This blog is dedicated to Egypt .... home I adore and to all sincere Egyptians who are looking forwards to live in free democratic secular nation كل زوار الموقع مدعوون الى نشر آراءهم و تعليقاتهم
Wednesday, January 19, 2011
Friday, January 14, 2011
حوار مع الأديب الحاصل على جائزة ساويرس لأفضل عمل روائى
إلا أنها لم تحظ بعد بالقراءة النقدية التى تستحقها ككتابة أدبية جادة ومجددة فى زمن الوجبات السريعة، بداية من المخاطرة فى الإقدام على مشروع أدبى ضخم أو ملحمة من خمسة أجزاء (صدر منها «الخروج» 2009 و«التكوين» و«أيام أخرى» 2010، أما جزءاها الأخيران فقد أوصى بصدورهما بعد وفاته)، ومرورا بمساءلة التاريخ على مدى 250 عاما منذ نهاية حكم المماليك وفترة حكم محمد على وحتى عام 2005، من خلال كتابة مسيرة عائلة موسى السرسى ــ التى ينتمى إليها الكاتب ــ الذى ذكره الجبرتى كأحد أبرز شيوخ الأزهر، والتى تركت قريتها وأملاكها هربا من بطش الوالى. ووصولا إلى إمكانات السرد الهائلة والكتابة التى وصفت بالفاتنة لهذا المحامى، التى تذكرنا سيرته بين القانون والكتابة بقامات مثل توفيق الحكيم ويحيى حقى، كما أنه ليس غريبا على الأدب بل له أعمال سبقت الملحمة مثل روايتى «طائر الشوك» 2000 و«جمهورية الأرضين» 2004 ومجموعة قصصية «وفاة المعلم حنا» 2003.
• ما المحرك الرئيسى الذى دفعك لتبنى مشروع ضخم مثل كتابة ملحمة روائية فى خمسة أجزاء؟ هل كانت سيرة العائلة أو رواية الأجيال «ذريعة» للتعرض لتاريخ الوطن وما آل إليه حال البلاد؟ ــ أم أنها كانت محاولة لمعرفة الذات واكتشافها من خلال السيرة العائلية الأوسع؟
ــ الدافع للكتابة إشكالية كبرى لم يصل البحث فيها إلى يقين، وفى الحقيقة فإن القاص لا يعرف لماذا يكتب، لكنه وهو يفعل يمتلك إذا كان متمكنا القدرة على توجيه رغبته الوجهة التى يرى أنها توصله إلى غايته، إلى أقصى متعة، فالكتابة متعة كبيرة، متعة الخلق والإبداع، وأنا طوال عمرى كنت أنظر إلى حكايات أسرتى التى تناقلتها عبر أجيال عديدة على أنها مادة صالحة للكتابة، لكن الأحداث الكبرى فى حياة الأسرة واكبت تحولات تاريخية ضخمة فى حياة الوطن، لذا وجدتنى وأنا أكتب أضفر أحداث الأسرة فى تاريخ الوطن، لم تكن حكايات الأسرة أبدا ذريعة للتعرض لتاريخ الوطن، إذ هى بالفعل جزء من تاريخ الوطن، هى إذن كتابة واحدة عن أسرة نبتت فى حقل الأحداث مواكبة لتحولات تاريخية جذرية فى مصر، ولأن الملحمة تغطى أحداثا تمتد لأكثر من قرنين من الزمان تعاقبت الأجيال فيها، وليس عيبا أن نحاول اكتشاف الذات والتعرف عليها، فتلك هى إحدى أهم غايات الفن بشكل عام والأدب على نحو خاص.
• تبدو الافتتاحية أو الاقتباس على لسان الشيخ الجبرتى «يا مصر انظرى إلى أولادك وهم حولك مشتتين متباعدين مشردين، واستوطنك أجلاف وأراذل وصاروا يقبضون خراجك....»، كما لو كانت حاملة لإجابة عن سؤال الملحمة. بمعنى هل اللحظة الحاضرة هى المفجرة والملحة للتنقيب فى التاريخ عبر الشكل الروائى؟
ــ فى الأوقات الصعبة يبحث الإنسان عن جذر قوى يربطه بالأرض، وأمام الأسئلة الحائرة يحن المرء إلى اليقين، واليقين هنا يتشكل عبر تاريخ شعب جبار، عبر كل المحن ليتحقق وتتحقق معه بلده. لا شك أن اللحظة الحاضرة ضاغطة، والأسئلة المطروحة شديدة الوطأة، لكن الإجابة تظل دائما ممكنة، فلقد عبر الشعب صعابا تنوء بحملها الجبال، فتعالوا نكتشف أنفسنا من جديد، وتعالوا نعيش معا كيف عبرت أسرة هى من صميم نسيج الشعب تجربتها الكبرى لتشكل لبنة فى جدار الوطن الكبير، وتمحى الصعاب ويبقى الوطن، وتنداح العقبات ويبقى الشعب، نعم اللحظة الحاضرة الضاغطة فجرت فى وجدانى شوقا عظيما للتنقيب عن جذورنا القوية وحكاياتنا الجميلة الرائعة.
• يظهر التماس فى عناوين الملحمة (الخروج) و(التكوين) مع أسفار التوراة مما يعكس التنوع المعرفى داخل العمل الروائى، لكنى أفترض أنك ربما أردت أن تعطى بعدا فلسفيا أوسع لفكرة الخروج من الأرض الأم ثم الحنين إليها على طول الطريق فيما بعد. ما هو تصورك؟
ــ فى الحقيقة غواية استلهام التراث غالبة، والتوراة تراث الإنسانية مجتمعة، ولقد اخترت العناوين وأنا واقع تحت تأثير تلك الغواية، فحكايات الخروج هى على مر الأزمان أكثر الحكايات تشويقا وألما، خروج اليهود من مصر، خروج بنى هلال فى السيرة الهلالية، خروج المسلمين الأوائل من مكة، وكلها تنويعات للخروج الأول والأهم، وهو خروج آدم من الجنة، ألم أقل إنها الغواية؟!، والسراسوة فى الرواية الأولى من روايات الملحمة الخمس (الخروج) خرجوا من جنتهم فى سرس القديمة، مع ما لذلك الخروج من سحر يتمثل فى ضبط النفس الإنسانية، وهى تعانى الاقتلاع من جذرها والبعد عن محيطها وأمنها، إنها دراما إنسانية بالغة الروعة، لذا لا غرو أن تحدث الرواية الأولى (الخروج) تلك الصدمة، أو لنقل الدهشة للقارئ، فلقد اكتشفنا أن الإنسان يمتلك قوى جبارة لا تظهر إلا فى الشدائد، وهذا هو ما تسمينه بالبعد الفلسفى لفكرة الخروج، وأنا أغبطك على هذا السؤال الذى يكشف عن تذوق جميل للنص.
أما التكوين فإن الإنسان إذا ما استقر فى مكان تتلبسه روح مغايرة، روح التكوين، وفيها يكون الصراع مختلفا تماما، إنها تجليات الاجتماع الإنسانى فى استقراره ومحاولاته، التى لا تكل ولا تهدأ من أجل إعادة الانبعاث، باعتبار أن الإنسان هو فى حقيقته حالة تقدمية رائعة، تنحو دائما نحو الصعود.
