This blog is dedicated to Egypt .... home I adore and to all sincere Egyptians who are looking forwards to live in free democratic secular nation كل زوار الموقع مدعوون الى نشر آراءهم و تعليقاتهم
Saturday, October 08, 2011
Tuesday, June 14, 2011
الباب الأول: مبادئ أساسية
مادة 1" نظام الدولة جمهوري ديمقراطي يقوم على حقوق المواطن وسيادة الشعب. ويمارس الشعب هذه السيادة من خلال نظام نيابي يقوم على انتخابات عامة نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري، وعلى قدم المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز، ووفقاً لإجراءات تضمن حق الترشح والتصويت لجميع المصريين دون أي تفرقة ".
مادة 2 "الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع.
مادة 3 " يقوم النظام السياسى على أساس تعدد الأحزاب السياسية، وللمواطنين حق إنشاء هذه الأحزاب ومباشرة العمل السياسي طالما لا تقوم هذه الأحزاب السياسية علي أي مرجعية أو أساس يتعارض وحقوق المواطنين الأساسية الواردة في هذه الوثيقة " .
مادة 4 "يقوم النظام العام على سيادة القانون واستقلال القضاء، وتخضع مؤسسات الدولة والمواطنون كافة للقانون على قدم المساواة ودون أي تفرقة"
مادة 5 "القوات المسلحة درع الشعب وحامية السيادة الوطنية، وهي التي تتولى الدفاع عن استقلال وسلامة الوطن ضد الأخطار الخارجية، وتتولى القوات المسلحة وضع وتطوير ومراجعة النظم التي تكفل تحقيق هذا الهدف ".
مادة 6 " ليس في هذه الوثيقة أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أي من مؤسسات الدولة أو الجماعات أو الأفراد أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذه الوثيقة " .
الباب الثاني: الحقوق الأساسية
مادة 1 "جميع المصريين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات والحريات أمام القانون والدستور دون تمييز"
مادة 2 " لكل مصري الحق في حرية الرأي والتعبير وفي التجمع السلمي، على أن تمارس هذه الحقوق دون الإخلال بحقوق الغير".
مادة 3 " حرية العقيدة مكفولة، ولكل مواطن الحق في اعتناق العقائد والمذاهب وحرية ممارسة الشعائر الدينية، على أن تمارس هذه الحقوق دون الإخلال بحقوق الغير".
مادة 4 "لكل مصري الحق في حرية الإقامة والتنقل، ولا يجوز القبض على أي مواطن أو احتجازه بدون سند من القانون أو تعسفاً. وكل متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية أمام قاضيه الطبيعي تؤمن له فيها كافة الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه. والكرامة الانسانية حق لكل مصري، ولا يجوز بأي حال تعريض أي شخص للتعذيب أو المعاملة الحاطة بالكرامة ".
مادة 5 " لكل مصري حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريد أحد من ملكه بدون سند من القانون أو تعسفاً".
مادة 6 "الحق في العمل مكفول، وتلتزم الدولة ببذل أقصى جهد ممكن لتوفير العمل لكل مصري بشروط عادلة دون تمييز، وبأجر يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان، وبالعمل على حمايته من البطالة. ولكل مصري الحق في إنشاء والانضمام إلى نقابات حماية لمصالحه وحقوقه".
مادة 7 " الحقوق الاجتماعية مكفولة، وتلتزم الدولة ببذل أقصى جهد ممكن لتكفل لكل مصري مستوى من المعيشة يوفر الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والمسكن والعناية الصحية وتأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته ".
مادة 8 " لكل مصري الحق في التعلم، وتلتزم الدولة أن يكون التعليم في مؤسساتها التعليمية في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزامياً، وأن يكون القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة وبصرف النظر عن القدرة المالية ".
مادة 9 " لكل مواطن الحق في المشاركة في الحياة الثقافية بتنوعاتها المختلفة، ويتضمن ذلك الحق في حرية الإختيار وحرية التعبير في الحياة العامة أو الخاصة وحرية ممارسة الأنشطة الثقافية وإنتاج الخدمات الثقافية ونشرها وحرية تنمية المعارف والبحث عن المعلومات وتلقيها ونشرها والاستفادة من وسائل الإعلام والاتصال المختلفة".
مادة 10 "لكل مصري الحق في التمتع بحرمة حياته الخاصة، بما يشمل حياة أسرته ومسكنه ومراسلاته وشرفه وسمعته، وأن يخضع لقانون الأحوال الشخصية الذي يتفق ومعتقداته دون الإضرار بحقوق الآخرين، ولكل شخص الحق في حماية القانون لهذه الحرمات".
مادة 11 " هذه الوثيقة جزءاً لا يتجزأ من الدستور، والحقوق الواردة فيها غير قابلة للإلغاء أو التنازل أو التعديل أو التقييد، ويحق لكل مصري التمتع بها دون أي تمييز أو تفرقة، ويشكل انتهاك أي من هذه الحقوق أو التحريض على انتهاك أي من هذه الحقوق جريمة ضد الدستور، سواء تم هذا الانتهاك بخرق القانون أوالدستور أو بتغيير أو محاولة تغيير أي منهما، ويحق لكل مصري دون تمييز اللجوء إلى القضاء لوقف مثل هذا الانتهاك أو التحريض على مثل هذا الانتهاك ومعاقبة مرتكبيه
لن يربح من الانقسام السياسى بين التيارين «المدنى الذى لا يجافى الدين» و«الدينى الذى يقبل المدنية» سوى أعداء ثورة ٢٥ يناير. فإذا كان الاختلاف رحمة وضرورة للتنوع الخلاق، فإن الخلاف الذى يؤدى إلى الشقاق والخصام قسوة وسيقودنا إلى الهاوية. ربما لو جلس الطرفان اللذان يتصارعان ويتنابذان ويتقاتلان على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام وتحاورا فى روية وهدوء ومسؤولية فسيجدان أن الفروق طفيفة والخلافات واهية، وأن المسألة قد لا تعدو أن تكون مجرد اختلاف فى الوسيلة التى تؤدى إلى غاية واحدة، يؤمن بها كلاهما، ألا وهى نجاح الثورة واستكمال خطواتها، حتى لو تباينت التصورات حول بعض الجوانب الشكلية للنظام السياسى المنتظر.
من هذا المنطلق أقترح هنا عدة إجراءات لإنهاء الخلاف بين من يطالبون بـ«الدستور أولا» ومن يتمسكون بـ«الانتخابات أولا»، أسردها على النحو التالى:
١- يفتح الطرفان حواراً بناءً حول الدستور الجديد، ينطوى على أمرين أساسيين: الأول هو صياغة مسودة ملزمة فى مبادئها العامة، حتى ولو من الناحية الأخلاقية، للجنة التأسيسية المكلفة بوضع الدستور التى سينتخبها البرلمان، وفق خريطة الطريق المرسومة حاليا. والثانى هو الاتفاق على شخصيات هذه اللجنة بحيث يقوم البرلمان بتمريرها عقب انتخابه، وبهذا يتوفر له الحق الذى ناله بمقتضى «الإعلان الدستورى» فى اختيار اللجنة، بعد أن تكون قد حظيت برضاء مجتمعى عام، وذلك من منطلق أن الدستور يوضع بالتوافق ولا تنفرد به الأغلبية البرلمانية.
٢- نعود إلى ما تسمى «قائمة الثورة» التى تتوافق عليها كل القوى السياسية الوطنية التى ساهمت فى نجاح «الموجة الأولى» من ثورة يناير التى انتهت بإجبار مبارك على التنحى. وهذه الفكرة كانت قد طُرحت بعد التنحى مباشرة وتبنتها جماعة الإخوان المسلمين، لكنها لم تلبث أن تخلت عنها. وتخوض هذه القائمة الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها فى سبتمبر المقبل ضد القوى السياسية القديمة وضد التقاليد الانتخابية الفاسدة، لاسيما إن لم يُتخذ قرار أو يصدر حكم بـ«العزل السياسى» لأعضاء الحزب الوطنى المنحل. وتجمع هذه القائمة بين التيارات السياسية الثلاثة «الإسلامى» و«اليسارى» و«الليبرالى».
٣- نناضل سوياً فى سبيل أن تكون الانتخابات التشريعية المقبلة بالقائمة النسبية، لأنها النظام الذى ينتصر للأحزاب والاتجاهات والبرامج ويحارب المال السياسى والبلطجة والتصويت على الأسس العشائرية والقبلية. ويمكن من خلال هذه القوائم أن نضمن تمثيل البرلمان المقبل لجموع المصريين تمثيلا أمينا وصادقا، بما يقود إلى تمثيل حقيقى للشعب فى صناعة الدستور.
٤- توقف التلاسن الذى طال رموزا ثقافية وسياسية، ويتم بطريقة منظمة على يد ما يمكن أن نسميها «كتائب الشتائم الإلكترونية».
وقد توالت المناقشات والمداولات بين الطرفين حتى وصلا إلى نقطة فاصلة تمثلت فى النقاش حول مسألة عرض الأمر على «المحكمة الدستورية العليا» أو «لجنة الفتوى والتشريع» بوزارة العدل لتفصل فى الخلاف حول موضوع «الدستور أولا» فى ضوء وجود حيثيات حكم للمحكمة الدستورية تعود إلى عام ١٩٩٤ أرست مبدأ مفاده أنه لا يجوز لأى من السلطات (التنفيذية، التشريعية، القضائية) أن تضع الدستور، لأن الأخير هو الذى يحدد اختصاصات وصلاحيات ونفوذ هذه السلطات الثلاث، وليس العكس.
وبالطبع فإن ممثلى هذين التيارين لا يملكان من الناحية القانونية الشكلية حق رفع المسألة إلى جهات التحكيم كى تبت فيها، إنما يمكنهما أن يعملا معا من أجل دفع الحكومة أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة لاتخاذ ما يلزم حيال إعادة ضبط الأمر على سنن العدل والاستقامة، وبما ينتصر لمطالب الثورة، ويؤسس لنظام ديمقراطى عادل.
أما من ناحية «الشرعية الثورية» فإن كل الخيارات مفتوحة أمام الجميع، لأن الثورات لا تعرف مثل هذه المماحكات، إنما تشق طريقها نحو تحقيق أهدافها بشجاعة وثقة واقتدار.
لقد صدر بيان عن جماعة الإخوان المسلمين يطالب بالتوحد خلف راية الثورة، أخذ عنوان «تعالوا إلى كلمة سواء»، ويجب على القوى المدنية أن تلبى قائلة «سنأتى إلى كلمة سواء»، لكن من يدعو ومن يستجيب فى عنقيهما دين لهذا الشعب العظيم الذى صنع ثورة سلمية غير مسبوقة فى تاريخ الإنسانية قاطبة، يفرض عليهما أن ينتقلا من القول إلى الفعل، ومن النظر إلى التطبيق، فالكلمة السواء ليست مجرد عبارات إنشائية بليغة، ولا خطابة رنانة طنانة، إنما هى إجراءات واضحة وملموسة تنتصر للثورة، وتحولها إلى قيمة مضافة من أجل بناء وطن حر عزيز عالى القيمة والقامة.
