Showing posts with label د.مراد وهبه. Show all posts
Showing posts with label د.مراد وهبه. Show all posts

Sunday, April 17, 2011

أزمة فى دوجماطيقية الإخوان

فى ٢٦ مارس من هذا العام عقد شباب الإخوان مؤتمرهم الأول تحت عنوان «رؤية جديدة من الداخل». واللافت للانتباه أن انعقاد هذا المؤتمر جاء إثر ثورة شباب ٢٥ يناير، ومعنى ذلك أن ثمة علاقة «ما» بين هذين الحدثيْن.

والسؤال إذن:

■ هل فى الإمكان تحديد هذه الـ«ما»؟

- إذا كانت ثورة شباب ٢٥ يناير أحدثت تغييراً جذرياً، إذ قامت بنفى الوضع القائم استناداً إلى وضع قادم كان يتحرك فى فضاء افتراضى اسمه «فيس بوك»، فهل كان مؤتمر شباب الإخوان فى ٢٦ مارس يشير إلى ثورة، أى إلى «رؤية جديدة» على نحو ما جاء فى عنوان مؤتمرهم؟

جواب شباب الإخوان أن الغاية من عقد مؤتمرهم تحريك حوار فكرى داخل الجماعة فى إطار نقد بناء يتم تحت رعاية الجماعة.

أما جواب مكتب إرشاد الجماعة فجاء برفض عقد المؤتمر فى رسالة بعث بها على «sms» هذا نصها: «رجاء عدم إرسال أى فرد لحضور المؤتمر الذى سيعقد تحت اسم شباب الإخوان والتنبيه على الجميع بعدم حضوره».

الجوابان متناقضان تناقضاً حاداً، أى لا وسط بينهما. وتناقض من هذا النوع ينطوى على «أزمة»، لأن الأزمة بحكم طبيعتها تنطوى على إشكالية، والإشكالية تعنى التناقض.

والسؤال إذن:

■ أين تكمن الأزمة؟

- تكمن الأزمة فى علاقة شباب إخوان ٢٦ مارس بشباب ثورة ٢٥ يناير من جهة، وبينهم وبين مكتب الإرشاد من جهة أخرى. العلاقة الأولى تشى بالثورية بحكم ضيق المسافة الزمنية بين ٢٥ يناير و٢٦ مارس. والعلاقة الثانية تشى بمجاوزة شباب ٢٦ مارس لمبدأ السمع والطاعة، وهو المبدأ الحاكم للعلاقة بين مكتب الإرشاد وأعضاء الجماعة، وهو أيضا المبدأ الحاكم لفكر ابن تيمية فى القرن الثالث عشر.

فعند ابن تيمية ثمة دليلان للبرهنة على سلامة النص الدينى: الدليل السمعى والدليل العقلى، والأول يحكم الثانى لأن ما هو ثابت بالسمع فهو ثابت سواء علمنا بالعقل أم بغير العقل ثبوته، وإذا كان الشرع يقوم على السمع فيجب تقديم الشرع عند التعارض مع العقل، ولهذا فإن ابن تيمية يرفض التأويل الذى يعنى إعمال العقل فى النص الدينى بحيث يتجاوز المعنى الظاهر، ومن هنا تكون الطاعة ملازمة للسمع. ومن لزوم الطاعة والسمع تبزغ الدوجماطيقية.

والسؤال إذن:

■ ما الدوجماطيقية؟

- إن هذا اللفظ مُعَرّب وهو مشتق من اللفظ اليونانى «دوجما» ومعناها «معتقد» أى مطلق، ومن ثم يكون الدوجماطيقى هو المالك لحقيقة مطلقة، والملتزم بفرضها على الواقع، وإذا حدث ذلك امتنع الواقع عن التطور، ولكن الواقع محكوم عليه بالتطور بحكم أنه نسبى، فيلزم من ذلك مجاوزة النسبى للمطلق، ومن هنا يدخل الدوجماطيقى فى «أزمة». وهذا هو حال جماعة الإخوان الآن.

والسؤال إذن:

■ ما هو مصير هذه الأزمة؟

- أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بوضع مضى عايشته وهو يمضى من البداية إلى النهاية. بدايته حوار أجريته مع أحد الأساتذة الشبان فى علم الاجتماع بجامعة «لنينجراد» فى عام ١٩٦٩، وكان هذا الأستاذ واسمه «يدف» يرأس مجموعة من الباحثين تجرى تجارب علمية مع العمال والمهندسين فى بعض مصانع «لنينجراد». لفت انتباهه أن ثمة مسافة بين ما يعتقده الإنسان وما يصدر عنه من أفعال، ومن ثم بدأ البحث مع زملائه عن العوامل المعوقة لتنفيذ ما يعتقده الإنسان، فاكتشفوا أن العامل الذاتى يؤدى دوراً مهماً مع العوامل الموضوعية وكان الاتجاه السائد للفكر الشيوعى فى ذلك الوقت هو استبعاد العامل الذاتى -وهو هنا الإنسان- والاكتفاء بالعامل الموضوعى، وهو هنا النظام الشيوعى.

أما هؤلاء الشبان فقد ارتأوا أن العامل الذاتى المتمثل فى المبادرة والإبداع مهم للغاية، الأمر الذى يستلزم إحداث تعديل فى الماركسية السوفيتية، إلا أن هذا التعديل لم يكن ممكنا لأن الماركسية السوفيتية قد أصابتها الدوجماطيقية، وكانت النتيجة تشريد هؤلاء الباحثين. ولم يكن تشريدهم إلا تعبيرا عن حدوث أزمة فى دوجماطيقية الماركسية، وفى عام ١٩٨٩ انهارت هذه الدوجماطيقية وانهارت معها الكتلة الشيوعية

د.مراد وهبة - المصرى اليوم

Sunday, March 27, 2011

ماذا بقى من إرث عبدالرحمن بدوى؟ (١٩١٧- ٢٠٠٢)

والسؤال اللازم من العنوان هو على النحو الآتى:

مَنْ هو عبدالرحمن بدوى، وما هو إرثه؟

هو من الأساتذة العظام الذين علمونى التفلسف وأنا طالب بقسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن)، وهو الذى أشرف على رسالتى، التى كنت أعدها لنيل درجة الدكتوراة فى الفلسفة، إلا أن إشرافه قد توقف بسبب تعيينه مستشاراً ثقافياً بسفارتنا فى سويسرا، واستكمله أستاذى نجيب بلدى، أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية.

كان «بدوى» فى حالة صدام مع السلطة السياسية فى أغلب الأحيان، وبالتالى كان فى حالة هجرة متواصلة. وأظن أن كتابه الأخير «سيرة حياتى» هو تعبير صارخ عن هذه العلاقة العضوية بين الصدام والهجرة، بل هو تعبير صارخ عن أزمة المثقف العربى عندما يكون جريئاً فى التحرش بالمحرمات الثقافية.