• وهل يضيف هذا بعدا انسانيا أكثر شمولا قد يتسع ليشمل مجاز الخروج من فلسطين وتعرض أهلها للشتات مثل أسرة الشيخ أم سيكون تأويلا مقحما للعمل؟
ــ أصدقك القول أنا لم أفكر أبدا على ذلك النحو، لكنى لا أستبعد أن يكون هذا الأمر كان فى عقلى الباطن، فأنا الآن أرتاح إليه، وربما يتسع النص لتأويل من هذا النوع.
• هناك اتجاه اليوم فى الدراسات التاريخية يتعامل مع النص الأدبى كشهادة حية، إلى أى مدى يمكن التعامل مع الأدب كشهادة تاريخية وهل هذا ما تطمح إليه من خلال عملك الذى يغطى سيرة عائلة على مدى 250 عاما؟
ــ الأستاذ الدكتور سامى سليمان أستاذ الأدب فى كلية الآداب جامعة القاهرة والناقد النابغ له دراسة مهمة حول ملحمة السراسوة كتاريخ مواز، نعم، بعض الدراسات التاريخية تضع الأدب ضمن مصادر التاريخ، فإذا اهتم التاريخ بحكايات الحكام فإن الأدب يحكى تاريخ الناس، ومن هنا جاءت التسمية، «التاريخ الموازى»، وفى السراسوة رأينا كيف كان لتاريخ الحكام أثره البليغ فى حياة مجموعات هائلة من الناس، وظهر جليا أن تاريخ الناس يكمل بالضرورة تاريخ الحكام والطبقات الحاكمة.
• تبدو فى أحاديثك الصحفية شديد اللوم على النقاد، رغم اعتبار الخروج ضمن أهم كتب عام 2009 وتبوؤها الصدارة فى معرض القاهرة للكتاب وكذلك الحال بالنسبة للتكوين، التى لاقت استحسانا من النقاد وفى استفتاء الأهرام: إلخ. هل تمت المصالحة بعد حصولك على جائزة ساويرس من لجنة تحكيم رفيعة المستوى؟
ــ نعم كنت وما زلت أعتبر أن منظومة النقد الأدبى على نحو خاص أصابها نوع شديد الوطأة من العطب، أنا لا أريد أن أغضب أحدا، فالنقد الذى يقود عملية الإبداع إلى غاياتها العظمى، والذى يلاحق الإبداع بالتقييم والرقابة والتحليل، والذى يكتشف الغث من السمين، هذا النقد غائب الآن فى المشهد الثقافى المصرى بالذات، وذلك لظروف تاريخية معروفة، فبعض النقاد والكتاب لم يكتب عنى لا لشىء إلا لأن انتمائى السياسى لا يعجبه، والكثيرون امتدحوا الرواية فى حضورى لكنهم لم يكتبوا عنها حرفا واحدا، ولذلك فإن أعظم ما كتب عن الرواية كتبه مبدعون كبار أمثال الأساتذة أبوالمعاطى أبوالنجا وخيرى شلبى وأحمد الخميسى ومحمود الوردانى وإبراهيم عبدالمجيد، بالإضافة إلى ما كتبه الدكتور سامى سليمان والدكتور يسرى عبدالله والدراسة العظيمة التى كتبها الدكتور محمود إسماعيل أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس، أين إذن النقاد الذين لطالما امتدحوا الرواية لكنهم لا يكتبون عنها؟!، ولكنى مع الوقت سأتعلم أن أمسك لسانى حتى لا أغضب أحدا، فلقد ردت إلى الجائزة يقينا بأن العمل الجميل قادر على أن يفرض نفسه بالرغم من المعوقات، وأنا معك فى أن الكاتب قد يقدم إنتاجا متنوعا ولا يشتبك مع الذوق إلا عمل بعينه، لكنى لا أعانى من تلك المعضلة، فهذه بديهية لا ينكرها نابه، ما أقصده هو تفشى العطب فى منظومة النقد الأدبى، وهنا يتدخل القراء أو المبدعون ليعوضوا النقص الشديد، الذى يمثله انسحاب النقد من حياتنا الأدبية، ولكنى أثمن المحاولات الرائدة والدءوب، التى يقوم بها النقاد الشباب من أمثال الدكتور سامى سليمان والدكتور يسرى عبدالله وغيرهما من النقاد الجادين المبرئين من عيب العطب أو الانسحاب.
Tuesday, December 14, 2010
غازي القصيبي .. النسيان النعمة واللعنة وجحيم يدعى الزهايمر
بيروت (رويترز) - يدفع الكاتب والدبلوماسي والوزير السعودي الراحل غازي عبد الرحمن القصيبي قارئه الى دروب رحلة رهيبة لا امل فيها هي رحلة الى جحيم عرف في عصرنا هذا باسم مرض " الزهايمر".
القصيبي الذي وافته المنية في أغسطس اب الماضي قبل أن يرى كتابه الاخير "ألزهايمر" مطبوعا يصف محتوياته باسم فيه لباقة ودبلوماسية هو "أقصوصة" الذي هرب به من مصطلح الرواية مثلا كي لا ندخل في عالم شروطها ومقوماتها.
لكن التعبير الدبلوماسي قد يقول الكثير حتى حين يمتنع احيانا عن التحديد او خاصة حين يمتنع. ومهما كان فهمنا لمصطلح الاقصوصة فسنجد ان الكاتب حملنا الى ما قد يكون اكثر من رواية ومن اي شكل قصصي اخر اذ حملنا الى الحياة نفسها بماسيها التي قد تعصى القدرة على التسمية لانها اوسع واعمق واكثر زئبقية وغرابة من الاسماء التي تهدف الى حصر معنى او صورة ما.
وقد قال القصيبي ذلك ببساطة وبكل ما في البساطة من قوة مدخلا قارئه الى عالم لا طريق للعودة منه.
قديما قيل "سبحان من وهب الانسان نعمة النسيان" لانها في بعض الاحيان تشكل طريقة لحماية النفس والهرب من ماسي الحياة ومشكلاتها المستعصية. وقيل ان بعض معاني الانسان هي ذات علاقة بالنسيان وقدرتنا على تحقيقه او قدرته على التغلب علينا. الحالتان راحة وحماية للنفس احيانا.
اما النسيان الذي يصوره لنا القصيبي فهو اشد رهبة من مصائب كبرى اخرى وقد يكون كما اضاف الكاتب وقال اخرون اشد قسوة من الموت.
ولربما وجد بعض القراء انفسهم -من ناحية ما- عند قراءة ما يدونه بطل القصيبي قبل ان يفقد الذاكرة يتذكرون كتاب الراحل الدكتور انيس فريحة "قبل ان انسى".
صدر كتاب القصيبي عن دار "بيسان للنشر والتوزيع والاعلام" في بيروت وجاء في 127 صفحة متوسطة القطع.
