Showing posts with label ضد الاحباط. Show all posts
Showing posts with label ضد الاحباط. Show all posts

Friday, October 07, 2011

اخر تجربة كبيرة لستاينمان الفائز بجائزة نوبل للطب .. نفسه


شيكاجو/نيويورك (رويترز) - في السنوات القليلة الاخيرة من حياته وضع الدكتور رالف ستاينمان نفسه في تجربة معملية بشرية غير عادية واختبر مجموعة من العلاجات التي لم تثبت - بما في ذلك بعض العلاجات التي ساعد في ابتكارها- وخاض معركة شخصية جدا مع سرطان البنكرياس.

وستاينمان الفائز بجائزة نوبل في الطب لعام 2011 والذي توفي قبل ثلاثة ايام فقط من اعلان الجائزة يوم الاثنين جرب في نهاية المطاف ما يصل الى ثمانية علاجات غير مثبتة.

وقالت الدكتورة سارة شليسنجر مديرة مختبر ستاينمان وزميلته في جامعة روكفلر في نيويورك لرويترز "كان يشعر أن الفحص السريري للانسان أعلى شكل من أشكال البحث وأنه أمر حاسم يستدعي الانهماك فيه."

وقال اصدقاء وزملاء ستاينمان انه كرس حياته لابحاث سيكون لها تأثير على حياة الناس.

ويتذكر الدكتور لويس وينر مدير مركز لومباردي للسرطان بجامعة جورج تاون في واشنطن والذي عمل مع ستاينمان في لجنة مناعة السرطان من خلال الرابطة الامريكية لابحاث السرطان قائلا أصبح ذلك أكثر وضوحا بعد تشخيص اصابته بالسرطان.

وقال وينر "لانه كان يعاني من خطر داهم بمعنى انه شاطر مريض السرطان شعوره بالاستعجال للتوصل الى علاجات جديدة وفعالة.

"لم يرد ان يكون رهينة لمفاهيم فاشلة ولعقبات صغيرة تعوق التوصل الى علاجات فعالة. أراد أن يرى اتاحة علاجات فعالة للناس بحيث يمكن مساعدتهم."

وأمضى ستاينمان حياته كلها في بحوث المناعة التي فاز عنها بجائزة نوبل وهو شرف تقاسمه مع الامريكي بروس بتلر والفرنسي جولز هوفمان لاسهاماتهما في شرح نظام المناعة.

وأدى اكتشاف ستاينمان للخلايا الشجرية في عام 1973 الى أول لقاح علاجي للسرطان وهو بروفينج الذي تنتجه شركة ديندريون الذي يعالج الرجال المصابين بسرطان البروستاتا في مراحله المتقدمة.

وعندما جرى تشخيص اصابة ستاينمان بسرطان البنكرياس في المرحلة الرابعة منذ أربع سنوات ونصف كان السرطان قد بدأ بالفعل الانتشار في الغدد الليمفاوية.

وقالت سارة شليسنجر "اختار تلقي كل العلاج التقليدي الذي كان متاحا. وخضع لجراحة ولعلاج كيميائي تقليدي كذلك لكنه كان متأكدا تماما أنه من غير المرجح ان يشفيه أو حتى يمنحه كثيرا من الوقت.

"كان أمل البقاء على قيد الحياة لمدة عام من خلال ما تلقاه أقل من خمسة بالمئة."

وقال الدكتور ميشال نوسنزويج رئيس المناعة الجزيئية في روكفلر والذي عمل مع ستاينمان لاكثر من ثلاثة عقود ان ستاينمان كان يعمل بالفعل على العلاج بالخلايا الشجرية عندما اصيب بالمرض وأراد أن يجرب بنفسه. وساعده في ذلك المجتمع الطبي.

وقال نوسنزويج "ساعده كثير من الناس في جميع أنحاء العالم للحصول على لقاح لكن صممه بالكامل رالف ونسق هذه الجهود."

ورغم الاستعجال جرى العمل مع الالتزام الكامل بالمعايير ما يعني ساعات من ملء الاوراق بشق الانفس لاجهزة التنظيم الامريكية ومتابعة بروتوكولات الدراسة بعناية.

وقالت شليسنجر التي تعود علاقتها بستاينمان الى أيام المدرسة الثانوية عندما كانت تمضي العطلات الصيفية في مختبره "أحيانا تسمع عن أناس في الغرفة الخلفية من المختبر يحقنون انفسهم... لم يكن الامر كذلك. قضيت وقتا هائلا من سنواتي الاربع الماضية على العمل الورقي."

وأخذ نوسنزويج جزءا من ورم ستاينمان واستخدمه في زراعة خلايا في المختبر من شأنها أن تساعد في تكوين أساس لعلاجات السرطان.

لم تكن هناك تجارب تجرى على العلاج المناعي في روكفلر في وقت كان يمكن لذلك أن يساعد ستاينمان والبدء من نقطة الصفر سيستغرق أيضا وقتا طويلا.

وقالت شليسنجر "كان لديه كل هؤلاء الاصدقاء والزملاء الذين قدموا بشكل اساسي كل ما لديهم."

واخذ ستاينمان في البداية لقاحا تجريبيا يسمى (جفاكس) طورته لاول مرة الدكتورة اليزابيث جافي من جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور وتطوره حاليا شركة فارماسيوتيكالز بيوسانت.

وقالت شليسنجر "أول مجموعة من الخلايا الشجرية التي اخذها اعطيناها له بالتعاون مع شركة تكنولوجيا حيوية تسمى أرجوس ثيرابيوتكس."

وخلق الباحثون الخلايا الشجرية من دم ستاينمان وخلايا الدم الارومية.

وقالت شليسنجر "وضعناهم مع الحمض النووي الريبي (ار.ان.ايه) المستخرج من ورمه في وقت العملية ثم اعطيناه هذه الخلايا."

واعطي هذه الخلايا ثماني أو تسع مرات على مدى عدة أشهر ثم تلقى أيضا العلاج الكيميائي.

وقالت شليسنجر "لم يكن الامر مثلما كنا نقوم بعمل شيء ما في المختبر ثم نحقنه."

وجرب ستاينمان في نهاية المطاف ما يصل الى ثمانية علاجات.

وقالت شليسنجر انه أراد في البداية تجريب كل علاج تلو الاخر ودراسته لمعرفة ما اذا كان قدم أي فائدة.

واضافت شليسنجر "ظن رالف انه كان على وشك أن يشفى وانه سينشر ذلك. لذلك كان علينا أن نفعل ذلك بطريقة يمكن ان تنشر."

لكن شليسنجر ونوسنزويج قررا واصرا على القيام بالعلاجات في وقت واحد.

وقالت شليسنجر "كان علينا ان نناقشه بموضوعية بان هذا سيكون تقرير حالة على أي حال. فلا يوجد هناك دلالة احصائية لشخص واحد مهما كانت التجربة جيدة وكان علينا فقط انقاذه."

وقالت انها لم تشكك أبدا في استخدام عقاقير تجريبية على صديقها القديم ومعلمها وقالت "شعرت في كثير من الاحيان (يا الهي لماذا لا يمكنني القيام بذلك بشكل أفضل؟)"

عاش ستاينمان أربع سنوات ونصف بعد تشخيص اصابته بالمرض الذي عادة ما يقتل الناس في غضون عام أو أقل.

ويقول زملاء انه من المستحيل معرفة ما الذي اطال حياته. وما اذا كانت الجراحة أوالعلاج الكيميائي أو العلاج التجريبي. وكان ستاينمان مقتنعا بأنها خلاياه الشجرية الحبيبة ونظام المناعة المتخصص التي جلبت له في النهاية جائزة نوبل.

وكان يعمل حتى النهاية. قبل يوم من دخول المستشفى للمرة الاخيرة تحدث مع شليسنجر لعدة ساعات عن أحدث الابحاث في مختبره على لقاح لفيروس نقص المناعة البشري.

وقالت شليسنجر "كنت ارى حالته الصحية تتدهور لكن روحه لا تقهر وكان متفائلا جدا."

وتدهورت صحة ستاينمان بشدة بعد اجتماع شليسنجر معه قبل أسبوع يوم 24 من سبتمبر ايلول.

وقالت شليسنجر "يوم الاحد اصيب بضيق في التنفس وذهب الى المستشفى وكان يعاني التهابا رئويا وجلطة في رئته وكان يعالج من ذلك... ويوم الاربعاء أخذ حقا منعطفا نحو الاسوأ حتى كانت النهاية سريعة للغاية."

وتوفي ستاينمان يوم الجمعة 30 من سبتمبر ايلول.

وعرفت شليسنجر خبر الوفاة من العائلة يوم السبت.

وقال جوران هانسون الامين العام للجنة نوبل "اشعر بالحزن لانه لم يتمكن من الاستماع الى خبر الجائزة والشعور بالسعادة."

وشعر العديد من أصدقائه بنفس الشعور. وقال وينر "وددت لو اتيحت له فرصة ليشعر بالفوز."

من جولي استنهويسن وميشيل نيكولز

Reuters

Tuesday, April 19, 2011

«المصري اليوم» تنشر صور «الزنزانة الطبية» لـ«مبارك» فى «المركز الطبى العالمى»

على مساحة أكثر من ١٠ أفدنة ـ ٤٢ ألف متر مربع ـ وبـ٤ مداخل كبرى، ومبنى على هيئة أصابع اليد الخمسة، لم ينفذ منها حتى الآن سوى ٣ فقط، هكذا يبدو المركز الطبى العالمى، الذى يقع على طريق مصر – الإسماعيلية الصحراوى، ويتوقع أن ينقل إليه الرئيس السابق حسنى مبارك خلال ساعات قليلة، ويعتبر مقصدا لمشاهير السياسة والاقتصاد والفن على مستوى مصر والعالم.

عند الكيلو ٤٢ من طريق القاهرة - الإسماعيلية الصحراوى، ستشاهد المبنى ذا الزجاج الملون، الذى تم تنفيذه عام ٢٠٠٤ على مساحة ٤٥ فداناً، منها مبان على ١٠ أفدنة ليكون واحداً من أكبر الصروح الطبية العالمية فى منطقة الشرق الأوسط، بتكلفة ٧٢ مليون جنيه، أشرفت عليه إدارة المشروعات الكبرى بالقوات المسلحة، ونفذته شركتا المقاولون العرب والنمر.

المبنى الأساسى تكلف ٤٧ مليون جنيه دون الأسرة، والعيادات الخارجية التى تكلفت ٢٥ مليونا أخرى، وجاء تصميمه «أمريكيا» ليحمل اسم «فايف فينجرز» أو الأصابع الخمسة، وتم تنفيذ ٣ أجنحة من هذه الأصابع، يقع فى أحدها الجناح الرئاسى الذى تم تنفيذه خصيصا للرئيس السابق، الذى لم يدر فى ذهنه أن هذا الجناح الذى طالما استقبله فى مرضه سيكون زنزانته.

ويعد الجناح الرئاسى هو الأهم والأشهر داخل المستشفى، فهو جناح ٧ نجوم، وبالرغم من تنحى مبارك قبل أكثر من شهرين، فإن الجناح لم يستقبل غيره حتى الآن، ويحتوى على غرفة ساونا وجيمانزيوم، وصالة رياضية مجهزة بأحدث الأجهزة الرياضية والطبية على مستوى العالم، وقاعة خاصة جدا للاستقبال، وصالون فاخر، بجانب غرفة للاجتماعات، وغرفة أخرى مجهزة بسرير طبى وأنتريه فاخر، فى حال تواجد أحد مع «الرئيس السابق»، وحمام بجاكوزى، وتم فرش كل الغرف بالسجاجيد الفاخرة، إضافة إلى حمام سباحة مجهز لاستخدام الرئيس السابق حتى لو كان على كرسى متحرك.

وإذا كان المبنى مصمما ليحتوى على ٥ مبان، فإنه لم يتم تنفيذ سوى ٣ فقط، حتى الآن، ويتبقى مبنيان أحدهما على يمين المبانى والآخر على شمالها، وطاقة كل مبنى ٢٠٠ سرير، أى ٦٠٠ سرير فى المركز حتى الآن، بتكلفة ٢٠٠ ألف جنيه للسرير الواحد، ويتبقى ٤٠٠، بجانب مبنيين لاستراحة الأطباء وآخر للتمريض، ومهبط خاص للطائرات يتسع لطائرتين أو ثلاث، على اعتبار أن المركز معد لاستقبال الحالات الحرجة سواء من المصريين أو العرب والأجانب، وهو ما يفسر تشديد إدارة المستشفى على ألا تتجاوز نسبة إشغاله ٣٠%، على أساس أنه مركز احتياطى لاستقبال أى حالات من القوات الأمريكية المتواجدة فى الشرق الأوسط – وفقا لأحد المصادر.

ويعد المركز الأشهر فى علاج الأورام السرطانية، وبه أفضل علاج كيماوى لهذه الحالات، ولهذا دعت الولايات المتحدة الأمريكية رعاياها فى مصر والبلاد العربية، للتوجه إلى المركز حال إصابة أحدهم بمرض السرطان، لاشتهاره بعلاج هذه الحالات بدقة عالمية.

وتتوافر فى المركز الإمكانات الطبية على مستوى عالمى، ويعتبر مقصدا طبيا للمشاهير من الشخصيات المصرية والعالمية على مستوى السياسة والفن والاستثمار.