والسؤال بعد ذلك:

ما هو إرثه؟

إرثه يمتد من الفكر الأوروبى إلى الفكر الإسلامى عبر التأليف والترجمة وتحقيق التراث. إلا أن بداية شهرته جاءت من رسالة الدكتوراة وعنوانها «الزمان الوجودى»، التى قال عنها طه حسين إنها تشهد على مولد فيلسوف مصرى. ومع ذلك كله فأنا أظن أن ما بقى من هذا الإرث «مقدمة» حررها لكتابه المعنون «التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية» (١٩٤٠).

والكتاب جملة دراسات لكبار المستشرقين، انتقاها «بدوى» لكى يدلل على إشكالية العلاقة بين العالم الإسلامى والغرب، وهى إشكالية يحار فى فهمها مفكرو هذا العصر، وفى مقدمتهم صموئيل هنتنجتون، صاحب الكتاب، الذى أثار ضجة دولية والمعنون «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمى الجديد» (١٩٩٧).

والإثارة مردودة إلى رؤيته التى يمكن إيجازها فى حتمية الصدام بين العالم الإسلامى والغرب.

وأنا أظن أنه على الرغم من صغر حجم «مقدمة» بدوى، إذ هى لا تتجاوز سبع صفحات إلا أنها تكشف عن أساس الصراع القائم الآن بين العالم الإسلامى والغرب، الذى سيدفع الاثنين إلى قطيعة قد تنتهى إلى تدمير الحضارة الإنسانية.

والمفارقة هنا أن أحداً لم يلتفت إلى هذه المقدمة، وأن أحداً لم ير مغزى انتقاء «بدوى» لتلك الدراسات. فـ«بدوى» يرى أنه ليس فى الإمكان تحديد طابع الحضارة الإسلامية إلا من موقفها من الحضارة اليونانية.

وانتهى من ذلك إلى أن الأولى متباينة أشد التباين مع الثانية. ومن معرفتنا لهذا التباين نستطيع فهم الصراع العنيف الذى قام بين كلتا الروحين. وأهم ما فى هذا التباين أن الروح اليونانية تمتاز بالذاتية، أى بشعور الذات الفردية بكيانها واستقلالها، بينما الروح الإسلامية تُفنى الذات فى كُلٍ يعلو على الذوات كلها. وإنكار الذاتية يتنافى مع تأسيس المذاهب الفلسفية كل المنافاة، لأن المذهب ليس إلا التعبير عن الذات فى موقفها إزاء الطبيعة الخارجية.

أما الروح التى تشعر بفنائها فى غيرها وعدم استقلالها بنفسها فلا تستطيع تصور الأفكار إلا على صورة «الإجماع».

ولما كان هذا الإجماع غير ممكن التحقيق إذا كانت هذه الأفكار صادرة عن فرد أو أفراد فإنها لا تفهم هذا الإجماع إلا على أنه «كلمة» هذه القوة العليا التى تفنى فيها وتخضع لها كل الخضوع، باعتبارها مخلوقة لها وصادرة عنها. الفلسفة إذن منافية لطبيعة الروح الإسلامية. ولهذا لم يُقدّر لهذه الروح أن تنتج فلسفة، بل لم نستطع فهم روح الفلسفة اليونانية. ولهذا انتشرت فتوى ابن صلاح الدين الشهرزورى (مات ٦٤٣ هـ) الخاصة بتحريم الاشتغال بالمنطق لأن مَنْ يشتغل بالمنطق يستحوذ عليه الشيطان. ومنذ تلك الفتوى اعتبر الاشتغال بالمنطق من بين الأشياء المحرمة على المؤمن.

ومع ذلك كله فأنا أظن أن ثمة بارقة أمل فى مشروعية الخروج على الإجماع بموت الجامعة العربية فى الثانى من سبتمبر من العام الماضى. وأنا أظن أيضا أن سبب هذا الموت مردود إلى لزوم الإجماع عند اتخاذ القرارات المصيرية على نحو ما جاء فى ميثاق الجامعة. وتأسيساً على ذلك يمكن القول إنه مع موت الإجماع بموت الجامعة العربية يتعافى المجتمع العربى ويكون صالحاً لرفع التناقض بينه وبين الغرب، ومن ثم للدخول فى حوار معه دفاعاً عن الحضارة الإنسانية

د.مراد وهبة - المصرى اليوم

Friday, March 25, 2011

مراد وهبة: الديمقراطية الإلكترونية قادرة على كنس المحرمات الثقافية


تجاهل من يختلف معك، إذا كان قوى الحجة».. مقولة خطيرة فى التراث العربى، يتم تطبيقها باتقان مع الدكتور مراد وهبة الفيلسوف، الذى دخل قائمة موسوعة الشخصيات العالمية، حيث يعتبر وهبة من بين الـ500 شخصية الأكثر شهرة فى العالم. الشهرة هنا تعنى التأثير. لكن الواقع المصرى يعمل عكس ذلك، فمراد وهبه مستبعد بامتياز، مثل كل القامات الفكرية الجادة، بحجة أنه يحمل أفكارًا خطرة على المجتمع المصرى. هذه الأفكار الخطرة، تزعج الناس، بمن فيهم بعض المثقفين، الذين وصفهم وهبة بأنهم أكبر طائفة خائنة فى المجتمع. سبب الانزعاج من وهبة، ربما يأتى من أفكاره الجذرية، التى لا تقبل المساومة. لكن أغرب ما سمعته أن وهبة أفسد الفلسفة.


فى 17 نوفمبر 1997 كان من المقرر أن تعقد مكتبة مصر الجديدة، ندوة فكرية يلقيها الدكتور مراد وهبة عن الإبداع فى التعليم، وأشياء أخرى كثيرة يدعو إليها وهبة كالعلمانية والتنوير، وهذه الأشياء من شأنها، أن تحكم بالضرورة، إلى تغيير فكر المجتمع، تغييرا جذريا، ومن ثم تهدد عرش النظام.

سوزان مبارك، كانت وقتها، مسئولة عن تنمية خدمات حى مصر الجديدة، وبالتالى كانت تشرف على هذه المكتبة. قبل عقد الندوة، جاء قرار سيادى بمنع عقدها، فقرر رئيس المكتبة، طارق حجى، تقديم استقالته احتجاجا على المنع الذى جاء؛ لأن وهبة: «لديه أفكار خطرة». لذلك كان لاستبعاد وهبة من الالتحام بالشارع، شقين. الأول من جماعة المثقفين، والثانى من بعض رموز النظام السابق، فضلا عن التيار الأصولى.

فى بداية ثورة 25 يناير، اتصلت بالدكتور مراد وهبة لكى أعرف رأيه فيما يحدث، وجدته متحفظا قليلا. وقرأت له مقالا بالمصرى اليوم عن التعصب من السويس إلى الإسكندرية، يتحدث فيه عن حرق كنيسة، وحرق مصر بأكملها. ثم هاتفته بعد تنحى الرئيس السابق، فوجدته متخوفا من إحباط الثورة، المعنية بالطبع بنسف الوضع القائم، وخلق وضع قادم.