يبدأ الكاتب اقصوصته عبر مدخل قدم لنا فيه "بطله" والمعنى هنا لا ينطبق على الواقع فالرجل ضحية قدر ساحق وليس بطلا. وهو كذلك ليس بطلا بمعنى البطل الاغريقي القديم ذاك الذي يصارع اقدارا اقوى منه ويسقط بسبب "خلل" او ضعف ما فيه سقوطا مفجعا. اما هنا فالشخصية الاساسية او الوحيدة الرئيسية حرمت حتى من القدرة على الصراع الحقيقي. فالصراع يقتضي ارادة وتصميما ووعيا.. وضحية مرض الزهايمر بعيد عن ذلك ولا يلبث ان يغيب عن كل ذلك غيابا يوصف بانه يمحو كل شيء.
يصور غازي القصيبي لنا "يعقوب العريان" في بداية محنته. انه يعجز حتى عن ان يعبر عن حبه للتي يحب. يقول "يقف يعقوب العريان امام بائعة العطور ليشتري زجاجة من عطر زوجته المفضل... تسأله البائعة ماذا يريد ويحاول عبثا تذكر الاسم... بعد دقائق أحمر فيها وجهه وبدت عليه علامات الاضطراب غادر المتجر وهو يعد البائعة التي تبتسم بعطف بأن يعود اليها ومعه الاسم مكتوبا."
يعقوب العريان ادرك ما الذي يسير اليه فقرر ترك عائلته الحبيبة مبعدا عنها الامه ومعاناته. كل فصل من الفصول يأتي في شكل رسالة الى زوجته. يقول "عزيزتي. كان علي ان اخبرك بمجرد علمي. ومتى علمت.. قبل شهور او ربما سنة. التفاصيل الصغيرة بدأت تضيع وقريبا تضيع التفاصيل الكبيرة. اه هل يمكن ان تكبر التفاصيل وتظل مجرد تفاصيل .."
ويتلك البساطة النفاذة الجارحة يقول القصيبي بلسان العريان "لم يعد مجرد شك.. حانت ساعة القرار. ودعتك وقلت لك انني ساذهب بمفردي في رحلة عمل طويلة حول العالم..
"الا انك ادركت باحساسك الفطري... اني بحاجة الى الابتعاد عنك وعن زهير وهيفاء والناس كلهم... شددت الرحال الى طبيبي الذي اصبح صديقي البروفسور جيم ماكدونالد رئيس مركز الزهايمر في جامعة جورج تاون."
والقصيبي يتناول في لفتات واشارات سريعة وببعض التفصيل احيانا امورا مختلفة في الحياة من خلال تلك الرسائل وذلك الحديث البسيط من القلب الى قلوب القراء وان كان في الغالب موجعا للقلوب.
في الرسالة الثانية يقول شارحا مرضه لها وللقارىء موردا المعلومات المؤلمة المحزنة بأسلوب سلس "انا واثق انك سمعت عنه من قبل ولكني اشك ان لديك فكرة وافية عنه.
ألزهايمر اذا اردنا الدقة ليس اسم المرض ولكن اسم الجراح الالماني الذي اكتشف المرض الويس ألزهايمر" الذي اكتشف سنة 1906 بينما كان يجري جراحة لمريض تلفا في الدماغ لم يلحظه من سبقه.
اضاف يقول ان المرض قبل ان يحصل على اسمه هذا كان يعرف عند العرب باسم الخرف او العته الا ان الجراح الالماني اكتشف العلة في مريض لم تتقدم به السن "بينما الخرف التقليدي مرتبط بأرذل العمر. وهكذا اصبح مرض ألزهايمر يشير الى الخرف الذي يجيء قبل اوانه... الا ان الابحاث الحديثة اثبتت ان مرض ألزهايمر قد يجيء متأخرا شأن الخرف تماما... هذا المرض باختصار خلل في خلايا المخ يبدأ بضعف الذاكرة ثم اختفائها وينتهي بالوفاة."
ويورد مع المعلومات فكاهة سوداء فيقول ان هذا المرض "مرض ارستقراطي جدا وان عددا من صفوة الصفوة في الغرب قد اصيبوا به" وذكر عددا محدودا من الشخصيات منهم باري جولد وهو سناتور ومرشح سابق للرئاسة في امريكا وريتا هيوارث النجمة السنمائية الشهيرة وتشارلستون هستون ممثل الملاحم السينمائية الكبرى وغيرهم. اضاف بأسى يتخذ شكل النكتة "وأشهرهم جميعا الرئيس (الامريكي الراحل) رونالد ريجان الذي قال.. هذا مرض جميل تقابل الاشخاص انفسهم وتظن انك ترى وجوها جديدة كل يوم."
استهل القصيبي رسالة اخرى من يعقوب الى زوجته الحبيبة فيها بيت لابي الطيب المتنبي يعبر عن مأساة المصاب بهذا المرض وهو "كفى بك داء ان ترى الموت شافيا/ وحسب المنايا ان يكن امانيا."
وخلال السرد يورد الكاتب وبالطريقة السلسة عينها معلومات متنوعة منها التاريخي والاجتماعي ومنها السياسي وعن عالم الفن والسينما ونجومها وقصصهم وعلم النفس وغيرها ويأخذنا في رحلات تتحدث عن الحروب والقادة خاصة عبر انواع من الحوار تقوم بين نزلاء المستشفى الفخم من المرضى ومن خلال حالات من "الصحو" من المرض لا تلبث ان تحجبها امواج حزينة من غيبوبة الذاكرة او من اختلاط الامور بعضها ببعض. انه يكتب "بكاء" يتخذ من السخرية وسلاسة التعبير قناعا له.
وفي مثل عن ذلك يعرض علينا حديثا بين البطل والبروفسور وهو زميل صديق له يتحدث في السياسة ويظهر نفسه في صورة الدكتور هنري كيسنجر الذي كان وزيرا لخارجية الولايات المتحدة في السبعينات من القرن العشرين وقام بدور كبير في الشرق الاوسط وتساءل العريان هل البروفسور هو حقا كيسنجر "ام ان ذلك جزء من هلوسة متطورة جدا... هنا يا عزيزتي يختلط كل شيء بكل شيء. تختلط الحقائق بالاوهام... وكل شيء هنا ممكن وكل شيء هنا مستحيل."
وفي احدى الرسائل يتحدث عن تحكم الماضي بالانسان فيقول "قارني عدد الكتب التي تتحدث عن المستقبل وعدد الكتب التي تتحدث عن الماضي. انا لا املك احصائيات ولكنني مستعد للمراهنة على ان كتب المستقبل لا تصل الى 1 في المئة من كتب الماضي.. الذكريات والمذكرات والسير الذاتية وكتب التاريخ وكتب البكاء على الاطلال... والامر لا يقتصر على الشيوخ امثالي. حتى الاطفال الصغار يتحدثون عما كان "يوم كنا صغارا"..." ويسخر من اسهام العرب في النتاج الفكري العالمي حاليا.
