Showing posts with label رؤية. Show all posts
Showing posts with label رؤية. Show all posts

Monday, May 09, 2011

«مجتمع جديد أو الكارثة»

هذا عنوان كتاب لأستاذنا الدكتور زكى نجيب محمود، فارس العقل العربى، وأستاذ الفلسفة فى جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات العربية والأجنبية على مدى سنين طويلة، وصاحب المؤلفات العميقة التى كانت دائماً تبشر بالعقلانية والاستنارة وفلسفة العلم. وفى هذه الأيام وجدت نفسى أستعيد عنوان كتاب أستاذنا «مجتمع جديد أو الكارثة»، وأمد يدى إليه وأتصفحه لست أدرى كم مرة.

لقد تحقق فى الشهور الأخيرة منذ ٢٥ يناير الماضى لمصر ما لم يتحقق من قبل طوال سنوات، وإن كان قد جاء نتيجة كفاح سنوات طوال.

لقد استطاعت ثورة شباب ٢٥ يناير أن تُسقط نظام الحكم الفاسد الذى كان قائماً، واستطاعت أن تضع كثيراً من رموزه وراء القضبان، لكن الذى يرصد المشهد السياسى فى مصر بعمق يحس بأن هناك قوى مضادة للثورة تريد أن تنقضَّ عليها وتطفئ نورها، وتأتى مكان هذا النور الذى أبهرنا جميعاً بسحابات من الجهالة والظلام.

وليس أمامنا جميعاً، نحن الذين عملنا من أجل هذه الثورة سنوات طوالاً وليس أمام الشباب الطاهر الذى فجّر هذه الثورة وحقق أولى ثمراتها بإسقاط النظام السابق ووضع الوطن على أعتاب مرحلة جديدة مليئة بالتحديات- إلا أن نتنبه جيداً، وأن نتحاور جيداً، وأن نلتقى كثيراً، لكى نحمى ثورتنا، ولكى نحقق ما بقى من أهدافها، وهو كثير، لعل أهمه إقامة مجتمع جديد، ذلك أننا إذا لم نُقم ونُشّيد بناء هذا المجتمع الجديد الذى ننشده فإن البديل هو الكارثة والعياذ بالله.

ما هو المجتمع الجديد الذى نريد أن نبنيه؟

وكيف نبنيه؟

هذان هما السؤالان المحوريان!

المجتمع الجديد الذى نريد أن نبنيه هو مجتمع يشارك فى بنائه كل أبنائه، ويجنى ثماره كل أبنائه. وعندما أقول يشارك فيه كل أبنائه أقصد أن يشاركوا جميعاً فى بناء كل أركان المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية، وأن يتشاركوا جميعاً فى نتائج هذا البناء السياسى والاجتماعى والثقافى.

المجتمع الجديد هو مجتمع الدولة المدنية الديمقراطية التى لا تفرق بين مواطن ومواطن إلا بقدر عطائه لبلده وإسهامه فى بنائه من كل جوانبه.. وهكذا يتحقق معنى العدل.

وهذا المجتمع الجديد بما أنه مجتمع ديمقراطى فإنه مجتمع يؤمن بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية كما عرفها وأقرّها العالم المتحضر فى مواثيق حقوق الإنسان، وكما دافع عنها كل المؤمنين بهذه الحقوق المناضلين من أجل تمكينها فى البنيان الاجتماعى، ولن تُحمى هذه الحقوق إلا فى ظل سيادة حقيقية للقانون، بحيث يكون القانون فوق الإرادات جميعاً، وفى ظل نوع من التوازن بين السلطات واستقلال كامل للقضاء، وتداول للسلطة لا يعرف شخصنة الدولة فى فرد- كما كان الحال- وإنما يعرف دولة المؤسسات الحقيقية لا مجرد التشدق بالألفاظ بغير فعل حقيقى من أجل إقامة مؤسسات فاعلة تستند إلى القانون وتعمل فى ظله، وهذا هو ما يقال له «مبدأ المشروعية»، أحد المبادئ الأساسية فى الدولة الحديثة.

وإذا كانت هذه هى ملامح المجتمع الجديد الذى نريد أن نبنيه فى مصر الحبيبة فكيف نبنى هذا المجتمع؟ وما وسائلنا لتحقيق هذه الغاية؟

أهم الوسائل وأسبقها وأفعلها هى العقل الناقد المبدع المستنير، ومن هنا نستطيع أن نقول إن الجانب الحضارى الثقافى الذى يكوّن العقل الحر هو الجانب الأساسى فى بناء المجتمع الجديد، وهنا أستأذن القارئ فى نقل بعض عبارات من كتاب أستاذنا زكى نجيب محمود الذى أشرت إليه فى بداية المقال: «إن نهضتنا الحديثة كلها قد بدأت عندما دعا الداعون إلى يقظة العقل لترتبط النتائج بأسبابها الصحيحة.

وكان أبرز هؤلاء الداعين إلى حكم العقل هو إمامنا الشيخ محمد عبده» إن عبقرية الإنسان هى فى مواجهته الحياة بالجديد المبتكر، «إننا نريدها ثورة فكرية تلوى أعناقنا لتشد أبصارنا إلى المستقبل بعد أن كانت مشدودة إلى الماضى...».

هذا بعض ما كتبه أستاذنا فى كتابه «مجتمع جديد أو الكارثة».

والعقل المبدع الناقد المستنير هو الذى يحرك الشعوب نحو المستقبل، وهو الذى يبنى ويقيم صروح البحث العلمى، ويجعل حياة الشعوب تستهدى بالعلم وبالمنهج العلمى ولا تعيش أسيرة الخرافة والأساطير.

ونظرة واحدة إلى المتقدمين من ناحية والمتخلفين من ناحية أخرى ستضع يدنا على هذه الحقيقة بغير خلاف.

الأساس هو بناء المنهج العلمى، ولا يبنى المنهج العلمى إلا العقل الناقد المبدع المستنير.

إن الشباب الذى فجر ثورة الخامس والعشرين من يناير مدعو إلى أن يدعو إلى تفجير ثورة ثقافية علمية تنقل المجتمع نقلة جوهرية إلى الأمام.

والعقل المستنير الحر يرفض بداءة كل صور الاستبداد، سواء كان الاستبداد السياسى أو الفكرى أو الاقتصادى، فكلها صورة من صور الاستبداد الذى يقيد العقل ويحبسه وراء قضبان التخلف وأسوار الظلام.

والاستبداد السياسى تعبر عنه الدولة البوليسية الشمولية التى تغيب فيها سيادة القانون وحقوق الإنسان، والاستبداد الفكرى هو الذى يشيع فيه الفكر المتخلف الذى يشبه نوعاً من الإرهاب الفكرى ضد العقول المستنيرة، والاستبداد الاقتصادى هو المناقض لفكرة العدل الاجتماعى وحقوق الناس فى أن يجنوا ثمار ما قدمت أيديهم.

كذلك فإن إحدى الوسائل الأساسية لاستكمال البناء الذى هدفت الثورة إلى تحقيقه هى أن يكون شباب الثورة كالبنيان المرصوص وألا يتفرقوا شيعاً وأحزاباً، كونوا حزباً واحداً أو حزبين على الأكثر ولا تظلوا هكذا مُبعثَرين.

وأريد أن أؤكد أيضاً أن القيم الروحية التى جاءت وبشرت بها الأديان السماوية جميعاً هى لُحمة المجتمع وسداه.

وبعد هذا كله أقول: نعم، بالعقل الناقد المستنير نستطيع أن نبنى مجتمعاً جديداً فإن لم نفعل فسنبدد كفاحنا وثورتنا ونستعد للكارثة والعياذ بالله

د. يحيى الجمل - المصرى اليوم

الحب والقسوة فى زمن التحول الديمقراطى


كما تعلم فى المجتمعات ومؤسساتها وحياتها العامة، تترك لحظات التغيير السياسى والاجتماعى الكبرى الكثير من البصمات فى البشر. فمصر اليوم ليست فقط مجلس أعلى للقوات المسلحة وقوى وطنية وجبهات شبابية وتيارات دينية وانتخابات قادمة ودستور جديد، بل قبل كل هذا أهلها من المواطنات والمواطنين الموزعين على قطاعات عمرية وفئوية واقتصادية مختلفة والمتأثرين إيجابا وسلبا بالتغيير.

كثيرا ما أفكر فى تقلبات الحياة الشخصية والمهنية التى فرضتها وتفرضها لحظات التغيير على البعض منا. ممارسو العمل العام والسياسى من خارج دائرة النظام القديم، خاصة القادمون الجدد بينهم، يمرون بتجربة جدية تعطيهم بها قطاعات واسعة من المجتمع اهتماما غير مسبوق بقضاياهم وفى بعض الحالات إعجابا جارفا دون اختبار صدق ودون شروط. ومن منا لم تفاجئه محاضرات ونقاشات عامة حول الديمقراطية والدستور والانتخابات اجتذبت الآلاف من المواطنين، ومن من ممارسى العمل العام والسياسى المعروفين، لم يتأثر بتعبير عن تقدير أو سؤال أو عتاب وجه إليه فى محفل أو مساحة عامة؟
التحدى أمام هؤلاء، وهم بين راهب للتجربة ومتفاؤل بحب الناس ومقدر لعظم المسئولية، هو أن يبقوا بأقدامهم على الأرض ويستثمروا قربهم من المواطنين فى صياغة رؤى وأفكار سياسية أكثر التصاقا بهموم الناس وأحلامهم. فما السياسة وممارستها إلا سعيا منظما لتحديد الصالح العام للوطن وأحلام المواطنين وعملا على ترجمتهم فى تشريعات وقرارات وإجراءات. والخطر كل الخطر هو أن يستنكف ممارسو العمل العام والسياسى القرب هذا أو أن يقرر بعضهم فى لحظة ما أن الأعباء (كسيرك الشائعات الذى يلاحق الجميع أو الضغط الزمنى الناجم عن صعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والعمل العام) أكبر من قدرتهم على الاحتمال ومن ثم يشرعون فى الابتعاد التدريجى عن المواطنين وعن التواصل الحقيقى مع الرأى العام.

إن كان يمكن تصنيف متلقى حب وإعجاب المواطنين من ممارسى العمل العام والسياسى على أنهم من الفائزين بعد ثورة 25 يناير العظيمة، فإن لحظات التغيير الكبرى عادة ما تسقط أيضا الكثير من الضحايا. والأمر لا يتعلق فقط بالرئيس السابق وأسرته ورموز نظامه من المساءلين اليوم أمام القضاء المصرى، بل بقطاع كبير من المواطنين الذين ارتبطت مشاريعهم الشخصية والمهنية بالنظام السابق ودوائر نفوذه وفساده.

كبار ضباط جهاز أمن الدولة السابق، رؤساء مجالس إدارة وتحرير الصحف الحكومية السابقين ونظرائهم فى الإعلام المرئى الحكومى، بعض رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، كل هؤلاء وغيرهم يواجهون بعد الثورة ظروفا شخصية ومهنية لا تخلو من قسوة. لست على الإطلاق بمتعاطف مع منتهكى حقوق الإنسان أو الفاسدين الذين روجوا للاستبداد والتوريث، ولست بمعترض على استبعادهم من الحياة العامة ومساءلتهم بالقانون عن خطاياهم. على الرغم من ذلك، أدرك مدى القسوة النفسية للسقوط والاستبعاد وأشفق على أسر هؤلاء ومحيطهم الإنسانى من تقلبات الأيام ورفض المجتمع لهم. وقد عبر الرائع الأستاذ نجيب محفوظ فى روايته السمان والخريف عن قسوة التقلبات هذه بدقة وإنسانية مبهرة.