سألته من بداية الثورة، كان للدكتور مراد وهبة رؤية تشاؤمية مما كان يحدث فى الشارع. وبدا عليك التحفظ من ثورة الشباب التى أطاحت بنظام الرئيس حسنى مبارك.. لماذا؟
ــ تحفظى على الثورة كان يتمثل فى نقص «الرؤية المستقبلية» للثوار. ولدىّ مصطلحان، هما «الوضع القادم»، و«الوضع القائم».

الوضع القادم يمثل ما يمكن تسميته بالرؤية المستقبلية، هذا الوضع يتكون، فى البداية، بوجود أزمة فى الوضع القائم. وطبعا الأزمة فى الوضع القائم بالنسبة للشباب كان واضحا. النظام يقول إنه مهتم بالشباب، وبتطلعات الشباب، وفى الوقت نفسه الشباب محبط ومبتئس. هم عاطلون، صعب أن يجد واحدا منهم مسكنا، وبالتالى من الصعب أن يتزوج، وهذه أزمة.

أزمة أخرى، أن النظام كان يشكو من انفجار السكان، ويعتبر أن هذا الانفجار السكانى معوقا للتنمية، ومع ذلك لا يبتكر وسائل للحد من هذا الانفجار. وبالتالى كان النظام مجرد «راصد» لهذا الانفجار السكانى، وتجاهل كيف يتعامل مع هذه الظاهرة بطريقة عصرية، بطريقة تنويرية. أقصد بذلك تنوير رجل الشارع.
وهنا دخل النظام فى أزمة أخرى، أظن أنه لم يكن على وعى بها، وهى أن رجل الشارع المتسبب فى الانفجار السكانى، اقتنصته الأصوليات الدينية ومنعته من التفكير العقلانى، وأدخلته فى أوهام.

وكان على النظام، إذا كان يريد الخروج من الأزمة، أن يكرس البرامج الفضائية لتنوير رجل الشارع. والمأساة هنا أنه قام بعكس ذلك. وهنا أذكر ظاهرة مهمة حدثت فى عام 1982 عندما عقدت مؤتمرا دوليا فلسفيا عنوانه «الفلسفة ورجل الشارع». وقد تحمس الفلاسفة فى مختلف القارات للمشاركة فى هذا المؤتمر، لأنه كان الأول فى مجاله فلسفيا.

وماذا حدث فى هذا المؤتمر؟
ــ شنت علىّ جريدة الأهرام حملة استغرقت أكثر من شهر للهجوم علىّ، بدعوى أننى أريد تدمير تراث المجتمع، وهوية المجتمع إلى الحد الذى فيه، كتب زكى نجيب محمود صفحة بالأهرام، لكى يدلل على أننى ذبحت الفلسفة فى ذلك المؤتمر، فى حين أننى كنت أتصور فى عقد هذا المؤتمر فرصة للنظام لكى يخترق عقل رجل الشارع، ويخرجه من قبضة الأصولية، إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.

نرجع مرة أخرى إلى ثورة 25 يناير، والمصطلح الوضع القائم؟
ــ كان شباب 25 يناير، على وعى بأزمة المجتمع، فعمل على إنشاء عالم افتراضى. هذا العالم الافتراضى هو ما أسميه بـ «الوضع القادم». لكن هذا العالم كان ينقصه رؤية مستقبلية إيجابية يحملها شباب 25 يناير. وكان من مهام هذه الرؤية المستقبلية، أن تقول لنا كيف نخرج من هذه الأزمة التى أصابت الوضع القائم.

ومع ذلك أظن أنهم معذورون فى هذه المسألة، لأن كان لابد من وجود مفكرين ملازمين لهؤلاء الشباب، وهم يعيشون فى عالمهم الافتراضى.

لكن أين كان المفكرون المصريون، وفى أى عالم كان يعيشون؟
ــ طرح هذا السؤال يمكن أن يوجه لتبرير جانب النقص فى الثورة. وأنا بدورى أطرح سؤالا: هل كان عالم المثقفين منفصلا عن عالم الشاب، أم ماذا؟.

أريد إجابة..
ــ رأيى أن معظم المثقفين أدوا دورهم فى تغييب الشباب، وتغييب عقل المجتمع. وأتوقف عند هذه الإجابة لكى أفسح المجال لفتح ملف المثقفين وملف المجلس الأعلى للثقافة.

وهل تعتقد أن المثقفين فشلوا فى أدوارهم؟
ــ نعم.. المثقفون فشلوا فى مواجهة التيار الأصولى الذى استولى على عقل رجل الشارع. وأنا لدىّ مصطلحان «تراكم بالتقدم وآخر بالتخلف»، ونحن من هواة التراكم بالتخلف.

الدكتور مراد وهبة تأمل قليلا، وقال: «كان سارتر يؤكد أن لدى الإنسان أحيانا سوء نية، يعتمد فيه التعامل مع البشر على أنهم قطيع، على أنهم أشياء، على أنهم دمى». ثم سألته: هل تقصد أن المثقفين تعاملوا وفقا لمقولة سارتر؟
ــ نعم، قل لى كيف تعلل غياب الجمعية المصرية الفلسفية عن المشاركة فى المؤتمرات، التى يعقدها الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية. لقد اشتكى لى ذات يوم رئيس الاتحاد الدولى، قائلا: لماذا هذا الغياب من الجمعية المصرية؟ وطلب منى أن أسأل القائمين على هذه الجمعية، فكان الجواب: «إننا لسنا فى حاجة إلى مثل هذا الاتحاد، وإنما هم الذين يحتاجون إلى مساعدتنا. وسيأتى يوم يطلبون المساعدة منا».

وأرى أن الحل يتحدد فى حالتين، الأولى أن يظهر مفكرون يتمثلون أبعاد ثورة 25 يناير، ومن ثم يساهمون فى بلورة الوضع القادم أو ما يسمى بالعالم الافتراضى بحيث يتحقق فى الواقع، ويجهز على الوضع القائم، والثانية أنه مع الوقت يتحول شباب الثورة إلى مفكرين، أى هم أنفسهم يساهمون فى استكمال هذا البعد الناقص فى ثورتهم.

قلت فى إحدى مقالاتك: «إذا كان فى الإمكان تحقيق رباعية الديمقراطية إلكترونيا، فمعنى ذلك أن السمة الإلكترونية ينبغى أن تسود مؤسسات الدولة والمجتمع. ومع ذلك فهذه السيادة لن تكون ممكنة من غير عقول إلكترونية.. ماذا تقصد بعقول إلكترونية؟!
ــ العقل الإلكترونى هو العقل الإنسانى مطعما بالتكنولوجيا الإلكترونية، أى أن تدخل فيه ما يمكن تسميته بعضو إلكترونى داخل الدماغ. هذا العضو الإلكترونى هو تكثيف للثورة الإلكترونية، التى تتسم فى جوهرها بموت المسافة زمانيا ومكانيا، الأمر الذى يترتب عليه تسريع العقل الإنسانى فى تفكيره. وأقصد بالتسريع تكثيف جملة عبارات أو فترات زمانية، كان العقل الإنسانى يستغرقها بطريقة تقليدية، وإنما الآن يمكن تطبيقها بطريقة غير تقليدية.