وفي احدى الرسائل يتحدث عما يمكن وصفه بنعمة النسيان ثم عن " النسيان اللعنة" القتالة. يقول لها "بدا لي ان نسيان الاشياء السيئة لن يكون امرا سيئا. الاشياء السيئة أواه هل يوجد اكثر من الاشياء السيئة.. أليست الاشياء السيئة في طفولتنا سر العذاب الذي نعاني وطأته طيلة حياتنا طبقا للعم فرويد وحتى اعداء العم فرويد..... كما اعرف ان صديقي ألزهايمر لا يفرق بين شيء جيد وشيء سيء... يمحو كل شيء ولعله يمحو الاشياء الطيبة قبل الاشياء الرديئة... وعندما يذهب كل شيء اي معنى يبقى للسعادة.. ما هي السعادة... أليست مجموع التجارب السعيدة.. بلا ذاكرة لا توجد تجارب... لا يوجد سوى الفراغ.. فراغ الموت."
يقول البطل انه لا الحب ولا الايمان اللذان يصنعان المعجزات يستطيعان ان ينتصرا على هذا المرض.
يستشهد القصيبي هنا بكاتبة امريكية هي اليانور كوني في كتابها " الموت في سرعة بطيئة" حيث تتحدث عن المريض وعن احبائه من خلال قصة امرأة وامها الحبيبة فتقول "اذا كنت لا تصدق ان الزهايمر يعادل الموت فجرب ان تعيش معه سنة ونصف السنة. انه اسوأ من الموت. في الفترة التي تسبق الموت يختفي المريض ويحل محله شخص اخر يدعي انه هو. وانت عبر اللقاء اليومي الحميم مع المريض تصبح نسخة مرعبة شاحبة من نفسك القديمة. انت بدورك تطور نوعا من النسيان ذا طبيعة قاسية. لا يعود بوسعك ان تتذكر الشخص الطبيعي الذي عرفته قبل المرض."
ويضيف يعقوب العريان مخاطبا زوجته وعائلته قائلا "لعلك ادركت لماذا هربت منك ومن الطفل والطفلة. لعلك ادركت لماذا اردت ان اجنبكم هذا السعير اليومي."
تنتهي الاقصوصة بعنوان هو "مخرج" بدا انه شكل بالفعل مخرجا بل خلاصا مبكرا كان المريض يتمناه وقد ورد خبره في رسالة وصلت الى الزوجة من مدير المستشفى يبلغها فيها بوفاة زوجها قبل النهاية التي تصورها وذلك بنوبة قلبية "لم تكن ذات علاقة بالمشكلة التي كان يعاني منها..."
من جورج جحا
Tuesday, July 13, 2010
علاء الاسواني يكتب: عشاء مفاجئ مع شخصية مهمة
دعانى أحد الأصدقاء إلى العشاء فى مطعم شهير يقع فى مركب على نيل الزمالك. جلست مع صديقى إلى المائدة المحجوزة لنا.
سارع الجرسون إلينا مرحبا وسألنا اذا كنا نود أن نشرب شيئا قبل الأكل.. طلب صديقى عصير ليمون بينما طلبت أنا زجاجة بيرة مثلجة بدون كحول، تبادلنا بضع كلمات ثم بانت الدهشة على وجه صديقى. اقترب منى وهمس:
ــ يا نهار أبيض.. عارف من هنا..؟
ــ من..؟
ــ جمال مبارك..
أدرت رأسى ببطء لأراه. لاحظ صديقى انفعالى بهذه المصادفة فقال:
ــ تحب تقعد مطرحى عشان تشوف أحسن..؟
كان العرض مغريا. جلست مكانه فرأيت جمال مبارك جالسا مع زوجته السيدة خديجة، كان يرتدى جاكيت كحلياً «بليزر» وقميصا أبيض بدون رابطة عنق بينما ارتدت زوجته ثوبا أزرق أنيقا، اندهشت لأننى لم أر حراسة حولهما... لم أستطع أن أرى الطبق الذى تأكل منه السيدة خديجة أما الأستاذ جمال فكان يأكل بشهية بيتزا نابوليتانا.
رحت أراقبهما بضع دقائق ثم حدثت المفاجأة. نظر إلىَّ جمال مبارك وابتسم، هززت رأسى محييا فأشار إلىَّ بيده أن أقترب... استأذنت من صديقى وتوجهت إلى مائدة السيد جمال لكننى فوجئت برجل تبدو عليه علامات الشراسة يعترض طريقى بجسده الضخم. لمحت طبنجة كبيرة معلقة تحت سترته، قال له السيد جمال شيئا لم أتبينه فتراجع مفسحا الطريق... ابتسم جمال مبارك وقال:
ـــ فرصة سعيدة.
ـــ أنا أسعد.
ـــ على فكرة أنا وخديجة من قرائك.
ــ شىء يشرفنى.
جاء الجرسون فطلبت نصف دجاجة مشوية وبطاطس (بوم فريت) مع زجاجة بيرة أخرى مثلجة بدون كحول. سألت السيد جمال عن صحة الرئيس مبارك فقال بصوت خافت
ــ الحمد لله.
تكلمنا بعد ذلك عن المطعم، أبدينا نحن الثلاثة إعجابنا بمهارة صاحبه اللبنانى. كنت أغالب احساسا داخليا ملحا، غلبنى فى النهاية فقلت فجأة:
ــ يا أستاذ جمال. أشكرك على حفاوتك وكرمك. لدىَّ كلام لابد أن أقوله لك وأخشى أن أفسد هذا اللقاء اللطيف.
ــ تكلم براحتك.
ــــ الحالة فى مصر سيئة للغاية. لقد وصلنا إلى الحضيض.
تطلع إلىَّ بانتباه وقال:
ــ صحيح لدينا مشكلات كبيرة. لكن هذا الثمن الذى يجب أن ندفعه من أجل التنمية.
ــ أين هى هذه التنمية..؟
ــ لقد حققت الحكومة فى السنوات الأخيرة معدلات تنمية غير مسبوقة.
ــ مع احترامى لك.. أين التنمية التى تتحدث عنها اذا كان نصف المصريين يعيشون تحت خط الفقر..؟. ألم تسمع عن الشبان الذين ينتحرون من الفقر والبطالة..؟!
ــ كل هذه المشكلات لدينا دراسات مفصلة عنها فى لجنة السياسات..
ــ يا أستاذ جمال. معظم ما يردده المحيطون بك فى لجنة السياسات غير حقيقى. انهم انتهازيون وهم يدفعون بك إلى التوريث من أجل مصالحهم.
صمت جمال مبارك وبان عليه التفكير وقال:
ــ ماذا تقصد بالتوريث..؟!
ــ أن ترث الحكم من الرئيس مبارك.
ــ أليس من حقى أن أمارس السياسة مثل أى مواطن.. اذا رشحت نفسى للرئاسة ثم فزت فى الانتخابات هل يكون ذلك توريثا.؟!.
ــ أنت تعلم جيدا أن الانتخابات فى مصر صورية ومزورة.. هل ستكون فخورا اذا وصلت إلى رئاسة مصر بالقمع والتزوير..؟!
ــ الانتخابات فى الدنيا كلها لا تخلو من تجاوزات.. كما أعتقد أنك تبالغ فى مسألة القمع هذه...