بعيدا عن الفوارق بين المتمتعين اليوم بالإعجاب العام والساقطين ممن ارتبطت مشاريعهم الشخصية والمهنية بالنظام السابق، تبقى حقيقة أن لحظات التغيير الكبرى التى تمر بها المجتمعات تفجر بين البشر طاقات مشاعرية وعاطفية استثنائية تطال المساحتين الخاصة والعامة. فالحب فى الثورة هو حب رومانسى جارف، وكذلك القسوة والكراهية والإحباط. فالمشاعر مستثارة إلى حدودها القصوى، والأعمال الأدبية عن الثورات تحدثنا عن طوفان عواطف يجتاح البشر فى مثل هذه اللحظات.

والشعور بحب الوطن والالتزام بقضاياه يأخذ فى لحظات التغيير أشكالا ومضامينا غير مسبوقة. كأن يكنس المصريون ميدان التحرير ويجملوه بعد تنحى الرئيس السابق. وكأن تشعر اليوم وأنت تتحرك على امتداد البلاد بأن مصر تحولت إلى مسرح مفتوح تمارس به الديمقراطية المباشرة من شدة إقبال المواطنين على النقاش ورغبتهم فى الإسهام فى التحول الديمقراطى

بقلم:عمرو حمزاوي - الشروق

Sunday, May 01, 2011

الثورة من السياسة إلى الفكر


ثورتنا حتى الآن سياسية (أى ضد الساسة الذين كانوا يحكموننا)، ولكنها ليست ثورة فكرية بعد، لم نزل نفكر فى أغلبنا بنفس الطريقة القديمة.

أغلب المصريين يعيشون معضلة «المأزق المفتعل» (false dilemma) وهى تقوم على افتراض أن أى سؤال له إجابة واحدة صحيحة وإجابة واحدة خطأ، وبما أن الكثير من الأمور الفكرية والثقافية والدينية تتأبى على هذا الافتراض، فإن الإنسان صاحب هذا المأزق المفتعل يفترض أنه هو مركز الإجابة الصحيحة، وكل من هم عن يمينه مخطئون وكل من عن يساره مخطئون.

ولى خبرة مباشرة تؤكد أننا مصابون (بدرجة ما) بهذا المرض، فقد وصفنى البعض بحدة بأننى إخوان (أو على الأقل خرجت من عباءتهم). وقد وصفنى آخرون بأننى علمانى متغرب (أو على الأقل مهزوم نفسيا تجاه الغرب)، وظننت فى لحظة أن الخطأ من عندى، لأننى أقول كلاما يمكن أن يفسر على أكثر من وجه، ولكن هل من الممكن أن أصل إلى أن أكون الشىء ونقيضه ثم نقيض النقيض فى الاتجاه المعاكس؟

ولكن إذا عدنا إلى ما كتبه جون ستيورت ميل عن المنطق وطرائق الاستدلال لفهمنا بعضا من هذه المعضلة. فالعقل البشرى يستريح لتسكين الناس فى أقل عدد ممكن من الخانات المعروفة سلفا ويقاوم بشكل فطرى محاولة ابتكار خانات جديدة، وهى وفقا لتعبيره «عقلية الطفل» الذى ينظر للناس إما كأصدقاء يبتسم لهم أو أعداء يبكى حين يراهم، ويذهب جون ستيورت ميل للاعتقاد بأن جميع مناهج المعرفة الإنسانية المنظمة (العلم والفلسفة تحديدا) كانت تهدف لأن تضيف للخانتين الأولى والثانية الخانات الثالثة والرابعة... إلخ، ومن هنا كان يرى أن هناك فروعا من العلم لابد أن يدرسها كل الطلاب فى كل التخصصات، وعلى رأسها «المنطق» لأنه يساعدنا على حسن الاستنتاج، بغض النظر عن نوعية المعلومات التى نمتلكها أو كما يقول الجرجانى: المنطق هو العاصم من الخطأ فى التفكير.

نحن بحاجة للثورة فى منهج التفكير الخلاق، فمشاكل المجتمعات المعاصرة ليست بسيطة أو فطرية، وإنما هى شديدة التعقيد بما يتطلب تفكيرا جدليا مركبا يأخذ فى الاعتبار أسئلة من قبيل: من نحن؟ وماذا نملك ولا يملكه غيرنا؟ وما الذى يملكه غيرنا ولا نملكه؟ وما هى تكلفة الفرصة البديلة إن تبنينا ما يملكه غيرنا؟ هل يمكن الجمع بينهما؟ مثلا هل يمكن أن نحترم ادعاء الحكم بشرع الله دون احترام شرعية الشعب بما قد يفضى إليه هذا من دولة ثيوقراطية؟ هل يمكن أن نحترم شرعية الناس دونما اعتبار لشرع الله بما قد يفضى إلى دولة علمانية؟ هل من الممكن الجمع بينهما كى نقدم نموذجا يحترم ثوابت الشرع ويلبى شرعية الشعب؟، أعتقد أن البديل الأخير هو الأقرب إلى الشرع الشريف ومن الصالح العام.

وكى نفكر سويا، فلابد من التدرب على الاختلاف فى الرأى، ولنتخيل سويا هرما له قاعدة وله رأس وبينهما أدوار من البدائل المتاحة لنا.
●●●

فأولا فى قاع الهرم هناك ما يمكن تسميته «سب الشخص» (name-calling) وهو أدنى مراتب الاختلاف ومع الأسف الأكثر شيوعا. وفيه تنطق بعض الألسنة بما فى النفوس فتهوى بأصحابها.

الطابق الأعلى مباشرة فى هرم الاختلاف هو «مهاجمة الشخص» (ad hominem) ليس بالسب ولكن بتوجيه انتقادات ليس لها علاقة بجوهر الفكرة المطروحة، فننشغل بالأشخاص والأشياء أكثر من مضمون ما يقدمونه من أفكار وتحليل للأحداث، فيُتهم كاتب ما بأنه من «من محاسيب إيران» لأنه يوضح أن إيران نجحت فيما أخفقت فيه مصر سابقا من تحقيق معدلات أداء اقتصادى وعسكرى وتكنولوجى، ومع ذلك من الممكن أن يكون انتقاد الكاتب مبررا إذا كان مبنيا على أسباب (حتى لو اختلفنا معها)، كانتقاد من يدافع عن حزب أو جماعة بانتقائية شديدة للمعلومات أو بتزييفها، ولكن هنا لا نقول إن هذا الأسلوب هو «مهاجمة للشخص» وإنما هو انتقاد لمصداقيته أو منهجه بأدلة مرتبطة بالقضية موضع النقاش.

الطابق الثالث فى هرم الاختلاف هو «مناقشة التوجه العام» (responding to tone) وهو أقل النقاشات الجادة سوءا، إذن نحن بدأنا نناقش نقاشا علميا ولكن فى أدنى مستوياته لأننا بدأنا نناقش الموضوع وليس كاتب الموضوع، وهنا يكون الانتقاد موجها للتوجه العام للموضوع دون تحديد أين مواضع الخلل فيها بشكل مباشر، فكأنك ترسم دائرة كبيرة على مقال وتقول هذا مقال:

«متأسلم» أو «تجارة بالدين» أو أن المقال من «أوهام العلمانيين المتغربين». هذا توجه عام يمكن أن يكون مرفوضا عند شخص ما، لكن ما الفائدة التى عادت على القارئ أو المستمع ما لم يقدم الرافض أسبابا واضحة للرفض بحيث تكون قابلة للنقاش؟

الطابق الرابع فى هرم الاختلاف هو «المعارضة» (opposition) وهنا نكون بدأنا فى النقاش الجاد فعلا، فيقدم الكاتب ما يفيد اعتراضه على ما يقرأ أو يسمع مع بعض الأدلة هنا أو هناك بما يثبت وجهة نظره، وقد تكون المعارضة للفكرة المركزية (central point) أو لقضية هامشية أو استشهاد يراه المعترض فى غير محله لكن مع الموافقة على الفكرة المركزية.

الطابق الخامس فى هرم الاختلاف يتمثل فى تقديم طرح بديل (counterargument)، وبالتالى هو اعتراض واضح على المقولة المركزية ومعها أسباب الرفض ثم طرح فكرة مغايرة تماما للفكرة الأصلية.

والطابق السادس والأخير أن يكون كل ما نكتبه إما عليه دليل أو على الأقل يمكن إثباته (provable) أو يمكن دحضه (falsifiable) بالرجوع إلى مصادر معلومات وأفكار أو خبرات دول أو أشخاص آخرين حتى يمكن القياس عليها والاستفادة منها.
●●●

هل تعلمون أن كل مجتمع بشرى احتاج قرونا كى ينتقل معظم أفراده من طابق لآخر؟، ولنأخذ مثالا بالعقل الأوروبى حيث بذل فلاسفة اليونان جهدا هائلا لإثبات فكرة الذات العاقلة فى مواجهة الأساطير الموروثة وحكم الكهنة، واحتاج العقل الغربى قرونا كى ينتقل من الذات الاستنباطية (سانت أوجستين) إلى الاستقرائية (بيكون)، ثم إلى الذات المفكرة والمتشككة (ديكارت)، والتى لها حقوق غير قابلة للمساومة والانتقاص (كانط).

أزعم أن الكثير من حواراتنا، بالذات التى يكون الدين طرفا فيها، تتحول تلقائيا إلى منطق «الذات الاستنباطية» التى يصبح فيها الشخص وما قرأ أو سمع (مهما كان قليلا) هو المرجعية ومن يخالفه «لا يعترف به». شاب فى العشرينات من عمره قال لى «إنه لا يعترف بالشيخ القرضاوى» فسألته عمن يعترف به إذن قال لى: «العلماء الثقات مثل ابن باز وابن عثيمين وآخرين». قلت له سبحان الله: إن هؤلاء وصفوا الشيخ القرضاوى بأنه «علامة» وهو وصفهم بأنهم من «أعلام الاجتهاد» وصدق قول القائل: «من وسع علمه قل إنكاره» و«لا إنكار فى مختلف فيه». ولكن فهم هاتين القاعدتين أصلا يحتاج ثورة فكرية.

بقلم:معتز بالله عبد الفتاح - الشروق


Thursday, April 21, 2011

الثورة وتيار الاستقرار

ظلت كلمة الاستقرار سيئة السمعة لأنها بقيت الأكثر ترددا طوال عهد مبارك، وارتبطت فى أذهان الناس بالجمود والتكلس وانعدام الخيال، فمبارك لم يدافع فى أى لحظة عن الاستقرار الحقيقى الذى هو غاية أى مجتمع، إنما عن تسكين الأوضاع وترحيل المشاكل حتى بات الله فى عون من يتسلم قيادة البلد بعده.