ويقع خلف المركز مبنى مختص بالغلايات وأعمال النظافة، ويعمل بالمركز أساتذة معظمهم مدنيون، وتتكون مبانيه من ٦ طوابق بينها طابق تحت الأرض للأعمال الإدارية، توجد به غرف خاصة للأمراض المستعصية، وغرف للعناية المركزة.

قام بتصميم الرسومات الهندسية للمركز، اللواء مهندس حسين شفيق، وفقا للكود الأمريكى للمستشفيات، ويستخدم المركز أحدث أجهزة نظام‏ «التلى ميكسن» أو «التحدث عن بعد»‏، الذى يمكن من خلاله الاتصال المباشر بأكبر المراكز الطبية العالمية وعرض المحاضرات العلمية والعمليات الجراحية لتمكين الكوادر الطبية المصرية فيه من الاطلاع والتدريب على أحدث وسائل العلاج فى العالم‏.‏

ويتم من خلال هذا النظام إرسال صور الأشعة ورسم القلب وجميع الفحوصات الأخرى الطبية، إلى أى مركز يتم اختياره فى العالم، وتتم مراجعتها عن طريق الأطباء الخبراء فى الخارج، وتبادل الآراء عن طريق البث المباشر أو‏ «الانترنت‏»‏ وبهذه الطريقة يتم تقديم أحدث أساليب الرعاية الطبية للمريض المصرى وهو مقيم فى مصر‏.‏

وفى الوقت الذى كان يستقبل فيه المركز الرئيس السابق، كثيرا لعلاجه من الورم الذى أصابه فى البنكرياس، بجانب آلام الظهر، استقبل أيضا واحدا من أهم مشاهير السياسة فى عهد مبارك وهو الراحل الدكتور كمال الشاذلى، الذى كان فيه منذ عدة شهور، بعد إصابته بهبوط حاد فى الدورة الدموية، نقل على أثرها إلى المركز ولفظ أنفاسه الأخيرة هناك، أما مشاهير الفن الذين توافدوا إلى المركز، فكان على رأسهم المطرب محمد منير، الذى فضل أن تكون متابعة حالته الطبية هناك، بعد إجرائه عملية جراحية فى الحنجرة منذ عدة شهور،

بالإضافة إلى الفنانين مثل طلعت زين وجمال عبدالناصر اللذين يعالجان هناك، وآخرهم الفنان مصطفى حشيش الذى دخل إحدى غرف العناية المركزة بالمركز منذ يومين فقط بعد إصابته بجلطة فى المخ.

ولم يكن المركز مقصدا للعلاج للفنانين فحسب، وإنما لا يزال مقصداً لتصوير الأفلام، الذى كان أشهرها فيلم المسافر لعمر الشريف وخالد النبوى

وفاء بكرى وداليا عثمان - المصرى اليوم

Sunday, April 03, 2011

إنهم يسرقون أحلامنا


كانت يدى تضغط على هاتفى الخلوى لتحشره بعنف داخل أذنى وأنا أتحدث إلى صديقة من القاهرة تقف فى ميدان التحرير، وعيناى مثبتتان على شاشة التليفزيون، وأصابع يدى الأخرى تعبث بلوحة مفاتيح الكمبيوتر، أتلهف لمعرفة خبر جديد أنتظره وينتظره العالم، قلبى كان يخفق بعنف حتى إن صوت خفقانه كان يغطى على صوت هطول الأمطار فى الخارج، كنت محبطا مما حدث يوم الخميس. وفجأة ظهر الرجل الذى يقف أمام من يقف خلف عمر سليمان، وقال ما قال. وجدتنى فجأة أرمى هاتفى، وأجرى لأغلق باب صالة اجتماعات الجريدة، التى كنت جالسا فيها، وأقفز كالمجنون وأنا أصرخ: لقد فعلناها، لقد فعلناها. لم أدرك مدى ارتفاع صوتى إلا عندما دخل إلى الصالة عدد من الزملاء للاطمئنان علىّ، فوجدونى ما زلت أقفز فى الهواء وحيدا داخل هالة من الفرحة تبتلع المبنى بأكمله.

هذه القصة حكاها لى صحفى سويسرى بعد ندوة عن الثورات العربية فى زيوريخ منذ أيام قليلة، وقد امتلأت القاعة عن آخرها ووقف عدد كبير من الجمهور رغم ارتفاع سعر تذكرة الدخول إلى مائتين وخمسين جنيها للتذكرة. جاءوا جميعهم لمحاولة فهم ما يحدث والسؤال عن مسارات المستقبل المختلفة. ثم جاء الحوار فى النهاية بينى وبين الجمهور ليؤكد لى مدى الاهتمام الكبير الذى حظيت به مصر هناك. كان هذا الصحفى فى نحو الأربعين من العمر، مهتما بالشأن العربى ويدافع اليوم عن الحقوق العربية فى بلده سويسرا.

كان يتابع أحداث الثورة المصرية لحظة بلحظة. استطرد قائلا: لم أحكى هذه القصة لأحد من قبل، فما علاقتى أنا بالثورة المصرية وأنا سويسرى، ولماذا صرخت «لقد فعلناها» بدلا عن «لقد فعلوها»؟ لا أعرف. أظن أن ملايين البشر فى أنحاء العالم شعروا أنهم مصريون فى هذه اللحظة. سقوط مبارك الديكتاتور كان انتصارا لقيمة أكبر نبحث كلنا عنها على مدى حياتنا. قيمة عليا كقيمة الحق مثلا أو قيمة العقل. نعم شعرت أننى مصرى وأننى أحلم بغد مختلف لمصر وللعالم أجمع. لا يمكننى شرح ما حدث خلال هذه الأيام، ولكن الثورة فى مصر تأججت فى صدور البشرية، التى تحلم بمستقبل غير الذى يمهده لنا واقع اليوم الكئيب، والذى يتزعمه بشر من أمثال بيرلسكونى وساركوزى وغيرهم. وكأن الثورة المصرية تحدثت بلسان الكون كله.

تطاير الحلم من ميدان التحرير ليدفئ أرواح الناس بمختلف منابتهم، أما اليوم فأنا قلق، قلق على مصر وقلق على العالم. كل شىء فى مصر الآن ملتبس، علاقة المجلس العسكرى بالنظام الذى سقط، التشابك الاقتصادى بينهما، عدم وضوح الرؤيا الناتج عن حالة الالتباس هذه، قرارات بديهية كقرار انتخاب المحافظين وانتخاب رؤساء الجامعات والعمداء والمجالس المحلية والمؤسسات الإعلامية، هذه بديهيات ما بعد الثورة. ولكن لا شىء من ذلك تحقق، ما زال الأمر بالتعيين. انها مأساة. أعرف أن عمر الحلم قصير، ولكننى كما ملايين غيرى آمننا به وبأنه يمكن أن يتحقق. لا تسألنى أنا عن تفاصيل هذا الحلم، فقد كان فى ذهنى مجردا. ولكننى أعرف اليوم أنه يتبخر، ويحتاج فورا لعملية إنقاذ. لا أملك شيئا لإنقاذ الثورة المصرية سوى أن أنتظر أعظم حضارة فى البشرية لتعبر عن نفسها من جديد لتمنحنا الأمل.

تركته وهو قلق ومحبط، محبط أكثر قليلا من إحباطه يوم الخميس السابق لظهور الرجل الذى يقف وراء عمر سليمان.

وفى اليوم التالى تلقيت رسالة إلكترونية من مترجم ألمانى، يترجم الأعمال الأدبية العربية إلى اللغة الألمانية وهو دكتور فى الأدب ومهتم بالشأن العربى، تعقيبا على تعيين الدكتور زاهى حواس وزيرا للآثار. كان نص الرسالة قصيرا جدا، مكونا من ثلاث كلمات: «إنهم يسرقون أحلامنا». فقط، لم يكتب فى الرسالة أكثر من ذلك. كان يحلم هو الآخر فى برلين، وهى مقر إقامته، بمصر جديدة ومختلفة ولكن رئيس الوزراء المصرى بدأ فى سرقة أحلامه.

مشاعر قلق وإحباط مصحوبة بمشاعر ترقب وتفاؤل وأمل. تخبط كامل فى مشاعر الذين حلموا معنا فى أرجاء العالم. هناك إجماع أن القائمين على الأمر بدأوا يسرقون الأحلام لتخزينها فى ثلاجات مستوردة من السعودية والأردن وإسرائيل. وهناك إجماع أيضا أننا منتصرون فى النهاية. سوف نفتح هذه الثلاجات بهدوء ونخرج منها احلامنا مرة أخرى وننفث فيها من أرواحنا لتدفئتها، وسوف نصنع منها غدا لم يعرفه بشر من قبل.

قلم:خالد الخميسي - الشروق

Tuesday, March 29, 2011

الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية.. عنواناً لحزب جديد ولد من رحم الثورة


أعلن ناشطون سياسيون وأكاديميون وشخصيات عامة اليوم عن تأسيس حزب جديد يحمل اسم ''الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي'' على المبادئ الليبرالية والعدالة الاجتماعية.

وكان قد عقد المؤتمر الجماهيري تحضيري للحزب يوم 18 مارس بنقابة الصحفيين بحضور 1150 عضوا ومندوبا من معظم المحافظات، اقر فيه اسم الحزب وإعلان مبادئه وخطة عمله المقبلة، ليتم تشكيل مجموعة مؤقتة أقرها المؤتمر التحضيري، وكلفها بمسئولية التأسيس، وذلك حتى انعقاد المؤتمر الأول للحزب في خلال ستة أشهر، وهو الذي سيقوم بانتخاب مختلف الهيئات القيادية للحزب على كافة المستوى.

وقد ساهم في التأسيس والقيادة، عناصر بارزة من ائتلاف شباب الثورة، بما في ذلك حركة 6 ابريل وحملة البرادعي وبرنامج العدالة، كزياد العليمي وعبد الرحمن سمير، وحركة 9 مارس كالدكتور محمد ابو الغار، والدكتور محمد غنيم، وداود عبد السيد، وناشطين واكاديميين كالدكتور عمرو حمزاوي، والكاتب خالد الخميسي والشاعرة فاطمة ناعوت.

فيما ذكر الحزب في بيان له اصدره قبيل المؤتمر " أن الحزب خرج من عمق ثورة يناير المجيدة، مستمدا هويته ومبادئه الأساسية من الأهداف الكبرى لتلك الثورة وقيمها العليا التي طرحت الحرية والديموقراطية ومدنية الدولة والعدالة الاجتماعية بوصفها الشعارات الأساسية لصياغة مستقبل مشرق للشعب المصري، طالما تاق إليها وكافح من أجلها ودفع ثمنها الاف المناضلين قبل الثورة وحتى يومنا هذا سجنا وتعذيبا وأرواحا."

فيما صرح عمرو حمزاوي استاذ العلوم السياسية والذي يساهم في تأسيس الحزب، في كلمته التي القاها اليوم امام الصحفيين، بأن لابد امتلاك كافة الادوات لإجراء التحول الديمقراطي الامن وهذا التحول لم يأتي من فراغ بل بالتحول المدني ومدنية الحياة السياسية في مصر .

وأكد على ضرورة اعلاء قيمة العمل الجماعي من خلال هذا الحزب ولم ينبغي خلق المنافسة بين الناخبين من الاحزاب الجديدة "لأننا نعمل كلنا لنبني الوطن".


واشار الحاضرون إلى ان الاوراق الكاملة لإنشاء الحزب سوف تكون جاهزة في غصون ثلاث اشهر ،للاستعداد بالانتخابات البرلمانية القادمة وبناء دولة مدنية حديثة والحصول على عدد كاف من المقاعد بالبرلمان، حتي يتم الحفاظ الحقيقي للثورة. بالإضافة الى ضرورة العمل على عملية الدمج بين الاحزاب لسهولة تحقيق الديمقراطية، وان الحزب بصدد زيارة لمحافظات الجمهورية وتم البدء بالمحلة وسوف يتجه للمحافظات الأخرى في غصون أسابيع.

من جانبه قال محمد أبو الغار ، ان يعتبر هذا الحزب عمره قصير لا يتعدى الاسابيع من خلال اتحاد ومجموعات بين الشباب والاحزاب الجديدة . وان الحزب هو حزباً ليبرالياً ينادي بتحسن اقتصاد السوق والمطالبة بالدولة المدنية بالإضافة الى التوجه الاجتماعي وان هذا التواجه لم يؤثر على ليبرالية الحزب.

وكان قد حضر المؤتمر الصحفي العديد من الكوادر السياسية والفنية، منهم عبد الرحمن سمير القيادي بحملة دعم البرادعي، وزياد العليمي المحامي والناشط السياسي، الفنانة اسعاد يونس والمؤلف تامر حبيب، والمنتج محمد العدل، والمخرج يسري نصر الله، والفنانة بسمة .

في أول اندماج بين كيانات سياسية تعبر عن شباب ثورة 25 يناير ، أتفق الثلاثاء حزبا "المصري الليبرالي- تحت التأسيس" والحزب "الديمقراطي الاجتماعي- تحت التأسيس" على العمل في جبهة واحدة، وأعلنا عن تأسيس حزب سياسي جديد باسم " الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي".