فيا أيها العقلاء، هنا وهنا، عودوا إلى روح ميدان التحرير، التى جمعتنا تحت غاية نبيلة ومقصد شريف وجهاد مقدس فى سبيل الحرية والعدالة والكفاية، فمن دون ذلك سنقوم جميعا باغتيال ثورتنا الفتية، ونقدمها إلى أعدائها مذبوحة ومسلوخة فيأكلونها لحما وعظما، ثم يستديرون علينا تنكيلا وتقتيلا، ويومها لن ينفعنا أى ندم، ولن تشفع لنا أى دموع. ويا أيها العقلاء لتعلموا وتفهموا أن الانقسام إن استمر، والشرخ إن اتسع، فإن الشعب سيكفر بكلا التيارين ولن يجد أمامه سوى المجلس العسكرى ليطلب منه اتخاذ إجراءات لن تفيد مطالب الثورة ولن تصب فى صالحها.
إن ما جرى فى يوليو ١٩٥٢ كان انقلابا تحلّق الشعب حوله فتحول إلى ثورة، أما ما جرى فى يناير ٢٠١١ فهو ثورة إن انفض الشعب عنها فستتحول إلى انقلاب
Thursday, May 26, 2011
| بقلم عماد سيد أحمد ٢٦/ ٥/ ٢٠١١ |
«أتيح لى أن أقوم بزيارة سريعة إلى طهران بصحبة الأستاذ فهمى هويدى، تلبيةً لدعوة تلقيناها من معهد الدراسات الدولية هناك، للمشاركة فى ندوة بعنوان (الثورات العربية وانعكاساتها على القضية الفلسطينية)، التى نظمها المعهد التابع لوزارة الخارجية الإيرانية فى ذكرى (النكبة). وعقدنا لقاءات خاصة مع على لاريجانى، رئيس مجلس الشورى، وآخر مع سعيد جاليلى، مستشار الأمن القومى، وثالثاً مع السيد على أكبر صالحى وزير الخارجية، ورابعاً مع السيد رضا شيبانى مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط».. هذا ليس كلامى، ولكن نص ما ذكر أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن نافعة، حيث زار هو والكاتب المعروف فهمى هويدى العاصمة الإيرانية خلال الأيام الماضية. وهما من المثقفين المصريين المؤثرين. سواء اتفقت معهما أو اختلفت. وحسب فهمى (فهمى أنا وليس فهمى هويدى) وتقديرى، فهما من أنصار الديمقراطية، وهما من الذين نادوا بالثورة المصرية، ومن المؤمنين بحرية الشعوب.. المفترض ذلك. ومن هذا المنطلق أجدنى غير قادر على استيعاب مقابلاتهما مع كبار المسؤولين الإيرانيين، ولقاءاتهما مع من يعدون من أركان النظام السياسى القمعى فى طهران، التى انطلقت فيها الثورة قبل تونس وقبل مصر بشهور عديدة، لكنها أخفقت لأن النظام الإيرانى قمعها بشدة وواجه حركات الشباب الإيرانى بالحديد والنار، وقابل الاحتجاجات التى عمت البلاد، آنذاك، بطرق وحشية وبلا رحمة أو هوادة. كنت أفهم لو أن نافعة وهويدى قابلا عددا من المثقفين الإيرانيين الذين يتعرضون للسجن والملاحقة من قبل الحرس الثورى الإيرانى، الذى هو أشرس وأعنف من السافاجك فى عهد الشاه. وإذا مددنا الخط على استقامته، طبقا للقناعات التى ينطلق منها الرجلان، فمن المفترض أن النظام الإيرانى عدو لكل من يؤمن بالديمقراطية وبحق الشعوب فى العيش الكريم، لأنه نظام قمعى متخلف يقع فى أسوأ خانة وهى الديكتاتورية الدينية. ليس هذا فحسب، بل إن طهران أظهرت انتهازية شديدة عندما تريد تفصيل الثورات العربية على مقاسها، فترحب بالثورة فى تونس وتصفق لها فى مصر وتنتقدها فى سوريا، وتدفع بها وتدعمها إذا ظهر لها لسان فى البحرين. وأرجو من الأستاذين هويدى ونافعة أن يشرحا لنا ما قاله السفير الإيرانى فى لبنان: «لا ثورة شعبية فى سوريا ولا إثبات على ذلك كى تقف إيران وتدعمها على غرار ما فعلت فى تونس ومصر». وهل هناك رئيس دولة يقول كلاما مبهما وغامضا ويتحدث بكلام غير مفهوم عندما يسأل عن الثورة السورية غير أحمدى نجاد، الذى لا أرى فرقا بينه وبين القذافى إلا كونه جورباً مقلوباً؟!.. لا أحد يفهم كيف لا يرى الرجلان الحقيقة الساطعة كالشمس، وهى أننا أمام نظام بلغ درجة من القسوة جعلته يقرر إعدام بعض المشاركين فى المظاهرات المناهضة له، حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر، أملا فى وقف الاحتجاجات التى انطلقت شرارتها الأولى فى المنطقة كلها هناك،وحصدنا نحن ثمارها فى تونس والقاهرة. والسؤال: ما الذى يمكن أن يطلبه مثقف عربى من نظام قمعى، تعيش بلاده ربيع الحرية؟ ولماذا نفتش عن حسين سالم فى تل أبيب ولا نفتش عن أنصار الديكتاتورية فى القاهرة؟ أيهما أجدى وأهم؟! صحيح أن هناك كثيرين فى عالمينا العربى والإسلامى يبررون ديكتاتورية طهران بتحديها بجرأة للغرب والولايات المتحدة، لكن لا شىء يبرر الظلم والتعسف ومعاندة المواطنين. فما فائدة كل هذا، إذا كان الذل والهوان والمعتقلات فى انتظار من تسول له نفسه المجاهرة بالاعتراض.. وكيف يسوغ نظام موصوف بالإسلامى تعذيب المعتقلين بوسائل غير آدمية؟! لا أرى زيارة هويدى ونافعة أبعد من كونها جزءاً أساسياً من محنة المثقف العربى الذى يقع ضحية لفكرة المؤامرة وللتناقض والازدواجية، ولغيرها من المشاكل التى نعانيها منذ الستينيات، فالنظام الإيرانى لم يكن لديه شىء ليقدمه لأحد، بل هو فى حاجة لمن يقدم له أى شىء، إلا إذا كان الأستاذ هويدى يسعى للحصول على توكيل الدولة الدينية من طهران المصرى اليوم |
Wednesday, May 18, 2011
أم كلثوم والجماعة
Monday, May 09, 2011
أتذكر يوم رأيت فى سوبر ماركت بمدينة سياتل ماركة خبز تحمل اسم Dave`s Killer Bread. وهنا كلمة Killer تقترب لاستخدامنا لكلمة «فظيع» بالعامية، فهى لا تعنى «قاتل» بالمعنى الحرفى، إنما تعنى شيئا «قاتل» من روعته! فالماركة إذن «خبز ديف القاتل الرائع الفظيع!!»
كم استغربت من اسم المنتج، وكذلك من شكل تغليفه البلاستيكى الخارجى، فكان مميزا فعلا وسط كل الأنواع من حوله، ملوناً وعليه رسم كارتونى كاريكاتورى مضحك لشخصية «ديف»، وقد ظهر مفتول العضلات، ممسكا بجيتار، وله شارب كبير ذكرنى بشكل المرحوم محمد رضا فى فيلم ٣٠ يوم فى السجن. كذلك على التغليف، كُتبت العناصر الغذائية من القمح الكامل، والحبوب والبذور المزروعة بشكل عضوى، أى خالية تماما من أى مبيدات أو كيماويات بشهادة وزارة الزراعة الأمريكية، التى لا تعطى ختمها على المنتجات دون مراجعة دقيقة.
قلت لنفسى: يبدو خبزاً عالى الجودة فعلا.
ولكن «ديف» ليس شخصا عاديا تماما، ببساطة قرر أن ينتج نوعا جديدا من الخبز، لكنه كما نقول فى مصر «رد سجون». وقد تجرأ بأن يعلن هذا صراحة على منتجه. فكتب ما يلى فى فقرة طويلة مفصّلة على الغلاف البلاستيكى:
«أخفقت أربع مرات قبل أن أدرك أننى ألعب لعبة خاسرة.. صحيح أن قضاء ١٥ عاما فى السجن لهو طريقة صعبة جدا لاكتشاف الذات، ولكنى لست نادما على ما فات . فحين قضيت المدة الأخيرة، قررت الاستفادة من تلك الأيام الطويلة التى أمضيتها منفردا ووحيدا، وذلك بالعزف على الجيتار، وممارسة الرياضة، والتعرف على نفسى - دون مخدرات. ولدهشتى الشديدة بدأ يروقنى ما أرى فى ذاتى.. لقد قيل من قبل إن (الشدائد تجعل الرجل يعثر على ذاته التائهة) وأنا تأكدت أن هذا بالفعل أمر حقيقى، فلو لم أعانِ ما كنتم لتقرأوا هذه القصة على خبزى (الفظيع).
تحت هذه الفقرة ومع كثير من الألوان والرسومات الكارتونية الأخرى، نقرأ مقولة ثانية. هذه المرة للمهاتما غاندى: «كن أنت التغيير الذى تريد أن تراه فى العالم».
اندهشت فعلا، فكم مرة من قبل قرأت مقولة لغاندى على منتج غذائى؟!
قررت اختبار ذاتى: هل أشترى «الخبز القاتل الفظيع» كى أدعم «ديف» فى محاولته العودة بسلام إلى المجتمع؟ هل عمله الصالح الآن سيشفع له «اجتماعيا» سنوات الجريمة والسجن؟ هل سيشترى آخرون خبز «ديف»؟
بالفعل أضفت الخبز إلى سلة مشترياتى فى خطوة كانت بمثابة اختبار لقيمى. بعدها قمت بتقييم ثقافى لجرأة «ديف» بأن ينتج منتجا غذائيا أساسيا كالخبز.
مفاهيم كثيرة تبادرت لذهنى: منها الإخفاق ثم دفع الثمن، سيادة روح القانون الذى يعاقب المذنب، ثم تقبل المجتمع الذى يسامح من يعود إليه بعد تأدية ما عليه، الصدق مع الذات والأمانة تجاه الآخرين، الإبداع الذى يضع الإنسان على طريق صحيح، بعد أن كاد يكون ماضيا فى طريق مسدود لن ينفرج.. فكرت فى روح التغيير والقدرة على خلق شىءٍ من لا شىء. قلت لنفسى «نعم، إن أخطأت فدفعت الثمن، فمن حقى العودة بسلام إلى المجتمع».
من خلال هذا التقييم، تعاطفت مع «ديف» واستحسنت خطوته لأن يكون عضوا منتجا فى المجتمع. اشتريت خبزه لأقف بجانب مشروعه الصغير الذى حاول أن يتغير من خلاله. ولكن ما زاد على كل تلك الأمور النظرية هو أننى عندما تذوقت خبزه، ومنذ هذا الحين، لم أستبدله بآخر.