مثلا الفكرة المحورية فى نظرية النسبية عند ألبرت أينشتاين، أن الطاقة تساوى الكتلة فى مربع سرعة الضوء، ومعنى هذه المعادلة أنه يوجد فى الطاقة ما يساوى وزنها فى مربع سرعة الضوء. نعلم أن سرعة الضوء تساوى 300 ألف كيلو متر فى الثانية، فإذا انطلق الإنسان بسرعة الضوء تخرج منه طاقة فكرية لا يمكن تخيلها. هذه الطاقة الفكرية هى طاقة إلكترونية، يمكن أن تنطلق منا إذا ما تحول العقل الإنسانى إلى عقل إلكترونى.

أرجو توضيح ماذا تقصد؟
ــ أقول هذا لأنتقل من هذه الرمزية العلمية إلى رمزية ثورة 25 يناير. فهى ثورة إلكترونية، لأنها اعتمدت على منتج إلكترونى يسمى «الفيس بوك»، هذا الفيس بوك، لا يخضع لأى رقابة سياسية أو رقابة دولة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى تحول «الفيس بوك» على يد شباب 25 يناير من جهاز يستخدم فى النميمة إلى جهاز يستخدم لتغيير المجتمع، هذا هو إبداع ثورة 25 يناير.

والسؤال ماذا حدث فى ذلك اليوم؟ مطالبة بتحقيق سريع للغرض من الثورة، وهو تغيير جذرى للنظام القائم.

وهنا استرجع ثورة 1952، وأقارن بينها وبين ثورة 25 يناير. أرى أن ثورة 1952 كان فيها انقسام داخلى بين الضباط الأحرار. فيها ترنح بين إلغاء الأحزاب، وبين عدم إلغائها، وترنح فى كيفية التعامل مع الملك، وترنح فى رؤيتها لمستقبل الأحزاب.

أما ثورة 25 يناير فكانت حاسمة فى رؤيتها لم تقبل أى مساومة، ولم تدخل فى تفصيلات، وإنما دخلت مباشرة إلى الدعوة لإسقاط النظام. وهنا يمكن القول بتسريع الثورة، ما يمكن أن يحدث فى شهور أو سنوات حدث فى يوم. أظن أنه يمكن تفسير هذه الحالة الاستثنائية بأن عقل شباب ثورة 25 يناير دُرب على التعامل مع المنجز التكنولوجى المسمى بـ«الفيس بوك»، تعاملا كان من شأنه أن يحدث تأثيرا فى عقلية هؤلاء الشباب.

والدليل على هذا التسريع أنه أحدث ارتباكا فى النظام القائم، بحيث إنه عجز عن التعامل مع هذه الثورة الإلكترونية، وتعامل معها بطريقة بدائية، وهى التى تعرف بموقعة الجمل. المأساة هنا، أن ثورة إلكترونية تقابل ليس فقط بأسلوب تقليدى، وإنما بأسلوب بدائى، الأمر الذى أحدث فوضى.

يا دكتور مراد، كنت تؤكد مرارا أن مصر لابد أن تجتاز مكونات الديمقراطية الأربعة (العلمانية، التسامح، التنوير، والليبرالية)، والتى حققها الغرب فى 400 سنة على الأقل، ثم راجعت وقلت بموت المسافة زمانيا ومكانيا؟، فهل تقصد أن التكنولوجيا الحديثة قضت على شرط اجتياز هذه القرون؟
ــ نعم، أنت تستطيع بعملية تسريع لهذه القرون الأربعة. أولا تستطيع كنس كل المحرمات الثقافية التى تقف أمامك.

ماذا تقصد بالمحرمات الثقافية؟
ــ أقصد الأوهام التى تأخذ طابع القداسة، والتى تمنعك عن التفكير، وتمنعك عن التسريع. التفكير الإلكترونى يجعلك تكنس كل معوق أمام مكونات الديمقراطية. العلمانية، مثلا، حتى الآن أمامها محرمات ثقافية، تصل مدتها إلى 7 آلاف سنة، التى كرست للحكم الإلهى للحاكم، الذى توارثنه منذ أيام الفراعنة وحتى الآن.

هناك حساسية شديدة للعلمانية، العقل الإلكترونى ممكن يكنسها، لأن فى تكوينه التسريع، ونسف فترة الـ 7 آلاف سنة. كما أن التراث عائق زمنى يمكن أن تجتازه.

بمناسبة حديثك عن التراث. ألم تخف من القول إن ما تدعو إليه هو تراث أيضا يجب كنسه. وأقصد هنا دعوتك لفلسفة ابن رشد؟
ــ تحمس الدكتور مراد وهبة، وانتبه، وقال:

ابن رشد ليس تراثا؛ لأننا الآن نعيش فى القرن الثانى عشر، وأتساءل: متى يصبح ابن رشد تراثا؟ الإجابة تقول إذا كنا نعيش فى القرن الحادى والعشرين. ابن رشد حى وليس تراثا. وإذا رغبنا العيش فى القرن 21، فلابد أن نتجاوز ابن رشد، ونحقق ما قاله.

الكلام يأخذنا إلى الحديث عن المادة الثانية من الدستور، وكذلك الحزب السياسى لجماعة الإخوان المسلمين المزمع تأسيسه، وأيضا الحديث المنتشر عن الحضارة الإسلامية التى سمحت بحرية الإبداع والاختلاف.

ــ هذه النقطة تحتاج إلى شرح طويل. وأظن أن الأزمة التى يواجهها الإخوان المسلمين الآن، أن المعتقد الدينى مطلق وغير قابل للتطور. وتطبيق المطلق على واقع نسبى من شأنه أن يحدث أحد أمرين: أما أن المعتقد يصيبه التطور أو التغيير، وأما أن المعتقد يمنع الواقع النسبى من التطور.

وحيث إننا الآن فى ثورة إلكترونية فى تكوينها عملية التسريع. تسريع نسبى فى تطوره، يشكل خطرا على المعتقد، عندما يتلامس مع هذا التسريع. وأظن أن هذا التفسير يمكن أن يوضح لنا لماذا يدعو بعض الإخوان إلى الفصل بين الحزب السياسى، والدعوة.

ورغم هذه الدعوة إلى الفصل بينهما، ستظل الأزمة قائمة؛ لأن الحزب شاء أم لم يشئ سيكون موجها من المعتقد. وسيدخل الحزب فى أزمة مع ظاهرة تسريع التطور، أو تسريع الواقع النسبى.

