسية.

وتدلنا التجارب عبر التاريخ الحديث على أن الهبَّات المتزامنة التى لا يجمعها إلا الغضب المتراكم فى الصدور تكون أخطر من الانتفاضة التى يجمع المشاركين فيها هدف محدد أو أكثر، وحتى هذه الانتفاضة التى بدأت سلمية راقية فى تونس، انتهت إلى انفلات وأعمال للسلب والنهب لا يتمنى أحد حدوث مثلها فى بلاده.

وهذا هو ما ينبغى أن يعرفه النائمون على حرير والمطمئنون إلى أن تفتت المجتمع يجعله عاجزا عن الانتفاض، والمراهنون على أن تشوه وعيه يجعل الدين هو العامل الرئيسى بل الوحيد الذى يمكن أن يحركه.

وليتهم يعرفون أيضا أن إمكانات تسكين بعض الآلام الاجتماعية الناتجة عن سياستهم تتناقص، وأن الحذر من إجراءات صادمة للناس قد لا يمنع «القدر» فى حالة تقلص هذه الإمكانات، فالآثار المالية السلبية الناجمة عن العلاوات الاجتماعية التى أصبحت سنوية ودعم السلع والخدمات تتراكم وتتفاقم عجزا متزايدا فى الموازنة العامة وزيادة مخيفة فى الدين العام المحلى تقترب من تريليون جنيه (نحو ثمانمائة مليار الآن).

فإذا اضطرت الحكومة، تحت ضغط هذه الآثار المالية، إلى تقليل المسكنات الاجتماعية، قد يصبح الجسد الاجتماعى المصرى مهيأ لتلقى أى عدوى تونسية أو غيرها، إذا لم يستيقظ النائمون على حرير بعيداً عن قلب المجتمع

د. وحيد عبدالمجيد-Almasryu Alyoum

نعشق "فجر تونس الجديد"..يرعبكم ويلهمنا

كانت مواقف المسئولين العرب من ثورة تونس المجيدة التي زلزلت سبات العرب، مثيرة للشفقة وللسخرية أحيانا. فذاك قرر أن يعبر عن تأيده لرغبة الشعب التونسي في التغير وحقه بتقرير مصيره ، وانبرى أحدهم بالتغزل في شجاعة الشعب التونسي، أما "قائد ثورة الفاتح من سبتمبر" فقد هاجم "ثورة الياسمين".


عجيب أمر المتحدثين باسم أوطاننا.. رغم أننا موقنون أنهم ينطقون بما لا يعلمون، إلا إننا نذكر السادة رعاة ما تبقى من هذه الأوطان.. أليس كل زقاق ومدن العرب كسواد "تونس بن على"؟ أليس في شوارعنا كل يوم مناحة جوع وفقر وقمع وفساد؟ أليس لديكم "بوليس" ومخابرات وأمن دولة ومباحث ومتلصصين ومخبرين وإعلام يرقص في أحضانكم؟ ألستم تجيشون مئات الآلاف من المدججين بـ"القمع" لإرهاب شعوبكم تحت مسميات مكافحة الشغب والإرهاب، لأنهم يطالبون بالعيش الكريم؟

هل كان وحده زين الفارين وحرمه المصون من نهب الأرض وما تحت الأرض وقوت الشعب؟؟

هل كان نظام "المخلوع" الوحيد الذي "يحتقر لشعبه ولا يعتقد انه يستحق الحرية"؟، لأنه كان يؤمن بأن هذا الشعب "خانع ذليل ولن يواجه نظامه وساديته".

يا سادة، زين العابدين بن علي وحتى قبل لحظات من خلعه مقتنع بأن شعبه "جبان وخانع"، ولكن هذا الشعب قرر أن ينفجر ليس على طريقة "الفزعة" العربية بل على بطريقته الخاصة: "ثورة حتى الخلاص"، بمعنى يكفي "قَرَفْ".