وقد ظل المعنى الحقيقى لكلمة الاستقرار مخالفا للمعنى «المباركى»، لأنه ببساطة يعنى استقرار البلد اقتصاديا وسياسيا كخطوة نحو نهضتها. صحيح أن كثيراً من المدافعين عن هذا الاستقرار لم نرهم فى ميدان التحرير، ولكن معظمهم كان مع ميدان التحرير، وأبدى تعاطفاً مؤكداً مع الثورة حتى لو ظل فى بيته يشاهد ما يجرى فى شوارع مصر وساحاتها دون أن يذهب إليها.

إن الاكتشاف الأول لتيار الاستقرار كان ربما فى الاستفتاء الأخير، حين اكتشف المصريون أن هناك مصر أخرى غير التى شاركت فى الثورة وقدرت بحوالى ١٢ مليون ثائر، حين عرفنا أن عدد من لهم حق التصويت بلغ حوالى ٤٤ مليون مواطن، وأن كثيراً من هؤلاء صوتوا بـ«نعم»، وكثيراً منهم يعيش فى الصعيد وقرى بحرى التى لم تشارك فى الثورة (حتى لو أيدوها)، وبعضهم نزل الشارع فى الجمعة الأخيرة أى يوم ١١ فبراير.

إن الفارق بين الرقم الأول الذى نزل التحرير، والثانى الذى له حق التصويت يزيد على ٣٠ مليون مواطن، وهؤلاء مصريون عاديون وقفت طموحات كثير منهم عند تحسين ظروف العمل والبحث عن لقمة عيش كريمة، و«الثائر» منهم عمل على تغيير مديره فى العمل لا إسقاط النظام.

وقد اتهم البعض هؤلاء بالخنوع، وتناسوا أن فى تجارب التغيير فى العالم كله كانوا هم الأغلبية الصامتة التى شاهدت تجارب الثورات وهى تصفق لها، بل إن تجارب التغيير فى أوروبا الشرقية لم تكن عن طريق الثورات، إنما من خلال ترتيبات أعدت فى الخارج والداخل لعالم ما بعد الحرب الباردة، وكانت الجماهير «ضيف الشرف» على عكس الحالة المصرية التى لعب فيها الناس الدور شبه الوحيد فى صناعة ثورة ٢٥ يناير.

والحقيقة أن تيار الاستقرار فى مصر، لم ينتم لثقافة التظاهر، فبعضه ضحية ٣٠% أمية، وبعضه الآخر وفىّ للثقافة التقليدية السائدة فى الريف المصرى، وبعضه الثالث محافظ بطبعه لا يميل للتغيير الثورى إنما يرغب فى الإصلاح المتدرج كما جرى فى كثير من دول العالم.

والحقيقة أن معظم هؤلاء تعاطفوا مع الثورة أو على الأقل لم يقفوا ضدها، وخير دليل على ذلك أن أنصار الاستقرار «بالمعنى المباركى»، لم يتجاوزا بضعة آلاف أمام مسجد مصطفى محمود، فى حين أن أنصار الاستقرار بالمعنى الحقيقى للكلمة ظلوا مؤيدين الثورة ولو من بعيد، وعادوا الآن وطرحوا تساؤلات ومخاوف لم ترفض الثورة، ولكن تبدى كثيراً من القلق على الأوضاع الحالية وحالة الفوضى وفراغ السلطة التى تعانى منها البلاد.

والمؤكد أن تيار الاستقرار ليس تياراً ساكناً إنما هو تيار متحرك، فمعظمه كان مع الثورة طوال الفترة الأولى دون تحفظات ومنعته سلبيته أو ثقافته التقليدية عن المشاركة فيها، أما الآن فقد تحرك هذا التيار نحو المطالب الفئوية تارة، أو إبداء عدم الراحة من تحول شباب فى عمر أبنائه إلى نجوم تارة أخرى.

والحقيقة أن قوى الاستقرار الممتدة فى الريف والمدن الصغيرة تمتلك أحلاماً بسيطة، وترغب فى حياة كريمة وعدالة اجتماعية ولكنها مازالت بنت الثقافة التقليدية التى لم تعتد على الثورة والضغط السياسى، وتوقفت احتجاجاتها عند المطالب الفئوية.

وقد بدأ تيار الاستقرار يطرح تساؤلات عديدة عن أسباب عدم تحسن أحواله المعيشية رغم نجاح الثورة، أو شكواه من غياب الأمن وتزايد معدلات الفوضى، وإحساسه العميق بالأثر السلبى لفراغ السلطة.

ففى الوقت الذى يتحرك فيه الكثيرون من أجل تقليص صلاحيات أى رئيس أو مسؤول، تخوفا من رؤية مبارك آخر.. يتوازى مع هذا الخط تماما من يرغب فى عودة هيبة الدولة مرة أخرى وانتخاب رئيس جمهورية قوى لا فرعون، وإعادة بناء أجهزة الأمن على أسس جديدة لتكون قادرة على مواجهة الخارجين على القانون والبلطجية وليس النشطاء والسياسيين كما جرى فى العهد السابق.

ومن المؤكد أن تيار الاستقرار والثورة يمكن أن يتلاقيا، إذا قدم شباب الثورة مشاريع للبناء، (وهو ما يحدث إلى حد كبير) بالتوازى مع ضغوط محاسبة وتفكيك أركان النظام القديم، وأن يترسخ إحساس لدى المواطن العادى بأن الثورة هى - بالأساس - مشروع لبناء نظام جديد، وليس فقط هدم النظام القديم.

من المهم تنظيم تلك الطاقة الهائلة التى تفجرت فى المجتمع المصرى فى أحزاب سياسية وجمعيات أهلية توعى الناس بالمشاركة السياسية، وتطرح أفكاراً ورؤى سياسية لنهضة هذا البلد اقتصاديا، يشعر فيها كل مواطن داخل «ثقافة الاستقرار» أو خارجها بأن الثورة ستحسن أحواله، وأن الديمقراطية يستحقها الشعب المصرى مهما كانت التحديات.

لقد حان الوقت أن تخرج المشاريع الحزبية الجديدة من فكرة استهداف قوى بعينها سواء كانت الإخوان أو السلفيين أو العلمانيين أو «دور الكنيسة»، فأى تيار يتصور أن هدفه فى الحياة هو فقط محاربة تيار بعينه مآله الفشل، لأن هذا التوجه سيخرج عن المعنى الصحيح لأى ممارسة حزبية أو ديمقراطية، فالاجتهاد يجب أن يكون من أجل بناء مشروع سياسى لنهضة البلد، وقد يعنى ذلك ضمنا أو صراحة الخلاف مع الإخوان أو مع العلمانيين المتطرفين، ولكن هذا أمر مختلف تماما عن قيام حزب أو مشروع سياسى، بغرض وحيد هو استهداف قوى سياسية غير رموز النظام السابق.

يجب على القوى السياسية الجديدة أن تعرف أن فى مصر مواطنين عاديين أحبوا الثورة وتعاطفوا معها، وهم ليسوا أبناء التنظيمات السياسية، وباتوا الآن قلقين على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، ولولا دعمهم لها لما نجحت لأن هؤلاء هم رمانة الميزان فى أى مجتمع، فهم المواطن البسيط الذى مازال يقف فى طوابير الخبز والغاز ويعانى فى وسائل المواصلات، وراتبه مازال بالمئات، فيجب أن نستمع جميعا لهواجسهم.

إن كثيراً من هؤلاء صوَّت بـ«نعم» فى الاستفتاء ليس تحت تأثير الخطاب الإسلامى كما تصور البعض، إنما بسبب قناعتهم بأن «نعم» فى صالح الاستقرار الحقيقى وفى صالح تحسين أحوال البلد، فهؤلاء لم يرهم البعض حين كنا نستمع لحوارات النخب فى المدن المختلفة، وهم يقولون تلك الجملة الشهيرة: «كل من قابلتهم يقولون (لا) على التعديلات الدستورية»، والحقيقة هم، لم يقابلوا إلا جزءاً من مصر ولم يروا «مصر العميقة» بمشاكلها وهمومها، وأن من سيعرفها ويحترم إرادتها وحتى عيوبها هو الذى سيبنى مستقبل هذا البلد.

د. عمرو الشوبكى - المصرى اليوم

amr.elshobaki@gmail.com

Monday, April 18, 2011

بعد حل الحزب الوطنى.. خريطة طريق للانتخابات المقبلة


بعد الكوارث الكبرى التى سببها الحزب الوطنى الديمقراطى الذى حكم مصر لنحو ثلاثة وثلاثين عاما، صدر أخيرا حكم دائرة شئون الأحزاب بالمحكمة الإدارية العليا بحله وتسليم أمواله ومقاره إلى الدولة، بما يعنى أن الحزب قد عاد إلى ما بدأ به بعد كل هذه السنوات الطويلة من الاستبداد والفساد اللذين هيمنا فيه على كل شىء فى مصر.

فالحزب فى حقيقته لم يكن له وجود فكرى أو سياسى قبل أن تأتى الفكرة للرئيس الراحل أنور السادات عام 1978 بإنشاء حزب جديد يحمل اسم حزب الزعيم مصطفى كامل «الحزب الوطنى» مع إضافة كلمة ديمقراطى إليه، وذلك بعد أن جرب رئاسة حزب مصر العربى الاشتراكى لمدة عامين تقريبا. وفى ليلة واحدة كان حزب الرئيس القديم قد انهار تماما بعد أن «هرول» كل أعضائه تقريبا، بتعبير الكاتب الراحل الكبير مصطفى أمين، إلى حزب الرئيس الجديد حيث سلطة الدولة وحضنها الدافئ الذى يبحثون عنه أينما وجد. وفى خلال هذه العقود الثلاثة من وجود الحزب الوطنى وهيمنته على مصر لم يعرف عنه أى تميز فكرى أو سياسى ولم يفعل شيئا فى البلاد سوى إدارتها عبر أداتى الاستبداد والفساد، مستوليا فى طريقه على مقار تملكها الدولة وعلى أموال تأتى من خزاناتها العامة.

من هنا فإن حكم حل الحزب وتسليم أمواله ومقاره للدولة ليس إلا إعادة للأمور إلى أوضاعها الطبيعية وحالتها الأولى حيث لم يكن هناك من كيان حزبى حقيقى يسمى الحزب الوطنى، بل كان هناك تجمع لحلف من أصحاب المصالح حول جهاز الدولة كانت حصيلته الأخيرة هى خراب مصر وكانت نتيجته المنطقية هى ثورة شعبها العظيمة فى الخامس والعشرين من يناير.

إلا أن حل الحزب الحاكم السابق وانتهاء هيمنته السياسية على إدارة البلاد لا يجب أن يفهم منها أن خطره على الثورة ومساراتها المستقبلية قد انتهى تماما، فالحلف الذى قام عليه لا يزال فى معظمه متماسكا سواء كان من جناحه السياسى الذى تمثله القيادات البرلمانية والحزبية والمحلية التى لا يزال للعديد منها نفوذها فى مناطقها، أو سواء من جناحه المالى والاقتصادى الذى تمثله طبقة الرأسمالية الطفيلية والفاسدة التى لا تزال محتفظة بإمكانياتها وقدراتها التى راكمتها طوال سنوات الفساد الثلاثين، أو سواء من جناحه الإدارى الذى تمثله قيادات جهاز الدولة الإدارية التى تم اختيارها طوال هذه السنوات من جانب الحزب، أو سواء من جناحه الأمنى الذى تمثله بعض قيادات الأمن الحالية والسابقة والتى تدين بالولاء الكامل والمصلحة التامة لعهد الاستبداد والفساد السابق، أو سواء من جناحه العنيف الذى تمثله العصابات والأفراد الخارجين على القانون والذين اعتاد الحزب استخدامهم لمواجهة معارضيه وبخاصة فى المواسم الانتخابية.