احمد لطفي ومصطفى علي - مصراوى


Wednesday, January 19, 2011


تغطية مصراوي لثورة ''النار'' التي اشتعلت في مصر

كانت الكلمات من قبيل '' حريق.. إشعال.. نار.. انتحار'' تسبب للبعض حالة من الذعر والخوف، للدرجة التي تقترب من الهلوسة.. ولكنها الآن ومنذ أيام قليلة أصبحت معتادة.. لا نفزع لها.. بل قد يصل تعليق البعض عليها الاستهجان والتقليل من شأنها...

فمن الصعب أن يجد أحد تفسير بسهولة للحالة التي يكون عليها الشخص قبل أخذ قرار بمثل تلك القسوة.. لكن يبدو أن ظروفهم أقوى من أي تصور.. فأي قوة تلك التي يستجمعها وأي شجاعة تجعلهم يقدمون على مثل هذا الفعل!!

صورة الشاب التونسي الذي أضرم النار في نفسه، فأحرقته وأحرقت نظام بالكامل تكاد لا تفارق أعين الجميع.. الموقف يتكرر.. تونس.. ثم الجزائر.. فموريتانيا.. وصولا لمصر.. عندها فقط.. كأنها " حنفية واتفتحت".. 8 حالات في 48 ساعة..

يومان كانت حصيلة محاولات الانتحار فيهما عن طريق إضرام النار في الجسد، قتيل، و4 مصابين، و3 تم انقاذهم قبل أن يفعلوها.

اليوم الأول الاثنين 17 يناير:

مشهد لمواطن مصري أضرم النار في جسده، أمام مجلس الشعب اعتراضًا على إهانة موظفة له عندما قررت أن تمنحه حقه في الخبز المدعوم مصحوبًا بكلمة '' هي زكاة لله".. فقرر الاحتجاج على تردي أوضاعه المعيشية..

الموقف يتكرر.. ولكن بصور مختلفة.. فإحدى الحالات كان مشهدها.. مشاكل ليل نهار.. إهانة وتطاول يصل لحد الضرب.. مشادات كلامية يسمعها الجميع.. أسباب جعلتها تقرر في لحظة ضعف التخلص من حياتها.. فتعددت الأسباب والطريقة واحده.. إشعال النار في الجسد..

زوجها الذي تسبب في بلوغها لتلك الحالة.. لم يصدق ما يحدث.. فسارع محاولاً إنقاذها فاشتعلت النار فيه هو الآخر.. أراد ان يعتذر لها ولكن على طريقته.. حالتهما المتأخرة التي هما عليها في مستشفى جامعة الإسكندرية المركزي.. جعلتها لا تعرف ما حدث..

أنباء عن محاولة ميكانيكي يعمل في ورش بريد الاسماعيلية إشعال النار في نفسه .. على الرغم من نفي البريد بعد ذلك ..

الحصيلة: 4 محاولات انتحار عن طريق إشعال النار في الجسد، حالة مصابة بحروق خفيفة.. وحالتان حالتهما خطرة.. وحالة تم انقاذها.

اليوم الثاني 18 يناير:

12:00 ظهرًا.. نفس المكان.. شارع مجلس الشعب.. لحظات ترقب.. مواطن ثان يشعل النار في نفسه، احتجاجًا على ظروفه المعيشية الصعبة.. وفشل الأمن في إعادة ابنته التي تم خطفها من قبل شاب منذ فترة، ويتم انقاذه وتحويله لمستشفى المنيرة..

12:30ظهرًا.. مواطن ثالث.. يتم الاشتباه فيما يحمله من "جركن كيروسين".. فيتم إيقافه ومنعه من محاولة إشعال النار في نفسه..

1:30 ظهرًا.. ولكن في الاسكندرية.. شاب في منتصف العشرينيات.. عاطل، أشعل النار في نفسه.. وأسفًا .. توفي بعد وصوله للمستشفى الجامعي بساعات ..

5:00 عصرًا
.. موظف بمصر للطيران يحاول إضرام النار في نفسه علي سلالم نقابة الصحفيين بعد تعنت مديره معه وخصم جزء من مستحقاته المالية ويطلب لقاء الرئيس مبارك شخصيًا..

المحصلة: 4 حالات.. قتيل وإصابة حالة وإنقاذ حالتين.

شاب تونس محمد بوعزيز أصبحت سيرته خالده.. فمن بائع متجول لمسقط نظام متحجر.. للدرجة التي جعلت البعض يقول إنه رمز الحرية للشعوب العربية.. المواطن "عبده حماده".. جعل حكومة بأكملها تهتز كما لم نر من قبل، اتصالات وبيانات واجتماعات على مستوى القمة الوزارية.. السيدة التي تبلغ من العمر 21 عامًا.. على الرغم أن الإهانة عاملا مشتركًا مع من قبلها .. إلا أن الاهتمام على المستوى العام قليل.. ولكن على المستوى الشخصي من قبل زوجها كان كبير..

الشاب السكندري.. الذي كان ضحية البطالة حسب قول مراقبين، أو ضحية الاضطراب النفسي حسب قول أهله.. لقى صدى إعلاميًا واسعًا كونها حالة الوفاة الأولى.. المحامي محمد كمال الذي اشعل النار في نفسه امام مجلس الشعب، وموظف مصر للطيران.. أخذا وعودًا بحل مشاكلهما..

بوعزيزي المصري...

1 - عبده عبدالمنعم حماده، 49 سنة، صاحب مطعم، الاسماعيلية.
2 - ي . ا، 21 سنة، ربة منزل، منطقة المنتزه بالإسكندرية.
3 - م . خ، 25 سنة، صاحب محل، منطقة المنتزه بالإسكندرية.
4 - طارق. أ، ميكانيكي بمصلحة البريد، الاسماعيلية.
5 - محمد كمال، 51 سنة، محام، منطقة السيدة زينب بالقاهرة.
6 - سيد علي، 65 سنة، موظف بالمعاش، القاهرة.
7 - أحمد هاشم السيد، 25 سنة، عاطل، منطقة خورشيد بالإسكندرية.
8 - محمد عاشور، 53 سنة، موظف أمن بمصر للطيران، القاهرة.

مصطفى مخلوف- Masrawy

Friday, January 14, 2011

تحية من القلب لكل التوانسة الأحرار

اذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر

كذلك قالت لي الكائنات
وحدثني روحها المستتر
ودمدمت الريح بين الفجاج
وفوق الجبال وتحت الشجر:
إذا ما طمحت إلى غاية
ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش ابد الدهر بين الحفر
فعجت بقلبي دماء الشباب
وضجت بصدري رياح أخر
وأطرقت أصغى لقصف الرعود
وعزف الرياح ووقع المطر
وقالت لي الأرض لما سالت:
يا أم هل تكرهين البشر ؟:
أبارك في الناس أهل الطموح
ومن يستلذ ركوب الخطر
وألعن من لا يماشي الزمان
ويقنع بالعيش ، عيش الحجر
هو الكون حي يحب الحياة
ويحتقر الميت مهما كبر
لا الأفْقُ يحضُـنُ ميْـتَ الطُّيـورِ
ولا النَّحْـلُ يلثِـم ميْـتَ الزَّهَـرْ
ولولا أمُومةُ قلبـي الـرّؤومُ لَمَـا
ضمَّـتِ الـميْتَ تلـكَ الحُفـرْ
فويلٌ لِمَـنْ لـم تَشُقْـهُ الحَيـاةُ
مـنْ لعنـةِ العَـدَمِ الـمنتصر
وقال لي الغاب في رقة
محببة مثل خفق الوتر

يجيء الشتاء شتاء الضباب
شتاء الثلوج شتاء المطر

فينطفئ السحر سحر الغصون
وسحر الزهور وسحر الثمر

وسحر السماء الشجي الوديع
وسحر المروج الشهي العطر

وتهوي الغصون وأوراقها
وأزهار عهد حبيب نضر

ويفنى الجميع كحلم بديع
تألق في مهجة واندثر

وتبقى الغصون التي حملت
ذخيرة عمر جميل عبر

معانقة وهي تحت الضباب
وتحت الثلوج وتحت المدر

لطيف الحياة الذي لا يمل
وقلب الربيع الشذي النضر

قصيدة لابي قاسم الشابي

Wednesday, January 12, 2011

تجفيف منابع الطائفية

على الرغم من قسوة الحادث الإرهابى الذى شهدته مدينة الإسكندرية الأسبوع الماضى، إلا أن معظم المعالجات التى تعاملت معه نظرت للأمور من السطح، ولم تحاول أن تقترب من عمق المشكلة الطائفية التى باتت مهددة بالانفجار فى أى لحظة.

والحقيقة أن ما شهدته مصر مؤخرا يدل على أن هناك كارثة اقتربت من الانفجار لن تحلها حفلات الوحدة الوطنية، ولا الحديث عن ترابط عنصرى الأمة وغيره من الشعارات السمجة التى ملها حتى من يرددونها.

والحقيقة أن المسؤول الأول عن تصاعد الطائفية هو النظام السياسى، وهو أيضا المسؤول الأول عن إخراجنا منها، ولكن بحزمة من الإجراءات والإصلاحات الجراحية، بعد أن عمّقت المسكنات من المرض، وبات من المهم توصيف المشكلة بشكل حقيقى حتى يمكن البدء فى حلها.

والواقع أن مصر تدفع كل يوم ثمن وجود نظام غير سياسى امتلك مهارات مؤكدة فى الإدارة اليومية وترحيل المشكلات وتلفيقها بصورة أبقته فى الحكم دون أى أخطار حقيقية لأكثر من ٣٠ عاما، وغاب عنه ليس فقط الخيال السياسى إنما الرؤية السياسية التى تبدأ بوضع منظومة من القيم السياسية والقواعد القانونية، التى تلزم بها الجميع حكاماً ومحكومين، وتكون قادرة على نيل ثقة أغلب المواطنين.

ولذا لم يفهم كثير من المسؤولين دلالات غضب الأقباط رغم إعلان الرئيس مبارك وقيادات الدولة أن مصر شهدت (وهو صحيح) أكبر عدد من بناء الكنائس فى تاريخها المعاصر، ومع ذلك خرج الأقباط إلى الشارع احتجاجاً على رفض الدولة المفاجئ تحويل مبنى خدمات إلى كنيسة، ثم خروجهم مرة أخرى عقب حادث الإسكندرية الإرهابى فى مشهد لم تعرفه مصر من قبل.

والحقيقة أن مشكلة الأقباط ليست مشكلة تمييز قانونى، ولا حتى مشكلة بناء كنائس ولكنها مشكلة التعامل اليومى مع واقع طائفى جعل معتدلى الأقباط ضحية لخطابين متطرفين، أحدهما إسلامى استبعدهم معنويا وثقافيا من المجال العام، وأساء لدينهم بخرافات وأفكار ومتعصبة، والآخر مسيحى كرّس العزلة وكراهية الآخر حتى أصبح لا يرى الدنيا إلا من خلال كراهية الإسلام والمسلمين، ونجح فى التواصل مع الخطاب العالمى المعادى للإسلام الذى تبلور بعد اعتداءات ١١ سبتمبر، وابتز الدولة بامتداداته الخارجية وقوته الداخلية.

أما المسلمون فقد تُركوا ضحايا خطاب إسلامى مهمته الأساسية تغييب وعيهم وفصلهم عن العالم الذى يعيشون فيه حتى أصبحت القضايا التى يعتبرونها «أولويات دينية» مسار سخرية أى عاقل، وأصبحت منابع الطائفية الإسلامية مصدراً لتغييب الوعى وكراهية العلم وتكريس التواكل والأفكار الغيبية حتى أصبحت الطائفية ضد المسيحيين حصيلة لقيم أسوأ يتلقاها كثير من المسلمين عبر شبكات الإنترنت وكثير من البرامج والخطب الدينية.

والحقيقة أن ماكينة إنتاج الطائفية فى مصر عملت بهمة ونشاط طوال السنوات الماضية، ونجحت فى استقطاب قطاعات واسعة من جمهور الجانبين، وما لم نعترف بأن المشكلة الطائفية أصبحت فى الشارع وبين الجماهير، وننس حكاية القلة المندسة التى تشوّه العلاقة بين المسلمين والأقباط، فإننا سندخل فى حروب طائفية سيدفع ثمنها الجميع.

وقد ترك الحكم كل هذه المشكلات تمتد وتهيمن على عقول كثير من الشباب دون أن يتحرك لوقفها، وهو ما يعكس فى الحقيقة فشلاً سياسياً كبيراً، لأنه لأول مرة منذ ثورة ١٩١٩ يعتمد نظام سياسى فى بقائه الطويل فى الحكم على الأمن والإجراءات الأمنية، دون أن يمتلك أى رؤية سياسية قادرة على جذب الناس حوله، فالوفد قبل ثورة يوليو كان مصدر إلهام لعموم المصريين، مسلمين وأقباطاً، فخرجوا بإيمانهم الدينى إلى مجال سياسى علمانى من أجل الدفاع عن الاستقلال والدستور، وجاءت تجربة عبدالناصر لتحصل على دعم غالبية المصريين، خاصة فقراء الأقباط والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وحتى الرئيس السادات الذى أطلق التيارات الدينية من عقالها دعم توجهاته السياسية كثير من المصريين.