ـ يا أستاذ جمال.. هل تعيش معنا فى نفس البلد..؟!. هناك فرق بين التجاوزات والتزوير المنظم الذى يحدث فى مصر.. أما القمع فيكفى أن تدخل على الإنترنت لترى قصصا محزنة عن الاعتقال والتعذيب والقمع الذى يتعرض له المصريون.. هل سمعت عن خالد سعيد الذى قتلته الشرطة فى الإسكندرية..
قالت السيدة خديجة:
ــ لقد حزنت جدا من أجل هذا الشاب
قال السيد جمال:
ــ لقد أصدرت تصريحا طالبت فيه بأن تأخذ العدالة مجراها.
ــ ما فائدة هذا التصريح..؟ المطلوب الغاء قانون الطوارئ الذى يتم فى ظله تعذيب آلاف المصريين.
وضع جمال مبارك الشوكة والسكين بجوار الطبق وشرب جرعة من عصير البرتقال الموضوع أمامه.. ثم قال فجأة بصوت مرتفع:
ــ الكلام سهل والفعل صعب.. أنت وظيفتك أن تكتب قصصا ومقالات. أما أنا فأعمل 12 ساعة فى اليوم من سنوات من أجل اصلاح البلد.
انزعجت من تغير لهجته لكننى قررت أن أمضى إلى النهاية. قلت:
ــ أولا الكتابة مهنة صعبة جدا. ثانيا حتى لو كنت تبذل مجهودا كبيرا، المهم نتيجة هذا المجهود.. اسمع يا أستاذ جمال.. ما صفتك التى تعمل بها..؟
ــ أنا أمين لجنة السياسات فى الحزب الوطنى الديمقراطى..
ــ وهل كنت ستحصل على هذا المنصب اذا لم تكن ابنا لرئيس الدولة..؟
تطلع إلىَّ بغضب واضح وأحسست لأول مرة أنه ندم على دعوتى إلى مائدته، ابتسمت السيدة خديجة ونظرت إلى زوجها لتخفف من توتره لكنه قال بصوت مرتفع:
ــ من حقك طبعا أن ترى أننا لم ننجز شيئا فى لجنة السياسات.. لكن الحمدلله أن ما فعلناه يقدره الكثيرون.. داخل مصر وخارجها.
ــــ أين هذا التقدير الذى تتحدث عنه.؟!.
ان رؤساء تحرير صحف الحكومة يمدحونك لأنك ولى نعمتهم. الفقراء الذين يحتشدون لاستقبالك فى جولاتك يتم جمعهم بواسطة الحزب الوطنى وأجهزة الأمن. أما الصحافة العالمية فهناك انتقادات جادة لفكرة التوريث.. هل قرأت ما كتبه جوزيف مايتون فى جريدة الجارديان العام الماضى..؟
ـــ قرأته.
قالت السيدة خديجة:
ـــ ماذا كتب..؟!
التفت جمال مبارك اليها وقال:
ــ لقد كتب جوزيف مايتون إننى لا أصلح اطلاقاً كرئيس وإننى أمثل كل ما هو خطأ فى مصر.. حسناً.. هذا رأيه.. هناك صحف عالمية كثيرة تكتب عنى أشياء منصفة..
ــ للأسف فإن أكثر الصحف احتفاء بك هى الصحف الاسرائيلية.. ألم تفكر فى سبب ذلك.؟!. ان المديح المطول الذى كتبته عنك جريدة معاريف الاسرائيلية هذا الأسبوع يستحق التأمل
ــ ماذا تقصد..؟
ــ هل تعتقد أن إسرائيل تريد الخير لمصر..؟!
بادرت السيدة خديجة قائلة:
ــ لا طبعا.
فكر جمال مبارك قليلا وقال:
ــ لو افترضنا أن نية إسرائيل دائما سيئة.. ماذا تريد أن تقول..؟!.. هذا الإلحاح الاسرئيلى من أجل توريثك للحكم انما يعكس فزع الإسرائيليين من تطبيق الديمقراطية فى مصر..
انهم يدركون جيدا أن مصر تملك امكانات دولة كبرى ولو حققت الديمقراطية فسوف تنهض وينهض معها العالم العربى.. ولذلك فهم يدافعون عن التوريث حتى تظل مصر فى أسوأ أحوالها..
تنهد جمال مبارك وقال وهو يستعد للنهوض:
ــ عموما فرصة سعيدة.
ــ قبل أن تنصرف لدى سؤال أخير.
ــ بسرعة من فضلك.
هل تحب مصر يا أستاذ جمال..؟!
ــ طبعا
- ان حب مصر يحتم عليك أن تغلب مصلحتها على مصلحتك..ـ أريدك أن تعدنى الآن بأن تتخلى نهائيا عن فكرة التوريث وتعمل مع المصريين من أجل الاصلاح الديمقراطى...
نظر إلىَّ جمال مبارك وراحت شفتاه تتحركان لكن صوته انقطع فجأة وسمعت طنينا مستمرا ثم أضاء المكان بضوء مبهر، فتحت عينى بصعوبة فوجدت أمامى زوجتى وهى تحمل برطمان عسل النحل كعادتها عندما توقظنى فى الصباح.. ابتسمت وقالت:
ـــ صباح الخير.
ــ صباح النور.
ــ مين الأستاذ جمال ده اللى كنت بتكلمه وأنت نائم
ــ جمال مبارك. أصلى اتفقت معاه على تأييد الديمقراطية.
ضحكت زوجتى وقالت:
ــ جمال مبارك يؤيد الديمقراطية مرة واحدة..؟.. طيب.. اصحى وافتح بقك.
فتحت فمى وتناولت ملعقة كبيرة من عسل النحل.