هذا الحلف بعد قرار حل الحزب الوطنى لن يكون أمامه اليوم سوى معركة واحدة أخيرة سيحاول عبرها أن يسترد مواقعه فى إدارة البلاد مستفيدا من المناخ الديمقراطى الذى حققته الثورة، وهى انتخابات مجلسى البرلمان المقررة بعد شهور قليلة. فهى الانتخابات التى ستمكنه إذا ما حقق فيها مرشحوه، المتفرقون فى أثنائها والمتجمعون مرة أخرى بعدها تحت راية الفساد والاستبداد مرة أخرى، نسبة كبيرة من أن يتدخل بقوة فى تشكيل الحكومة القادمة وفى اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الجديد بما يعنى مساهمته المباشرة فى صياغة مستقبل مصر بعد الثورة بطريقته الفاسدة المستبدة التى قامت الثورة من أجل الخلاص منها.

ويحيلنا هذا السيناريو الخطير الأسود مباشرة إلى ما يجب على قوى الثورة القيام به ليس فقط لمواجهته بل والأهم من أجل توحيد صفوفها فى المرحلة الانتقالية التى ستمهد لبناء نظام الثورة الجديد وإعادة بناء كل هياكل المجتمع والدولة فى مصر بما يحقق الطموحات والآمال التى طال شوق المصريين لها. والحقيقة أن خطوات ثلاث رئيسية يجب القيام بها بصورة سريعة لضمان تحقيق الأهداف المشار إليها.

أولى هذه الخطوات هى المسارعة بعقد المجلس الوطنى الانتقالى الذى يقوم على الدعوة إليه عدد من الشخصيات العامة حتى ينتهى بانتخاب هيئة قيادية للثورة تمثل جميع مكوناتها السياسية والاجتماعية والجغرافية وتكون هى المسئولة عن إدارة وتنفيذ الخطوتين التاليتين. والحقيقة أن التوصل لهذا التشكيل يستلزم شعورا عاليا بالمسئولية من جانب جميع القوى السياسية والاجتماعية فى البلاد بما يتناسب مع أهمية المرحلة التى تمر بها بما يوجب عليهم أجمعين تقديم المصلحة الوطنية العامة على أية مصالح أقل أهمية سواء كانت تنظيمية أو حزبية أو سياسية، وبالتالى الاستعداد لتقديم أى تنازلات مرحلية صغيرة فى سبيل المصالح الوطنية الأكثر اتساعا وأهمية.

وهذه الخطوة الأولى المحورية يمكن أن تترتب عليها خطوتان متوازيتان تشرف على تنفيذهما الهيئة القيادية المنتخبة للثورة. الخطوة الأولى هى صياغة برنامج مرحلى لحكم البلاد وإدارتها خلال فترة محددة تالية لانتهاء انتخابات مجلس الشعب، ويمكن أن تكون عامين، لكى تقوم الحكومة التى سيتم تشكيلها عقبها بتنفيذه وتطبيقه خلال هذه الفترة. وأهمية التوافق على برنامج للحكم هى مسألة محورية لأن الحكومة القادمة بعد الانتخابات لن تكون حكومة فنية بل ستكون سياسية تعكس تشكيل مجلس الشعب القادم، الأمر الذى يوجب التوافق على برنامجها منذ اليوم حتى يتاح لوزرائها القادمين من تيارات سياسية وفكرية مختلفة أن يديروا البلاد على أساسه دون اختلافات بينهم فى الرؤية العامة أو التفاصيل المطلوبة للمرحلة الانتقالية. ومن أجل تحقيق هذه الخطوة فمن الوارد أن تخصص لجان محددة فى المؤتمر الوطنى المشار إليه تكون وظيفتها هى وضع ملامح وتفاصيل برنامج الحكم المشترك الذى سيكون هو نفسه بعد ذلك البرنامج الانتخابى لقوى الثورة فى الانتخابات البرلمانية القادمة.

وينقلنا هذا إلى الخطوة الثالثة الرئيسية وهى إعداد قائمة موحدة لمرشحى مجلسى الشعب والشورى من جميع القوى المشكلة للثورة المصرية وتحت شعار واحد وبرنامج موحد هو المشار إليه سابقا. ولكى يمكن تشكيل هذه القائمة بصورة توافقية يجب أولا على جميع القوى الإقرار بأنها السبيل الوحيد لاستكمال مهام الثورة الأساسية وفى مقدمتها بناء نظامها السياسى الجديد. أما عن تفاصيل تشكيل القائمة فمن الممكن أولا أن توضع قاعدة لتقسيم المرشحين بين مختلف القوى السياسية والفكرية فى البلاد، بأن يتم تخصيص 25% من عدد المرشحين لكل من التيارات الرئيسية الأكبر فى البلاد، وهى التيار الإسلامى والليبرالى والقومى واليسارى، على أن يقوم أبناء كل تيار منها وتنظيماتهم وجماعاتهم الفرعية بتوزيع هذه النسبة فيمن بينهم بالصورة التى يرتضونها ويرون تعبيرها عن توازناتهم الداخلية. ويتم تطبيق هذا التقسيم فى الدوائر الانتخابية عبر لجان الثورة الموحدة فيها والتى يجب أن تشكل على غرار الهيئة القومية القيادية لها من جميع الأطياف والتيارات، حيث تقوم بتحديد مرشحى قائمة الثورة فى كل منها بحسب قوتهم الانتخابية بما يمكن بعد ذلك من تسكينهم عبر الهيئة القومية القيادية فى النسب المحددة لكل تيار رئيسى. وحتى يمكن تحقيق خطوة أكبر للأمام فى تمثيل فئات الشعب المصرى، فمن الوارد أن يتم إلزام كل تيار رئيسى من الأربعة المشار إليها بأن تتضمن قائمة مرشحيه المقترحة 30% منها مقسمة على فئات الشباب والمرأة والأقباط لكل منها 10% منها، بما يزيد من أواصر الالتحام بين قوى الشعب المصرى السياسية والاجتماعية.

بقلم:ضياء رشوان - الشروق

قبل ما تقع الفاس × الراس



صحيح أنه بعد حبس الرئيس ومشاركيه، وبعد إزاحة الحزب الوطنى لم يعد هناك مبرر لمظاهرات مليونية جديدة، بل أصبح واجبا ولزاما علينا أن نخرج من التحرير إلى التعمير.. وصحيح أننى واحد من كثيرين مستعجلين على بناء «مصر الجديدة» تفاديا لمشاكل اقتصادية رهيبة أراها قادمة بسرعة الصاروخ..، وصحيح أيضا أننا فى أمّس الحاجة للبدء فى مشروع قومى يعيد لنا الثقة فى الحاضر، والأمل فى المستقبل..، ولكن الصحيح أيضا أننا أخطأنا كثيراً فى الماضى عندما تسرعنا بالدخول فى مشروعات كبيرة لم نطرحها على المجتمع فى حوار مفتوح يشارك فيه المتخصصون والخبراء والعلماء..

والنتيجة أن هذه المشروعات مثل «توشكى» و«أبوطرطور» وغيرهما، التهمت المليارات، وأضاعت علينا فرصا بديلة.. واكتشفنا بعد فوات الأوان أنها كانت «للبروباجندا» السياسية.

وبالأمس فاجأنا العالم المصرى المحترم «د. فاروق الباز» بأن مشروع المفاعل النووى «بالضبعة» هو مشروع خاطئ، ودراسته مشكوك فيها، ومكانه لا يصلح، وأنه ليس إلا قراراً سياسياً.. وعلى ذكر اسم دكتورنا «فاروق الباز».. وبما أننى سبق أن كتبت عن مشروعه «ممر التنمية والتعمير»، وكنت من مؤيديه، وألححت على البدء فيه..

لكن اليوم وصلتنى «دراسات معمقة ومستفيضة»، مصحوبة بخرائط طبوغرافية، وجيولوجية، وصور بالأقمار الصناعية ودراسة جدوى لمشروع آخر مماثل، ولكن أكثر اتساعا، ويضرب عدة عصافير بحجر واحد.. وهذا المشروع مقدم من د. إبراهيم كامل غير إبراهيم كامل بتاع موقعة الجمل.. أرسلها لى أحد الباحثين المعجبين بهذا المشروع طالبا منى النشر والتوضيح، لتوسيع دائرة الحوار.. باعتبار أن كلا المشروعين يتحدث عن تعمير الصحراء، واستيعاب الملايين القادمة التى لن تجد لها مأوى أو مأكل أو حتى مدفن!!

وحتى نقارن بين المشروعين وقبل أن نقع فى أخطاء مكلفة لا يتحملها اقتصادنا الهش.. وبحسب الدراسة والصور المرسلة لى فقد اتضح أن هذا المشروع المتكامل يسبق مشروع الدكتور الباز، وسبق طرحه على الرئيس عبدالناصر، وناقشه السادات، وتجاهله مبارك.. واليوم نضعه أمام رئيس الحكومة، والمجلس العسكرى، وأمام المتخصصين ليقارنوا بينهما.. وها هى المقارنة كما وردتنى:

أولاً: مشروع الباز يعتمد على أنبوب مياه منصرف وممتد من بحيرة ناصر إلى العلمين، وبطول١٢٠٠ كيلومتر، يستخدم للشرب واحتياجات الإنسان الشخصية.. أما «الزراعة» فتنشأ بالمناطق المحتمل بها مياه جوفية، والواقعة بجوار هذا الأنبوب.. (ولا توجد أى صور لأقمار صناعية تثبت أين توجد هذه المياه الجوفية غير المالحة، وبأى كمية)!!

أما المشروع الثانى فهو يعتمد على تغيير نظام الرى بالغمر بالأراضى القديمة لتحويله للرى بالرشح والتنقيط، لتوفير عشرين مليار متر مكعب تضخ فى أنابيب لاستخدامها فى زراعة المناطق الصحراوية التى لا توجد بها مياه جوفية عذبة أو متجددة.

مثال عملى: سيبدأ المشروع من أسوان بتعديل الرى فى المائة ألف فدان القديمة التى يستهلك الفدان الواحد فيها حوالى ٧٥٠٠ متر مكعب ليستهلك ٢٥٠٠ متر فقط.. وبالتالى يتم توفير مياه تكفى لزراعة ٣٠٠ ألف فدان جديدة.. والممول لهذا المشروع هو دولة «اليابان» (يوجد بالدراسة خطاب موافقة من حكومة اليابان).. ومصلحة اليابانيين هى أن يزرعوا فول صويا وغيره فى مائة ألف فدان من الثلاثمائة ألف فدان الجديدة.. أى أننا لن ندفع مليما فى أول تطبيق لهذه «الفكرة»، ونستفيد مرتين:

الأولى: استصلاح واستزراع٢٠٠ ألف فدان إضافية جديدة للمصريين.. والثانية: تعديل نظام الرى فى المائة ألف فدان القديمة على حسابهم..، وهكذا نبدأ من أسوان إلى العلمين.. وهذا اختلاف جوهرى بين ممر الباز، الذى يعتمد على «الصدفة» فى وجود مياه جوفية شرق الأنبوب، ومشروع إبراهيم كامل الذى يستحق مناقشته بجدية فى أنه يعتمد على تغيير الرى بالغمر إلى رى بالتنقيط ليوفر العشرين مليار متر مكعب بجانب المياه الجوفية!!