وهكذا بقى الخطاب الدينى بجوار خطابات سياسية أخرى تنجز وتتعثر، وتصيب وتخطئ، وليس بجوار الفراغ، حتى سيطر وهيمن على عقول الناس.

لقد غابت السياسة والأحزاب، وأصبح لدينا نظام سياسى يقتصر فهمه لهذه الأمور على عدد الكنائس التى بنيت فى عهد الرئيس مبارك، ولا يفهم معنى التغير الذى حدث فى قيم المصريين وثقافتهم، وكيف تحول رجال الدين إلى رموز لإنتاج الطائفية، مستغلين الفراغ الذى حدث بغياب الدولة وضعف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى، وقتل أى مبادرة ذات قيمة تخرج من المجتمع.

وقد فشلت محاولات الحكم فى البحث عن الشرعية من خلال مواجهة الخارج وضغوطه، فحين يرفض النظام السياسى التدخلات الأجنبية لا ينصت له الناس كثيرا، فهو ليس نظام عبدالناصر الذى خاض حروب تحرر حقيقية ضد الاستعمار، فخاصم الغرب وأمريكا دفاعا عن التحرر الوطنى، فى حين أن الحكم الحالى يرفض تدخلات الغرب حين يكون الضحية هو المواطن المصرى، وبعد أن فشل فى حماية المسلمين والمسيحيين معاً، وتقديم قيم ملهمة للناس أو إصلاح سياسى أو اقتصادى يخرجهم من دائرة الخطاب الدينى المغلق إلى دنيا الله الواسعة.

إن تجفيف منابع الطائفية فى مصر سيبدأ من عنوان عريض هو «مراجعة الخطاب الدينى»، وليس فقط تعيين رئيس جامعة أو محافظ آخر مسيحى، فهى كلها مسكنات قد تكون مطلوبة، ولكن المعضلة الحقيقية فى استعادة مئات الآلاف من الشباب الذين سقطوا ضحايا اللوثة الدينية، والتدين المغشوش، وإن ذلك لن يتم إلا بالعمل على تأسيس «تجمع ما» جديد يحمل عنواناً عريضاً «دفاعاً عن الدولة المدنية» وليس بيت العائلة المصرية الذى دعا إليه الأزهر الذى هو جزء من المشكلة، وإصلاحه جزء من الحل.

إن المدافعين عن مدنية الدولة وعلمانية النظام السياسى والمتصالحين فى نفس الوقت مع الدين والمؤمنين بهوية هذا البلد العربية وثقافته الإسلامية، عليهم أن يتقدموا الصفوف من أجل تجفيف منابع الطائفية الإسلامية ورفض الطائفية المسيحية، فالأولى هى المسؤولة عن تنامى الثانية، وفعل المسلمين مثّل عاملاً رئيسياً وراء رد فعل المسيحيين.

لقد تُركت الساحة لخطاب إسلامى متعصب وجماعات مصرية ادعت أنها ضد التمييز وهى أكبر مكرس للتمييز والطائفية، فى حين ظهرت تجمعات جديدة ضمت شباباً مسلماً ومسيحياً سعى بشكل تلقائى ودون أى تصنّع إلى العمل سوياً، متخلصاً من أمراض أيديولوجية وسياسية ودينية كثيرة، فكانت جمعية «عيش وملح» الواعدة، ثم جاءت صور التضامن التى أبداها نشطاء ومسلمون عاديون مع قضايا الأقباط وبدلاً من أن يرى الحكم هذه الصور طريقاً لمواجهة الطائفية وتجفيف منابعها، أحالهم لمحاكمة عاجلة بتهم التكسير والحرق وإتلاف ممتلكات عامة، بدلا من مكافأتهم وتشجيعهم على مشاعرهم غير الطائفية.

نعم يمكن فى مصر تجفيف منابع الطائفية بفتح الباب أمام مبادرات مجتمعية تأخذ نفس نصيبها فى الحركة والفعل مثلما يأخذ رموز التدين الشكلى والمغشوش، ولا تكون قادمة من رجال الدين ولا تكون أيضا ضد الدين، ولا تعبر عن الأزهر ولا الكنيسة، ولا الحزب الوطنى ولا المعارضة، إنما فقط تؤسس لتحركات مدنية ومبادرات أهلية تكون قادرة على إنقاذ الوطن من خطر الحرب الطائفية.

المصرى اليومعمرو الشوبكى

amr.elshobaki@gmail.com

Friday, December 31, 2010

عكاشة يدعو المصريين لرفض الاستبداد

في حوار أجرته "بوابة الوفد الإخبارية" مع د.أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي، وينشر كاملاً في عدد الخميس من جريدة "الوفد"،

دعا د.عكاشة المصريين إلى إعلان حالة من الرفض الجماعي للأوضاع القائمة، والتحلي بالإيجابية وعدم التنازل عن حقوقهم، حتى إذا دفعهم الأمر للنوم في الشارع احتجاجًا.

واعتبر أن قانون الطوارئ الذي أثقل كاهل المصريين لأكثر من 30 عامًا تسبب في شيوع حالة من الاستسلام للقهر الممارس على المواطن، وبالتالي تمركزه حول ذاته، حتى بات يتحلى بما وصفه بـ "أخلاق العبيد".

وفي نهاية حواره وجه أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، والرئيس السابق للجمعية العالمية للطب النفسي رسالة إلى الفرقاء السياسيين في مصر، تطالبهم بالالتفاف حول مائدة الحوار والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم، وتمنى على رجال الحزب الوطني الحاكم بشكل خاص أن يصدقوا في وعودهم المتكررة فيما يتعلق بالنهوض بذوي الدخول المحدودة، والاهتمام بأوضاعهم الصحية والتعليمية.

بعد "نكسة" 2010

في رده على سؤال أرسله "محمد" عن "رؤية د.أحمد عكاشة لمصر بعد انتخابات 2010 وما أسفرت عنه من نتائج لا تمثل إرادة الشعب، وبعد عقود من التهميش المتواصل لإرادة الجمهور، وترسيخ قيم التزوير ومنطق العنف والبلطجة في المجتمع المصري؟"، أجاب: أنه طالما يظل قانون الطوارئ يحكم مصر؛ فستظل أخلاقيات الشعب تتغير، مضيفًا إن القانون المستمر من 30 عاما يؤدي لإحساس الإنسان بالخوف والجبن فيلجأ إلى الفهلوة والنفاق والكذب، ومن ثم يكون إلى حد ما نموذج لما وصفه ابن خلدون قبل 600 عام حين اعتبر أن المصريين يميلون للفرح والمرح، وعادة ما يتغاضون عن العواقب، وأنهم يميلون للسخرية والنكتة، وهي تؤجل ثورة الشعب على الحكام لأنها تنفث عن غضبهم.

وتابع: إن كان الشخص لا ينتمي ويتمركز حول ذاته، فسيصبح غير مبال بما يحدث في وطنه ويتحلى بأخلاق العبيد، وهي السلبية والخنوع وعدم الاهتمام إلا بالأسرة البسيطة .

وحول سؤال عما إذا كانت عملية التزوير الفجة للانتخابات يمكن أن تضيف بعدًا آخر للمشهد المصري؟ أكد د.أحمد عكاشة أن ما حدث سيؤدي بالضرورة لشيوع حالة عامة من الإحباط، الذي يتحقق عندما يشعر الفرد أن طريقه مسدود، وبالتالي سيولد الإحباط العنف والعدوان، أو على النقيض حالة من اللا مبالاة وتبلد في الانفاعلات، وربما يؤدي لحالة من القلق والخوف، أو إلى حد ما الاستمرار على نفس النمط، بلا تغيير.. أي حالة من الركود.

وشدد على أن حالة الانتهاكات التي صاحبت العملية الانتخابية ستزيد من إحباط المواطن عندما يلمح الفرصة الوحيدة التي تشعره بكرامته وشراكته في الحكم من خلال اختيار نوابهم في البرلمان، تنتزع منهم فستزيد حالة عدم المبالاة وعدم الانتماء، وهو ما توضحه نسبة المشاركة المتدنية (لا تزيد عن 15% بحسب مراقبين).

وأوضح أن الحكومة فقدت المصداقية، وثقة الناس لأن عملية الخداع فاقت التوقعات، بما يشبه نوعا من الفجور، وأن الحزب الوطني خسر كثيرا بهذه الأغلبية التي حصل عليها، وكان سيعتبر فائزًا لو اكتفى بأغلبية الثلثين وليس الاكتساح بالتزوير، واعتبر أن المعارضة ربحت معركة الانتخابات الأخيرة، على عكس ما يتصور البعض.

وفي رده على سؤال "ما الذي يدفع شعب معروف أنه الأكثر تدينا باستمراء المشاركة في عمليات التزوير والبلطجة وأن يكون جزءا من منظومة الفساد؟"، شدد د.عكاشة على أنه يختلف مع الرأي القائل بأن الشعب المصري متدين، معتبرًا أنه (الشعب) يمارس الطقوس الدينية، ولكن جوهر الدين غير متأصل فيه، وهذا ما تظهرة "نكتة" من أراد أن يعطي شخص ما رشوة فرفض استلامها في نفس اليوم لأنه صائم وأخذها منه في اليوم التالي.

وأرجع هذا النمط من التدين إلى الخطاب الديني الذي يهتم باللحية والحجاب والشكل، على حساب الجوهر.

وفي معرض رده على أسئلة الزوار طلعت عبد العظيم، ومن أسمى نفسه بأمير الانتقام، ود.هدى يوسف عما إذا كان المصريون يعيشون الآن حالة من الاكتئاب المرضي، نبه د.عكاشة للفرق بين أعراض الاكتئاب ومرض الاكتئاب ذاته الذي يحتاج لتدخل طبي، أما الأعراض فتتمثل في الإحساس باليأس والعجز مع القدرة على متابعة القيام بالعمل ولو من باب تأدية الواجب بلا تحمس، وهذه الأعراض ستؤدي في النهاية إلى غياب الانتماء لهذا الوطن، أما الاكتئاب فهو حالة مرضية تصيب الشخص وتجعله غير قادر على ممارسة حياته الطبيعة.

ثورة الشباب

"أبو سيف" من متابعي "بوابة" الوفد أرسل سؤالاً حول السبب وراء إعراض المصريين عن النزول للشارع والعمل على إسقاط النظام الذي هو سبب كل مآسيه؟ خاصة أنه يستعد للموت خلال هجرة غير شرعية للخارج؟ وهو ماأرجعه د.عكاشة إلى غياب القدوة خاصة أن المشهد المصري الحالي لا يسمح بظهور مثل هذه القدوة، التي إن حدث وظهرت تختفي بسرعة من المسرح، وذلك إضافة إلى مناخ القهر الذي يصنع شخصية سلبية مثل العبيد

وعاد د.عكاشة ليؤكد أنه مازال يرى بارقة أمل يجسدها الشباب، وخاصة نشطاء الانترنت منهم، فما يكتبوه يؤكد ذلك، أما الأجيال الأكبر فلن تستطيع أن تفعل شيئا بسبب تشبعها بالقهر وتلوثها به.. وقال: ثورة الشباب في ظل ثورة تقنية المعلومات والانترنت أتاحت لهم أدوات للتعبير والتأثير، وهو ما سيختصر الكثير لكي يساهموا في التغيير.

وفي نهاية حواره مع "بوابة الوفد" وجه د.أحمد عكاشة رسالة لكل من النظام الحاكم، والشعب للتعامل مع الأزمات التي تمر بها مصر الآن، قائلاً:

أقول للشعب.. تكاتفوا مستقبل أولادكم مسئوليتكم، وليست مسئولية الحزب الحاكم، كن إيجابيا وطالب بحقوقك ولا تتنازل عن حقوق مهدرة حتى إذا نمت في الشارع احتجاجا.. وللحزب الحاكم.. أتمنى هذه المرة أن يصدق كلامكم المعاد منذ 10- 15 سنة باهتمامكم بذوي الدخول المحدودة، ولكن للأسف إن ما رأيناه ونراه خاصة في مجال الصحة والتعليم، لا يفي ولا يتوازن أو يتواكب مع وعودكم.. أرجوكم.. أنا لا أشك في وطنية أعضاء الحزب ولا التنظيمات السياسية.. أرجوكم اجعلوا بينكم الحوار، لا تفقدوا أمخاخا مبدعة ومنتجة لأنها لا تنتمي للحزب الوطني.

هذه الفرصة الوحيدة أمامنا للنهضة وأنتم القدوة، ولا يمكن أن يوجد شعب ينهض بلا قدوة، وقد قيل أن الأمم تنهض ليست بالقوى العسكرية ولا السياسية ولا الاقتصادية، ولكن بأخلاق مواطنيها، دعنا نعمل على أن تعود أخلاق المصري كما سبق .. كرامة .. عزة.. شموخ.. شهامة وتجاوز للذات.

حوار: هشام عبد العزيز

د.عگاشة‮: ‬نعيش الآن مرحلـــة‮ "تفگيك مصر‮"

يواصل الدكتور احمد عكاشة استاذ الطب النفسي تحليل التركيبة النفسية والاجتماعية والسياسية التي آل إليها حال المصريين بعد نحو ثلاثين عاما من القهر والكبت السياسي.