سؤالى الآن لنا فى المجتمع المصرى: كيف نقوّم من أخطأ فصحح مساره؟
هل من سماتنا الثقافية كمجتمع ما يجعلنا نستطيع أن ندعم ماركة تحمل اسم أحد «السوابق»، إذا ما أمضى هذا العنصر الهدام اليوم مدة سجنه وخرج تائبا ذا مشروع، أم أننا سنظل «نجعل» من أمثاله «مجرمين» بنظرة تُصرّ على أن تَحبِسهم فى ماضيهم، أكثر من حبسِ السجون لهم؟
لعلنا فقط نتذكر «ديف» وقصته، إذا ما قابلنا مَنْ مثله وقد اختار التوقف ثم البدء من جديد.
مروى مزيد - المصرى اليوم
*زميل مركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة واشنطن، سياتل،الولايات المتحدة الأمريكية
لا أجد من الكلمات ما يمكن أن أعبر به عن شكرى للسادة السلفيين على كبير مساهمتهم فى إدراكى وإدراك غالبية المصريين بحتمية أن تفضى ثورة مصر فى النهاية إلى دولة مدنية يحكمها دستور وقانون مدنيان ومؤسسات متحضرة متقدمة تساير العصر وتتطلع إلى المستقبل بقوة وثبات.. صحيح أنهم لم يكن لهم دور يذكر على المستوى السياسى أو الخدمى قبل الثورة، ولم يدخلوا فى صدام أو تحد أو مواجهة مع النظام السابق، مثلما فعل الإخوان المسلمون، ثم فوجئ بهم، المصريون يعتلون المنصة ويتصدرون المشهد دون سابق معرفة بهم وتساءل الملايين فى دهشة وعجب: من هم؟ ومن أين أتوا؟ وأين كانوا؟..
وتذكر البعض أننا كنا نسمع عن بعضهم ينسّق مع أمن الدولة فى عملهم الدعوى.. وتذكر البعض أنه شاهد شعارات لسلفيين وسمع وشاهد منهم من يقول إن الخروج على الحاكم معصية وكفر وفتنة.. صحيح أن هذا كان وضع بعضهم أو معظمهم قبل الثورة.. بل وفى أيامها الأولى، ولكنهم، على أى الأحوال، قد «لحقوا» أنفسهم ودخلوا فى الثورة بقوة.. حتى يكاد يتسلل إلينا الشك الآن أن ثورة ٢٥ يناير بدأها الشباب ثم انخرط فيها كل المصريين.. ويقترب منا اليقين بأن الثورة بدأها السلفيون ويأخذونها الآن بقوة.. ومن خلفهم الإخوان.
دعك من هذه الإشكالية التى تلتف حول رقابنا، وتذكر معى بكل العرفان والتقدير موقف السلفيين الذين لم يهتموا بتلك القضايا التافهة والسفاسف التى تهتم بها القوى السياسية والاجتماعية الأخرى مثل مستقبل ومصير مصر بعد الثورة وكيفية إعداد وإقرار دستور يليق بشعب مصر الذى أسقط الفساد والاستبداد.. لم يهتموا بمثل هذه التفاهات وركزوا جهودهم فى مصير كاميليا ووفاء ثم أخيراً «عبير ــ إمبابة» وهم فى سبيل هذه القضية المصيرية لا مانع لديهم من بذل الغالى والنفيس ولو كان الدم.. ولا مانع من إشعالها فتنة لا تبقى ولا تذر، ولو كان البلد والوطن والأهل، لأن إسلام كاميليا ووفاء وعبير هو الأهم!
ثم دعك من محاكمة ومحاسبة النظام الذى استباح ثروة مصر على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، واترك الآن قضية بناء مؤسسات سياسية واقتصادية وقانونية وشعبية ديمقراطية وشفافة ومستقلة ونزيهة، ولا تلتفت لما يثيره البعض عن استرداد المليارات التى استولى عليها مبارك ورجاله.. واهتم الآن بما هو أهم: هدم الأضرحة القائمة منذ عشرات ومئات السنين.. واسترداد مسجد النور من وزارة «الأعداء» الشهيرة بوزارة الأوقاف.. دعاة السلفيين يحتاجون هذا المنبر بالذات القريب من الكاتدرائية ليكون إشعال الفتنة سهلاً.. ولن يسأل أحدهم نفسه: ماذا لو تظاهر فى المقابل بضعة آلاف من المسيحيين أمام مسجد النور مثلما فعل السلفيون، فى الجمعة قبل الماضى، أمام الكاتدرائية وهدد بعضهم باقتحامها بحثاً عن «كاميليا شحاتة»؟!
أما أم القضايا التى يولونها كل الاهتمام الآن فهى التظاهر ضد مقتل «شيخ المجاهدين وشهيد الأمة الإسلامية بن لادن».. الذى دبر عمليات قتل آلاف المدنيين الآمنين فى نيويورك ولندن ومدريد، وإن كنتم ترون خلافاً شرعياً حول هذا القتل.. فإنه من وحى أفكاره التكفيرية والإرهابية قتل عشرات الآلاف فى العراق والأردن وغيرها من الدول الإسلامية.
تصورت وأنا أشاهد مظاهراتهم شجباً لقتل بن لادن أنه مفجر الثورات العربية ضد الظلم والفساد.. ولو عاش قليلاً لهاجم الثورات وأدان الثوار لأنهم بالتأكيد جعلوا وجوده وأفكاره وتنظيماته دون قيمة أو جدوى وفاقدة لكل أسباب الاستمرار.
سيروا على ما أنتم عليه، الإخوة السلفيين، فإنكم تثبتون للجميع يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة أن مصر تختلف عنكم ولن تسير فى طريقكم ولن تكون سوى دولة مدنية ديمقراطية لكل الأطياف والأديان والتيارات على السواء
محمد رضوان - المصرى اليوم
Friday, May 06, 2011
الدرس الألمانى: لا تغيير بلا تطهير
فقد هال الجميع حجم الفساد ومدى تغلغله فى كل شىء، وأصابهم بالذهول. والذهول يمكن أن يتحول إلى أداة لليقظة وتبكيت الضمير والعمل على الحيلولة دون أن يتكرر ذلك مرة أخرى لمصر أو لشعبها، لأنهما يستحقان معا أفضل مما عاشاه فى العقود الأربعة الأخيرة.
ولكنه يمكن أيضا أن يصبح مائدة مسمومة يتناول المصريون غذاءها اليومى بأحداثه الغرائبية، وكأنه من توابل الحياة المستحبة، يغنيهم عن الفعل الحازم والصارم، ويهدهد فيهم نوعا من الرضا الزائف بالكشف عن مباءاته، دون أن يثير فيهم التقزز، أو يدفعهم إلى الإحساس بالذنب والمسئولية عما جرى لهم، وجرى لمصر معهم وبسبب سلبيتهم، وتغاضيهم، وتواطؤهم.
فما جرى لمصر من هوان وتردٍ ودمار، طوال العقود الأخيرة، دفع بها إلى قاع الأمم فى كل المؤشرات الدولية للنمو والتحقق والصحة والتعليم وغيرها من الممارسات، وأحالها إلى تابع مهيض لسياسات ما سمى بالحقبة السعودية الكئيبة، وللمخطط الصهيونى فى المنطقة، لم يجرِ لبلد بعيد عنهم، وإنما لبلدهم الحبيب. ولم يحدث بمعزل عن حياتهم، وإنما أثر على كل مناحيها وتجرعوا مراراته. ولم يقم به أعداء مصر الخارجيون، دون تبرئة هؤلاء الأعداء من بعض المسئولية عن كل ما دار، وإنما قام به مواطنون مصريون، من النخب المصرية الثقافية منها والسياسية والاقتصادية.
لأن مبارك الفاسد المخلوع لم يكن يحكم مصر ويدير شئونها وينشر أكاذيبه المفضوحة حول إنجازاتها بنخب مستوردة، وإنما بنخب مصرية خالصة، صحيح كانت هناك أصوات مصرية فى كل مجال تنتقد كل ما يدور، وتزرع فى وعى الشباب نقدها المستمر له، ورفضها لأسسه الفاسدة، لكن هذه النخب المسيطرة والمتنفذة والمدعومة بسيف السلطة وذهبها سادت وحكمت ويسرت البطش والبغى والنهب والبهتان.
وقد نتج عن هذا كله واحدة من أحلك فترات مصر فى تاريخها الحديث. تدهور فيها كل شىء كما ذكرت فى المقال السابق من التعليم إلى الصحة، ومن المواصلات إلى الإعلام.
وقد كان إعلام مصر المرئى والمسموع والمكتوب من أفضل منابر الإعلام فى المنطقة العربية كلها، فانهار حتى أصبح من أحطها. فبعد أن كانت الصحف العربية تسعى لمضاهاة ما حققته (الأهرام) فى الستينيات، رأينا كيف انهارت (الأهرام) نفسها وتحولت إلى بوق للزيف والبهتان، تدهور فيها كل شىء، ولم تزدهر إلا ممتلكات رؤساء تحريرها ومجالس إدارتها.
ولم يعد فى التليفزيون المصرى، برغم تعدد قنواته الفضائية والأرضية قناة تضارع قناة (الجزيرة) مهنية ومصداقية، بعد أن كان التليفزيون المصرى منارة الإعلام المرئى فى المنطقة.
وأذكر الإعلام هنا خاصة لأننى أريد أن أدلف منه إلى واحدة من أهم الملامح التى نحتاج إلى إصلاحها، وهى الوعى الشعبى والعقل المصرى الذى ترك نهبا للتخلف والتشويه والخرافة.
وتجذرت فيه عادات تصورية ومفهومية تضعضعت معها قدرته النقدية عن عمد، ولم يعد قادرا على الحكم العقلى النقدى السليم، وهو أولى ضرورات أى ديمقراطية، فأمكن أن يدور كل شىء فى غيبته، فساد الفساد وانتشر، وتحول النهب والهوان والتبعية إلى منطق حياة للطغمة الحاكمة التى لم تجد من يردها أو يتحداها طوال أربعة عقود فطغت وتمادت.
صحيح أن الشعب هب وأسقط رأس هذا الفساد كله فى 25 يناير، ولكن الفساد الذى كان قد تحول إلى مؤسسة قوية متكاملة تتغلغل فى كل مناحى الحياة لا يزال هناك.
له رعاته ونخبه ودهاقنته الذين استفادوا منه وأفادوا من حولهم من حاشية السوء، وخلقوا شريحة باغية ازدهرت فى غياب القانون بالاعتماد عليه بصورة تدفعهم إلى الاستماتة فى الدفاع عن أنفسهم وعن مكاسبهم التى تدير تجلياتها الرءوس، وتصيب معرفتنا بأحجامها الضخمة بالذهول.
هذا الفساد هو أعدى أعداء الثورة فى الداخل، وهو الذى يعمل بدأب وبطرق جهنمية لا تخطر على بال على الإجهاز عليها.