ثانياً: الطمى.. طمى النيل المتراكم ببحيرة ناصر لا يدخل فى حسابات ممر التنمية..، ولكن المشروع الثانى يشمل استخراجه من البحيرة للاستفادة به فى تحسين استهلاك المياه بالأراضى القاحلة، وتخصيب هذه المساحات الرملية، وتقوية مناعة النباتات.

ثالثاً: الطاقة الكهرومائية.. «الممر» مستهلك للطاقة.. أما «المشروع الثانى» فهو يستغل منسوب الشبكة الجديدة للمياه + ١٩٠ متراً فوق البحر هبوطا إلى الوادى والمنخفضات الصحراوية لإنتاج طاقة كهرومائية شبه مجانية!!

رابعاً: «الممر».. يستهدف توليد عائد غير مباشر من التوسع العقارى «حسب العرض والطلب.. والعائد الزراعى يتوقف على وجود مياه جوفية صالحة وكافية بالمناطق التى يمر بها».. أما «المشروع الثانى» فيعتمد على المياه العذبة والمؤكدة التى يتم توفيرها بجانب ما يوجد من مياه جوفية يستطيع بهما التحكم فى إقامة مزارع عملاقة، وإنتاج حيوانى وداجنى وسمكى، وصناعات غذائية، والمدهش أنه يمكّننا من زراعة عشرين مليون فدان جديدة، مستخدمين الطمى فيها.. تكفى لسد احتياجاتنا الغذائية وتشغيل٨٠ مليون مواطن جدد فى الزراعة والتصنيع والخدمات والتصدير.

خامساً: التمويل.. «اليابان» ستمول أول باكورة فى المشروع لزراعة الـ٣٠٠ ألف فدان الجديدة بأسوان، وتمويل شبكات ومضخات وأنابيب المياه ونقل الطمى و.. و..، وبنجاح التجربة فى أسوان يتم نقلها إلى المناطق المجاورة لكل محافظة بظهيرها الصحراوى، وبها يمكننا الحصول على تمويل كاف وبشروط ميسرة جدا من المؤسسات العالمية، أو بمشاركة المصريين بالخارج والداخل.. أما «الممر» فيعتمد فقط على شركة مساهمة مصرية يشارك فيها الشعب من جنيه إلى مليون، ولكن دون عائد لمدة عشر سنوات قد تمتد إلى ١٥سنة.. فمن سيصبر كل هذه السنين بلا عائد؟

هذه بعض النقاط الواردة بالمشروع الثانى للمقارنة بينهما.. والأمثل هو:

مناقشة المشروعين.. وبالتأكيد هناك مميزات وعيوب فى كليهما.. والمطلوب هو فتح باب الحوار على أعلى مستوى للوصول إلى ما هو أفضل، وأمثل، وأفيد لبناء «مصرنا الجديدة»، وقبل أن تقع الفاس فى الراس.. ونقول ياريت اللى جرى ما كان!!

ملاحظات مهمة:

١- جاءنا من د. ممدوح حمزة أنه معترض تماما على «ممر التعمير»، ولديه ما يقوله، ويقدم لنا مشروعا ثالثاً مختلفاً عن المشروعين السابقين.. والمهم ألا نتوه بين الثلاثة.. ولهذا من الضرورى دراسة هذه المبادرات الثلاث لاختيار ما ينفعنا منها، منفردة أو مجتمعة، على أن يتم التنفيذ بحد أقصى ٩٠ يوما من الآن.

٢- أهم حصاد هذا الأسبوع «لبنك الأفكار»:

مشروع سياحى مدروس الجدوى من المهندس عمرو جودت، خلاصته تطوير كامل لترعة المنصورية والتى تبدأ من شارع البحر الأعظم لعمل رحلات نهرية على الطراز الفرعونى لنقل السائحين حتى نزلة السمان أمام الصوت والضوء وأبوالهول، ثم استكمال الرحلات بالجمال والحناطير إلى الهضبة تحت سفح الهرم.

٣- عنوان المراسلة لمن لديه اقتراح يرغب فى إيداعه البنك هو:

www.ideas.cabinet.gov.egوwww.innovate.cabinet.gov،egوwww.afkar.cabinet.gov.eg

french_group@hotmail.com

د.محمود عمارة - المصرى اليوم

Sunday, April 17, 2011

أزمة فى دوجماطيقية الإخوان

فى ٢٦ مارس من هذا العام عقد شباب الإخوان مؤتمرهم الأول تحت عنوان «رؤية جديدة من الداخل». واللافت للانتباه أن انعقاد هذا المؤتمر جاء إثر ثورة شباب ٢٥ يناير، ومعنى ذلك أن ثمة علاقة «ما» بين هذين الحدثيْن.

والسؤال إذن:

■ هل فى الإمكان تحديد هذه الـ«ما»؟

- إذا كانت ثورة شباب ٢٥ يناير أحدثت تغييراً جذرياً، إذ قامت بنفى الوضع القائم استناداً إلى وضع قادم كان يتحرك فى فضاء افتراضى اسمه «فيس بوك»، فهل كان مؤتمر شباب الإخوان فى ٢٦ مارس يشير إلى ثورة، أى إلى «رؤية جديدة» على نحو ما جاء فى عنوان مؤتمرهم؟

جواب شباب الإخوان أن الغاية من عقد مؤتمرهم تحريك حوار فكرى داخل الجماعة فى إطار نقد بناء يتم تحت رعاية الجماعة.

أما جواب مكتب إرشاد الجماعة فجاء برفض عقد المؤتمر فى رسالة بعث بها على «sms» هذا نصها: «رجاء عدم إرسال أى فرد لحضور المؤتمر الذى سيعقد تحت اسم شباب الإخوان والتنبيه على الجميع بعدم حضوره».

الجوابان متناقضان تناقضاً حاداً، أى لا وسط بينهما. وتناقض من هذا النوع ينطوى على «أزمة»، لأن الأزمة بحكم طبيعتها تنطوى على إشكالية، والإشكالية تعنى التناقض.

والسؤال إذن:

■ أين تكمن الأزمة؟

- تكمن الأزمة فى علاقة شباب إخوان ٢٦ مارس بشباب ثورة ٢٥ يناير من جهة، وبينهم وبين مكتب الإرشاد من جهة أخرى. العلاقة الأولى تشى بالثورية بحكم ضيق المسافة الزمنية بين ٢٥ يناير و٢٦ مارس. والعلاقة الثانية تشى بمجاوزة شباب ٢٦ مارس لمبدأ السمع والطاعة، وهو المبدأ الحاكم للعلاقة بين مكتب الإرشاد وأعضاء الجماعة، وهو أيضا المبدأ الحاكم لفكر ابن تيمية فى القرن الثالث عشر.

فعند ابن تيمية ثمة دليلان للبرهنة على سلامة النص الدينى: الدليل السمعى والدليل العقلى، والأول يحكم الثانى لأن ما هو ثابت بالسمع فهو ثابت سواء علمنا بالعقل أم بغير العقل ثبوته، وإذا كان الشرع يقوم على السمع فيجب تقديم الشرع عند التعارض مع العقل، ولهذا فإن ابن تيمية يرفض التأويل الذى يعنى إعمال العقل فى النص الدينى بحيث يتجاوز المعنى الظاهر، ومن هنا تكون الطاعة ملازمة للسمع. ومن لزوم الطاعة والسمع تبزغ الدوجماطيقية.

والسؤال إذن:

■ ما الدوجماطيقية؟

- إن هذا اللفظ مُعَرّب وهو مشتق من اللفظ اليونانى «دوجما» ومعناها «معتقد» أى مطلق، ومن ثم يكون الدوجماطيقى هو المالك لحقيقة مطلقة، والملتزم بفرضها على الواقع، وإذا حدث ذلك امتنع الواقع عن التطور، ولكن الواقع محكوم عليه بالتطور بحكم أنه نسبى، فيلزم من ذلك مجاوزة النسبى للمطلق، ومن هنا يدخل الدوجماطيقى فى «أزمة». وهذا هو حال جماعة الإخوان الآن.

والسؤال إذن:

■ ما هو مصير هذه الأزمة؟

- أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بوضع مضى عايشته وهو يمضى من البداية إلى النهاية. بدايته حوار أجريته مع أحد الأساتذة الشبان فى علم الاجتماع بجامعة «لنينجراد» فى عام ١٩٦٩، وكان هذا الأستاذ واسمه «يدف» يرأس مجموعة من الباحثين تجرى تجارب علمية مع العمال والمهندسين فى بعض مصانع «لنينجراد». لفت انتباهه أن ثمة مسافة بين ما يعتقده الإنسان وما يصدر عنه من أفعال، ومن ثم بدأ البحث مع زملائه عن العوامل المعوقة لتنفيذ ما يعتقده الإنسان، فاكتشفوا أن العامل الذاتى يؤدى دوراً مهماً مع العوامل الموضوعية وكان الاتجاه السائد للفكر الشيوعى فى ذلك الوقت هو استبعاد العامل الذاتى -وهو هنا الإنسان- والاكتفاء بالعامل الموضوعى، وهو هنا النظام الشيوعى.

أما هؤلاء الشبان فقد ارتأوا أن العامل الذاتى المتمثل فى المبادرة والإبداع مهم للغاية، الأمر الذى يستلزم إحداث تعديل فى الماركسية السوفيتية، إلا أن هذا التعديل لم يكن ممكنا لأن الماركسية السوفيتية قد أصابتها الدوجماطيقية، وكانت النتيجة تشريد هؤلاء الباحثين. ولم يكن تشريدهم إلا تعبيرا عن حدوث أزمة فى دوجماطيقية الماركسية، وفى عام ١٩٨٩ انهارت هذه الدوجماطيقية وانهارت معها الكتلة الشيوعية

د.مراد وهبة - المصرى اليوم

تحديات على الطريق

أنتمى إلى جيل تفتّح وعيه السياسى على أحلام وأمانى كبيرة فجَّرها مشروع وطنى وقومى تبنته ثورة يوليو بقيادة عبدالناصر، غير أن هذه البدايات الواعدة، التى صعدت بجيلى إلى سماوات أحلام وردية، سرعان ما هبطت به إلى واقع من كوابيس مرعبة راحت تطارده طوال الشطر الأعظم من حياته، لاحت قَسَماتها بوقوع هزيمة ٦٧ فى عهد الرئيس عبدالناصر نفسه، ثم راحت تكبر فى زمن السادات، خاصة عقب زيارته للقدس عام ١٩٧٧، إلى أن وصلت ذروتها فى عهد مبارك، خاصة مع مشروع لتوريث السلطة ونقلها بأساليب ملتوية وخسيسة من الأب إلى الابن. ولأن مشروع توريث السلطة هذا، الذى استفز جيلى إلى درجة مرعبة، كان قد بدأ يتسلل إلى أنسجة المجتمع المصرى منذ بداية الألفية وراح يكبر رويدا رويدا إلى أن نضج وأصبح - تحت وطأة إصرار عنيد وصلف متبجح - حقيقة واقعة تفرض نفسها بالقهر على الجميع، فقد كاد اليأس يودى تماما بهذا الجيل،

وأعترف بأن أخشى ما كنت أخشاه خلال السنوات القليلة الماضية أن ينجح مشروع التوريث بالفعل ويتحول إلى واقع فى حياتى، ثم أرحل عن دنيانا قبل أن أشهد نهايته وانكساره، وأظن أن هذا لم يكن شعورى وحدى وإنما كان هو الشعور السائد لدى معظم أبناء جيلى من المهتمين بالعمل العام والمعارضين لهذا المشروع الخسيس. ورغم أن كثيرين من شرفاء هذا الوطن لم ينقطع نضالهم ضد مشروع التوريث وسعوا لإسقاطه، فإننى لم أكن أتصور أن يمتد بى العمر لأشهد ولأشارك فى ثورة يناير العظمى، ولا دار بخلدى يوما أن أرى بأم عينى أبطال مشروع التوريث وهم يقبعون صاغرين وراء القضبان، ولا يعكس قولى هذا شعورا بالشماتة، التى أحمد الله أنها لم تتسرب إلى قلبى قط، بقدر ما يعكس شعورا بالانبهار والفخار بما حققته ثورة يناير حتى الآن.