ولهذا أظن من أجل سلامة المعتقد أن يبتعد الإخوان بمعتقداتهم عن التعامل مع واقع فى حالة تسريع الآن. وإذا رغبوا الانخراط فى العمل السياسى، فعليهم أن ينخرطوا فى أحزاب خالية من المعتقد الدينى. وتكون مهمتهم فى هذه الحالة، صبغ العمل السياسى بالصبغة الإنسانية التى تلاشى أى تفرقة بين أفراد الشعب المصرى.
أما إشكالية المادة الثانية، هى كالآتى: الإسلام دين ودولة، والشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. أولا هل للدولة دين؟، وإذا كان للدولة دين هل ستحاسب فى الآخرة، وهل ستحاسب فى جميع فتراتها أم فى فترة معينة. أما إشكالية الجزء الثانى من المادة الثانية، هى أن مبادئ الشريعة مطلقة، وبالتالى هى تخضع الواقع النسبى، فتمنعه من التطور، أو أن الواقع النسبى فى المطلقية الكامنة فى مبادئ الشريعة.

والمادة الثانية فى جملتها منطقيا، وألح على لفظ منطقيا تلزم الدولة، بعدم التصريح لأى حزب إلا إذا كان حزبا دينيا بوجه عام، وإسلاميا بوجه خاص. وفى عبارة أخرى أن هذه المادة تلزم الدولة بعدم التصريح لأى حزب يخلو من الشعارات الدينية.

أما الذى قيل على نحو ما سمعت من الدكتور محمد البرادعى فإن المادة الثانية تعبر عن الحضارة الإسلامية، فهذه مسألة لا علاقة لها بالنص الوارد فى المادة الثانية، لأن النص الوارد فى المادة الثانية، هو نص خاص بالمعتقد، وبمعتقد معين، أما مسألة الحضارة الإسلامية فهى مسألة تخرجنا خارج نص المادة الثانية، وتدخلنا فى نصوص أخرى، خاصة بالحضارات الإنسانية، خاصة بالبحث عن مكانة الحضارة الإسلامية فى الحضارة الإنسانية، وبذلك نخرج خارج نص المادة الثانية. وهذا فى رأيى أمر آخر، يستلزم نصا آخر لا يقتصر على الدستور المصرى وإنما يمتد إلى الدساتير الأخرى فى الدول الأخرى لبيان كيف يمكن أن تتعامل الدساتير الأخرى مع الحضارة الإسلامية.

أعرف أن لك رأيا مختلفا فيما يخص رموز الحضارة الإسلامية؟
ــ نعم، رموز الحضارة الإسلامية أوجزها فى رمزين، هما ابن سينا، وابن رشد الذى كان له الفاعلية فى تطوير المجتمع الأوربى، والثقافة الأوروبية. ابن سينا أحدث تأثيرا فى مجال الطب، ولكنه لم يحدث تأثيرا فى المجال الفلسفى بسبب نظريته عن الفيض الإلهى، وهى عبارة نظرية تقول إنه صدر عن الله عشرة عقول، والعقل العاشر يسمى العقل الفعال، وهو المسئول العالم المخلوق. أما ابن رشد، فكان أكثر عقلانية من ابن سينا إذ رفض نظرية الفيض، ورفض العقول العشرة، لأنها مسألة خرافية، وقال بالتأويل، وهو يعنى إعمال العقل فى النص الدينى باعتبار أن النص الدينى لها معنيان. معنى ظاهر وباطن. وعلى العقل أن يؤول المعنى الظاهر حتى يكتشف المعنى الباطن الذى يتفق مع العقل. وقال إنه مع التأويل يمتنع التكفير، ومع التأويل يمتنع الإجماع، فلا إجماع مع التأويل، ولا تكفير مع التأويل.

وبسبب هذه الأقوال كُفر ابن رشد فى العالم الإسلامى، وتم نفيه إلى قرية «اليوسانا» بإسبانيا، أما فى أوروبا فكان فرديدريك الثانى مقاوما للنظام الإقطاعى المتلاحم مع السلطة الدينية؛ لأنه كان منحازا للطبقة الصاعدة «طبقة التجار»، فقيل له إن أردت الانتصار فعليك إصدار قرار سياسى بترجمة مؤلفات ابن رشد. وقام بالترجمة المسيحيون واليهود إلى اللاتينية والعبرية. وبعد الترجمة ظهر تيار يسمى الرشدية اللاتينية، نسبة إلى ابن رشد وإلى اللغة التى كان يتحدث بها الأوروبيون. وحدث صراع مرير بين النظام الإقطاعى والسلطة الدينية وبين الرشدية اللاتينية، التى قُتل زعيمها بخنجر من سكرتيرته. وقد تسببت الرشدية اللاتينية فى تغذية الإصلاح الدينى، وإصلاح التنوير. ولذلك أنصح الإخوان، إذا جاز لى ذلك، أن يتوجهوا إلى ابن رشد بدلا من الانغماس فى آراء ابن تيمية المقاوم العنيف لابن رشد.

متى يحتاج المجتمع إلى الفلسفة والفلاسفة؟
ــ اندهش د. مراد من السؤال، وقال باستمرار يحتاج الناس إلى الفلسفة. أما مشكلة الفلسفة فى العالم الإسلامى، تأتى لأنه يستند إلى فكرة الإجماع، ومع الإجماع لا تفلسف. العالم الإسلامى ينص على الإجماع، والتفلسف ضد الإجماع، وبالتالى توجد حساسية فى وجود فلاسفة. وهذه النقطة أشار إليها عبدالرحمن بدوى، فى أحد مؤلفاته عن الحضارة الإسلامية. وأكد فيه أن العالم الإسلامى لا يمكن أن يخلق فيلسوفا.



حوار : سامح سامى - الشروق

Sunday, December 26, 2010

فراعنة مفيد شهاب

قرأت فى صحيفة «المصرى اليوم» بتاريخ ٢٢/١١/٢٠١٠ تصريحاً للدكتور مفيد شهاب، وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية «إن مصر دولة مركزية بطبعها منذ أيام الفراعنة، وكل شىء فيها فى يد شخص واحد»، ورأيى أن هذا التصريح وارد مثله عن توفيق الحكيم فى روايته المعنونة «عودة الروح».