تتخلل خلاياه السرطانية كل أعضاء الجسم المصرى. ولا سبيل لأن يصح هذا الجسم ويعود عقله إلى الوعى والنقد والتخطيط لمستقبل أفضل، دون استئصال تلك الخلايا المنتشرة فى كل أعضائه. فالعقل السليم فى الجسم السليم كما نعرف، وكما لقنونا فى الكتب المدرسية منذ المهد.
وما لم يسترد الجسد عافيته، فإن العقل الذى لا أمل فى أى إصلاح أو تغيير بدونه، لن يقوم بالدور المنوط به فى تحريك هذا الجسم الوطنى وتفعيله لبناء مستقبل أفضل.
والواقع أننا لم نكن أول أمة عاشت تلك المأساة وتغلغل سرطانها فى كل حياتها، فغيّب عقلها تحت ذرائع مختلفة، وإن كانت الذرائع التى غيبت عقل مصر من أكثرها بين الشعوب انحطاطا، لأنها كانت ذرائع عصابة ليس لديها أى مشروع سوى الثراء الجشع الحرام على حساب كل شىء.
فقد عانت ألمانيا فى المرحلة النازية من جنون فرد لا يقل عتهًا عن مبارك، أمسك فى يده مثله بكل أعنة القوة والسلطة والمال، ونفذ عبرها مشروعه. وإذا كان جنون هتلر الذى غيّب بسببه العقل الألمانى الخصب ينصب على القوة والتوسع والسيطرة، فإن جنون مبارك انصب على الثراء الفاحش الذى اكتشفنا معه أن للكفن مليارات الجيوب.
وكما دفعت ألمانيا ثمنا فادحا من سمعتها وعقلها وتاريخها لجنون هتلر، فإن الثمن الذى دفعته مصر لجنون مبارك لا يقل فداحة عن الذى دفعته ألمانيا. فقد ترك عهده فى النفس المصرية، وحتى فى جغرافيا مصر نفسها جروحه وقروحه.
فإذا كان عبدالناصر قد ترك فى جغرافيا مصر السد العالى وبحيرة ناصر، فأنقذها بهما من وهاد التخلف وسنوات القحط والجفاف، فإن مبارك قد ترك فى جغرافياها المدن العشوائية وأحزمة الفقر، ومنتجعات اللصوص المسوّرة.
وجرف أراضيها الخصبة، وأفسد زراعتها وشوه تركيبتها المحصولية. ودمر نظامها التعليمى وجامعاتها، بل جرف العقل المصرى ذاته بتكريس الهون والتبعية.
ويتطلب هذا كله تغييرا جذريا فى كل شىء: من التعليم حتى الصحة، ومن الزراعة حتى تخطيط المدن، ومن بنية الاقتصاد حتى هيكلة الأجور، ومن المواصلات حتى الإعلام والخطاب السياسى والتنظيمات الحزبية.
يتطلب حقا عملية تطهير شاملة نتخلص بها من كل ترسبات النظام الذى خرج الشعب المصرى عن بكرة أبيه يطالب بإسقاطه. وهذا فعلا ما قامت به ألمانيا عقب سقوط النازية.
وقد أثبت الدرس الألمانى الذى أسفر عما عرف بـ«المعجزة الألمانية» التى غيرت كل شىء فى ألمانيا فى سنوات قلائل، أنه لا تغيير بلا تطهير. فقد بدأت التجربة الألمانية بعملية استئصال ممارسات النازية ورموزها من كل مناحى الحياة الألمانية.
وكان الحلفاء المنتصرون، وهم نفسهم الذين يحرصون الآن على أن تكون التغيرات فى النظام المصرى شكلية، هم أول من بادر باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق عملية التطهير تلك، والتى سميت بالألمانية Entnazifizierung، وبالإنجليزية Denazification.
كانوا حريصين وقتها على هذا التغيير الجذرى، وعلى ضرورة اسئصال بقايا الحزب الوطنى، (وكان اسم حزب هتلر لمرارة المفارقة أيضا هو الحزب الوطنى الاشتراكى، والذى أصبح عندنا الوطنى الديمقراطى) وأيديولوجيته من الثقافة والإعلام والقضاء والسياسة، وتجريد كل من عمل معه من وظائفهم، وإبعاده عن أى مركز من مراكز التأثير.
ولأن الشىء بالشىء يذكر، فقد منع الدستور الإيطالى الذى كتب بعد المرحلة الفاشية، منعا باتا إعادة تأسيس الحزب الوطنى الفاشى، وهو الحزب الوحيد الممنوع فى إيطاليا بحكم الدستور حتى اليوم.
ومن يعرفون تاريخ مصر يدركون أواصر القرابة، لا فى الاسم وحده، وإنما فى الفكر والممارسة، بين الحزب الوطنى غير الديمقراطى عندنا، وبين الحزبين النازى والفاشى، فلم يخف مؤسس الحزب الوطنى المغدور أبدا إعجابه فى شبابه بهتلر وحزبه.
وقد بدأ الحلفاء هذه العملية بتكوين مجلس لهذه المهمة يحدد الإجراءات القانونية والمعايير اللازم اتخاذها فى هذا المجال.
ولم يقتصر الأمر على الأشخاص وإنما تعداه لكل التجليات الفعلية المحسوسة منها والرمزية للعهد البائد وإزالة أى أثر له.
وبدأت عملية إعادة تثقيف الشعب برمته، كى يعى حقوقه وواجباته فى ظل نظام ديمقراطى جديد، وبصورة تجعل من الصعب على المضللين تضليله.
وأثناء هذه العملية تخلق فى الشعب الألمانى نوع جذرى من الإحساس بالذنب الجمعى والمسئولية الأخلاقية الجمعية عما جرى، وتم زرع هذا السؤال الجوهرى فى كل ألمانى: كيف سمح الشعب الألمانى، برغم ثقافته وتاريخه العريق، بحدوث كل ما جرى باسمه؟ ولماذا ترك بلده يهبط إلى هذا الحضيض؟ وهو ما يمكن ترجمته عندنا، بكيف سمح الشعب المصرى لهذه العصابة أن تحكم مصر، وأن تنهب ثرواتها؟ ولماذا سمح لها أن تنزل بمصر إلى حضيض الهوان والتبعية؟ هذا سؤال لابد من تجذيره فى كل مصرى، حتى لا يتكرر ما حدث، وأهم من هذا كله حتى تنهض مصر من كبوتها، وتحقق معجزتها المرتجاة.
لأن الدرس الألمانى هو الذى يعلمنا ضرورة استئصال سرطان العهد القديم، كى يصح الجسد، وتنهض الأمة من جديد. فكيف نستفيد من هذا الدرس وما هى تفاصيل ما جرى هناك؟ هذا ما سنتعرف عليه فى الأسبوع القادم
المواطنة المهددة
من غير المقبول أن تصمت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى عن إشاعة مناخ من الخوف والقلق فى مصر، بمظاهرات أمام الكنائس وحديث غير منضبط عن التمكين للإسلام فى البلاد وتطبيق الشريعة وإقامة الحدود، يشعر معه المواطنون المسيحيون بأن حقوقهم وحرياتهم المدنية والدينية باتت موضع تهديد أو أن ضمان أمنهم وأمانهم قد يتحول إلى فضيلة مجتمعية نادرة.
يسىء لنا جميعا أن تشغل قضايا إثارة ذات أبعاد طائفية كقضية كاميليا شحاتة مساحة إعلامية واسعة، بينما تنزوى المعالجات الجادة لملفاتنا الاقتصادية والأمنية الضاغطة على كل المواطنين. هل يعقل أن تخصص برامج حوارية متعددة لقضايا الإثارة الطائفية ولمظاهرات بعض الجماعات أمام الكنائس، فى حين لا يستمع لخبراء الاقتصاد ولرؤيتهم عن كيفية تجاوز الأزمة الخانقة الراهنة ولا تفرد مساحة كافية لتناول تفاصيل الوضع الأمنى. فليس فى هذا، وبغض النظر عن أن بعض البرامج الحوارية قدم معالجة رصينة لقضية كاميليا شحاتة، إلا دليل فقر إعلامى بين وسوء تقدير لما تقتضيه مصلحة الوطن فى اللحظة الراهنة.
من غير المقبول أيضا أن نترك بدايات الفتن الطائفية دون مواجهة قانونية ومجتمعية جادة. قطع أذن مواطن، ترويع مواطنين فى دور عباداتهم، تهديدهم نفسيا بتصريحات علنية غير مسئولة هى جميعا أمور لابد إزاءها من تفعيل أدوات وإجراءات دولة القانون بمساءلة ومحاسبة المتورطين بها، كما يبنغى مواجهتها علنا بخطاب سياسى وإعلامى ينتصر لمواطنة الحقوق المتساوية لكل المصريات والمصريين.
وأكثر ما أخشاه، ومع كامل احترامى للمؤسسات الدينية الرسمية الإسلامية والمسيحية، أن يوكل لهذه المؤسسات وحدها مهمة احتواء بدايات الفتن الطائفية. فنهج الزيارات المتبادلة بين الشيوخ والقساوسة وحديث العموميات عن النسيج الوطنى المتماسك وتسامح الأديان لم يعدا لهما فاعلية حقيقية فى احتواء الفتن. الأهم أن ننشط جميعا، قوى سياسية وائتلافات وجبهات للشباب وشخصيات عامة ونقابات ومجتمع مدنى، ونتوافق علنا على رفضنا أى تمييز ضد مواطنات أو مواطنين بسبب الانتماء الدينى أو أى انتقاص من أمنهم أو حرياتهم.
هذه مسئوليتنا جميعا وعلينا أن نتحملها وأن لا ندع أجندتنا الوطنية تختزل إلى كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين
قبل أن يتسول أبطال الثورة العلاج
إن المسافة بين الشعار المعلن، والواقع المعيش على الأرض بعيدة جدا للأسف الشديد، وتكفى نظرة سريعة على ما يحدث للعشرات من جرحى ومصابى الثورة المجيدة لكى نكتشف أن الذين سقطوا شهداء كانوا أسعد حظا من الذين بقوا على قيد الحياة ولا يستطيعون مواصلة علاجهم.
ووفقا لمعلومات استقيتها من مصادر عديدة، أثق فيها، فإن العشرات من جرحى الثورة سيجدون أنفسهم فى الشارع قريبا، لأن الدولة ضاقت بتكاليف علاجهم، ومنهم من يرقد فى مركز التأهيل بالعجوزة فى انتظار قرار تم إبلاغه به شفهيا بأن وجوده فى المكان غير مرغوب فيه، وعليه البحث عن مكان آخر للعلاج لأن تبرعات فاعلى الخير لم تعد تكفى لمواصلة طريق العلاج من إصابات بطلقات نارية تعرضوا لها يومى 28 و29 يناير.
ومن بين عشرات الحالات تقف حالة المحامى الشاب محمد أحمد شرف 25 عاما من مدينة أشمون بالمنوفية شاهدة على أن دم الثوار صار رخيصا.