غير أن الانبهار بما تحقق من إنجازات لا ينبغى أن ينسينا حقيقة أخرى، هى أن حجم التحديات التى لاتزال تعترض طريق الثورة وتهدد مسيرتها بالتوقف ما زال كبيرا وخطيرا.

ولأن الثورة لم تقم بغرض الانتقام أو التشفى من أحد، وإنما استهدفت أولاً وقبل كل شىء تأسيس نظام ديمقراطى بديل للنظام الذى جثم على صدر مصر لسنوات طويلة، وجسَّده تحالف قوى الفساد والاستبداد، وتزويده بما يحتاجه من مقومات وآليات للحيلولة دون إعادة إنتاج نظام يشبه النظام القديم - علينا أن نتسلح باليقظة والحذر اللازمين لحماية مسيرة الثورة إلى أن تتمكن من تحقيق كامل أهدافها المتمثلة فى:

١- إزاحة ما تبقّى من ركام النظام القديم الذى سقط رأسه، ورؤوس العديد من رموزه الكبار، لكن جذوره لاتزال ضاربة فى أحشاء المجتمع وفى مواقع التأثير والنفوذ وصنع القرار.

٢- بناء نظام جديد تتوافر فيه جميع مقومات الديمقراطية الحقة ويتسع للجميع دون أن يستبعد أحدا أو يسمح لأحد بالهيمنة عليه.

للتعرف على حجم وخطورة التحديات التى تواجه مسيرة الثورة المصرية، بعد الشوط الذى قطعته حتى الآن، علينا أن ندرك أن المشهد السياسى الراهن فى مصر تشكله تفاعلات تجرى بين ثلاث قوى رئيسية،

أولاها: القوى صاحبة المصلحة فى التغيير، التى استطاعت تفجير وصنع ثورة يناير بكل عظمتها وتجلياتها،

وثانيتها: قوى الثورة المضادة والراغبة فى عرقلة التغيير أو اختزاله فى أضيق نطاق ممكن تمهيدا للالتفاف على مطالب الثورة وإجهاضها متى استطاعت إلى ذلك سبيلا،

وثالثتها: المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى يمسك الآن بمقاليد السلطة الفعلية وبالمفاتيح الحقيقية لعملية اتخاذ القرار. من المعروف أن لحظات التحول التاريخى فى الدول والمجتمعات، التى تقع عادة حين تنضج العوامل المحرضة على التغيير بوسائل غير تقليدية - تتسم بميل طبيعى نحو توحيد القوى صاحبة المصلحة فى إسقاط النظام القائم، ولأنه بتعذر ضمان استمرار وحدة هذه القوى فى مرحلة ما بعد إسقاط النظام، نظرا لتعدد رؤاها ومشاربها السياسية والفكرية، فمن الطبيعى أن تبرز فى اليوم التالى لنجاح الثورة اختلافات وخلافات عميقة حول شكل ومضمون وآليات النظام البديل.

وربما كان يمكن التغلب على هذه المعضلة لو أن القوى التى أشعلت الثورة المصرية كانت قد تمكنت من الاستيلاء بنفسها على السلطة عقب إسقاط النظام، وهو ما لم يحدث، لأن النظام القديم لم يسقط وإنما أطيح برأسه وببعض رموزه فقط، ولأنه لم يكن بمقدور الثوار أن يستولوا بأنفسهم على السطة بعد نزول الجيش إلى الساحة.

ولأن الملابسات التى أحاطت بحركة التفاعلات، قبيل وأثناء الثورة، دفعت بالجيش المصرى للتحرك والاكتفاء بالتضحية بالرأس، خوفا من أن يؤدى سقوط النظام بأكمله إلى انهيار الدولة، فقد أدى هذا التحرك، من الناحية العملية، إلى حماية الثورة وحماية النظام فى آن معا.

لذا بدا الجيش عقب إمساكه بزمام السلطة وكأنه تحول إلى عازل بين قوى الثورة الساعية للتغيير، من ناحية، وقوى الثورة المضادة الساعية لإجهاض التغيير، من ناحية أخرى.

ولأنه بدا مُمسكاً برمانة الميزان فى الحياة السياسية المصرية فى مرحلة ما بعد الثورة فقد بات عليه أن يتخذ قراراته فى ضوء إدراكه هو للمصالح العليا للبلاد على ضوء ما قد يتعرض له من ضغوط داخلية تقوم بها قوى الثورة أو قوى الثورة المضادة، أو من ضغوط خارجية تقوم بها القوى الإقليمية أو الدولية.

والواقع أنه كان يمكن لقوى الثورة، أى القوى صاحبة المصلحة فى التغيير وتأسيس نظام ديمقراطى، أن يكون لها نصيب أكبر فى صياغة أسس وقواعد النظام السياسى الجديد فى مرحلة ما بعد ١١ فبراير، غير أن انقسام هذه القوى على نفسها وتفتتها وتشرذمها بعد الثورة، وهو ما بدا واضحا أثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى ١٩ مارس الماضى، منح قوى الثورة المضادة قدرا أكبر من هامش وحرية المناورة وأتاح أمامها الفرصة للعمل على توسيع الهوة بينها وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لذا كادت هذه القوى تنجح فى دفع المجلس الأعلى للصدام مع قوى الثورة، وهو ما بدا واضحا فى الأحداث التى شهدها ميدان التحرير إبان «جمعة التطهير والمحاكمة».

ولحسن الحظ تكفل غباء النظام وأخطاؤه المتكررة، التى جسدت آخرها كلمة الرئيس المخلوع والمذاعة عبر فضائية «العربية»، بإعادة بعض التوازن المفقود للأوضاع المتردية، وربما تكون لعبت دورا فى التعجيل بقرار النائب العام حبس الرئيس المخلوع ونجليه على ذمة التحقيق فى الاتهامات الموجهة إليهم.


ولا جدال فى أن قرار النائب العام شكل خطوة هائلة للأمام وفتح فصلا جديدا ناصعا فى كتاب الثورة المصرية، خصوصا أن التحقيق مع الرئيس وولديه يجرى وفق إجراءات وقوانين عادية ودون اللجوء إلى أى إجراءات أو خطوات استثنائية، وهو توجه يستحق الإشادة.

غير أن ذلك لا يعنى أن الأمور أصبحت محسومة نهائيا لصالح قوى التغيير، أو أن الثورة حققت انتصارها النهائى، فالفحص المدقق لحركة تعيين المحافظين الجدد يقطع بأن المرحلة الانتقالية لاتزال تدار بنفس العقلية القديمة، وأن قوى الثورة المضادة لم تستسلم بعد ولاتزال حية ومنتشرة وفاعلة وجاهزة للانقضاض على الثورة فى أى وقت، لذا يبدو أن الباب الوحيد المتاح لإنقاذ الثورة يكمن فى قدرة القوى التى صنعتها على تأسيس نظام ديمقراطى فعال، وهو أمر لن يكون بوسع هذه القوى تحقيقه دون توافر حد أدنى من الوفاق فيما بينها.

لذا أظن أنه آن الأوان ليس فقط لطى صفحة الخلافات حول التعديلات الدستورية التى جرت مؤخرا، وإنما أيضا لاستخلاص الدروس المستفادة مما جرى والعمل على تلافيه فى المستقبل. ولأن الدورى فى مباريات الكرة لا يمكن أن يبدأ قبل اتفاق على قواعد اللعب وإعداد الملاعب والفرق وطاقم الحكام والجمهور وتهيئة أجواء نفسية وأمنية تسمح بإقامة مباريات حقيقية تقوم على المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص، فكذلك الحال بالنسبة للدورى السياسى،

لذا أعتقد أنه يتعين على القوى صاحبة المصلحة فى تأسيس نظام ديمقراطى أن تنسق فيما بينها وتنزل الانتخابات البرلمانية القادمة بقائمة موحدة، وأن تتفق فور هذه الانتخابات على تشكيل لجنة المائة التى ستصوغ الدستور الجديد، بل على المبادئ والقواعد والتوجهات العامة لهذا الدستور، وربما أيضا على مرشح رئاسى لفترة رئاسية واحدة يدير البلاد خلالها وفق برنامج متفق عليه ولا يعيد ترشيح نفسه لفترة ثانية، ضماناً لأن يقوم بتركيز كل جهده على إرساء دعائم راسخة لنظام ديمقراطى حقيقى.


الانتخابات وحدها، حتى لو كانت حرة ونزيهة، لا تؤسس لنظام ديمقراطى حقيقى، فبدون أحزاب لها حضور على الساحة ومجتمع مدنى قوى ووسائل إعلام حرة، وشيوع ثقافة حاضنة لقيم الديمقراطية، لن نتمكن من تأسيس نظام ديمقراطى حقيقى، ولأن المراحل الانتقالية فى تاريخ الشعوب هى الأخطر فمن المؤكد أن يؤدى الفشل فى إدارة المرحلة الانتقالية الحالية فى مصر إلى تمهيد الطريق نحو قدوم فرعون جديد بدلاً من ربيع الديمقراطية الذى نحلم به جميعاً

د. حسن نافعة - المصرى اليوم

Thursday, April 14, 2011

شـبح المغسلة


أتعجب كثيرا لظاهرة التداعى اللاإرادى التى تحدث فى المخ البشرى، ومنها أننى بينما كنت أصغى لكلمة حسنى مبارك التى بثها من العربية مؤخرا تذكرت هادى، وهادى هو اسم شهرة الرجل الذى تذكرته والذى اكتسبه غالبا من تكرار ترديده للدعاء وهو يهرول محنيا بجسمه الخاوى عريض العظام، يكاد ينكفئ: «يا هااادى. يا هااادى»، يرددها فترن فى فضاء العنبر فى الصباح الباكر وهو يهبط الدرج الحديدى خارجا من البوابة ليلتحق بعمله فى المغسلة، ونسمعها عندما يعود ضمن سرب العائدين من أعمالهم فى ورش ومخبز ومغسلة السجن بعد دخولنا الزنازين عند العصر. وكان أكثر ما لفت نظرى فى هذا الهادى، وأبقاه فى ذاكرتى كل هذه السنين، هو دورانه العجيب فى حلقة مفرغة من مكاتبة السلطات لتفرج عنه لأنه مظلوم ولا يستحق حكم المؤبد الذى صدر ضده. وقد استمر فى هذا الدوران خمسة عشر عاما حتى اللحظة التى رأيته فيها فى السجن وقصدنى لأكتب له رسالة تظلم لوزير العدل، اكتشفت أنها واحدة من آلاف الرسائل التى كتبها له سجناء آخرون ولم تكن الأخيرة بالنسبة لى ولا له، فقد كان يحيا حرفيا على هذه الرسائل التى لا يمضى يوم إلا ويرسل منها واحدة أو أكثر، ويكرس لها وجوده كله، فهو يعمل فى مغسلة السجن المكونة من صف أحواض أسمنتية ضخمة مقبضة تتكوم فيها تلال ثياب السجناء، يظل محنيا على أحد الأحواض ومنقوعا فى مياه الغسيل المعتكرة بالصابون الأسود والصودا الكاوية مما غيَّر هيئة يديه فبدتا كيدى جثة منقوعة فى الفورمالين لسنوات عديدة، كما تغير شكله كله فثبت على صورة مخلوق مثنى على حوض غسيل كئيب أبدى، أما خطو قدميه الحافيتين دوما فقد انطبع بصورة من يمشى على بلاط مغمور بمياه عكرة حتى وهو يسير على الأرض الجافة.