في الجزء الاول من الحوار اكد عكاشة ان مصر تحولت الي نظام خائف يحكم شعبا من الخائفين معربا عن عدم تفاؤله برجال الحكم لانهم غير قادرين علي تحسين الاوضاع وان الحكومة بلا مصداقية

l‮ ‬ هناك رأي متشائم يري أنه لو استمرت الأوضاع القائمة لفترة أطول،‮ ‬ولم يتصدر من تسمونه‮ »‬القدوة‮« ‬المشهد المصري،‮ ‬فسنتحول لمرحلة ما تسمي‮ »‬الأنومي‮« ‬وفيها يري كل شخص أنه هو السلطة ويسن قانونه الخاص وينفذه،‮ ‬طالما رأي أن السلطة انسحبت عن دورها في ذلك،‮ ‬ويصل المجتمع المصري والدولة المصرية لمرحلة التفكك‮.. ‬هل نحن مقبلون علي هذه الفترة؟

‭ ‬llنحن بالفعل موجودون في هذه الفترة‮.. ‬الآن لا وجود لهيبة الدولة ولا للأمن،‮ ‬والقضاء بطيء،‮ ‬والحكومة أول من يعرقل تنفيذ أحكامه،‮ ‬إذن إذا كنت أريد الاحتفاظ بكرامتي يجب أن أحصل علي كل شيء بنفسي؛ فأصبح القانون في إجازة،‮ ‬والحكومة ضعيفة،‮ ‬والناس لا ترهب الشرطة إطلاقًا‮.. ‬هذا ما حدث في قانون المرور،‮ ‬وكذلك قانون رعاية المريض النفسي الصادر في العام ‮٩٠٠٢ ‬من أجل الحفاظ علي حقوق المريض النفسي،‮ ‬لتأتي الدولة بعد أقل من عام وتحاول ان تهدم المستشفي الذي يعالج المرضي النفسيين بسعر رمزي،‮ ‬كل شيء متناقض‮.‬

‭ ‬lهل يمكن اعتبار دراسة وزارة التنمية الإدارية التي أجرتها بالتعاون مع مركز دعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عن قيم المصريين والتي أظهرت أن ‮٩٤‬٪‮ ‬من المصريين باتوا يتقبلون الفساد ويمارسونه،‮ ‬هل هذه القيم المختلة تعتبر جزءاً‮ ‬من مفهوم التوحد مع المعتدي،‮ ‬وهو السلطة الفاسدة في هذه الحالة؟

‭ ‬llعندما يكون لديك انسان يرغب في الحياة ولديه ‮٤ ‬أولاد وراتبه ‮٠٠٤ ‬جنيه،‮ ‬فكيف سيعيش؟ كذلك لا يوجد تعليم جيد،‮ ‬أما الصحة فحالها في مصر يبعث علي السخرية،‮ ‬فالفقير الذي سيصاب بمرض عضال سيموت قبل أن يجد العلاج،‮ ‬وكأنما هناك فكرة مسلطة أن عددنا زاد علي الحد،‮ ‬ويجب أن نتخلص من الضعفاء للحد من الزيادة،‮ ‬هل هناك في العالم تأمين صحي يقتصر علي معالجة امراض معينة لا يتكلف علاجها مبالغ‮ ‬كبيرة،‮ ‬كما هو الحال في بلدنا؟‮! ‬

lد.عكاشة أنت لامست المناخ السياسي في حقبة الستينيات،‮ ‬في فترة شهدت مزاوجة بين الثقافة وصناعة القرار السياسي،‮ ‬لو حاولت حضرتك مقارنة تلك الفترة بالمطبخ السياسي الحالي والمزاوجة التي يشهدها صناعة القرار السياسي ورأس المال‮.. ‬كيف ستقارن بين الفترتين؟

lالفترتان مختلفتان تماما‮.. ‬كانت الأولي فترة تحرر وكنا بالنسبة للعالم المحيط بنا مثلا أعلي،‮ ‬وكان يحكمنا شخص بكاريزما طاغية،‮ ‬وشعر الشعب بالكرامة،‮ ‬وكان هناك مشروع صناعي متميز،‮ ‬وإن كان في وقت الثورات يتعرض قطاع من الشعب للظلم،‮ ‬فلم تتجاوز نسبة هذا القطاع في ثورة يوليو‮ ‬1٪‮ ‬من الشعب وهم طبقة الأثرياء والإقطاعيون‮.‬

لا أحد ينكر أن الفلاح والعامل في عهد عبد الناصر كانوا في أفضل حالاتهم،‮ ‬ولو يغير من ذلك ضحايا الثورة وهو الاحتمال الموجود في كل الثورات،‮ ‬ولنقارن مثلا بعدد من قتل في الثورة الفرنسية أو الشيوعية،‮ ‬ففي الثورة المصرية‮ ‬1952‮ ‬كان عدد الضحايا‮ ‬15‮ ‬فردا تقريبا،‮ ‬لذلك لا نجد في أي مكان بالعالم دولة يهزم جيشها ثم يخرج الشعب للتمسك بالحاكم ويرفض رحيله،‮ ‬ربما كانت تلك هي صورة السلطة الأبوية‮.‬

‭ ‬lالأب أم الفرعون؟

‭ ‬llلا الأب‮.. ‬الذي يوفر لك سبل البقاء والحماية،‮ ‬ويطلب منك أن تبتعد عن السياسة لتحصل علي مكتسبات‮.‬

‭ ‬lالبعض يري أن هذا الاعتماد الكامل علي النظام في كل شيء كان بداية الانهيار؟

‭ ‬llلا‮.. ‬بل كانت فترة مكتسبات للطبقات الكادحة،‮ ‬وكان يجب أن يتم تلافي أخطاء تلك الفترة فيما بعد وهو ما لم يحدث،‮ ‬ومن جاء بعد الحقبة الناصرية عمل علي هدم مشروعها ولم يسع لتلافي أخطائها،‮ ‬علي العكس تمامًا شهدت أمريكا في بداية توحدها حرباً‮ ‬أهلية ثم تمييزاً‮ ‬عنصرياً،‮ ‬أما الآن فقد تغيرت أمريكا وتوحدت وصار رئيسها أسود اللون‮.. ‬

كل فترة لها وعليها،‮ ‬ولكن الجمود الذي حدث لنا في الـ‮ ‬30عاما الأخيرة سبب لنا نوعاً‮ ‬من البلادة،‮ ‬علي عكس الشعوب المتقدمة التي تتسم أنظمتها بالعدل،‮ ‬وانظر للاحتجاجات التي عمت باريس بسبب قانون مد سن التقاعد وكان المشاركون فيها معظمهم من الشباب،‮ ‬وكذلك الاحتجاجات الطلابية في لندن علي رفع مصاريف الدراسة‮.‬

‭ ‬lد‮. ‬عكاشة‮.. ‬نلمح في خلفية مكتبك صورة الرئيس مبارك وهو يقوم بتكريمك‮.. ‬عندما تلتقي مع رجال النظام ومؤسساته،‮ ‬ألم يقم أي منهم باستشارتكم في سبل التصرف في هذه الأوضاع؟ ام انهم لا يستشعرون بأن البلد فيه مزاج اكتئابي وتمر بأزمة؟

‭ ‬llالحزب الحاكم يتسم بعدم القدرة علي الحوار،‮ ‬ومن ثم يعتبر انه دائما علي صواب،‮ ‬وهذه مشكلة كبيرة،‮ ‬وأيضا تجد ذلك في تيارات المعارضة،‮ ‬وعندما أكون مع رجال السلطة،‮ ‬يؤكدون أن أرائي صحيحة ولكن من الصعب تحقيقها،‮ ‬ولكي نفهم ما يقصدونه يجب أن نلاحظ أن أي وزير لم يعينه الشعب ولا يسائله الشعب ولن يغيره الشعب،‮ ‬فيكون ولاؤه لمن منحه السلطة وليس للشعب،‮ ‬وبالتالي فهم سيستمعون فقط لآراء السلطة حتي وإن جانبها المنطق‮.‬

‭ ‬lإذن لم يحدث أنه تمت استشارتك بشكل مباشر للبحث عن حلول لمشاكل المصريين،‮ ‬ومزاجهم العام؟

‭ ‬llحدث بطرق‮ ‬غير مباشرة،‮ ‬فأنا أعرف الكثير من رجال السلطة بشكل شخصي،‮ ‬وأقول لهم رأيي بصراحة،‮ ‬ولكن شهوة السلطة التي تفوق سلطة التعقل،‮ ‬وتنتصر فيضيع نصحي ورأيي هباءً‮.‬

‭ ‬lألا يشعر رجال السلطة بالخطر أو الرهبة من ثورة الشعب؟ أم أنهم يعتبرونه شعبًا مستكينًا لا خوف منه؟

‭ ‬llبرأيي أنه هناك نوعان من رجال السلطة،‮ ‬نوع يعتبر أن الشعب مستكين‮ »‬تجمعه زمارة ويفرقه كرباج‮«‬،‮ ‬وهذا ليس صحيحا،‮ ‬وفريق آخر داخل السلطة في حالة خوف من الشعب،‮ ‬نحن في وضعية بلد خائف‮.. ‬حكام خائفون يحكمون شعبا خائفا‮.. ‬وتجربة الانتخابات الأخيرة التي فاز الحزب بـ‮ ‬95٪‮ ‬من مقاعدها تثبت ذلك،‮ ‬ما السياسة وراء ذلك‮ ‬غير الخوف؟‮!‬

ما زلت أعتقد أن أعضاء الحزب الوطني يحبون مصر،‮ ‬وكذلك الحال في الإخوان المسلمين وفي الوفد وباقي التيارات،‮ ‬أنا لا أخون احدًا،‮ ‬إنما المشكلة تكمن في‮ ‬غياب القدرة علي الحوار والاستفادة من أفكار الفريق الآخر،‮ ‬إنها مشكلة الشعب بأكمله‮.‬

طبعا هنا لا أتحدث عن الخائنين ولا اللصوص ولا الفاسدين،‮ ‬وللأسف هم الغالبية بحسب دراسة لمركز دعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء،‮ ‬والتي تكشف أن‮ ‬94٪‮ ‬من الشعب يقبلون صورة من صور الفساد ويمارسونه،‮ ‬إذن يبقي هناك‮ ‬6٪‮ ‬جيدون ويمكن أن يغيروا النسبة الغالبة،‮ ‬ويمكن أن يقودوا بمبادئهم وأيدلوجياتهم،‮ ‬و6٪‮ ‬رقم كبير لقيادة التغيير‮. ‬

إذن المشكلة مشكلة مصداقية،‮ ‬وكذلك انعدام الثقة،‮ ‬وايضا سبق وأجريت دراسة عن الثقة وجدت أن‮ ‬84٪‮ ‬من المصريين لا يثقون في بعضهم البعض أو أجهزة الدولة،‮ ‬وغياب الثقة يعني‮ ‬غياب الحب‮.. ‬أي أن‮ ‬84٪‮ ‬من المصريين لا يحبون بعضهم البعض،‮ ‬وهذه وحدها أزمة‮.‬

أزمة بشر

‭ ‬lهل أصبحنا أسوأ يا دكتور فيما بيننا؟

‭ ‬llفي رأيي أن الجنة بشر والنار بشر والدنيا بشر،‮ ‬والبشر هم سبب سعادتنا أو شقائنا،‮ ‬وقصة جان بول سارتر‮ »‬الجحيم هو الآخر‮« ‬التي يري كاتبها أن العذاب في الجحيم الأبدي هو بالحياة مع أناس سيئين،‮ ‬واقعية تماما،‮ ‬وسبب أزماتنا في مصر،‮ ‬أننا صرنا سيئين فيما بيننا،‮ ‬وطالما صحة المواطن النفسية في حالة‮ ‬غير سوية،‮ ‬فسيتمركز الإنسان حول ذاته،‮ ‬ولا يتمركز حول الآخر،‮ ‬وأحد القيم الأخلاقية في الدين والعدل،‮ ‬هو تجاوز الذات مما يحقق السعادة أكثر،‮ ‬ومثال ذلك بيل جيتس الذي وهب ثروته لعلاج الفقراء في إفريقيا وآسيا،‮ ‬لقد سعد بتجاوز ذاته،‮ ‬وتبعه في ذلك عدد من مليارديرات العالم‮.‬

من النادر أن تجد شخصاً‮ ‬يتجاوز ذاته،‮ ‬سئلت في أحد المرات سؤالا شعرت معه بالحرج من نفسي،‮ ‬كان السؤال هو‮: ‬لقد حققت الكثير مما يتمناه الناس علي المستويين الشخصي والمهني،‮ ‬وكذلك علي المستوي العالمي،‮ ‬فمتي فكرت ان تخدم الشعب،‮ ‬هل منذ صغرك أم بعدما حققت ما تتمني فتجاوزت ذاتك؟‮ ‬

أجبت أنني كنت مشغولاً‮ ‬بذاتي وتخصصي،‮ ‬ولكنني لم أتوقف عن خدمة الوطن بعد عودتي،‮ ‬وقررت أن أعود بعد بعثتي من لندن،‮ ‬ولم أفضل الاستمرار مثلما فعل الكثير من زملائي،‮ ‬وعرضت علي مناصب جامعية في دول متقدمة ورفضتها،‮ ‬فكان لدي تجاوز الذات لكنه لم يتفجر إلا بعدما كبرت،‮ ‬وهذا التجاوز للذات وجدته يؤذي عدداً‮ ‬من المسئولين الذين نصحوني بالبعد عن الحديث في السياسة‮.‬