محمد الذى لم يستكمل دراساته العليا فى الحقوق خرج من بيته لكى يشارك الثوار الحلم فى انتزاع مصر من براثن الفساد والانحطاط، وأصيب فى ميدان التحرير يوم 28 يناير
برصاصة اخترقت رأسه من اليمين وخرجت من الشمال، ومعها أجزاء من مخه، ما تطلب نقله إلى المركز الطبى العالمى، حيث خضع للعلاج لفترة امتدت إلى سبعين يوما، ثم فوجئ والده، بعد الإعلان عن نقل مبارك من شرم الشيخ إلى المركز بأنهم يطلبون منه الخروج بابنه إلى مركز التأهيل بالعجوزة، وهناك رفض أطباء التأهيل التعامل مع الحالة لأن المصاب لم يستكمل العلاج الذى لا يتوافر لديهم، وحين عاد إلى المركز العالمى، قيل له إن لا علاج لابنه فى المكان، وعليه التوجه إلى مركز التأهيل مرة أخرى، وحين ذهب استقبله الأطباء لكنهم أبلغوه بأن ابنه يحتاج علاجا ليس لديهم، حيث تفاقمت الحالة وبدأ سائل من المخ يخرج من أنفه، وارتفعت درجة حرارته بشكل مخيف.
وقرر الوالد نقل ابنه إلى مستشفى كوبرى القبة بناء على نصيحة أطباء المركز التأهيلى، غير أنه لم يجد علاجه هناك، فسارع لنقله إلى مستشفى معهد ناصر على نفقته الخاصة، فى محاولة لإنقاذ حياته، حيث يرقد الآن فاقد الذاكرة.
ولك أن تتأمل معى المفارقة المدهشة: الرئيس المخلوع المتهم بإصدار أوامر بقتل نحو تسعمائة شهيد، باقٍ فى دويلة كاملة اسمها شرم الشيخ على الرحب والسعة، بينما ضحاياه مهددون بالطرد من مستشفيات الدولة دون أن يستكملوا علاجهم، مع الأخذ فى الاعتبار أن هؤلاء يعالجون على نفقة المتبرعين ومنظمات الإغاثة الأهلية، ولك أيضا أن تعلم أن ألمانيا التى استقبلت عددا من المصابين للعلاج ردت المبالغ التى دفعت لعلاجهم إلى الحكومة المصرية، كنوع من التضامن مع ثورة الشعب المصرى.. آه يا بلد!
Monday, May 02, 2011
بمناسبة تعديل المناهج الدراسية للعام الدراسى المقبل 2010- 2011، وإضافة شخصيتىّ الفريق سعد الدين الشاذلى، رئيس أركان حرب القوات المسلحة فى حرب أكتوبر 1973، واللواء أركان حرب محمد نجيب، أول رئيس لجمهورية مصر بعد العهد الملكى، إلى المناهج لكى يتعلم النشءُ تاريخَ بلادهم الحقيقى ويتعرّفوا على الرموز التى صنعت ذلك التاريخ، أرجو ألا ينسوا إضافة أحد أبناء مصر الأذكياء الشرفاء الوطنيين، ممن وجب تكريمه فى هذه اللحظة الفارقة من تاريخ مصر.
الضابط المهندس المصرى القبطى صاحب فكرة عمل ثغرة فى الساتر الترابى فى حرب أكتوبر، عن طريق ضربه بمضخات تدفق مياه قناة السويس بقوة، فحلّ بذلك معضلةً حار فيها كبارُ القادة العسكريين فى غرفة العمليات، حين كان فكرهم يتجه نحو الديناميت والنابلم والمدافع والصواريخ، لتفجير الساتر الهائل، فجاء الحلُّ على لسانه فى رهافة قطرة الماء التى تفتت الصخر حين تخفق فيه المعاول.
لماذا اختار اللهُ تعالى هذا المصرى ليلهمه بفكرة كتلك، دون سواه من كبار الضباط المصريين؟
هنا رسالةٌ يجب تأمُّلُها. يريد اللهُ عبرها أن يُعلّمنا أن الدين لله، أما الوطن وترابه وصالحه فللجميع.
اللواء أركان حرب: باقى زكى يوسف، الذى كان ضابطًا شابًّا آنذاك، استفاد من خبرته التى اختزنها بعد انتدابه للعمل فى السد العالى فى أواخر الستينيات كرئيس لفرع المركبات برتبة مقدم فى الفرقة 19 مشاة الميكانيكية. كانوا يتوسُّلون الماء المضغوط من أجل تجريف جبال الرمال فى أسوان، ثم سحبها فى أنابيب، ومن ثم إعادة استخدام المياه المخلوطة بالطمى فى بناء جسم السد العالى.
استلهم ضابطُنا المصرى الفكرةَ، واستحضرها لحظةَ وقوف جيشنا المصرى العظيم حائرًا أمام خط بارليف الذى شيّدته إسرائيلُ على الساحل الشرقى لقناة السويس، لمنع القوات المصرية من العبور. كانت فكرته سببًا فى تحطيم الحاجز العنيد، وفتح الثغرات لتعبر قواتنا من المشاة والمدرعات فتستولى على الحصون الإسرائيلية، ما صنع الخطوةَ الأولى فى انتصارنا التاريخى على التى لا تُقَهر، إسرائيل.
جبالٌ ضخمةٌ من الرمال والأتربة المتكلّسة الصلدة، تمتد بطول قناة السويس فى نحو 160 كيلو مترًا من بورسعيد شمالاً، وحتى السويس جنوبًا. تقف على الضفة الشرقية للقناة، كانت هى العقبةَ الأكبر التى واجهت القوات الحربية المصرية فى عملية العبور إلى سيناء، خاصةً أن خط بارليف قد أنشئ بزاوية قدرها 80 درجة لكى يستحيل معها عبورُ المدرعات وناقلات الجنود،
بالإضافة إلى كهربة هذا الجبل الهائل. فى ساعة الصفر يوم 6 أكتوبر، شرع القائد باقى زكى مع جنوده فى فتح 60 ثغرة فى الجبل الترابى فى زمن قياسى لا يتعدى الثلاث ساعات، ما سمح بدخول المدرعات المحمّلة بالجنود والدبابات، فكانت الموجاتُ المصرية الأولى التى اقتحمت سيناء ليعبر الجيش المصرى إلى الضفة الشرقية ما صنع مفاجأةً أذهلت عدوّنا الأبدى. وبعد نصرنا التاريخى قررت الحكومةُ المصرية ترقية الضابط باقى زكى إلى رتبة اللواء، ومنحه الرئيسُ السادات نوطَ الجمهورية من الدرجة الأولى عام 1974 تقديرًا لذكائه الاستثنائى ووطنيته.
إضافةُ مثل هذا الرمز الجميل إلى مناهج التعليم من شأنه، ليس وحسب إضاءة مناطقَ مشرقةٍ من تاريخنا المصرى المشرّف أمام عيون النشء المصرى الصغير، بل أيضًا تعليمهم درسًا مهمًّا فى المواطَنة بمفهومها الصحيح. كونها علاقةً بين مواطن شريف، ووطن يحتضن الجميع، من دون أن يسألهم الوطنُ عن عقائدهم. ذاك أن العقيدةَ شأنٌ فردى بين الإنسان وبين السماء، بينما الهويةُ المجتمعية والمواطَنهُ شأنٌ جمعى يتوّجُ الجميعََ بهالة من نور تقول بصوتٍ عال وفخور: «هذا المواطنُ، مصرى».
فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
بتهمة الغباء السياسى
طول الطريق، بعد انتهاء لقائى بالسباعى أحمد السباعى، المسؤول الأول عن تقارير الطب الشرعى فى مصر، وجملة عبقرية للرئيس الراحل أنور السادات تسيطر على عقلى. كان رئيس مصر، فى سعيه لتثبيت حكمه فى مراحله الأولى فى مثل هذه الأيام من عام 1971، يستعد للتعامل مع من سماهم مراكز القوى بتهمة التآمر عليه عن طريق التنصت على محادثاته الهاتفية، لكنهم بعد ذلك لجأوا إلى ما كانوا يظنون أنها ستكون ضربة قاضية فقدموا استقالة جماعية، فما كان منه سوى أن قبلها ببساطة وأطلق جملته العبقرية: ''دول لازم يتحاكموا بتهمة الغباء السياسى''.
شىء من هذا القبيل، بمعنى من المعانى، حدث ليلة الأربعاء الماضى بوصولنا فى نهاية مواجهة تليفزيونية مع السباعى، امتدت أكثر من ساعتين ونصف الساعة، إلى بيت القصيد عندما تحدث بافتخار عن كيفية وصوله لمنصبه: ''كنا بنيجى بالأقدمية.. أول واحد جه بالاختيار هو أنا''... بالاختيار من جانب من؟...''جهات كتيرة''... هل من هذه الجهات جهاز أمن الدولة؟... ''ممكن يكون أمن الدولة.. مش معنى إن أمن الدولة هو اللى جابنى يبقى أمن الدولة له فضل علىّ، لأ''.
فى الليلة نفسها بادر الدكتور أيمن نور بالاتصال بالبرنامج للرد على بعض مزاعم السباعى بحقه، لكن هذا رفض أن يمنحه فرصة للرد، وهو أيضاً فى حد ذاته تصرف كان يمكن للسادات أن يحاكمه عليه بتهمة الغباء السياسى. وفى الليلة التالية كان من واجبى أن أمنح نور الفرصة كاملة للرد فأكد أنه أثناء وجوده فى سجن طرة استطاع تسريب صور فوتوغرافية لإصابات فى ظهره، وأن ضابطاً من جهاز أمن الدولة استجوبه فى هذا الأمر فرد عليه بذكاء: ''والله الشخص الوحيد الذى صورنى هو الشخص الذى وقّع الكشف الطبى علىّ، وهو السباعى''، وعندئذ قال له الضابط: ''لاااااا، السباعى ده بتاعنا، السباعى ما يسربش''.
سيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن نستطيع تنظيف هذا الوطن، فما ورثناه من فساد يمتد عقوداً طويلة إلى الوراء. فى أثناء ذلك سيستميت كل من له مصلحة فى البقاء سواء لغرض إطالة أمد الانتفاع أو لدرء تبعات السقوط أو لكليهما معاً وسيجد من يسانده، ولكن فقط إلى حين. فمثلما يوجد فى العلوم الإمبيريقية شىء اسمه نقطة الحسم Critical Point يوجد الشىء نفسه فى العلوم الاجتماعية، ومنها علم السياسة. الأمر، للتبسيط، أشبه بسفينة على وشك الغرق، سيكون كل واحد من ركابها على استعداد لمساعدة الآخر إلى أن تأتى لحظة يزداد فيها ضغط الظروف المحيطة ويكون عليه أن يختار بين أن ينقذ نفسه أو أن ينقذ الذى إلى جواره. منتهى المثل على هذه القاعدة هو يوم الحشر، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
الثوار الحقيقيون يفهمون هذه القاعدة بالفطرة فتراهم يضغطون ثم يضغطون فى الطريق إلى نقطة الحسم. هى فى الواقع نقاط للحسم كثيرة متباينة، بعضها فى ضخامة نقطة الحسم التى لديها وصلت القوات المسلحة المصرية نيابة عن الوطن يوم 11 فبراير إلى قرار إما نحن أو حسنى مبارك. وبعضها يبدو صغيراً كنقطة الحسم تلك التى لم تستغرق من رئيس نيابة جنوب القاهرة أكثر من 30 ثانية عندما نزل إلى العمل فى يوم جمعة كى «يصرف» موظفاً صغيراً فى مصلحة الطب الشرعى كان قد أجبره على قضاء ليلته السابقة فى الحبس ظلماً وعدواناً بعد أن افترى عليه رئيسه السباعى.