ربما كتبت مائة رسالة لهادى من ذلك النوع الذى يدور فى دائرة تظلُّمه الأليم المفرغة، ولم أكن أستطيع مقاومة بؤس حاله وهو يقصدنى لأكتب له رسالة جديدة، بالرغم من اننى لم أكن كاتب رسائله الوحيد، فقد سبقنى عشرات وتلانى عشرات وواكبنى عشرات، فثمة وسواس غريب عاش به وعاش له، حتى إن كل النقود التى كان يهلك بها فى رطوبة وبلل المغسلة لم يكن يوجهها لشىء إلا لشراء مستمر لورق كتابة وطوابع بريد وأظرف رسائل لا نهاية لها، وعرفت أنه لا يكتفى بإرسال رسالة واحدة يوميا، بل أكثر من رسالة، وكان هذا يؤلمنى جدا، حتى عرفت الحقيقة المرعبة التى قلبت انطباعى الأول عن السجن والمساجين عموما، فهادى البائس التعيس لم يكن غير قاتل بشع، استدرج طفلة واغتصبها ثم قتلها ودفنها فى أرض مهجورة، وظل مفلتا من العقاب حتى قُبض عليه واعترف ودل على مكان القتيلة وحُكم عليه بالإعدام الذى خفف إلى أشغال شاقة لأسباب إجرائية.

بعد أن صدمتنى حقيقة هادى توقفت عن أن أكون أحد كُتاب رسائله، لكنه ظل يعثر على آخرين يكتبون له وبعضهم من السجناء أو العساكر مقابل سيجارة أو سيجارتين لكل رسالة، وكان مستحيلا أن يتوقف فقد كذب على الدنيا حتى صدق كذبته، وتمادت الكذبة حتى صارت جزءا من واقع نفسه الموحشة، ولعل هذه الحالة هى التى جعلتنى أكتشف مدى الخطأ والخطر فى إصدار أحكام عاطفية من الانطباع الأول فى السجون، ففى الأسابيع الأولى يصل إليك انطباع أن ثلاثة أرباع نزلاء السجن أبرياء نالوا أحكاما ظالمة، لكن بعد استقاء الأخبار من مصادر متعددة غير أصحابها، تكتشف أنك تخوض فى مستنقع إجرامى من القتلة واللصوص والمحتالين والمزورين والمُغتصِبين وقطاع الطرق الذين يربط بينهم جميعا نوع من الانحراف النفسى يُسمَّى «سيكوباثى»، له ترجمات عربية غير مستقرة، توقفت أمام إحداها لأول وهلة باستنكار، لكننى بعد ما خبرته من نماذج هذا الجنوح فى السجون والحياة العامة والخاصة، صرت أميل لترجمة المصطلح بتعبير «الصفاقة» الذى كنت استنكره، فالصفاقة كانت العامل المشترك الأفحش فيما مررنا به من عقود نظام الاستبداد والفساد الساقط، وحتى طلوع قناة العربية السعودية علينا بحديث الرئيس المخلوع يوم الأحد الماضى.

تقول إحدى الإحصائيات العلمية التى أميل لتصديقها، أن نسبة الصفيقين أو السيكوباتيين هى 20% من مجمل البشر، وهى تضم طائفة متنوعة من الرجال والنساء، من أدنى المراتب الاجتماعية وحتى قمم العروش وكراسى الحكم ومواقع النجوم. لكننى أضيف إلى ذلك قناعة شخصية مفادها أن كل نفس بشرية من الأنفس التى ألهمها الله فجورها وتقواها، بها شىء من هذا الاستعداد للصفاقة، تنمو بقدر ما تسقيها وتطعمها الأهواء والشرور، وتذبل بقدر ما تحاصرها التطلعات الإنسانية للأسمى والأجمل والأعدل والأنبل. لكن كل نفس بما اكتسبت رهينة، ومتى ما ثبتت الصفاقة وضربت بجذورها فى أعماق أى نفس، صار من شبه المستحيل إصلاحها، وهى مسألة يعرفها جيدا أساتذتى وزملائى من الأطباء النفسيين، فالصفاقة أعيت من يداويها، وكل ما هو ممكن حيالها، أن نتجنب تمكين أشقيائها منا وكف أذاهم عنا وعن الحياة بل ربما عن أنفسهم. وهى حقيقة نفسية بقدر ما هى حقيقة أدبية، اكتشفها قبل علماء النفس عبقرى سبر الأغوار البشرية فيدور دوستويفسكى.
دوستويفسكى الذى قضى عشرة أعوام فى أقسى معتقلات القيصرية بعد أن خُفِّف عليه حكم الإعدام بدعوى تآمره على اغتيال القيصر، يصف هذا الصنف من غلاة الصفاقة نزلاء السجن من حوله فيقول: «لم ألاحظ خلال عدة سنين أى علامة من علامات الندامة، ولا أيسر أثر من آثار الأسف للجريمة المرتكبة، فإن أكثر السجناء كانوا فى قرارة نفوسهم يعتقدون أن من حقهم أن يفعلوا ما يحلو لهم.. ولا شك أن للكبر والغرور والتباهى والتواضع الكاذب شأنا فى ذلك. ومن ذا الذى يستطيع أن يزعم على كل حال أنه سبر قرارة هذه القلوب التى استسلمت للضياع، فوجدوها موصدة دون ضياء؟! إن المجرم الذى تمرد على المجتمع يكره المجتمع ويعد نفسه دائما على حق، فالمجتمع هو المخطئ فى نظره، أما هو فليس بمخطئ».
هذا الكشف الأدبى استبق به دوستويفسكى ما تقوله كتب الطب النفسى وعلم النفس التى بين أيدينا بأكثر من مائة وخمسين عاما، فها هم المسكونون باضطراب الشخصية الصفيقة، أو المعادية للمجتمع، يفسر الأديب العظيم افتقارهم للندامة بكونهم أنانيين متعجرفين يبررون تجاوزاتهم فى حق الآخرين والمجتمع من حولهم بوهم جدارتهم وحقهم فى الاستثناء، مدفوعين بالكِبر والغرور والتباهى، ومستخدِمين فى سُبلهم المعتمة كل ألوان الكذب والمراوغة والعدوانية عند اللزوم، فيقتنصون ما ليس لهم بدعوى استحقاقاتهم كمخلوقات فوق العادة، ومن ثم ينمحى التواضع الصادق فى قلوبهم التى تغدو مظلمة وعليها أقفالها، فلا ندامة.. ولا حياء.

إننى متأكد أن كل المتهمين من مجرمى النظام السابق وعلى رأسهم مبارك لم ولن يعترفوا بجرائمهم، ليس لأنهم لم يرتكبوها، ولا لأنهم يلتمسون النجاة بعدم الاعتراف، بل لأنهم يرون أن كل ما سلبوه هو حق لهم، وطبقا لقوانين تم تفصيلها لتلائم تميزهم عن بشر هذه البلاد، أما ثلاثية سمات الصفاقة من الكذب واللصوصية والعدوان، والتى تبسطها عشرات الصفحات فى كتب علم النفس وتوجزها بلاغة دوستويفسكى فى بضعة أسطر، فهى لم تكن إلا أدوات مشروعة فى عرف الصفاقة تبرر للصفيقين وصولهم إلى غاياتهم الجانحة، وهى الثلاثية نفسها التى ينبئنا بها الحديث عن المنافقين الذين واحدهم «إذا اؤتمن خان، وإذا تحدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»، فالكِبر يفرغ قلوبهم من النور، ويوصدها على فراغ وظلمة.

لقد استمعت لحديث مبارك الأخير العجيب ذاك وأنا فى استغراب مما يمكن أن يصل إليه إنسان أترع قلبه بالصفاقة، فرأيت كذب التمثيل فى النبرة التى عهدناها تكذب وهى تدشن التزوير كانتصارات تاريخية فى انتخابات لم تكن إلا مشينة فاسدة، وتبرر لصوصية اللصوص بأنها «مساعدة للغنى حتى يساعد الفقير» على حد قولٍ مأثورٍ لمبارك نفسه، وتجيز التنكيل بالناس المحتجين على ظلم وفساد نظامه بالسجن والسحل والصعق والقصف والقنص بدعوى الحفاظ على الاستقرار. وأبدا لم يُبد ولن يُبدى ندامة، بل شأن كل سيكوباتى لا يرى أبعد مما تحت قدميه الساعيتين إلى هدف لن يكون غير أنانى وفاسد ومن ثم قصير النظر، لهذا ارتكب مبارك فى حديثه الكذبة التى باتساعها فضحت نفسها، فزعم بعد أن أخفى ما أخفى وغسل ما غسل، بأنه لا يمتلك ما دلَّت عليه دول ومسئولون أجانب كانوا من أصدقاء أمسه، بل كاد يزعم أنه فقير كعامة المصريين!

وفى هذا الحديث السيكوباتى كان البرود هو السمة السائدة فى أدائه، برود متسق تماما مع جنوح قناعات صاحب الحديث، فمادام مقتنعا بأنه لم يجرم، ومادام لم يفعل إلا الصواب الجدير باستثنائية موقعه وعلوِّه على العالمين، فلماذا ينفعل، حتى الانفعال الذى يليق برجل عادى أهينت كرامته كما ادَّعى فى مراوغته وتهديده ووعيده، ولقد كان يخطب بلسان التمثيل وتدريبات خطب المنصة التى عهدنا أكاذيبها التى حطت ببلادنا عبر عقود رديئة، وحطَّت به، إن كان يدرى؟

ملحوظة : كتبت ما سبق صباح الثلاثاء، والآن، صباح الأربعاء، بعد صدور قرار النيابة بحبس مبارك وولديه، أقول: لعله الآن يدرى، ونحن بالقطع ندرى، فلنفرغ من مطاردة الصفاقة، ونُركِّز فى مسعى النهوض والانطلاقة.
ويا هادى. آن الأوان.