‭ ‬lهل حدث لك تهديد بسبب مواقفك وآرائك اللاذعة فيما يتعلق بالحالة السياسية والاجتماعية في مصر؟‮ ‬

‭ ‬llطبعًا لو أرادوا تهديدي فهم قادرون علي ذلك بطرق مختلفة،‮ ‬لكن في الحقيقة إلي الآن لم يحدث أن تعرضت للتهديد المباشر،‮ ‬ولكن أحيانا تصلني رسائل في صيغة مزاح،‮ ‬فعلها مرة أحد رؤساء الوزارة ولا داعي لذكر اسمه،‮ ‬كما يحاول أصدقائي من المسئولين نصحي بتهدئة وتيرة آرائي،‮ ‬أو علي الأقل أن أقتصرها علي مستوي سياسي معين لا يتجاوز للأعلي منه،‮ ‬ولكن أحيانا يطلب مني مسئولو قنوات تليفزيونية عدم تخطي حساسيات معينة‮.‬

‭ ‬lبمناسبة ما يثار عن نقل وهدم مستشفي‮ »‬العباسية‮«.. ‬هل تعتقد أن الدولة عازمة بشكل جدي علي نقل المستشفي،‮ ‬أم سترضخ للأصوات المعارضة لتلك الخطوة؟

‭ ‬llقلتها في وقت سابق‮.. ‬إننا نعوي ولا نعض،‮ ‬سواء إعلاميين أو معارضين،‮ ‬وما حدث أن هذا الأمر حدث منذ أكثر من‮ ‬16‮ ‬عاما في عهد د‮. ‬علي عبد الفتاح المخزنجي،‮ ‬وزير الصحة الأسبق،‮ ‬وكان صديقاً‮ ‬لي،‮ ‬وعندما ذهبنا كأطباء نفسيين لمناقشته في الأمر،‮ ‬اقتنع بآرائنا وسحب الفكرة،‮ ‬ثم جاء د.إسماعيل سلام ليقوم بتوسعة مستشفي العباسية،‮ ‬ويضيف إليه مبنيين‮.‬

وما حدث هذه المرة أنه تمت مناقشة موضوع إقامة أرض معارض كبري في هذه المنطقة،‮ ‬وذلك في شهري مارس وسبتمبر الماضيين بمجلس الوزراء،‮ ‬ولكن الرسم الذي عرض حينها لم يشتمل علي أرض مستشفي العباسية،‮ ‬غير أن من يعلم قيمة الأرض في هذه المنطقة،‮ ‬في ظل حاجة الدولة لأموال تدعم بها خزانتها،‮ ‬بدليل فشلها في توفير اعتمادات لزيادة رواتب الأطباء مما دفعها لتحصيلها من جيوب المرضي الفقراء الذين يراجعون المستشفيات الحكومية،‮ ‬وعلي هذا الأساس يري البعض أنه صدرت تعليمات لوزير الصحة بنقل أرض المستشفي لاستثمار أرضها‮.‬

وربما تصريح وزير الصحة في صفحة الدولة بصحيفة الأهرام الخميس‮ ‬23‮-‬12‮-‬2010‮ ‬والذي قال فيه إنه‮ »‬لم يأت لي خطاب حتي الآن بهدم مستشفي العباسية‮« ‬يشير إلي أن هناك نية بالفعل ولكن ربما تكون مؤجلة،‮ ‬ونحن نطالب الوزير بأن يصرح بانه لا يمكن هدم هذا الصرح بأي حال من الأحوال،‮ ‬وليس بنفي تسلمه إخطاراً‮ ‬بالهدم‮.‬

‭ ‬lفي إطار ما يحدث للمصريين وما يمرون به من أعراض مرضية،‮ ‬ألا توجد مبادرة من جانبكم بالتعاون مع المجتمع المدني لإيقاف مشروع هدم مستشفي العباسية؟

‭ ‬llأعتقد أن المبادرة يجب أن تأتي كذلك من الإعلام،‮ ‬فيجب أن يعمل علي صناعة رأي عام ضد هذا المشروع،‮ ‬ولو وصلت أصداء الاعتراض لرئيس الجمهورية أثق في أنه سيعطي أوامره بوقف هذا المشروع‮.‬

‮- ‬علي ذكر المبادرات‮.. ‬ألا توجد مبادرة تتولي قيادتها للتعامل مع ملف الصحة النفسية للمصريين،‮ ‬بتوفير العلاج النفسي المجاني والراقي لفقراء المصريين؟

‭ ‬llهناك مركز عكاشة للطب النفسي في جامعة عين شمس الذي يراجعه يوميا أكثر من‮ ‬70‮ ‬مريضًا دون أية مصاريف أو رسوم،‮ ‬بما يساوي عدد من يراجعون مستشفي‮ »‬العباسية‮« ‬سنوياً،‮ ‬وفيه قطاع اقتصادي لتغطية نفقات علاج الفقراء‮.‬

‭ ‬lلكن ألا توجد مبادرة لإنشاء مستشفي للطب النفسي قائم علي التبرعات علي‮ ‬غرار مستشفي سرطان الأطفال‮ ‬57357‭.‬

‭ ‬llتجربة مستشفي سرطان الأطفال‮ ‬غير قابلة للتطبيق مع الطب النفسي،‮ ‬فهي تجربة يقف خلفها رموز في السلطة،‮ ‬كما أنني أعتقد أنها كانت لها أثر سيئ علي معهد الأورام الذي يعالج عشرات الآلاف سنويا،‮ ‬وقضت علي التبرعات التي كانت تخصص له واستحوذت عليها،‮ ‬لصالح عدد محدود من المرضي‮ ‬يعالجهم المستشفي،‮ ‬ثم إننا لا زلنا في مجتمع لا يعتبر المرض النفسي له الأولوية في العلاج‮.‬

رسالة إلي المصريين

‭ ‬lفي النهاية‮.. ‬نريد رسالة من د.أحمد عكاشة لكل من النظام الحاكم،‮ ‬والشعب للتعامل مع الأزمات التي تمر بها مصر الآن‮..‬

‭ ‬llأقول للشعب‮.. ‬مستقبل أولادكم مسئوليتكم،‮ ‬وليست مسئولية الحزب الحاكم،‮ ‬كن إيجابيا وطالب بحقوقك ولا تتنازل عن حقوق مهدرة حتي إذا نمت في الشارع احتجاجا‮.. ‬تكاتفوا‮.‬

وللحزب الحاكم‮.. ‬أتمني أن يكون كلامكم المعاد منذ‮ ‬10‮ ‬ـ15سنة باهتمامكم بذوي الدخول المحدودة،‮ ‬أتمني ان يصدق هذه المرة،‮ ‬ولكن للأسف إن ما رأيناه ونراه خاصة في مجال الصحة والتعليم،‮ ‬لا يفي ولا يتوازن أو يتواكب مع وعودكم‮.. ‬أرجوكم‮.. ‬أنا لا أشك في وطنية أعضاء الحزب ولا التنظيمات السياسية‮.. ‬أرجوكم اجعلوا بينكم الحوار،‮ ‬لا تفتقدوا عقولاً‮ ‬مبدعة ومنتجة لا تنتمي للحزب الوطني‮.‬

هذه الفرصة الوحيدة أمامنا للنهضة وأنتم القدوة،‮ ‬ولا يمكن أن يوجد شعب ينهض بلا قدوة،‮ ‬وقد قيل أن الأمم تنهض ليس بالقوي العسكرية ولا السياسية ولا الاقتصادية،‮ ‬ولكن بأخلاق مواطنيها،‮ ‬دعنا نعمل علي أن تعود أخلاق المصري كما سبق‮.. ‬كرامة‮.. ‬عزة‮.. ‬شموخ‮.. ‬شهامة وتجاوز للذات‮.‬

‭ ‬lونصيحة للمواطن الذي يشعر بأنه يعاني حالة الاكتئاب من الأوضاع الحالية،‮ ‬ويغلبه اليأس‮.‬

‭ ‬llيجب أن تتكيف لتعيش،‮ ‬ونحن لا نعالج من عنده أعراض اكتئابية،‮ ‬هذه مهمة صانع القرار السياسي وليس الطبيب النفسي،‮ ‬الطبيب يعالج أمراضًا وليس مشاكل حياة،‮ ‬فلا تحمله مسئولية أعراض بطالة وغلاء وظلم ووووو‮.‬

كتب: عادل القاضي وهشام عبدالعزيز

Wednesday, December 29, 2010

رئيس قسم المفاعلات النووية فى استقالته لـ«النائب العام»: العمل بهيئة الطاقة الذرية قائم على العشوائية والتخبط والشللية

كشفت الاستقالة «المسببة» التى تقدم بها الدكتور سامر مخيمر، رئيس قسم المفاعلات النووية بهيئة الطاقة الذرية، من منصبه إلى المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام، أمس الأول، عن عدد من المخالفات المالية والإدارية والأمنية المنسوبة لرئيس وقيادات الهيئة - على حد قوله - حيث وصف «مخيمر» العمل فى الهيئة بـ«العشوائية والتخبط والشللية والتسيب وانعدام الأمن فى جميع أرجائها، لدرجة وصلت إلى ضبط مخدرات داخل إحدى سيارات قيادات الهيئة منذ عدة شهور.

وقدم «مخيمر» عدداً كـبيراً من المستندات إلى النائب العام، والتى قال إنه سلمها إلى مكتب الدكتور حسن يونس، وزير الكهرباء، منذ أكثر من شهرين، طالباً تحديد موعد معه، وأضاف: «انتظرت الوزير لكنه لم يرد».

وشملت الاستقالة - حصلت «المصرى اليوم» على نسخة منها - عدداً من الاتهامات ، منها سرقة موتور محطة مياه أنشاص وخروجه من الهيئة، بالإضافة إلى ما وصفه بـ«شبهات تربح وإهدار المال العام» عن طريق إسناد مناقصات لشركات بملايين الجنيهات لتركيب نظم موجودة فعلا وسبق تركيبها وعدم صيانتها أو إصلاحها وعدم اتخاذ الإجراءات القانونية والمالية السليمة، وأوضحت أسباب الاستقالة كذلك وجود بعض الأساتذة المتفرغين خارج البلاد لسنوات طويلة وتقاضيهم المبالغ المقررة قانونا نظير تفرغهم ووجودهم بالهيئة، فى الوقت الذى لا تتوفر فيه ميزانية لصيانة وإصلاح المفاعل الأول وطاقم تشغيل المفاعل يتكون من مهندسين مؤقتين يتقاضون يوميا ٨ جنيهات.

وجاء فى أسباب الاستقالة أيضاً «التخبط» و«العشوائية» فى إدارة أزمة حادثة المفاعل، واللجوء إلى الأساليب التبريرية منها الوصلات الكهربائية والصيانة، وتعمد إعاقة العمل فى أعمال إصلاح وصيانة المفاعل الأول بتحريض من بعض الأساتذة المتفرغين للتدخل فى مهام وأعمال كل من القائم بأعمال مدير المفاعل ومدير الصيانة وعدم اتخاذ أى إجراء فى الشكاوى المقدمة ضدهما

كتب هشام عمر عبدالحليم

Almasry Alyoum

البرادعى بين المطرقة والسندان

ألم يكن غريبا أن يبدأ عام 2010 بيوم غامض من أيام شهر فبراير يشهد ترحيبا حارا بعودة الدكتور محمد البرادعى إلى مصر، بعد انتهاء ولايته الثالثة فى وكالة الطاقة الذرية، ليعلن عزمه على خوض انتخابات الرياسة القادمة إذا تحققت شروط معينة؟.. وأن ينتهى نفس العام بفتوى يصدرها شيخ مأفون يعلن فيها إهدار دمه لأنه طالب بالعصيان المدنى بعدما حدث من تزوير فى الانتخابات؟

وعلى الرغم من بعد المسافة بين ما كان وما سيكون، فالأمر لم يختلف كثيرا عن المسافة التى قطعها الحزب الحاكم بين موقف التجاهل والعداء إزاء البرادعى وموقف التهديد والوعيد الذى اتخذه فى المؤتمر السنوى للحزب ضد المعارضة عموما وضد ما اعتبره خروجا على الشرعية من جانب البرادعى. وكلها إنذارات وتنبيهات إلى ما يمكن أن تحمله الحياة السياسية فى مصر من مفاجآت فى عام 2011!

لقد عبر كثير من الكتاب والمثقفين، المعارضين والمستقلين عن مواقفهم المناوئة أو المؤيدة، المتعاطفة أو الناقدة. ولكن رأى الأغلبية الصامتة بقى كالعادة محجوبا عن العلن إلا لمن يتواصل مع الإنترنت. وفيما تلقيت من رسائل ما يلقى الضوء على رأى قطاع واسع من القراء الذين يضعون البرادعى بين المطرقة والسندان!