الشروق
Tuesday, July 06, 2010
يا خالد قوم من قبرك
وقول مين موتك ومين ضربك
وقول مين عذبك ومين قهرك
قول مين ذالك ومين سحلك
بيقولوا الداخلية بريئة من دمك
هو أنت تطلع مين بسلامتك
كل يوم فيه كتير زايك
ويمكن أكتر بكتير منك
ماهو ده أهم فوائد الأمن والنظام
إنها تحرق قلبنا وقلبك
إنها تقهرك فى قعر بطنك
إنها تعرفك قيمتك
إنها تقصف عمرك
إنها تكسر عضمك
إنها تحزن أهلك
يا خالد اطلع من قبرك
والله حتى لو طلعت
والله لو بعد الموت نطقت
ما حد هيسمعلك
هو أنت لما كنت بتموت
كان مين رحمك
كان مين سمعك
يا خالد قوم من قبرك
يمكن نقوموا بعدك
يمكن نقوموا بعدك
مش أنت لوحدك اللى مت
دا إحنا كلنا ميتين من قبلك
يمكن نقدروا نأخدوا حقنا وحقك
كل الناس اللى شاهدوا
محدش سمعهم طظ فى كلامهم
هما ما بيسمعوش غير نفسهم
التقارير كلها جاهزة عندهم
بيقولوا إنك مسجل خطر من زمان
وعليك قواضى وعليك أحكام
ومشكوك فى شرفك
وبعت بلدك وغيرت دينك وغيرت اسمك
وقالوا كلام بعيد عنك
وكأنهم عايزين مكافأة قتلك
وكويس إنهم ريحوا البشرية منك
ربنا يرحمك يا خالد وربنا لوحده
اللى يقدر يأخد حقك
تقرير الطب الشرعى أول وتانى
بيقول إن البانجو عملك احتباس حرارى
آه يا نارى
هما يعنى هيغلبوا ما هما اتعودا
وكل الجرايد الحكومية بتقول إنك مفترى
وحتى وأنت ميت على الناس بتفترى
وأنت اللى خنقت نفسك بنفسك
وأنت اللى كسرت ضلوعك وكسرت الجمجمة
ومحدش فيهم جه ناحيتك ولا لمسك ولا قالك مرحبا
أنت اللى طحنت نفسك بنفسك ودخلت المفرمة
وظلمت المخبرين علشان مهما ناس طيبة
والواحد فيهم إيديه مطرحتين ناس متفصلة
أنا عارف أن القضية مش قضية مخبرين
القضية قضية شعب كاتم
وساكت وشايل الطين
وميعرفش حقه فين
مكسور الجناح ومطاطى الجبين
معندوش إرادة طيب هو هيجيب الإرادة منين
وصورة خالد قدامه عينية عينة
القضية قضية دولة عدوها الأول هو شعبها
ودايما شيفاه حمل تقيل على قلبها
وعايزة تخلص منه ومش عارفه توديه فين؟
ربنا يقدرها وكتر ألف خيرها
وفعلا الداخلية شايفه شغلها
والشعب هو همها ولا حد تانى يهمها
وكلنا متهمين وشوفوا خالد راح فين
من غير أى ذنب واسألوا رجال الأمن
هيطلع أحنا اللى علينا الحق
وأحنا اللى نستاهلوا الموت والتعذيب
واحنا اللى نستاهلوا الشنق
هما بشاوات ولاد بشاوات
وأحنا ولاد ستين كلب
أحنا اللى نستاهلوا الحرق
أحنا اللى مخلوقين علشان راحكتم
ربنا ينتقم منكم
بس لازم تعرفوا
أن الدنيا مش دايما لحد
الدنيا مش دايما لحد
عبد الحميد بدوى
علاء الأسواني يكتب: الشاب الذي عاش إلى الأبد
بعد أن أغلق خالد باب الشقة ونزل عدة درجات على السلم، توقف فجأة وكأنه تذكر شيئا ثم صعد مرة أخرى وفتح الباب ودخل.
كانت أمه جالسة فى الصالة تشاهد التليفزيون، سألها خالد إن كانت تحتاج إلى شيء يحضره معه عندما يرجع بالليل، ابتسمت
وقالت إنها لا تحتاج إلى شيء والحمد لله. تطلع إليها خالد. اقترب منها وقبل جبينها فاحتضنته وهى تدعو له بحرارة.
فكر وهو يخرج إلى الشارع أن الله قد أنعم عليه بأم رائعة وأنه يجب أن يفعل كل ما يستطيع لإسعادها.
عزم خالد على أن يمر على مقهى الإنترنت ليقابل بعض أصدقائه ثم يذهب بعد ذلك إلى محطة الرمل ليشترى بعض اللوازم لجهاز اللاب توب الخاص به.. بدا كل شيء عاديا فى الشارع، الزحام والضجيج وأصوات السيارات وصياح الباعة.
دفع خالد بيده باب المقهى ودخل لكنه ما إن قطع بضع خطوات حتى أحس بحركة خلفه.
التفت فوجد شخصين يتوجهان نحوه وهما ينظران إليه بغضب. توقف ليسألهما ماذا يريدان لكنهما، بلا كلمة واحدة، انقضا عليه. أمسك أحدهما به من القميص وبدأ الآخر يضربه بيديه وقدميه بكل قوته. صاح خالد معترضا لكن الرجل الممسك بقميصه راح يضرب رأسه بقوة فى حافة المائدة الرخامية.
حاول الزبائن الموجودون فى المقهى إنقاذ خالد لكن أحد الرجلين صاح:
ــ احنا بوليس..
عندئذ خاف الناس وابتعدوا. تدفق دم خالد بغزارة ولطخ ثيابه وبدأ يسيل على الأرض. استمر الرجل يضرب رأسه فى المائدة فأحس خالد بألم رهيب وصرخ:
ــ كفاية.. حرام عليكم..
قام الرجلان بسحله على الأرض وهما يكيلان له الضربات ثم دخلا به باب العمارة المجاورة وراحا يخبطان رأسه فى البوابة الحديدية للعمارة بكل قوة.
هنا صاح خالد:
ـ كفاية. أنا هاموت..
فصاح أحد الرجلين بصوت أجش:
ـ أنت ميت ميت يابن الكلب.
ظل خالد يصرخ لكن الرجلين استمرا فى مهمتهما: واحد يضرب بيديه وقدميه والآخر يخبط رأس خالد بكل قوته فى البوابة الحديدية.
صارت آلام خالد فوق الاحتمال وفجأة حدث شيء غريب. تلاشى الألم تماما.
أحس خالد براحة مدهشة كأنما كان ينوء بحمل ثقيل ثم تخلص منه فجأة فأصبح خفيفا وحرا.
اختفى المشهد من أمام نظره وساد ظلام حالك. لم يعد خالد يرى شيئا، أحس كأنه نائم ثم فجأة بزغ نور قوى ووجد خالد نفسه فى مكان كأنه حديقة جميلة.
أحس خالد بدهشة بالغة ثم نظر إلى جسده وتحسس وجهه فلم يجد أى أثر للدماء والجروح.
ظهر أمامه رجل عجوز تبدو عليه علامات الطيبة وابتسم وقال:
ـــ أهلا وسهلا يا خالد..
هز خالد رأسه وهو مازال مأخوذا. قال العجوز بود:
ـــ لقد صعدت إلينا هنا لأنك فقدت حياتك من الظلم. من الآن فصاعدا لن يعكر صفوك شيء أو مخلوق..
ــ أشكرك..
هكذا قال خالد وهو يلتفت حوله. كانت الحديقة مليئة بأشجار وزهور بديعة لم ير مثلها فى حياته. ابتسم العجوز وقال:
ــ ستعيش هنا مع أفضل مخلوقات الله فى راحة تامة وبهجة خالصة. بعيدا عن العالم الظالم الذي جئت منه. الناس هنا سعيدون جدا بمجيئك وقد أرسلوا إليك وفدا ليستقبلك. انظر..
نظر خالد خلفه فوجد ثلاثة أشخاص: وجد رجل فى الخمسين من عمره يرتدى الملابس العسكرية وطفلا فى العاشرة وامرأة محجبة فى نحو الثلاثين من عمرها.. كانوا الثلاثة يضحكون وقد ظهرت عليهم السعادة. قال العجوز:
ــ أقدم إليك الفريق عبد المنعم رياض والطفل الفلسطيني محمد الدرة وهذه الدكتورة مروة الشربينى..
صافحهم خالد بمحبة واحترام وأراد أن يتحدث معهم قليلا لكن العجوز سحبه من يده قائلا:
ــ سيكون لديك وقت طويل للكلام معهم. أريد الآن أن أريك المكان الذي ستعيش فيه إلى الأبد..
ــ انه مكان رائع لم أر مثله من قبل.