فقد أعلن جمال عبدالناصر أنه كان قد تأثر بهذه الرواية قبل الثورة، وأنا بدورى أعدت قراءتها لكى أكتشف مغزى تأثر جمال عبدالناصر فإذا بى أقرأ العبارة الآتية المنقولة من الرواية «نحن فى انتظار خوفو جديد». وأظن أن خوفو قد جاء بعد طول انتظار، وحكم كما لو كان فرعوناً، ولم يجرؤ أحد على نقده كما لو كان مقدساً، ثم جاء السادات وقال عبارتين لهما دلالة تاريخية «أنا فرعون مصر، والديمقراطية لها أنياب».. ثم جاء حسنى مبارك وكان على وعى بالتناقض بين الفرعونية والديمقراطية، فاتجه نحو المادة ٧٦ من الدستور التى تنص على أن تعيين رئيس الجمهورية يتم بالاستفتاء وليس بالانتخاب، والفارق بينهما كيفى لأن الاستفتاء يستلزم مرشحاً واحداً، والواحد هنا يرمز إلى المطلق لأن المطلق هو الوحيد الذى يقال عنه إنه واحد، لذلك فإننا عندما نستفتى على واحد فهذا الواحد عندما يأتى إلى السلطة فإنه يأتى كمطلق، وبالتالى فإنه يتصف بالصفات التى تقال على المطلق، وفى مقدمة هذه الصفات «القداسة»، ومع القداسة يمتنع النقد، وقد كان هذا هو حال فرعون فى الحضارة المصرية القديمة، وهو حاله الآن فى الحضارة المصرية الحديثة.

هذا عن الاستفتاء، فماذا عن الانتخاب؟

إن الانتخاب يستلزم أكثر من مرشح، وبالتالى يلزم حذف لفظ «الواحد»، أى حذف المطلق، وأظن أن الرئيس مبارك كان على وعى وهو يطالب بضرورة إحداث تعديل فى المادة ٧٦ من الدستور، وكان ذلك فى ٢٦/٢/٢٠٠٨، بحيث يتم تعيين رئيس الجمهورية بالانتخاب وليس بالاستفتاء، وبذلك نتجاوز الواحدية إلى التعددية، كما نتجاوز أسطورة الحكم بالمطلق إلى عقلانية الحكم بالنسبى، ولكن هذا التعديل كان يستلزم بالضرورة إلغاء المادة الثانية من الدستور التى تنص على أن للدولة ديناً، أى أن للدولة مطلقاً، وبذلك يتسق هذا الإلغاء مع ما حدث من تعديل فى المادة ٧٦، وتكون النتيجة بعد ذلك إعلان أن الدولة علمانية.. إلا أن النخبة لم تكن لديها الجرأة فى الدعوة إلى هذا الإعلان لأنها لم تتحرر بعد من الروح الفرعونية، ولم تتحرر بعد مما أشيع عن العلمانية بأنها معادلة للإلحاد، إذ هى، بحكم تعريفى، ليس كذلك لأنها تعنى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق».

وقد قيل فى تبرير عدم إلغاء المادة الثانية إن المادة ٤٦ من الدستور تنص على أن الدولة تكفل حرية العقيدة وحرية إقامة الشعائر الدينية، إلا أن هذا القول ليس له ما يبرره لأنه يدخل فى تناقض غير مشروع مع الحكم المطلق المنصوص عليه فى المادة الثانية، وبالتالى تصبح المادة ٤٦ مشلولة الحركة أو بالأدق مجرد زائدة دودية.

وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن تصريح مفيد شهاب يعنى أن الحزب الوطنى الديمقراطى فى غياب العلمانية لن يكون ديمقراطياً، ومن ثم يدخل الحزب فى مأزق.

والسؤال اللازم بعد ذلك هو على النحو الآتى:

هل فى إمكان «الفكر الجديد» للجنة السياسات إخراج الحزب من ذلك المـأزق؟

بقلم د.مراد وهبة - Almasry Alyoum

Tuesday, December 14, 2010

د. "مراد وهبة": رباعية الديمقراطية تشمل العلمانية والعقد الإجتماعي والتنوير والليبرالية

أقام مركز بحوث الشرق الأوسط بمقر المركز بجامعة "عين شمس"، ندوة بعنوان "رباعية الديمقراطية " للمفكر والفيلسوف د. "مراد وهبة"- أستاذ الفلسفة بجامعة "عين شمس"، وأحد الأعضاء البارزين في المنظمات الدولية، ومؤسِّس ورئيس الجمعية الدولية لـ"ابن رشد والتنوير" عام 1994. قام بتقديمها د. "جمال شقرة"- مدير المركز- والذي أعرب عن خالص سعادته بحضور هذا المفكِّر، والذي يُعد من الشخصيات البارزة التي تم ذكرها في موسوعة الشخصيات العالمية الأكثر شهرة في العالم، وله العديد من المؤلفات منها: فلسفة الإبداع، ومستقبل الأخلاق، وجرثومة التخلف.

الديمقراطية لها انياب

في البداية، أشار د. "مراد وهبة" إلى أن مجلس قيادة الثورة قد اختلف مع "عبد الناصر" حول موضوع إعدام الملك، فقرَّر مجلس قيادة الثورة أن يتم تنفيذ رأي "جمال عبد الناصر"، ومنذ هذه اللحظة أصبح "عبد الناصر" ديكتاتورًا رغم أنفه وتأجل مشروع الديمقراطية. موضحًا أن "عبد الناصر" قد علَّق يومًا على رواية "توفيق الحكيم" "عودة الروح"، معربًا عن تأثره بها.
ورأى "وهبة" أن "عبد الناصر" قد تأثر بعبارة واحدة في الرواية، وهي "نحن في انتظار خوفو جديد". مشيرًا إلى أنها تعني "نحن في انتظار فرعون قادم" حيث أن الفرعونية تراث لم يختف. مضيفًا أن "السادات" جاء ليقول "إن الديمقراطية لها أنياب"، أما الرئيس "مبارك" فقد فطن إلى هذا التناقض بين المسار الفرعوني والديمقراطية، فقرَّر تعديل المادة (76) من الدستور المصري، بحيث يتم اختيار الرئيس بالانتخاب من بين عدة مرشَّحين وليس بالاستفتاء، وهو تعديل يغيِّر مفهوم الأمور المطلقة، ويضعها في إطار النسبي، الأمر الذي يُعد بداية التطوير.

حكم الشعب بالشعب
وأوضح "وهبة" أن كلمة ديموقراطية ترجع إلى الأصل اليوناني "ديموس" وتعني "شعب"، و"كراتوس" وتعني "سلطة" أي "سلطة الشعب". مشيرًا إلى أن الديمقراطية الأثينية من أشهر وأقدَّم نماذج الديمقراطية في العالم خلال القرن الخامس قبل الميلاد ، وأنه قد صاحب هذا المصطلح ثلاثة مبادئ رئيسية هي المساواة السياسية، والإجتماعية، وحكم الشعب بالشعب. ولكن بعد حدوث حرب البلوبونيز وهزيمة "أثينا" أمام "أسبرطة" والتي اُعتبرت هزيمة للديمقراطية والعدالة والمثاليات التي مثَّلها النظام الأثيني، وانتصارًا للقوة المادية والواقعية العملية التي مثَّلها النظان الأسبرطي، وهو ما أدَّى إلى اختفاء مفهوم الديمقراطية إلى ما يقرب من 2000 عام أي إلى القرن السادس عشر، عندما تم اكتشاف دوران الأرض حول نفسها، الأمر الذي أزعج السلطة الدينية؛ لأن التحرك يعني التغيُّر، والتغيُّر أكبر دليل على أن كل شئ نسبي، وبالتالي ظهر أول مكوِّن من مكونات الديمقراطية وهو "العلمانية" التي تعني أن نفكِّر في النسبي بما هو نسبي.