نقدم بعض مقتطفات منها:

●● قد يكون البرادعى باعث النهضة ومحرك الأمة ومحطم أصنام الفساد. وقد لا يكون، قد يكون أملنا المفقود وطموحنا. وقد لا يكون. ولكن من الأكيد والمؤكد أنه سيكون بداية التغيير المنشود نحو الأفضل.. بداية الحلم الذى طال انتظاره حتى أصبح عزيز المنال. بداية الاتجاه الصحيح نحو ديمقراطية عاقلة متعقلة. فنحن لا نستحق أبدا ما نحن فيه رغم كل ما يشيعونه عنا.. نحن شعب طيب محترم متدين أهانوه فى شرفه وكرامته وكبريائه. أذلوه فى لقمة عيشه. كسروه فلم يعد يقوى على المقاومة. ولم يعد يعرف أولوياته: أيثور لكرامته وهو جريح، أم يركض وراء الرغيف ركض الوحوش فى البرية.. وحين تظهر فى الأفق دلائل تغيير نراهم يسرعون إلى سن سيوفهم، ليغتالوا الحلم القادم.

●● بعد قراءة متأنية أقول بصدق إن البرادعى صنع حراكا فى المجتمع لا يمكن إنكاره وغير مسبوق. كما أيقظ العقول من غفوتها فى لحظة حاجتها إلى قدوة تقتدى بها وحرك أفكارا كانت غائبة وراء الحاجات الإنسانية، وهو يعلم جيدا أن كثيرا ممن شرعوا فى الانضمام إلى فكره كانوا أصحاب مصالح شخصية. ويعلم ــ كما قال ــ ونحن نعلم أنه لا يملك قوة خارقة على غير المعهود فى بنى الإنسان، ولكنه كان صاحب الرمية التى تسببت فى حدوث هذا الكم الهائل من الأمواج المتلاطمة.. هنا علينا جميعا أن نقف ونسأل أنفسنا هل نحن فى حاجة إلى تغيير فعلا أم لا؟ وما هى المقومات لإتمام عملية التغيير وهل نحن على استعداد لدفع الثمن حتى ولو كانت النتيجة لن تعم علينا وإنما سوف يحصدها أولادنا وأحفادنا؟

●●البرادعى قالها وكررها مرارا «لست المنقذ ولا المخلص». ولا أرغب فى الترشح للرياسة. الرجل لديه رسالة، وبدلا من أن يعيش حياة هادئة بعد سنوات العمل الطوال.. قرر أن يُعدّل وضعا رآه خطأ. والشعب صاحب المصلحة الأولى غائب أو غُيّب عن عمد وبمنهج عبر سنوات.. ولا يجب أن نتوقف معتمدين على إنسان أو منتظرين من يأتينا من الخارج «ويشيل الشيلة عنا».. غرض البرادعى كان ولأول مرة أن يتحمل الشعب مسئوليته بنفسه.. ومصر لابد وأن بها من الـ80 مليون برادعى.

●● البرادعى ليس نبيا ولا ساحرا. ولكنه أيضا ليس زعيما ولا رائدا ولا مفكرا. كما أنه ليس مستعدا لدفع كلفة التغيير الباهظة. والمراجع لأحداث التاريخ يرى أن المصلحين والقادة وهبوا أموالهم وأوقاتهم وطاقاتهم وكل ملكاتهم من أجل قضايا شعوبهم. ودفعوا برضا وسعادة أثمانا فادحة لذلك.. فهل فعل البرادعى شيئا من ذلك؟!

●●مشكلة البرادعى أنه رجل محترم ومتحضر أكثر من اللازم فى بيئة سياسية فاسدة وطاردة لأى وجه نظيف.. ومن ناحية أخرى، فمشكلة البرادعى أنه يخاطب شعبا تعود على الفساد والطغيان واعتاد على الرضوخ فى مواجهة سطوة الأمن.. ومن جهة ثالثة معارضة لا يعتمد عليها. أفرادها يعملون أصلا لحساب الأمن. وبعضها انتهازى كالإخوان أو حنجورى لسه عايش فى أيام عبدالناصر. هذه المعارضة المضحكة رفضت أبسط شىء وهو مقاطعة الانتخابات التى يعلمون أنها مزورة


Sunday, December 26, 2010

نحتاج لاستراتيجية حرب لمحو العار

فى حوار تليفزيونى يدمى القلوب، ويبعث فيك من اليأس أكثر مما يبعث فيك من الأمل، حوار أجراه الزميل سليمان جودة مع العالم فى شؤون الإدارة العلمية الحديثة، الدكتور صبرى الشبراوى، أستاذ الإدارة بالجامعة الأمريكية، وعلى الرغم من أنه كان فى كل لحظة يكرر: «إننى متفائل بطبعى، والرئيس مبارك لا يمكن أن يعدى هذه المشاكل ويترك البلد تدار بهذا المنهج».. فإنه قال أيضا: «الإدارة الحديثة لها مواصفات يا إما أن نسير على هديها، يا إما سنغرق».. ود.الشبراوى من رجال الحزب الوطنى، وأحد مستشارى الرئيس، وهو واحد من أهم أساتذة الإدارة فى العالم، وكان مرشحا بقوة فى وقت من الأوقات ليكون رئيسا لوزراء مصر، ولكنه أيضا قال بمرارة شديدة حول إنه لا يؤخذ برأيه رغم أنه يحذر دائما من مغبة ما يفعله رجال السلطة والمال بمصر: من يوم أن عدت من أمريكا وأنا أُحارب من أجل التقليل من قيمتى، ويقولون لى:لا كرامة لنبى فى وطنه «ويتعجب بمرارة فأين ومتى ستكون له كرامة!!.. إنها مأساة مصر، ومرضها المزمن الذى يبدو أنه لا أمل لها فى الشفاء منه، مرض استبعاد أهل العلم والاختصاص، وتولية أعضاء (الشلة)، ففى الستينيات كان يستبعد أهل الخبرة ويعين أهل الثقة، والآن كما قال د.الشبراوى: «إنهم لا يأتون بوزير من خارج دائرتهم، ولكنهم يأتون بمن يلعب معهم طاولة، ولو سألت يقول لك (المبخراتية) الريس هو الذى يختار، ويعقب بمرارة: أنا لست معارضا، إننى أصف الدواء لأعالج المرض، هذه وظيفتى أقول للحكومة هذا سيضرك وهذا يفيدك.. ولابد أن يكون اختيار الوزراء بناء على الخبرة.

لقد عرفت الدكتور صبرى الشبراوى عن قرب منذ عشر سنوات، حين جمعتنى به جلسات مطولة أثناء تأسيس قناة المحور الفضائية، عندما كنت مديرا للبرامج ونائبا لرئيس القناة د. حسن راتب، إلى أن أطلقنا القناة فى ٢ فبراير ٢٠٠٢.. وكان يتكلم بنفس المرارة ويشخّص نفس الأمراض ويصف نفس الدواء، وهو (الإدارة العلمية الحديثة) فلا الحكومة أخذت الدواء ولا حسن راتب، وبقى الحال على ما هو عليه، فلا المحور تقدمت وسبقتها كل القنوات، ولا الحكومة تحسنت صحتها بل ساءت وتحسنت أحوال كل الشعوب، وعلى الحكومة أن تنظر حولها لترى الواقع بضمير صادق:

ــ هل يوجد فى العالم حكومة تعجز عن رفع قمامتها حتى بعد الاستعانة بالشركات الأجنبية!!.. أليست هذه سبة وعاراً علينا؟!

ــ هل توجد حكومة واحدة فى العالم لا تستطيع أن تنظم مرور السيارات فى شوارعها.. أليس من العار علينا أننا مازلنا نضع عساكر مرور فى الشوارع، فإن غابوا لحظة ارتبكت الدنيا ونزل قائدو السيارات ليتشاجروا ويسب بعضهم بعضاً!!

ــ هل يمكن لبلد لديه أطول أنهار الدنيا أن يظل يستورد طعامه وشرابه، ولا تقل لى إن الزيادة السكانية هى المشكلة، فالصين مليار ونصف المليار نسمة وتغزو العالم كله بصادراتها، لقد قال السادات لرئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجين وهو يجلس بجواره فى الطائرة التى كانت تحلق فوق نيل أسوان: هل ترى جمال النيل ومجراه المتسع؟.. فقال له بيجين: ولكن ماذا تفعلون به؟! لو لدينا مثل هذا النهر لزرعت به كل صحراء النقب وزينتها بالحدائق والأشجار!!

ــ أليس من العار أن نكون أعظم بنائين فى العالم منذ فجر التاريخ فنبنى الهرم ونجعل الشمس تتعامد على وجه رمسيس الثانى كل عام فى ذات اليوم والساعة، ثم نرى غابات الخرسانة المسلحة الصماء تحيط بالقاهرة بحزام شديد القبح، ومن أذِن لهذه البيوت العشوائية أن تقام على أجود الأراضى الزراعية، ونحن البلد الذى استدعى حاكمه الخديو إسماعيل قبل مائة وخمسين عاما المهندس الذى بنى باريس، وقال له أريد أن تكون القاهرة قطعة من أوروبا، فبنى له التحف المعمارية التى تسمى (وسط البلد) والتى يتآمر بعض رجال المال والسلطة على الاستيلاء عليها لهدمها وبناء أبراج قبيحة على أنقاضها.

لقد قال د.الشبراوى: دون وضع استراتيجية لتحديث مصر البلد سينهار، فلتضع الحكومة استراتيجية لإعلان الحرب ضد مشاكلها، فعندما أرادت مصر أن تغسل عار هزيمة ٦٧، وضعت استراتيجية جادة ونفذتها بسواعد المصريين وانتصرنا على إسرائيل، ومصر الآن أمامها أعداء كثيرون ومن العار ألا نزيل كل هذه المشاكل، إن أغلب من يديرون مصر محتكرون للمال والسلطة وأصبحت لديهم مليارات، ماذا سيفعلون بكل هذه الأموال التى لم يأتوا بها من (بيوت أبوهم) فليردوا جزءاً من هذه الأموال للبلد، وضرب مثلا بأغنياء أمريكا الذين تبرع ١٧ مليارديراً منهم بنصف ثروته لإقالة أمريكا من عثرتها، ويكفى مليارديرات مصر أن يأخذ كل واحد منهم مائة مليون ومثلها لكل ابن من أبنائه، ويرد الباقى إلى مصر التى اغتنى من خيراتها لتسترد مصر عافيتها، وقال فى نهاية حديثه: أنا أعتبر كلامى صدقة جارية، أنا لا أريد إلا أن أرى مصر أجمل وأفضل بلاد العالم، ولكن يبدو أن منهج إدارة مصر الآن: أنه لا أحد يعرف أى شىء عن أى شىء!! فإذا أرادوا أن تدار مصر إدارة حديثة فسوف نعبر كل ما نحن فيه، أما إذا كانت ستدار بنظام العزب، فستكون النتيجة أننا سنظل نتقهقر إلى الخلف

بقلم محمد بغدادى- Almasry Alyoum

Thursday, December 02, 2010

إجهاض الضغط

أموت على نفسى من الضحك كلما شاهدت فى إحدى القنوات الفضائية أو الفعاليات السياسية ناشطا سياسيا أو كاتباً كبيراً أو مثقفاً عتيداً يتحدث بحماس مرير وممرور عن أحوال مصر المحروسة التى تسر العدو وتجلط الحبيب، ثم ينهى حديثه الموجع المتشائم بتحذير قاطع أحيانا يرفع فيه أصبعه وأحيانا لا يرفعه، لكنه فى كلتا الحالتين يكسى وجهه بملامح متجهمة، وهو يقول، محذراً حكام مصر، بتلك القاعدة العلمية الجليلة الرهيبة التى أصبحت منذ اكتشافها على يد من لا أدريه قابلة للتطبيق فى كل المجالات والأصعدة، أتحدث بالطبع عن قاعدة «الضغط يولد الانفجار».

سر ضحكى المرير أننى منذ أن وعيت على الدنيا وأنا أسمع هذه القاعدة وهى تتردد فى معرض التحذير من خطورة السياسات الحكومية التى تسحق المواطن المصرى البسيط تحت قدميها، وسنة بعد سنة تواصل الحكومة السحق والضغط والفرم والبعج والعصر والهرس للمواطن المصرى المسكين، وسنة بعد سنة لا يتولد الانفجار ولا غير الانفجار، فقط بين العِقد والعِقد يتمخض جبل الاستقرار الراسى على نفوسنا ليلد فأر تعديل دستورى أو جُرذ تغيير وزارى، وكما قال الشاعر «تيتى تيتى زى ما رحتى يا أم الدنيا زى ما جيتى». بالطبع لا أقول كلامى هذا لأننى لا سمح الله راغب فى أن يلد الانفجار، فليس هناك عاقل يتمنى لبلاده أن يولد فيها انفجار، بل لأننى أشفق على كثيرين من أصدقائى الذين ينفقون وقتا طويلا من أعمارهم فى انتظار انفجار لن يأتى.