نقطة الحسم فى هذا المثال لا تقل أهمية على الإطلاق عن نقطة الحسم فى المثال الأول. هى أكبر خابور حتى الآن فى نعش السباعى لكن أهميتها تتعدى هذا الشخص بكثير. هى فى الواقع سابقة حاسمة تمثل أولى خطواتنا نحو ثورة حقيقية على الفساد الإدارى.
نعلم نحن أن الذين وقفوا وراء السباعى، كانوا يريدون إرهاب الشرفاء كلهم نحو السكوت على الفساد أينما كان. ويعلمون هم أن الذين وقفوا إلى جانب الموظف الصغير الشريف الشجاع، رغم أنهم لا تجمعهم به مصلحة، كانوا يريدون مقاومة الظلم لكنهم أيضاً كانوا يريدون تشجيع الشرفاء كلهم على فضح الفساد أينما كان. ويعلم الجميع أى فريق ينطلق فيما يريده من مصلحة الوطن لا من المصالح الشخصية، مثلما يعلمون جميعاً بأى فريق ستفتخر مصر.
بسبب السباعى، صاحب ''لفافة بانجو'' الشهيد خالد سعيد وصاحب ''ارتجاف أذين'' السيد حسنى مبارك وصاحب الكثير من ''هبوط حاد فى الدورة الدموية''، استدعت نيابة جنوب القاهرة المواطن فريد حشيش صباح الخميس الماضى. سأله رئيسها فى البداية: ''إنت عارف إنت جاى هنا ليه؟'' بعد قليل سيكتشف الرجل الذى يعمل محققاً فى مصلحة الطب الشرعى أن رئيسه فى العمل، السباعى، قدم بلاغاً إلى النيابة بحقه وأن رئيس النيابة (س.) يحقق الآن معه رسمياً رغم أنه قال له فى البداية: ''كلمتين وهتروّح''، وهو ما دعاه إلى التنازل عن حقه فى طلب حضور محاميه.
تمحور التحقيق، وفقاً لفريد حشيش، حول ما رآه تقصيراً وإهمالاً فى تقارير المصلحة بشأن جثث شهداء الثورة، وكان من الشجاعة بحيث عبر عنه فى العلن مدعوماً بالوثائق والشهود. لكنه بعد حوالى ساعتين من التحقيق وجهت إليه تهمتان: أولاً، التشهير بالسباعى أحمد السباعى بصفته موظفاً عاماً، وثانياً، إثارة الفوضى والبلبلة وتأليب الرأى العام. وقع على أقواله وامتثل لأمر الانتظار فى الاستراحة تحت الحراسة التى جردته من هاتفيه المحمولين.
بعد قليل جاءه اثنان يرتديان ملابس مدنية: ''تعالى معانا 5 دقايق كده مشوار صغير وبعدين هتروّح''. امتثل للأمر فقاداه مشياً على الأقدام خارج المبنى فى الشارع لمسافة حوالى 300 متر حيث تقع نقطة شرطة السيدة زينب، وهى نقطة تقوم الآن مقام قسم الشرطة الذى كان قد احترق أثناء الثورة. عندما سلماه فى النقطة سلم أحدهما أيضاً ورقة لنائب المأمور اكتشف أن مفادها ''حجز المتهم للعرض على النيابة صباح باكر 29/4''. سأل فريد نائب المأمور الذى يحمل على كتفيه رتبة مقدم شرطة: ''ليه؟ أنا عملت إيه؟'' رد عليه: ''أنا مالى؟ إنت عايز تودينى فى داهية؟''.
نادى نائب المأمور على الملازم أول (ع.) كى يقوده إلى إحدى غرف الحجز. فعل هذا بخشونة. أثناءها التمس فريد أن يستخدم الهاتف ولو مرة، خاصة أنه لم يكن يعلم أنه لن يعود إلى المنزل، لكنهم رفضوا التماسه. فى الممر لاحظ أن النقطة تحتوى على ثلاث غرف للحجز. دفعه الضابط الصغير داخل إحداها وأغلق الباب. واحد، اتنين، ثلاثة، أربعة، خمسة نزلاء فى هذه الغرفة، كل منهم يفترش إما مرتبة أو بطانية. أما هو فلم يكن من نصيبه سوى البلاط. ويا ليت الأمر توقف عند هذا.
بمجرد دخوله تسلمه اثنان منهم. أحدهما (أ.) أمسك به من الخلف، والثانى (ش.) صفعه على الوجه، ثم تناوبا ضربه من كل ناحية. صرخ فريد مستنجداً بالضابط. فتح هذا شراعة الباب. ''بيضربونى، حد ينقذنى''. أطل الضابط قائلاً: ''أنا ما شفتش حاجة''. فى مثل هذا الوقت قبلها بيوم واحد كان السباعى معى على الهواء يقول: ''هتسمعوا عنه أخبار كويسة إن شاء الله'' فى إشارة تهكمية صفراء إلى نيته التى أفصح لى عنها صراحة قبل الدخول إلى الاستوديو: ''وحياتك هيتحبس ويتبهدل''.
وبينما كنت أوجه ندائى إلى المشير محمد حسين طنطاوى والدكتور عصام شرف لدى نهاية لقائى بالدكتور أيمن نور والسيدة زهرة شقيقة خالد سعيد، والدكتور فخرى صالح كبير الأطباء الشرعيين سابقاً قرب الثانية صباحاً وأنا أقاوم رغبة شديدة فى التقيؤ، كان ذلك الضابط نفسه يدخل إلى غرفة الحجز كى يعطى هذين النزيلين (أ.) و(ش.) هدية معتبرة. يكتشف فريد بعد قليل أنها ليست سوى حشيش أخذا يدخنانه وينفثان دخانه فى وجهه وهما يكيلان له السباب والتحرش الجسدى. من حين إلى آخر كان أحد النزلاء الآخرين يحاول الدفاع عنه بالكلام لكن شيئاً لم يكن ليردعهما كما هو واضح.
استمر هذا الفاصل حتى الخامسة صباحاً عندما كبس الحشيش على أنفاسهما فغلبهما النعاس. على عكس ذلك، لم يكن النوم ليقترب من عينى فريد وهو جالس القرفصاء على بلاط غرفة الحجز بينما يتخيل رئيسه يغط الآن فى نوم عميق على فراش وثير فى منزله.
وفى العاشرة والنصف من صباح الجمعة، بينما بدأت وفود من شرفاء المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان تصل إلى مقر نيابة جنوب القاهرة، وبينما كنت أنا أقوم بما تيسر لى من اتصالات كان أحدها بواحد من أبرز أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، صدر الأمر لفريد فوضعوا يديه فى الكلابشات تمهيداً للتوجه إلى مقر النيابة. قبل مغادرته يتذكر فريد ضابط الاستيفاء الذى كان، على حد قوله، فى غاية الاحترام والأدب إلى حد أنه اعتذر له بشدة عن أن الإجراءات تملى عليه استخدام القيود أثناء الترحيل. بل إنه عرض عليه إن كان يريد طعاماً أو سجائر.
حملته سيارة الترحيلات تلك المسافة القصيرة إلى مقر النيابة. حين وصل إلى هناك استبشر خيراً بوجود الأهل والأصدقاء والمحامين والمتعاطفين. لكنه عندما دخل إلى مكتب رئيس النيابة (س.) لاحظ أيضاً، وجود رئيس النيابة الكلية. لم يستمر هذا المشهد سوى حوالى 30 ثانية قال أثناءها محاميه لهما: ''متشكرين على قرار النيابة''.. أما القرار فهو: ''يُصرف السيد فريد حشيش من سراى النيابة بضمان محل إقامته''. هكذا. فقط. لا غير. لم يوجه إليه أى أحد أى سؤال ولا كلمة. خالص.
فى أثناء هذا الفيلم كله كان رئيس الوزراء، الدكتور عصام شرف، مشغولاً خارج البلاد فى جولة خليجية ولم تتسن له متابعة الموقف. لكنه فور عودته طلب منى نسخة من الحلقات الثلاث التى عالجت الموضوع. فعلنا ذلك. وفى هذه الأثناء اتصل بى العضو البارز فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة كى يزف لى الخبر بعد اتصاله قبل ذلك بالنائب العام، المستشار عبدالمجيد محمود، فقدمت له شكراً مستحقاً باسم أسرة فريد حشيش، وباسم الشرفاء فى هذا البلد.
لكن القصة لم تنته بعد. ستبدأ القصة الحقيقية فى النهاية عندما يستدعى السباعى أحمد السباعى إلى تحقيق جاد فيما نسب إليه من اتهامات ووقائع خطيرة، ليس فقط من جانب فريد حشيش، بل من أطراف يصعب حصرها سواء داخل المؤسسة التى يرأسها أو خارجها. لقد صار هذا الشخص الآن بما لا يدع مجالاً للشك مسؤولاً عن تشويه صورة مصلحة الطب الشرعى فى عيون الناس. وحين تتحدث عن مصلحة من هذا النوع فى علاقتها بالمواطن فإنك تتحدث عن علاقة لا تنبنى إلا على أساس الثقة العمياء. ومما لا شك فيه للأسف أن شرخاً غائراً أصاب هذه العلاقة.
هذا الشرخ الغائر فى هذا الظرف التاريخى الذى تمر به بلادنا يضيف عبئاً كبيراً على كاهل الحكومة المصرية، بل وعلى كاهل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقد انفجرت مواقع التواصل الاجتماعى على الإنترنت بغضب جام على ذلك الشخص، وخرج المئات إلى شوارع الإسكندرية للمطالبة بمحاكمته وقفز هو فجأة إلى مرتبة متقدمة لم يكن ليحلم بها على لائحة أولويات مطالب الثورة إلى حد أن كثيرين يطالبون بتنظيم تظاهرة مليونية خصيصاً له. هذا الشرخ الغائر فى هذا الظرف التاريخى الذى تمر به بلادنا كنا جميعاً فى غنى عنه.
لن تستقيم الأمور فى هذا الموضوع إلا بإعفاء السيد السباعى أحمد السباعى فوراً من مهام عمله إلى حين الانتهاء من التحقيق معه، ولن يكتمل الإصلاح إلا باستقلال مصلحة الطب الشرعى عن السلطة التنفيذية إدارياً ومالياً ومهنياً وعلى كل مستوى، حتى لا تتهم المصلحة مرة أخرى فى علاقتها بالمواطن بأنها خصم وحكم فى الوقت نفسه.