نسف الحق الإلهي للحاكم
وأكّد "وهبة" أن الثورة الإنجليزية- والمعروفة باسم الثورة المجيدة- حدثت في القرن السابع عشر؛ لنسف الحق الإلهي للحاكم، والوقوف ضد طُغيان الملَكية، وهو ما أدّى إلى ظهور نظرية العقد الإجتماعي، المكوِّن الثاني للديمقراطية. مشيرًا إلى أن هذا قد حدث بفضل اثنين من الفلاسفة الإنجليز، أحدهما هو "توماس هوبز" والآخر "جون لوك"، واللذان اتفقا على تحديد شكل العلاقة بين الحاكم والشعب. وجاء القرن الـ18 لاستكمال مسيرة التنوير، وللمناداة بعدم وجود أي سلطة على العقل إلا العقل نفسه. وأضاف: أما المكوِّن الرابع للديمقراطية، فهو الليبرالية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، حيث وُجد أن الفرد له قيمة لأن عقله له سلطان. موضحًا أن مكونات رباعية الديمقراطية هي العلمانية، والعقد الإجتماعي، والتنوير، والليبرالية، وهي أيضًا مكونات الحضارة الغربية.

جذور التنوير الأوروبي
وعن الفيلسوف الإسلامي "ابن رشد"، أكّد "وهبة" أنه اهتم بدراسة فلسفته، وأن له مقولة هي: "إن ابن رشد ميت في الشرق.. حي في الغرب"، الأمر الذي يعني أن فلسفة "ابن رشد" غير موجودة في الحضارة الإسلامية؛ لأن الشيخ "الغزالي" كفَّر الفلاسفة في كتاباته، الأمر الذي أدى إلى رد "ابن رشد" ومقولته الشهيرة: "من رفع الأسباب.. فقد رفع العقل"، وقد أغضب هذا الشيخ "الغزالي" لأنه رأى أن هذا الفكر لا يُفسح المجال لمبدأ المعجزة، ولذا تم حرق كتب "ابن رشد" ونفيه إلى أوروبا. موضحًا أنه في ذات الوقت، بدأ صراع في أوروبا بين الملك "فريدريك الثاني" وطبقة التجار من جانب، والسلطة الدينية وطبقة الإقطاع من جانب آخر، وقاموا بترجمة فلسفة "ابن رشد" دون الإلتفاف إلى ديانته، وانتصر العقل والتنوير، مما يؤكّد أن جذور التنوير الأوربي تعود إلى "ابن رشد".


ميرفت عياد

Saturday, September 04, 2010

الفساد فى وأد العقل

فى الساعة الرابعة بعد ظهر السبت الموافق ٢١ أغسطس من هذا العام، أعلن الوزير الفنان فاروق حسنى أن مجهولين سرقوا لوحة «زهرة الخشخاش» للفنان العالمى فان جوخ من متحف محمود خليل. وفى صباح اليوم التالى، وصل النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود إلى المتحف، فاكتشف أن جميع أجهزة الإنذار معطلة و٤٣ كاميرا للمراقبة معطلة ماعدا سبع كاميرات، وأن اللوحة المسروقة قيمتها ٥٥ مليون دولار. وأنا أضيف إلى هذا الحادث المأساوى أحداثاً أخرى مأساوية جرت فى مؤسسات الدولة وأتساءل:

هل ثمة قانون يحكم هذه الأحداث المأساوية؟

وأجيب بسؤال:

ما القانون؟

صياغة علمية تكشف عن علاقة ضرورية بين ظاهرتين.

والسؤال إذن:

ما هما الظاهرتان اللتان تتحكمان فى تلك الأحداث المأساوية وتقوم بينهما علاقة ضرورية؟

أجيب بسرد القصة التالية:

فى ٢٥ أبريل ١٩٨٤، عقدت ندوة فى القاهرة دعوت إليها نفراً من المفكرين المصريين لإجراء حوار حول العلاقة بين الاقتصاد والثقافة على ضوء قضية محددة هى ما اصطلح على تسميتها فى السبعينيات من القرن الماضى بـ«الانفتاح الاقتصادى» ومدى تأثيره على النظام الاجتماعى، وفى بداية الحوار، أثرت ما كان قد دار فى ذهنى تبريراً لعقد هذه الندوة.

قلت: مع عودة أمريكا ومعونتها المالية إلى مصر إثر طرد الاتحاد السوفيتى فى يوليو ١٩٧٢، بزغت ظاهرتان متلازمتان: الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية، وعلى الرغم مما يبدو من تناقض بينهما، فإنهما متحدتان فى الغاية وهى تدمير حضارة العصر والتكنولوجيا. ثم أثرت السؤال التالى:

هل أنا محق فى هذا التوصيف وما لازمه من تأويل؟

دار الحوار حول هذا السؤال. وفى نهاية الندوة، اختزلت ما قيل فى عبارة واحدة:

«لا أحد يستطيع أن يفلت من الفساد».

والمقصود بالفساد، فى هذه العبارة، هو الفساد الذى تفرزه العلاقة العضوية بين الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية.

والسؤال بعد ذلك:

ما طبيعة هذا النوع من الفساد؟

الأصولية الدينية تعنى إبطال إعمال العقل فى النص الدينى والرأسمالية الطفيلية تعنى المتاجرة فى غير المشروع، أى فى المخدرات وما يلازمها من شركات توظيف أموال وغسل أموال وجرائم قتل فى غياب العقل. وإذا كان ذلك كذلك فالنتيجة الحتمية فساد العقل أو بالأدق، فساد يصيب العقل. وإذا فسد العقل فسدت الثقافة.

والسؤال بعد ذلك:

كيف يمكن تحرير العقل من هذا الفساد؟

بالتنوير ليس إلا.

ولكن ما التنوير؟

هو الجرأة فى إعمال العقل بحيث لا يكون لدينا سوى سلطان العقل، ومن ثم يمتنع وأد العقل.

وماذا بعد؟

اقتحام المحرمات الثقافية التى تكبل العقل فتسلبه الجرأة.

ومَنْ هو القادر على ذلك الاقتحام؟

هو المثقف ليس إلا.

وأين يقيم هذا المثقف؟

فى المجلس الأعلى للثقافة لأنه مسؤول عن بث روح التنوير بحكم القرار الجمهورى الصادر بتأسيسه فى عام ١٩٨٨، وفى الجامعات المصرية بحكم تأسيسها على العقل والعلم.