ـــ هل تريد شيئا يا خالد..؟. كل طلباتك مجابة..
ـــ أريد أن أطمئن على أمي..
ابتسم العجوز وأخرج من جيبه بللورة براقة ومستديرة تماما، فى حجم البرتقالة وناولها إلى خالد وقال:
ــ إذا أردت أن ترى أى شخص من العالم الذي جئت منه. يكفى أن تفكر فيه وسوف تراه بوضوح فى البللورة..
أمسك خالد بالبللورة وفكر فى المخبرين اللذين ضرباه حتى الموت فظهرا فورا على سطح البللورة.. كانا يجلسان فى مكان يشبه غرفة المباحث فى القسم وأمامهما طعام يأكلان منه بشهية ويتبادلان الحديث والضحكات مع العسكري الواقف بجوارهما.
ثم فكر خالد فى ضابط الشرطة الذي أعطى الأمر للمخبرين بقتله فظهر فورا. يبدو أنه كان فى يوم الراحة لأنه كان يرتدى تريننج سوت فى غاية الأناقة وقد تمدد على أريكة وراح يتابع مباراة كرة القدم فى التليفزيون.
ثم فكر فى الصحفي الذي اتهمه ظلما بإدمان المخدرات فظهر على البللورة فى وضع مخجل جعل خالد يصرف نظره بسرعة ثم قال للعجوز:
ــ لا أفهم كيف يستطيع الذين ظلموني أن يستمتعوا بحياتهم..
ابتسم العجوز وقال:
ــ كل هذا باطل. لن يهنأ الظالمون بحياتهم أبدا.. لقد كتب الله عليهم المعيشة الضنك حتى تحين ساعة الحساب.
فكر خالد فى أمه فظهرت وقد جلست على فراشه فى حجرته. راحت تقرأ القرآن وتبكى. أحس خالد بالحزن من أجلها فقال للعجوز:
ــ من فضلك. هل يمكن أن تخبر أمي أنني بخير.؟!.
ــ لا أستطيع.
ــ قلت لي إن طلباتي مجابة..
ــ إلا الاتصال بالعالم الذي جئت منه. ممنوع. عموما اطمئن يا خالد. أمك سيدة صالحة ومؤمنة وسوف تصعد إلينا يوما. عندئذ ستسعد بصحبتها إلى الأبد.
ساد الصمت بينهما لكن العجوز بدا عليه الغضب فجأة وقال:
ــ ماذا يحدث فى مصر يا خالد.؟!. أنا حزين من أجل المصريين. لماذا..؟
ــ فى الماضي، كان معظم المصريين الذين يصعدون إلينا من العسكريين.. جنودا وضباطا قتلهم أعداء مصر وهم يدافعون عنها. الآن ومنذ سنوات يصعد إلينا كل يوم مصريون قتلهم مصريون مثلهم..
هز خالد رأسه وقال بأسف:
ــ حياة المصري لم تعد تساوى شيئا..
قال العجوز:
ــ تصور يا خالد إننا أنشأنا قسما خاصا للمصريين. إن عدد الذين يصعدون إلينا من مصر أكثر من الذين يصعدون من أي بلد آخر. تعال معي..
تبعه خالد وسط الأشجار والورد حتى وصلا إلى ساحة كبرى احتشد فيها آلاف الناس ملامحهم جميعا مصرية. كانوا يبتسمون فى بهجة.
أشار إليهم العجوز وقال:
ــ هؤلاء جميعا مصريون قتلهم ظلما مصريون مثلهم.. هنا ستجد الذين ماتوا غرقا فى عبارات الموت والذين احترقوا فى القطارات والذين أصابهم السرطان من الأغذية الفاسدة والذين ماتوا من الإهمال فى مستشفيات الحكومة بالإضافة طبعا إلى الذين ماتوا من الضرب والتعذيب مثلك..
ــ شيء مؤسف..
ــ أنا لا أتخيل كيف يتحمل إنسان ذنب هؤلاء جميعا أمام الله.
ــ وهل المسئول عن موت هؤلاء جميعا.. شخص واحد.
ــ طبعا.. انظر..
نظر خالد إلى البللورة فرأى وجها مألوفا لديه. سأله العجوز:
ــ هل عرفت الشخص الذي أقصده..
ــ نعم..
ــ هذا الرجل لديه فرصة أخيرة..
ــ فرصة أخيرة..؟
ــ لقد أمد الله فى عمره ليمنحه فرصة أخيرة حتى يقيم العدل ويرفع الظلم. أتمنى أن ينتبه ويسعى إلى الإصلاح وإلا فإن موقفه سيكون صعبا للغاية.
ـــ فعلا.. عندما يصعد إلى هنا كيف سيقابل كل هؤلاء الضحايا وماذا سيقول لهم..؟
ــ إذا استمر الظلم فإن هذا الرجل لن يصعد إلى هنا أبدا.. سوف يذهب إلى الضفة الأخرى..
وماذا يوجد فى الضفة الأخرى..؟!
نظر العجوز إلى خالد ولاذ بالصمت
الشروق
Friday, July 02, 2010
فاروق عبد القادر ... المثقف
رحل المثقف، أي فاروق عبد القادر، نموذج نادر أن يتكرر في حياتنا الثقافية، وعندما أقول المثقف بالتعريف، فذلك لأنني أعتبره النموذج الحقيقي للمثقف، مثله كأستاذي «إبراهيم فتحي» أمد الله في عمره. فمن يعمل خارج المؤسسات يواجه صعوبات متعددة في عملية بناء ثقافته، وفي عملية النشر، ولكي يصل إلي المكانة التي وصل إليها أي من الاثنين، لابد أن يبذل جهوداً مضاعفة فضلاً عن ضرورة إمتلاكه لعقلية فذة. وقد أصبح فاروق عبد القادر واحداً من أبرز النقاد العرب، المؤمنين بمنهج الواقعية غير المبتذلة، وكنت في ندوة الأحد التي يعقدها أسبوعياً في مقهي «سوق الحميدية» بباب اللوق أري بنفسي كبار الكتاب والروائيين العرب وهم يأتون إليه، حيث كانت زيارته لابد أن تكون ضمن برنامجهم في القاهرة.
كانوا يأتون للمشاركة في ندوات المجلس الأعلي للثقافة، وكان أستاذنا الراحل يقاطع المؤسسات الرسمية ولا يذهب إلي هناك فيأتون إليه سواء للنقاش حول أوضاع الثقافة العربية، أو لإهدائه أعمالهم الجديدة. كان أي من هؤلاء يري أن كتابة الناقد الكبير الراحل عنه، بمثابة تكريس له في الساحة الأدبية العربية، خاصة أنه لم يكن مجاملاً علي الإطلاق ولا يكتب إلا ما هو مقتنع به، ولا يخضع ما يكتبه لأي مواءمات، ولا يخشي في الحق لومة لائم. من أبرز ما قرأت له دراسة نشرها في مجلة «المنار» التي كانت تصدر في باريس ورأس تحريرها اليساري المصري المغترب آنذاك «أمير إسكندر» بعنوان «هؤلاء الكتاب ومسرحهم الزائف» وهو أعاد نشرها بعد ذلك في كتابه المهم «رؤي الواقع وهموم الثورة المحاصرة» الذي صدر في بيروت عن دار الآداب، وفيه يدرس مسرحيات أربعة من كتاب المسرح هم: عبد العزيز حمودة ومحمد عناني وفوزي فهمي وسمير سرحان، ويجمع بين الأربعة أنهم من تلاميذ الراحل «رشاد رشدي» الذي وجد أن آثاره السلبية في الثقافة المصرية مازالت مستمرة وأن تلاميذه يمارسون عملية إنتاج وعي زائف ضمن ثورة ثقافية مضادة يسير فيها النظام المصري. وكان فاروق الذي يدرك جيداً كيف يسيطر هؤلاء التلاميذ علي المؤسسات الثقافية، يري أن مسئوليته هي كشف وتعرية هذا الوعي الزائف وهذه الثورة المضادة.