لم يكن ليصح بأى حال من الأحوال أن يبيت موظف شريف شجاع ليلته محبوساً. ولم يكن ليصح أن يسكت مواطن شريف عن مسألة كهذه. ولم يكن ليصح ألا يتحرك ولاة أمورنا إلا بإيعاز من ضمائرهم ومن نبض الشارع. لقد تحول المواطن فريد حشيش المغلوب على أمره إلى بطل بين ليلة وضحاها... شكراً للسباعى على ذلك. لكن الأهم من ذلك أنه فى هذه اللحظات بعينها يتحول أيضاً إلى معادل موضوعى لكل المصريين الشرفاء.
انطلاقاً من هذا، فإن الصفعة التى تلقاها فريد حشيش على وجهه فى محبسه صفعة على وجه كل مصرى شريف يسأل عنها أولاً السباعى أحمد السباعى. نحن نعلم أن الدكتور عصام شرف، الذى وصل إلى رئاسة مجلس الوزراء على أسنة الثورة محمولاً على أعناق الشرفاء، لا يرضيه أن يتلقى أحدهم صفعة على وجهه. أعد لنا حقنا وكرامتنا يا دكتور
يسري فودة - مصراوى
Sunday, May 01, 2011
بات يوم الجمعة من كل أسبوع يوماً مفصلياً فى التاريخ السياسى والاجتماعى المصرى، منذ قيام ثورة ٢٥ يناير وحتى وقتنا هذا، حيث انطلقت فى هذا اليوم المسميات الفارقة من «جمعة الغضب»، إلى «جمعة الإصرار»، إلى «جمعة الرحيل»، إلى «جمعة النصر»، وغيرها، لكن يوم الجمعة الماضى يمكن أن يأتى فى هذا السياق باسم «مشوق» جديد، وليكن «جمعة سرقة الثورة».
أمس الأول «الجمعة»، هيمنت الهتافات على الشارع كعادتها منذ اندلاع الثورة، لكنها اتخذت منحى مختلفاً اختلافاً جذرياً، حيث أمكن للقاهريين سماع هتافات من نوع: «إسلامية.. إسلامية»، و«أخواتنا أو الطوفان»، و«نحرى دون نقابى»، و«فى سبيل الله قمنا نبتغى رفع اللواء، فليعد للدين مجده أو تراق بيننا الدماء».
كان الهتاف الرئيس فى «جمعة سرقة الثورة» تلويحاً بإراقة الدماء بين المصريين فى سبيل «إعادة المجد إلى الدين»، ولا أعرف كيف يمكن أن يقتنع أى من أهالى شهداء الثورة بأن التضحية التى قدمها أبناؤهم لم تستطع أن تقود البلاد سوى إلى هذه النقطة، التى ينشب فيها الاقتتال الأهلى، على خلفية التصورات الذهنية للجماعات الدينية عن نفسها وعن شركائها الآخرين فى الوطن.
فى «جمعة سرقة الثورة» كانت قوات من الشرطة والجيش تطوق مسجد النور فى العباسية بوسط القاهرة، لكن هذا لم يمنع أعضاء فى جمعية «الهداية الإسلامية» السلفية من السيطرة على منبر المسجد، للجمعة الثانية على التوالى.
سيطرت الجمعية ذات الاتجاه السلفى على المنبر، ووضعت خطيباً تابعاً لها، فيما اكتفى الخطيب المعين من قبل وزارة الأوقاف بالصلاة فى أحد الصفوف «تفادياً للعراك».
فى أعقاب الصلاة، انطلقت الهتافات من المصلين، الذين أتوا من محافظات عدة بأعداد كبيرة، تهدر: «إسلامية.. إسلامية»، وطالب المصلون بإقالة نائب رئيس الوزراء الدكتور يحيى الجمل، لأنه «علمانى».
على مقربة من مسجد النور كان آلاف السلفيين يصلون صلاة العصر أمام الكاتدرائية المرقسية فى منطقة العباسية، فى محاولة للضغط على الكنيسة القبطية والبابا شنودة لـ«إطلاق المسلمات الأسيرات»، حيث رُفع فى هذه التظاهرة، التى اتخذت شكل الصلاة، الشعار: «أخواتنا أو الطوفان».
وفى الوقت ذاته، كانت هناك مسيرة ضمت مئات المتظاهرين، اتخذت طريقها من مسجد «الفتح» إلى مسجد «النور»، للمطالبة بإطلاق السيدة «كاميليا»، التى يُعتقد أن الكنيسة القبطية تحتجزها فى مكان غير معلوم لأنها تحولت إلى الإسلام.
لم يكن هذا كل شىء بالطبع، فقد تجمع آلاف السلفيين، ومئات المنتقبات أمام دار الإفتاء ومشيخة الأزهر، مطالبين بإقالة المفتى الدكتور على جمعة، لأنه أرسل فتوى إلى المحكمة الإدارية العليا، رأى فيها أن «النقاب عادة وليس عبادة»، وهو ما يترتب عليه إتاحة الفرصة للسلطات الإدارية للتحقق من شخصية المنتقبات لاعتبارات الأمن ونزاهة الامتحانات.
لم يقتصر الأمر على القاهرة فقط، لكنه امتد أيضاً إلى محافظات أخرى، حيث أطلق أهالى قنا على تلك الجمعة اسم «جمعة الكرامة والإرادة الشعبية». كانت «جمعة الكرامة» فى قنا أشبه ما تكون باحتفال مبطن، بعدما استطاعت التظاهرات والاعتصامات وأعمال قطع الطريق التى قام بها المتظاهرون هناك - إجبار الدولة على التراجع جزئياً عن قرارها تعيين محافظ جديد، وتجميد عمل المحافظ عماد ميخائيل لمدة ثلاثة أشهر. أعاد المتظاهرون التأكيد على مطالبهم أمس الأول؛ وأولها بالطبع: «تعيين محافظ مسلم».
لا يبدو أن كل تلك التحركات والتظاهرات ستمر من دون أن تستفز شيئاً ما لدى شريك الوطن الآخر، الذى بات من حقه أن يعتقد أن الثورة أغرت به «كارهيه وأعداءه»، حتى ولو كانوا من بنى وطنه، خصوصاً بعدما أقاموا صلاتهم أمام «الكاتدرائية»، وبعدما اضطرت قوات الأمن والجيش لتطويق مقار كنسية وتشديد الحراسة عليها، فى أعقاب تلقى تهديدات بتفجيرها واقتحامها، لـ«إطلاق الأسيرات، وبحثاً عن الأسلحة المخزنة داخلها».
لذلك لم يكن مستغرباً أن يرد فى أخبار «جمعة سرقة الثورة» إعلان عن تشكيل تنظيم «الإخوان الأقباط»، ودعوة للبدء فى اختيار «مرشد قبطى».
سياسياً، كانت جماعة «الإخوان المسلمين» تعقد اجتماع مجلس الشورى الخاص بها، لتقرر حجم مشاركتها فى الانتخابات البرلمانية، فيما نشرت وسائل الإعلام العديد من التصريحات نقلاً عن رموز من تيارات إسلامية مختلفة.
من بين ما نقلته وسائل الإعلام فى «جمعة سرقة الثورة» تصريحات أدلى بها الداعية الدكتور صفوت حجازى فى محاضرة ألقاها فى جامعة الزقازيق، حيث دعا أمام شباب الجامعة، وفق بعض وسائل الإعلام، إلى: «تكوين أحزاب دينية إسلامية وقبطية»، على أن يكون «صندوق الانتخاب هو الفيصل».
نامت الثورة الحقيقية أمس الأول الجمعة، وغرق أتوبيس فى بنى سويف، ونشبت مشاجرات بين مشجعى الأهلى والمصرى فى بورسعيد، وهيمن خفافيش ومتعصبون على المشهد، محاولين «سرقة الثورة»، وجرنا جميعاً إلى الظلام والفتن
ياسر عبدالعزيز - المصرى اليوم
سوريا تعتقل المئات وتقصف درعا لاخضاعها
عمان (رويترز) - اعتقلت قوات الامن السورية مئات من المناصرين لحركة المطالبة بالديمقراطية في مدن في شتى انحاء سوريا بعد السيطرة على مدينة درعا مهد الانتفاضة ضد حكم الرئيس بشار الاسد.
وقال شهود لرويترز بالتليفون ان قوات الامن التي تبحث عن الرجال فوق سن الاربعين اقتحمت منازل يوم الاحد في الحي القديم بدرعا التي قصفتها قوة تدعمها دبابات بقيادة ماهر شقيق الاسد من اجل اخضاعها يوم السبت.
واعتقل ايضا نشطون حقوقيون بارزون في مدن القامشلي والرقة بشرق سوريا وفي ضواحي دمشق الى جانب عشرات من السوريين العاديين النشطين في احتجاجات جماهيرية للمطالبة بالحريات السياسية وانهاء الفساد.
وتقول جماعات لحقوق الانسان ان السوريين يواصلون الاحتجاجات رغم الاعتقالات والقمع العنيف من قبل قوات الاسد والذي اسفر عن قتل 560 مدنيا على الاقل .
وفي مدينة حمص بوسط سوريا سار الالاف وهم يهتفون "يسقط النظام."
وفي بلدة الرستن الى الشمال شيعت جنازات 17 رجلا قتلوا عندما اطلق عملاء المخابرات العسكرية النار على احتجاج يوم الجمعة تليت خلاله اسماء 50 عضوا استقالوا من حزب البعث الحاكم.
وظهرت ايضا علامات السخط في الجيش الذي اغلبه من السنة ويسيطر عليه ضباط من الاقلية العلوية التي ينتمي اليها الاسد.
وحضر الفا كردي في قرية كرباوي قرب القامشلي جنازة المجند احمد فنار مصطفى البالغ من العمر 20 عاما والذي اتهم والده قوات الامن بقتله لرفضه المشاركة في القمع.
ورفض والد مصطفى السماح للمحافظ بحضور جنازة ابنه.
ونقل شاهد في الجنازة عن الاب قوله "يقتلون القتيل ويمشون في جنازته."
وفي درعا حيث بدأت الاحتجاجات في 18 مارس اذار قال شاهد ان شبانا في الحي القديم فروا الى قرى مجاورة الى الغرب بعد سحب 450 رجلا تحت سن الاربعين من منازلهم.
وقال الشاهد وهو تاجر غافل قوات الامن ودخل مدينة الرمثا الاردنية يوم الاحد ان السلطات تنظف درعا من دماء عشرات الشبان الذين قتلوا بنيران البنادق الالية.
وانطلقت قوات الامن بشاحنتين تحملان جثث 68 مدنيا قتلوا منذ ان ارسل الاسد دبابات الى درعا يوم الاثنين.
وقال محام كبير في درعا رفض كشف المزيد عن هويته "الرصاص هو ردهم على ثورة الشعب. قوات الامن التي جاءت الى درعا قالت لنا (اشتروا الخبز من مخبز الحرية. لنر ان كان هذا يغذيكم)."
ووسائل الاعلام الاجنبية ممنوعة من دخول سوريا.