والسؤال بعد ذلك:

ماذا جرى لهذا المثقف؟ ولماذا امتنع عن إحداث التنوير؟

هل بتأثير الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية معاً؟

وهل هما بلا منافس؟

جوابى بالإيجاب بحكم كونى عضواً بالمجلس الأعلى للثقافة، وبحكم كونى أستاذاً للفلسفة بجامعة عين شمس

د.مراد وهبة - Almasry Almasry

Saturday, September 12, 2009

.مراد وهبة يكتب .. نحو عقل فلسفى : الرئيس مبارك وإشكالية الديمقراطية


قال الرئيس مبارك للمذيع الشهير تشارلى روز فى قناة «بى. بى. سى» الأمريكية بتاريخ ١٨/٨/٢٠٠٩: «إن إدارة الرئيس جورج بوش لم تكن على صواب فى الطريقة التى انتهجتها فى نشر الديمقراطية بالمنطقة، حيث إن مصر لا تقبل ضغوطاً من أية إدارة مع احترامنا لكل الحكومات». وأظن أن عبارة الرئيس هذه تعبير موجز عن إشكالية الديمقراطية، وإذا كانت الإشكالية تنطوى على تناقض فما هو التناقض إذن الكامن فى الديمقراطية؟
ونجيب بسؤال:
هل هذا التناقض كامن فى مفهوم الديمقراطية أم فى مسار الديمقراطية؟
نشأ مصطلح «الديمقراطية» فى القرن الخامس قبل الميلاد فى كتاب «تاريخ الحرب البليبونيزية» للمؤرخ اليونانى ثوسيديس «٤٦٠-٤٠٠ ق.م» عندما ذكر عبارة رجل الدولة فى أثينا وهو بركليس: «إن أثينا هى نموذج للديمقراطية لأن دستورنا لا يحاكى قوانين الدول المجاورة، إنما هو نموذج للآخرين، وإدارتنا تنحاز إلى الأغلبية وليس إلى الأقلية، وقوانيننا ضامنة للعدالة بالنسبة إلى الكل فى شأن نزاعاتهم الخاصة، والرأى العام عندنا، يرحب بالموهبة ويجلها فى كل فرع من فروع الإنجاز، ليس لأسباب طائفية بل استناداً إلى التميز وحده».
والبين من عبارة بركليس هذه أن أحداً من الأثينيين لم يكن رافضاً لتقبل هذا المعنى للديمقراطية، إلا أن ديمقراطية أثينا جرت فى مسار بعد ذلك غير الذى كان يتصوره بركليس، إذ اشتعلت الحرب البليبونيزية بين أثينا وإسبرطة فى عام ٤٣١ ق.م، أى قبل موت بركليس بعامين، وانتهت بمعاهدة مؤقتة فى عام ٤٢١ ق.م، ثم استؤنفت الحرب فى عام ٤١٢ ودمرت أثينا بل دمرت اليونان، وتم احتلالها فى عام ٤٠٤.
وإثر هزيمة أثينا ارتأى أفلاطون «٤٢٧-٣٤٧ ق.م»، أن الديمقراطية هى سبب الهزيمة، ومن ثم دعا إلى استبعادها وإحلال الحكم المطلق بديلاً عنها، والحكم المطلق هو حكم الله، والمماثل لهذا الحكم على الأرض هو حكم الفيلسوف، ومن ثم فالفيلسوف فى رأى أفلاطون هو وحده القادر على أن يكون رئيساً لجمهوريته، وتأسيساً على ذلك دعا أفلاطون إلى ضرورة صياغة البشر فى قالب واحد بحيث يسعدون ويحزنون فى أمور واحدة وفى وقت واحد، وبذلك تتحقق وحدة المدينة، ومن هنا قال أفلاطون عن حكم المدينة إنها «إلهية».
ومن بعد أفلاطون توقف استخدام لفظ ديمقراطية لمدة ألفى عام، وانشغل علماء السياسة بدراسة النظام الملكى والنظام الأرستقراطى، وإذا ذكروا الديمقراطية فإنهم لم يذكروها إلا كنظام حكم.
وهنا لابد من إثارة هذا السؤال: لماذا توارى لفظ «ديمقراطية» لمدة ألفى عام؟
ونجيب بإثارة سؤالين: هل بسبب دعوة أفلاطون إلى حكم الله بديلاً عن حكم الشعب؟
أم هل بسبب أن الحروب مناقضة للديمقراطية؟
أظن أن فى إمكاننا العثور على الجواب عن هذين السؤالين عند أوغسطين «٣٥٤ - ٤٣٠ م» فى القرن الرابع الميلادى، فهو أولاً أفلاطونى النزعة، وقد قيل فى ذلك إن الأفلاطونية هى التى قادته إلى المسيحية،
ولا أدل على صحة هذا القول من أنه تفهم المسيحية على ضوء ما انتهى إليه من الفلسفة الأفلاطونية، ثم هو ثانياً قد رتب على ضوء هذه العلاقة بين الأفلاطونية والمسيحية تأليف كتابه التاريخى «مدينة الله»، حيث ارتأى أن ثمة مدينتين: مدينة الأرض ومدينة السماء أو مدينة الله، وبينهما حرب هائلة، الأولى تعمل على نصرة الظلم والثانية تعمل على نصرة العدالة، والمدينتان تلتقيان فى الحياة الراهنة، ولكن الصدارة لمدينة الله، ومن ثم تكون سلطة الدولة عند أوغسطين أدنى من سلطة الكنيسة،
ومن هنا يلزم خضوع الدولة للكنيسة، وبذلك تنتهى المدينة الإلهية عند أفلاطون، إلى مدينة الله عند أوغسطين، وهذه المدينة بدورها تدافع عن العدالة حتى لو أدى الأمر إلى إشعال الحرب، والحرب فى هذه الحالة يسميها أوغسطين حرباً عادلة، ومن مدينة الله ندخل إلى العصور الوسطى، حيث الحق الإلهى للحاكم.
وتأسيساً على هذا المسار يمكن القول إن اختفاء لفظ «ديمقراطية»، مردود إلى السببين معاً: دعوة أفلاطون إلى حكم الله ودعوة أوغسطين إلى الحرب العادلة بحكم خضوع الدولة لحكم الله، ومعنى ذلك أن حكم الله مناقض للديمقراطية.
والسؤال بعد ذلك: ماذا يعنى حكم الله؟
هل يعنى أن الله هو الذى يحكم وليس الإنسان، وإذا كان ذلك كذلك أفليس يعنى ذلك أن الله متغير بتغير البشر، وهذا تناقض غير مشروع بحكم ثبات الله وعدم تغيره؟
والسؤال إذن: ماذا يحدث لو أزيل هذا التناقض غير المشروع هل تعود الديمقراطية؟ وكيف تعود؟
أجيب عن هذا السؤال فى المقالات القادمة تحت عنوان «رباعية الديمقراطية».
almasry alyoum