كان «فاروق عبد القادر» من مدرسة مجلة الطليعة، وللطفي الخولي مكانة خاصة لديه، وقد حاول الأخير أكثر من مرة أن يدخله في حظيرة وزير الثقافة فاروق حسني، ولكن فاروق لم يقبل، لأنه يدرك أن مقتل المثقف هو أن يصبح تابعاً لنظام سياسي، خاصة أنه لم يكن راضيا عن أداء هذا النظام ويري أن ما يقوم به الوزير تخريب للثقافة المصرية، وعلي الرغم من المكانة التي يحتلها لطفي الخولي لديه، لم يمتنع عن النقد الحاد والقاسي لمهرجان المسرح التجريبي خاصة الدورة التي رأسها الخولي نفسه، وكان ذلك في مقال شهير كتبه في مجلة «روز اليوسف» عندما كان عادل حمودة يعمل نائباً لرئيس تحريرها.
من كان يري صورة فاروق عبد القادر أو يقرأ مقالاته الحادة، يتصور أنه كشر الوجه ولكن من يتعامل معه عن قرب سيدرك كم هو خفيف الظل، لديه قدرة علي النقد الساخر للواقع المؤلم الذي نعيش فيه، وهو علي الرغم من العنت الذي واجهه والحصار الذي تعاملت به المؤسسات الثقافية الرسمية به في مواجهته، لم يكن يشعر بأي قدر من الندم علي خياراته السياسية أو الثقافية أو الجمالية،ولم يشعر بأي غيرة علي من أصبحوا داخل المؤسسة، بل لم يشعر بأي أسي أو غضب انعكس علي تعاملاته مع البشر. وكان يهتم بالكتاب الجدد في عالم الأدب، وكتب عشرات المقالات والدراسات حول أعمالهم سواء في جريدة «البديل» التي كان يكتب فيها مقالا أسبوعيا، أو في مجلة «وجهات نظر» التي كان يكتب فيها دون انتظام بتكليف من الأستاذ «سلامة أحمد سلامة» عندما كان يرأس تحريرها. وهو ما يؤكد أنه لم يكن منغلقا علي جيل واحد ولا علي أسلوب جمالي واحد علي الرغم من تبنيه منهج الواقعية في النقد الأدبي.
كنا نذهب إليه في سوق الحميدية لأنه كان يأخذ بأيدينا، يعطينا الكتب لنقرأها ويتعامل معنا باعتبارنا إخوة صغاراً أو تلاميذ له، ولم نكن نشعر بأي تعالٍ منه علينا، علي الرغم من أنه علم من أعلام الثقافة العربية ونحن مازلنا مبتدئين في عالم الكتابة، وكان أحيانا عندما يكتب أحدنا موضوعاً صحفياً أعجبه، لا يجد أي غضاضة في أن يبادر بالاتصال به لكي يبدي إعجابه ويتناقش حوله بكل أبوة وحنان و«أستذة».
كتب الراحل الكبير العديد من الكتب، لكنني أري أن اختياراته للترجمة جديرة بالدراسة، فهو لم يكن يقدم علي ترجمة أي كتاب من أجل لقمة العيش، ولكنه كان يختار ما يراه مفيدا لمشروعه النقدي أو الثقافي، بدءاً من المسرحيات أو الكتب النقدية وحتي الكتب الفلسفية، ومروراً بكتب علم النفس، وانتهاء بالكتب الثقافية الكبري مثل : «نهاية اليوتوبيا »لراسل جاكوبي أو «طرائق الحداثة» لريموند ويليامز. لكن مشروعه الكبير كان ترجمة الأعمال الكاملة لبيتر بروك بدءاً من «يو إس إيه» و«النقطة المتحولة» وانتهاء بالسيرة الذاتية التي كتبها «بروك» عن حياته، وكانت هذه السيرة هي آخر عمل ترجمه الناقد الكبير الراحل. وقد قال لي الناشر مصطفي الطناني إن «بروك» نفسه عندما علم بالظروف الصحية لفاروق عبد القادر أرسل خطاباً للمركز القومي للترجمة يتنازل فيه عن حقوق ترجمة الأعمال الكاملة له لكي يعيد المركز نشرها بما يساعد فاروق في محنته الصحية. وهذا الخطاب به إشادات بالمشروع النقدي والثقافي لفاروق عبد القادر، لكن الأخير الذي كان يعشق بيير بروك لم يعلم بأمر هذا الخطاب -الوثيقة بسبب ظروفه الصحية السيئة.
كنت ألح علي الراحل الكبير أن يكتب سيرته الذاتية، لأنها يمكن أن تمثل نموذجا لأي مثقف ملتزم بقضايا وطنه وبالانحياز للجمال والعفة وطهارة اليد، ولأنها يمكن أن تكون سيرة للحياة الثقافية في مصر في فترة مهمة من تاريخها، لكنه كان يرفض ويري أن هناك مصدرين أساسيين لهذه السيرة، الأول الحوار الذي أجراه معه الزميل «أسامة الرحيمي» ونشره في مجلة «نصف الدنيا» علي 5 حلقات، والثاني المقدمة الرائعة التي كتبها لكتابه الرائع «نفق معتم ومصابيح قليلة».
ومازلت أري أن سيرة هذا المثقف الكبيرة جديرة بأن تروي للأجيال الجديدة، وأعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يقوم به صديقه القريب جداً إليه الدكتور حسين عبد القادر أو الزميل أسامة الرحيمي الذي كان قريباً إلي قلبه. وبوفاة الناقد الكبير «فاروق عبد القادر» فقد الوطن العربي وليس مصر فقط مثقفاً من طراز فريد، ونموذجاً فريداً في الحياة الثقافية، انعزل عن المؤسسات باختياره، فأصبح مؤسسة قائمة بذاتها، ورفض ذهب المعز، فأصبحت مهمة هذا الأخير هو البحث عن وسيلة لكي يدخله إلي الحظيرة، لكنه عجز عن ذلك، وعندما وجد «المعز» أن ذلك قد يكون في نهاية حياته عبر منحه جائزة كان «فاروق» ينتقد من يمنحونها وآليات منحها، اختار الرحيل، حتي لا يظن أحد أنه دخل الحظيرة في آخر أيامه.
خالد السرجاني- الدستور