من خالد يعقوب عويس
Friday, April 29, 2011
عن ضرورة الدولة العصرية
قلت لنفسى: هل نحن فى حاجة حقا إلى الانشغال بجدل من هذا النوع، خاصة ونحن لم نكد نخرج من ثورة عظيمة، ولم نكد نتخلص من عهد طويل سيئ مشرق، ونفتح صفحة جديدة تماما عسى أن نبدأ فيها بناء نهضة نعوض بها ما فاتنا، وما أضعناه من وقت ثمين؟
هذه أمة عظيمة مُنيت بحظ سيئ للغاية طوال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية (وقد يفضل البعض أن يقول «بل الخمسين أو الستين عاما الماضية»)، انقطعت خلالها عن مسايرة العالم، حتى كاد يصح عليها ما وصفه بها البعض بأنها «خرجت من التاريخ».
فتفوقت علينا أمم كانت أقل منا شأنا، وليس لها مثل تاريخنا وحضارتنا وتراثنا. تفوقت علينا فى الاقتصاد والقوة العسكرية والتعليم والإنتاج الثقافى، بينما خبنا نحن اقتصاديا وعسكريا وعلميا وثقافيا.
فنجحت تلك الدول فى أن تحقق لشعوبها مستوى معيشيا أفضل، وحظيت باحترام العالم من حولها، وتصدت بنجاح لمن أراد النيل من كرامتها وحقوقها، وساهمت فى تقدم العلم والتكنولوجيا.
بينما جلسنا نحن قانعين بما يلقيه إلينا العالم من فتات موائده، نستجدى الصدقات من هذا الجزء من العالم أو ذاك، ونستعطف دولا صغيرة، راجين ألا تحرمنا من مياه الشرب والرى، ولم يعد لنا حولا ولا قوة نقدم بها النجدة لأصدقائنا وأشقائنا، وننفق ما بقى لنا من مال أو ما نحصل عليه من صدقة على استيراد سلع الاستهلاك الترفى لكى تنعم قلة صغيرة جدا بالرفاهية التى هى أقرب إلى الانحلال الخلقى منها إلى الاستمتاع بالحياة.
يحدث لنا كل هذا ومازلنا نفاضل بين الدولة المدنية والدولة الدينية، دون أن يتطرق الحوار إلى قضية واقعية مهمة، بل يتطرق إلى قضايا من نوع ما إذا كان الاحتفال بشم النسيم حلالا أم حراما.
●●●
إننى أكتب هذا الكلام الآن لأننى ألاحظ تطورا فى حياتنا السياسية والاجتماعية ينحو هذا المنحى الخطير والضار جدا فى رأيى، وهو رفض التعامل مع العالم الحديث، بحجة أفضليتنا الثقافية والأخلاقية.
إننى لا أريد ولا أدعو للتنكر لثقافتنا أو خيانة هويتنا، وقد كتبت كثيرا من قبل فى الدفاع عن هذه الثقافة وهذه الهوية، وفى رفض ترتيب الثقافات بعضها فوق بعضها، ورفض اعتبار الثقافة الغربية أفضل من ثقافتنا العربية والإسلامية أو أى ثقافة أخرى لمجرد تفوقها التكنولوجى.
فالتكنولوجيا الحديثة هى جانب واحد من جوانب الحياة، مهمة حقا ولكنها لا تلغى أهمية نوع العلاقات الاجتماعية والقيم الإنسانية.
ومع ذلك فإننى أعترض بشدة على أن تقتصر مهمتنا على الصراخ بأن ثقافتنا أفضل، دون أن نحاول أن ننتج شيئا يستوحى هذه الثقافة، وأن نكتفى بإعلان أن قيمنا أفضل من قيمهم ثم نستمر فى استيراد واستهلاك السلع والخدمات التى ينتجونها هم، والمشحونة بهذه القيم التى نعلن رفضنا لها.
كذلك علينا أن نكف عن التصرف والكلام وكأن من الممكن أن نعيش بمعزل عنهم.
إن علاج مشاكلنا لا يكون بإغلاق الأبواب والانعزال عن العالم، وإنما بالأخذ بكل أساليب القوة والتكنولوجيا الحديثة، رغم كل عيوبها، هى من أهم أساليب اكتساب القوة. وتعلم العلم الحديث هو أيضا من الشروط الأساسية لاكتساب هذه القوة.
والتظاهر بأننا نستطيع أن نفرض إرادتنا عليهم ونحن بهذه الدرجة من الضعف اقتصاديا وسياسيا، هذا التظاهر ليس إلا نوعا من الانتحار.
وأنا لا أجد موجبا بعد للاقدام على الانتحار،
بل مازال لدينا أمل رغم كل ما أصابنا من تدهور.
نحن لا نريد أن نكون مقلدين أغبياء «للحداثة»، ولكننا نريد أن نشب عن الطوق، ولا نعيد ونزيد فى الجدل عما يصح وما لا يصح فى أمور عفى عليها الزمن. نحن لا نريد أن نكون مثل الشاب الأهوج الذى ينفق أمواله فى تقليد أقرانه فى كل ما يبددون أموالهم فيه مهما كان غبيا وسخيفا، ولكننا لا يمكن أيضا أن نظل خائفين من مخاطر التقدم فى العمر فنظل متشبثين بما تعودنا عليه فى الطفولة والصبا.
لا مفر لنا من ولوج العصر الذى نعيش فيه بكل مخاطره، لأنه أيضا حافل بكل ما تعد به الحياة من طيبات ومسرات. ولا أمل فى الحصول على طيبات الحياة إلا ببعض المخاطر. بل إن الظن بأن التشبث بالماضى هو أفضل طريق للحفاظ على الهوية وتميز الشخصية، هو ظن خاطئ فى رأيى، لأن الإثبات الحقيقى للهوية وتميز الشخصية ليس باجترار الماضى وإعادة تكراره بلا نهاية، بل بالقدرة على مواجهة الجديد وعلى الإبداع فى مواجهة التحديات.
نعم، فى العالم الحديث أشياء كثيرة كريهة: النهم الاستهلاكى، المادية المفرطة، الإباحية الجنسية، استغلال الجنس فى الدعاية التجارية، تفكك العائلة والافراط فى الفردية، الخداع المستمر فى الدعاية التجارية السياسية.. إلخ. كل هذا سيئ، ولكن لا مفر لنا مع ذلك من التعامل مع هذا العالم الحديث. وإذا لم يكن لنا مفر من التعامل مع هذا العالم فلا جدوى من التظاهر بعكس ذلك.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن فى ثقافتنا أشياء كثيرة أفضل من ثقافتهم، ولدينا من القيم الكثير مما هو أفضل أخلاقيا من قيمهم، ولكن يجب أن نعترف أيضا أن العكس كذلك صحيح، أى أن فى ثقافتهم أشياء أفضل مما يقابلها عندنا، وبعض قيمهم أفضل مما يقابلها فى قيمنا، وعلى أى حال فالمجال ليس مجال التفاخر والتباهى، بل الموضوع هو كيف تستطيع المحافظة على ما هو أفضل لديك، واقتباس ما هو أفضل عندهم، مع استمرار تعاملك معهم، إذ ليس أمامك فى الحقيقة أى اختيار آخر.
لابد أن ينصرف جهدنا إذن إلى كيفية بناء «المجتمع العصرى» أى مجتمع يعرف كيف يتعامل مع العالم الحديث، ويبنى خلال ذلك قوته حتى يصبح ندا للمجتمعات الأخرى التى سبقتنا، وتصبح له القدرة على أن يفعل ما يتفق مع قيمه وتقاليده، وليس فقط القدرة على التغنى بهذه القيم والتقاليد.
●●●
عندما وقعت الهزيمة العسكرية المشئومة فى 1967، تعددت ردود الفعل من المفكرين العرب فى محاولة تفسير ما حدث، والنصح بما يجب عمله للخروج من المأزق الذى وضعتنا فيه الهزيمة.
وكان من أفضل ما كتب فى هذا الصدد، سلسلة مقالات كتبها الأستاذ أحمد بهاء الدين، لخص فيها الأمر كله بفشلنا فى إقامة «الدولة العصرية». وكان يقصد بذلك بناء دولة تستطيع التعامل ندا بند مع العالم الحديث، بدلا من أن تظل فى موقف التابع الذليل، وما يتطلبه ذلك من بناء المؤسسات الديمقراطية الحديثة، والاعتراف بحرية التعبير وسائر حقوق الإنسان، وإرساء الأسس فى مؤسساتنا التعليمية والثقافية اللازمة لتقدم العلم وممارسة التفكير العلمى، وتحقيق التقدم الاقتصادى اللازم لكل ذلك، ولبناء قوة عسكرية قادرة على التصدى لمخططات المعادين لنا.
ولكن ها قد مر أكثر من أربعين عاما على هذه الهزيمة وهذا التنبيه، فإذا بحالنا الآن، فى كل هذه الأمور، أسوأ مما كان، واسوأ مما كنا عليه منذ مائة عام، عندما كتب الشيخ محمد عبده كلاما له نفس المعنى، ومنبها إلى أن العقيدة الإسلامية الصحيحة لا تتعارض مع كل هذا بل تتطلبه وتدعو إليه.
أخذت بعض الدول الإسلامية بعد طول تردد، مثل ماليزيا وتركيا، بنصيحة محمد عبده وأحمد بهاء الدين، ولم نأخذ بها نحن، بل فضلنا أن نصرف جهدنا إلى فرض النقاب على النساء، ظنا منا أن مراعاة الفضيلة تتطلب الاختفاء من الوجود، وإلى تركيب ميكروفونات على المساجد، ظنا منا أن الإسلام يزداد رفعة كلما زاد ارتفاع صوت المؤذن، وإلى الترويج لتفسيرات تنسب نفسها إلى الدين، وتزعم أن نظريات نيوتن وأينشتاين مذكورة فى الكتب المقدسة، واعتدينا على الأقباط وهم خارجون من كنائسهم فى أيام عيدهم، وكأن السماح لهم بالاحتفال بأعيادهم ينطوى على اعتداء على حقوقنا كمسلمين، ثم هتف البعض ضد محافظ جديد ملخصا اعتراضه عليه بأنه غير مسلم، وتفتقت أذهان آخرين عن القول بأن من بين أسباب ضعفنا الاحتفال بشم النسيم..إلخ
إننى أظن أننى أعرف السبب فى هذا التقهقر وهذا الفشل، فقد سلمنا مقاليدنا لرؤساء فعلوا كل شىء ومن شأنه إحداث هذا التقهقر، بعضهم عن وعى تام بما يفعلونه، وبعضهم عن غباء تام، وكلهم مدفوعون بقوى خارجية من ناحية وبنهم لا يمكن إشباعه لتكديس الأموال.
الآن تخلصنا من هؤلاء الرؤساء، فماذا نحن فاعلون؟ هل نعود إلى ما كنا عليه، فنسلم أمورنا إلى نفس النوع من الرؤساء الذين يعملون، بوعى أو بغير وعى، لتكريس نفس الفشل والتقهقر؟