صحيح أن ثورتهم بدأت شرارتها من شوارع سيدي بوزيد بعد أن أقدم محمد البوعزيزي على حرق نفسه، وامتدت الى كل بقعة من تونس، لكنها بالتأكيد تفجير لـ"كبت قاتل"، وأصبحت الحياة لا تُحتمل في ظل ديكتاتورية لا مثيل لها في القرن الحادي والعشرين، سوى في وطننا العربي الكبير، مع فرقٍِ بحجم "الخوازيق".

الثورة التونسية لم تكن من أجل لقمة العيش وضد البطالة وارتفاع الأسعار وضياع الأجيال فحسب، لأن التونسيين عاشوا هذه الأوضاع أثناء حكم الحبيب بورقيبة ولم يسقطوه، وسبق أن وعد بن علي في أيامه الأخيرة بتوفير الوظائف وتخفيف الأسعار لكن التونسيين أصروا على تحرير أنفسهم من الاستبداد والعبودية والذل، فقرروا العيش بكرامة وأمن وسلام، لأن الإنسان لا يحي بفتات الخبز وحده يا سادة.

التونسيون أرادوها "ثورة" وليس "انتفاضة"، ثورة ضد نظام احتل تونس وعاث فيها فسادا وتنكيلا وتكميما، وليس تجويعا فقط.

التونسيون ثاروا على الديكتاتورية التي لم تتسامح مع الإعلام وحرية التعبير وشددت الرقابة على الانترنت وقلمت المعارضة وحولتها الى "ديكور" في قصور النظام، وعزلت الشعب عن العالم وهمشته على أرضه.

يا سادة أخطر ما أقدم عليه بن علي أنه أهان التونسيين وجرح كرامتهم، واستخف بذكائهم وشبه نفسه بالقائد المتنور التقدمي الذي يعمل من أجل مصالح تونس، فمنع الآذان وأغلق الساجد وحارب الحجاب ورخص للموبقات والخمارات وفتح البلاد لكل غرباء الأرض حتى أصبح الشعب طريدا في وطنه.

ثورة تونس المجيدة لم تخلع الديكتاتور فقط، بل علقته بين السماء والأرض بطائرته "الحرام"، لا صديق ولا حليف يقبل به، باعه الجميع حتى حاشيته وأمنه وجيشه، وقبلته السعودية حبيسا ذليلا ، ممنوعا من الكلام، وكأن تاريخه الأسود ينقلب عليه.

المفارقة العجيبة والتي تدل على عنجهية ذلك الدكتاتور أنه لم يحفظ النشيد الوطني التونسي الذي يُعزف ويُنشد كل صباح، و يقول في بعض أبياته:

فلا عاش في تونس من خانها **ولا عاش من ليس من جندها

نموت و نحيا على عهدها **حياة الكرام و موت العظام

إضافة لبيتين شهيرين للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة **فلا بدّ أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي **ولا بد للقيد أن ينكســر

التونسيون ادخروا لهيب هذه الأبيات ليوم الجمعة 14 يناير/كانون الثاني، فطردوا من خان الوطن واستخف بالكرام ورثة البطولات والثورات ضد كل دخيل ومستعمر وخسيس.

أيها السادة، قد لا تحدث الثورة التونسية تغيرا كبيرا فيكم رغم قلقكم وخوفكم، لأن لكم قدرة عجيبة على البقاء، ولنا "صبر جميل ...". لكن درس تونس الذي يجب أن تفهموه جيدا هو أن صمت الشعوب الظاهر قد يكون خادعا.

فأنتم مطالبون بثورة بيضاء على أنفسكم وسياساتكم وأنظمتك التي تحكمون بها قبل أن يصفع رجل أمن شابا عربيا آخر فيتحول جسده لفتيل ثورة شعبية لا تبقي ولا تذر.

التونسيون يا سادة يحبون الأرض والخبز، لكنهم يعشقون الياسمين والحرية أكثر، ونحن كذلك


رائد العابد -

رئيس تحرير شبكة الإعلام العربية محيط