لى صديق طيب من هؤلاء قال لى مرة «أنا مش عايزك تيأس.. النظام خلاص بينهار وعلامات انهياره كثيرة»، ليس مهما أن أعدد لك علامات الانهيار التى ذكرها، لكن من المهم أن أقول لك إنه قال هذا الكلام على قهوة ذات يوم قبل تسعة عشر عاما، ومن يومها وأنا كلما قابلته يختلى بى ليؤكد لى بذات التصميم وذات العلامات ـ تزيد واحدة تنقص واحدة أحيانا ـ أن النظام خلاص بينهار، وأن علينا جميعا أن نجهز الزنابيل التى سنشيل فيها هدد هذا النظام الغاشم، كنت دائما أحترم أمله وتفاؤله، لكننى اتخنقت بعد سنين من الاستماع إلى نفس الكلام بحذافيره،

فهبيت فى وجهه قائلا «باقولك إيه أنا لو فضلت أسمع منك الكلام ده هاروح أملأ استمارة عضوية فى الحزب الوطنى بكره»، انتفض مأخوذا من كلامى كمن اغتصبه أمين شرطة وقال لى «أعوذ بالله.. ليه بس؟»، قلت له ساخطا «عشان بكلامك ده هتخلينى أنبهر بقدرة النظام السحرية على تأخير الانهيار إلى الأبد»، جعلتنى ملامح الذهول المرتسمة على وجه صديقى أشعر بأنه سيقاطعنى القاطوعة الفاصولة فاستغفرت الله وتوسلت إلى صديقى ألا يسمع كلامى وأنا غضبان، قائلا له إننى ضحية من ضحايا التعرض الزائد للأمل الكاذب، وإننى أحب طبعا أن أسمع منه كلما تقابلنا على القهوة دلائل انهيار نظام يحمى الفساد ويحكم بالظلم وينشر الضلالة والجهل، لكننى أريد أن أرى مؤشرات ملموسة تجعلنى أصدق فعلا أن ذلك الانهيار سيحدث، قال لى ببراءة «بسيطة.. مش محتاجة مؤشرات كتيرة.. ببساطة ده نظام بيضغط على الشعب بشتى الوسائل.. ومعروف طبعا إن الضغط يولد الانفجار».

لم أرد أن أخسره يومها فقمت لآخذه بالحضن لأنه أوضح لى ما كان خافيا عنى، وقطعت علاقتى به من ساعتها، وظللت سنين لا أراه، ثم قابلته بالصدفة عند بائع جرائد بعد مسرحية الانتخابات الرئاسية التى عُرضت عام ٢٠٠٥، وبعد السلامات والأحضان قال لى كأن شيئا لم يكن وكأن سنوات عجافا لم تمر هباء من أعمارنا «شفت مش قلت لك خلاص النظام ده بينهار»..

لا أحب هنا أن أقول لك ما رددت به عليه، يكفى فقط أن أقول لك إن بائع الجرائد الذى لا تفارق البذاءة لسانه قال لى يومها وهو يحجز فى الخناقة «عيب كده يا باشا.. شتيمة الأم ليها حدود برضه». يومها سألنى صديق مشترك تمزق قميصه فى الخناقة «يا أخى إنت يائس كده ليه.. مش جايز يكون كلامه صح»، قلت له وقد هدأت ثائرتى بحيث لم تعد راغبة فى خناقة جديدة «يا صديقى المسألة أن طبيعة الشعب المصرى مختلفة بحيث لن يقدر أجعص ضغط فى الدنيا أن يولد منه بُمبة يفرقعها طفل عابث فى العيد الصغير»، سألنى «إزاى.. مش إنت كل شوية تصدعنا بإن الشعب المصرى ربنا خلقه زى أى شعب فى الدنيا وتمشى عليه سنن ربنا اللى تمشى على أى شعب»، قلت له «ومن قال لك إن ده يتناقض مع ما أؤمن به.. يا سيدى لا أدعى أننى خبير أنثروبولوجى أو عالم فى الجغرافيا السياسية كجمال حمدان رحمه الله، لكننى أعتقد أن الشعب المصرى، بحكم الظروف السياسية المعقدة التى شاهدها عبر تاريخه الطويل، بات يمتلك خصوصية عن غيره من الشعوب، جعلته زى ما تقول بالبلدى كده معمول على سوست بحيث يحتمل أى ضغط أيا كان وبحيث يتعايش معه ويمتصه ويكيف حياته بناء عليه، والسر فى رأيى أنه كان دائما عندما ينفجر يجد من يخون انفجاره ويركب على أكتافه فيقبض الثمن، بينما يعود الشعب إلى بيوته بعد هدأة الانفجار مثخنا بالجراح وخيبات الأمل، وفى التاريخ شواهد لا حصر لها على ذلك. من الذى استفاد من ثورة ١٩،

ومن الذى عاون القصر والإنجليز على تجاوز انتفاضات ١٩٣٥ و١٩٤٦، ومن الذى ساعد المماليك الجدد على قمع انتفاضات العمال والفلاحين فى ١٩٥٤ ومن الذى أجهض مظاهرات ٦٩ ومن الذى نزع فتيل مظاهرات ١٨ و١٩ يناير ومن الذى باع القضية كلها على بعضها بعد ٨١ وإنت نازل ومنحدر فى زمن جاء فيه حكم ابتدع ضغطا من نوع خاص مستفيدا من تجارب الانفجارات «الزغننة» الاستثنائية، ضغطا يضرب فيه المربوط على ثقة تامة أن السايب سيخاف، يكفر الناس فى عيشتهم لكنه يبنى لهم المزيد من المساجد ويزيد عدد ساعات إرسال البرامج الدينية، يرفع الأسعار وهو يقسم أنه يحركها فقط، ويستبدل الفاسد الفقير بفاسد غنى بزعم أنه شبعان، ويصمد على الضغوط الأمريكية المتعلقة بالديمقراطية لأنه يعلم أن ديمقراطية الأمريكان شكلية مثل الديمقراطية التى يتبناها، ديمقراطية للأغنياء وأصحاب النفوذ فقط، ويندد بالعدوان الإسرائيلى الغاشم بينما يوقع أكبر صفقة لتوريد الغاز مع إسرائيل يبيع فيها الغاز برُخص المواطن، ويقسم مسؤولوه بالمصحف الشريف أنه نظام ضد التوريث بينما يتوحش مشروع التوريث يوما بعد يوم، ويسحق أى محاولة سياسية للنزول إلى الشارع ولو من خمسة أنفار بينما هو يلوم أحزاب المعارضة لأنها بعيدة عن الشارع.

ولأن هذا النظام يعلم أنه لا يوجد انفجار فى الدنيا يمكن أن يولد من غير وجود العامل الحفاز المسمى بالمثقفين، لذلك فقد حرص وهذه لعبته الأخطر على أن يعزل النخبة المثقفة عن الناس، لا أتحدث هنا عن المثقفين طبقا لتعريف وزير الثقافة الضيق الذى يعتقد أن كل المثقفين «عندنا فى حظيرة المجلس»، أتحدث عن مئات الآلاف من المصريين الذين حظوا بفرص تعليم رفيعة فى داخل البلاد وخارجها، وجميعهم انتظرت مصر منهم أن يغيروا واقعها ويصنعوا مستقبلها فباعوها على أول ناصية.

انظر إليهم سواء كانوا أكاديميين أو مهنيين أو كتابا أو مفكرين أو قانونيين، تعلموا فى أرفع جامعات دول العالم المتقدم أو حتى درسوا هنا أحدث ما أنتجه العالم من أفكار، لكنهم برغم تعليمهم العالى وثقافتهم الرفيعة قرروا أن يعملوا طواعية فى خدمة التخلف طالما سيؤمن مصالحهم المباشرة ويضمن توريث أبنائهم من بعدهم فى مواقعهم دون وجه حق، انظر إلى أسمائهم التى تتغير من حين لآخر، ولاحظ الألقاب الرفيعة التى تسبق أسماءهم، ثم بعد أن تتعجب من قدرة النظام على تفريخهم بهذه المهارة منقطعة النظير اسأل نفسك: ألا يشعرون بالخجل ولو للحظة، ألا يدركون أنهم بتكريس التزوير وتأبيد الفساد يساعدون على انتحار بلادهم أخلاقيا، ألا يفكرون فى الموت.. فى الآخرة.. فى ربنا.. فى أى قيمة دينية أو أخلاقية من أى نوع؟، هل يظنون أنهم بتحالفهم على هذا الشعب الفقير المرهق سيضمنون لأنفسهم السعادة الأبدية؟. هل فكروا فى أن ينقلوا إلى هذه البلاد شيئا من القيم والمعانى والمبادئ التى يرونها تسود فى البلاد التى تعلموا فيها وصارت الآن مكانا يقضون فيه إجازاتهم وتلد فيه نساؤهم ويستشفون فيه ويخططون فيه لتأمين مستقبل أنجالهم وأنجال أنجالهم.

ربما تقول لنفسك: هؤلاء فى الأول وفى الآخر موظفون يتقاضون أجورهم من الدولة، ولن يجرؤ أحدهم على الوقوف ضدها، لكن لماذا يتواطأ معهم، بالصمت الموالس حينا وبالتأييد المخجل أحيانا، مفكرون وكتاب وفنانون يفترض أنهم يمثلون ضمير هذه الأمة ووجدانها؟، لماذا لا يفعل هؤلاء شيئا من أجل إنقاذ هذه البلاد التى يحلبون من خيرها ليل نهار ولولا هى وشعبها لظلوا نسيا منسيا. ستجد الإجابة عن أسئلتك الملتاعة عندما تتأمل كيف «داق» النظام أغلب هؤلاء فعرف ديتهم وأصبح يدرك أن أجعص جعيص منهم سينزل على مافيش عندما تأتيه دعوة لحضور لقاء يسمونه فكريا، مع أنه لا أحد من الحضور سيفكر فى أن يقاطع الفرد الواحد الذى يتكلم فيه ويقف أمامه رجال مرتعشون ليسألوه أسئلة لا تختلف عن تلك التى تُكتب لأبنائه الطلبة أو أبنائه العمال فى اللقاءات الفكرية والفوزية الدائمة.

يكون الواحد منهم ـ اللهم إلا فى بعض الاستثناءات ـ أسدا هصورا هزبرا إذا كتب فى صحيفة معارضة أو تكلم فى لقاء مغلق، ثم إذا قرأت له مقالة فى الصحيفة القومية وجدته لا يكتب شيئا من ذلك بل يكتب فقط عن العمارة القوطية أو عن ذكريات حبه الأول أو عن مستقبل العولمة فى عصر الحوكمة أو عن أى شىء يبدو نافعا طالما ليس فيه قولة حق عند سلطان جائر. (راجع المقولة التى نشرتها بالأمس للدكتور يوسف إدريس لكى تتبين كيف وضع يده بعبقرية على هذا المعنى منذ أكثر من ثلاثين عاما).

قل لى بالله عليك كيف إذن سيجدى الضغط وكيف سيولد الانفجار عندما يفتقد الناس من يضع مصالحه الصغيرة خلفه ويفكر بذمة وأمانة فى أن يكون قدوة للناس ويكون لسانا لهم، خاصة وقد بدأوا يتكلمون ثانية بعد سنوات من الخرس الإجبارى الذى تحول مع الوقت إلى خرس اختيارى. كيف نطلب من بسطاء الناس أن يتذكروا المبادئ والأخلاق ويحافظوا على الشرف والأمانة والنزاهة إذا كانوا يرون كل هذه القيم تضيع وتندثر كل لحظة على صفحات الصحف وفى هواء التغطيات الخانعة للبرامج التى تفوح منها رائحة الخوف المقبضة، لماذا نلوم الناس لأنهم ينظرون تحت أقدامهم، ويفكرون فى مصالحهم المباشرة، بينما هم يرون من تعلموا أحسن تعليم وتثقفوا أرفع ثقافة وخرجوا من عائلات راقية وهم يساهمون بدم بارد فى ذبح قيمة الشرف ومعنى النزاهة وروح العدالة، وهى معان قد تبدو مثيرة للسخرية الآن، لكن لم يثبت أن تقدم وطن فى الكون بدونها.

يا صديقى لم تعد الجماهير تنفجر بعد كل هذا الضغط لأنها تعلم أنها لو انفجرت فستأكل الطريحة لوحدها ولن تجد فى ظهرها من يفترض أن تقتدى بهم وتتعلم منهم، لم تعد الجماهير ترد على من يسألها لماذا لا ترفع العصا فى وجه من يظلمها ويقمعها ويسرقها، لأنها تعودت على أن ترى أفراد نخبتها وهم يمسكون بالعصا من المنتصف، أو يمسكونها لينهالوا على بعضهم البعض ضربا، لذلك ياصديقى ولكى لا أوجع قلبك أكثر من ذلك أغلب الظن أن الضغط لن يلد الانفجار أبدا، ولعلنا لو استعنا بالعالم الجليل الدكتور محمد أبوالغار، أستاذ أمراض النساء والتوليد، وطلبنا منه أن يكشف لنا على الضغط لكشف لنا أن الضغط لن يلد انفجارا أبدا لأن الحكومة شالت له الرحم من زمان.

تخطئ يا صديقى لو ظننت أننى متشائم، فأنا الآن فى أقصى درجات التفاؤل لأن مهزلة الانتخابات الأخيرة أعلنت رسميا موت النخبة السياسية فى مصر بكل أطيافها وألوانها، ولذلك فقط أنا متفائل، وأستطيع الآن أن أسمع صوت أبونا صلاح جاهين يدوى فى جنبات مصر كلها هادرا «لابد ما يموت شىء عشان يحيا شىء».

بلال فضل - Almasry Alyoum

belalfadl@hotmail.com