بقلم:محمد المخزنجي - الشروق

Sunday, April 10, 2011

ضد التيار

1-
فى خضم الثورة الشعبية التى تموج فى عقول كثير من المصريين يظل العقل هو المقياس الافضل لتحقيق أكثر الأهداف المرجوة بأقصر الطرق و أقل الخسائر و يصبح لعقلاء الأمة دور عليهم أن يقوموا به و الا ندموا و ندم الكل لتقاعسهم عن قيادة الوطن فى تلك المحنة المصيرية التى تتطلب اتخاذ قرارات خطيرة و مؤثرة و مؤلمة لكنها فاصلة و تاريخية
2-
لا يستطيع أحد نسبة الثورة الى تيار أو قادة بعينهم أو طبقة أو ميدان فالثورة هبة كل الذين ساهموا بحياتهم و عيونهم و دمائهم و عقولهم و عرقهم و مجهودهم و وقتهم و من ثم فالانفراد بمقدمة الثورة و الاستئثار بمكتسباتها ليست حكرا على أحد و من يختطف صوت الجماهير و يدعى تمثيلها فهو اما جاهل مندفع أو مغرض و خبيث سىء و فى الحالتين لا يجب أن تتحمل الثورة عبء هؤلاء أو أولئك بل يجب كشفهم و اقناعهم أو فرزهم و تجنيبهم اتقاءا لمسار مظلم و وعرو يؤدى لنهاية كارثية
3-
لا شك أن كل تيار يحوى الكثير من الآراء المتطرفة و أصبج هذا جليا داخل شباب الثورة فأصبح بعضهم لا يألف للغة الحوار و لا يحيد عن موقفه قيد أنملة و يرى فى كل مختلف شيطانا يلزم ابادته و عفنا يجب تطهيره و أصبح بعضا منهم يرى فى نفسه محتكرا للحقيقة و منفردا بالقرار الصائب منجذبا الى فكرة أنه جوهر الثورة و ممثلها و حامل لواء الطهر الباقى بعد انزواء الاخرين و لا شك عندى انهم حسنى النوايا و لكن المصائب دوما تأتى من هؤلاء فهم أخطر على الثورة من اعدائها لانهم خصما من قوة الثورة و عبء عليها و يجذبون ورائهم الكثيرين من المتحمسين السذج فيسيئون للثورة اكثر من أخطر متربصيها
4-
المؤسسة العسكرية هى المنظمة الوطنية الوحيدة المتماسكة فى مصر الآن و التى يمكن أن تقود سفينة الوطن مؤقتا و الانقضاض عليها و اضعافها يدخل البلاد فى هوة سحيقة لا يعلم مداها الا الله و على حد علمى لا توجد مرجعية قوية أخرى ذات شعبية يمكن الاستناد عليها فى هذا الوقت العصيب
5-
لا يمكن تصور عدم تورط المشير و قادة الاسلحة و أعضاء المجلس العسكرى الأعلى فى قضايا فساد أثناء وجود مبارك فى الحكم و أكاد أجزم بأنهم يتحسسون رقابهم و هم يرون رؤوس الفساد تتساقط الواحدة تلو الاخرى و يفكرون مليا فى اليوم الذى يتم فيه تسليم الحكم الى رئيس مدنى منتخب يستطيع فتح ملفات الفساد فى المؤسسة العسكرية و يضعهم أمام العدالة و هم فى سبيل ذلك قد يدبرون من المكائد و يعقدون من الصفقات الخفية ما يصد عنهم هذا المصير المذل يوما ما
6-
اذا كان ثمن الوصول بالبلاد الى بر الأمان هو اغفال فساد المؤسسة العسكرية و التغاضى عن محاسبة الفاسدين فيها .....فأعتقد أنه يمكن لعقلاء الأمة الموافقة على تلك الصفقة لتجنب مصير مؤلم و مظلم و كئيب
7-
جهود الثوار الآن يجب أن تتوحد لاستمرار الضغط المنظم و الواعى و السلمى لتحقيق باقى أهداف الثورة و فرز التشكيلات الحزبية الجديدة و نشر الوعى السياسى و اكتساب أرضية شعبية جديدة لتكون رصيدا للثورة و التحضير للانتخابات البرلمانية و الرئاسية خصوصا ان الحصاد كثير جدا و الفعلة قليلون و الوقت قصير


Monday, April 04, 2011

برج بابل


لم أقتنع منذ البداية بجدوى الطريقة التى يدار بها الحوار الوطنى، والأهداف التى يمكن أن تحققه.. وهل يمكن أن يسفر فى النهاية عن محصلة من التوافقات المجتمعيةحول القضايا الأساسية التى تواجه سيرة الحياة السياسية. أم يبقى الحوار ــ كما رأينا فى الجلسة الأولى ــ مجرد ملتقى لتبادل الآراء والأفكار العامة، بحيث تتحول إلى مصطبة للمناقشات، كما أطلق البعض عليها ساخرا.. تدور حول نظريات ورؤى. تتلون بتلون المشاركين فيها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين!

وبالرغم من كل حسن النوايا المفترضة، فلم يرض الحوار أحدا من الحاضرين. وكان من الصعب بل من المستحيل دعوة ممثلين عن كل الأحزاب والقوى السياسية والاتجاهات الفكرية والدينية والصوفية والسلفية.. وبالطبع لم يكن لشباب الثورة نصيب. وبات المنظر كله أشبه ببرج بابل يتكلم كل واحد فيه لغة مختلفة.. أضافت إلى حالة اللغط الشديد الذى يدور حولنا مصدرا آخر لمزيد من الكلام.. بحيث بتنا نتكلم جميعا ولا نعمل، ونقول ولا ننتج.

وخذ مثالا على ذلك قضية واحدة: هل نبدأ بوضع الدستور ثم تجرى الانتخابات؟ أم نجرى الانتخابات ثم يوضع الدستور.. وما الذى يسبق انتخابات الرياسة أم الانتخابات البرلمانية أم العكس؟ وحتى هذه اللحظة مازال الجدل يدور ويدور دون توافق. وتخيل هيئة الحوار الوطنى وهى تلف وتدور حول قضية واحدة كهذه.. خصوصا إذا بلغ عدد المشاركين أكثر من 160 عضوا.

لقد قرر رئيس الوزراء اسناد مسئولية إدارة الحوار الوطنى إلى الدكتور عبدالعزيز حجازى رئيس الوزراء الأسبق بدلا من الدكتور يحيى الجمل. ولا أظن أن تغيير الأشخاص سوف يغير النتائج ما لم يتغير أسلوب الحوار موضوعاته وطريقة إدارته.

والحقيقة أنه إذا كنا نريد حوارا وطنيا حول «عقد اجتماعى جديد» يتفق مع مطالب الثورة وأهدافها، فالأقرب إلى المنطق أن يكون موضوع الحوار حول «وثيقة للحقوق المصرية» على نمط «وثيقة الحقوق الأمريكية»، تضع الاطار العام للدستور، تحافظ على حقوق الجميع أغلبية كانوا أم أقلية، تمنع ديكتاتورية الأغلبية أو الانتقاص من حقوق الأقليات، وتضمن قيام توازن بين الحاكم والمحكوم لتحول دون الوقوع فى قبضة الاستبداد. كما تمثل سياجا قويا لحماية حقوق الإنسان وحرياته فى العقيدة والتعبير وحقه فى التعليم والصحة والسكن، وضمان حد أدنى من الدخل. وتضمن العدالة وسيادة القانون واستقلال القضاء.

فى اعتقادى أن مشاركة شباب الثورة فى وضع وثيقة حقوق الإنسان المصرى الذى يشكل عقدا اجتماعيا جديدا لمرحلة النهضة، هو الواجب الذى يقع على عاتقهم بكل ما يعنيه هذا من أبعاد مستقبلية، تعبر عن رؤية الأجيال الصاعدة التى قادت الثورة وتحملت اعباءها ودفعت ثمنها من التضحيات. وهذا هو الأسلوب لانقاذ الثورة وبناء الديمقراطية والحكم الرشيد.

ولابد أن يقال صراحة للمتظاهرين ان رفع سقف المطالب والشعارات التى بلغت الآن عشرة مطالب على حد ما نشرته الصحف، لن يؤدى إلى تحقيق أهداف الثورة بالطريقة التى تكفل لها النجاح.

نعم، محاكمة رموز الفساد أمر لا ينبغى السكوت عليه. ولكننا لا نستطيع أن نصادر على صلاحيات السلطة القضائية، كما لا يمكن إجراء محاكمات سريعة استثنائية، أو إصدار قرارات تعسفية.. ولابد أن يحرص الثائرون على ألا تعصف الثورة بالعدالة وبسيادة القانون لمجرد الرغبة فى الانتقام!

ولنتصور ما يمكن أن يحدث إذا اتخذت قرارات متسرعة بطرد رؤساء الجامعات والمحافظين ورؤساء المدن والمراكز وحل المجالس المحلية وفصل قيادات الإعلام.. لن تكون النتيجة غير شيوع حالة من الفوضى والانفلات الإدارى السياسى والأمنى.. من الممكن أن يكون التغيير بخطوات مدروسة وعلى أسس نزيهة وعادلة. فمصر فى النهاية ليست ليبيا أو ساحل العاج. وما يحدث ليس مجرد تغيير زى بزى آخر.. ولكنها عملية تفكيك دقيقة لجهاز دولة مركزية. أصاب بعض أجزائها عطب وفساد منظم، ولابد من إصلاحها دون الحاجة إلى تدميرها. وهذا هو التحدى الذى ينبغى أن يدركه الجميع وأن يعترف شبابنا الثائرين بالحاجة إلى معالجته بكل أناة وحكمة!


بقلم:سلامة أحمد سلامة - الشروق

Thursday, January 20, 2011

من يناير 2010 إلى يناير 2011.. ملاحظات واجبة على مذبحة القديسين

هل أصبح قدرا على هذا الشعب الطيب المنتمى إلى حضارة عريقة، والذى يؤمن أبناؤه بديانتين سماويتين لا نظير لهما فى سماحتهما، أن يشهد فى مطلع كل عام ومع الاحتفال بأعياد الميلاد المجيد جريمة نكراء تحاول أن تقطع الوشائج العميقة، التى تربط مسلميه بأقباطه؟ فى السادس من يناير 2010 أطلق الكمونى ورفاقه رشاشاتهم فى اتجاه المصلين الخارجين من كنيسة نجع حمادى بعد انتهاء صلاة عيد الميلاد فقتلوا ستة وأصابوا سبعة، وفى الأول من يناير الجارى وقعت جريمة التفجير أمام كنيسة القديسين بمدينة الإسكندرية بعد انتهاء قداس رأس السنة فقتلت ما يزيد على العشرين نفسا وأصابت مائة آخرين. الأعمال الإرهابية تتكرر إذن وقدرتها على الإضرار بالوطن وأبنائه تزيد، ومن هنا الحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس ننظر فيها فى مدى سلامة أسلوب مواجهتنا لهذه الأعمال.

يلفت النظر أولا أن الاعتداء على كنيسة القديسين قد سبقه بشهرين فقط تهديد تنظيم «القاعدة» بالعراق بمناسبة مجزرة كنيسة النجاة فى مطلع نوفمبر الماضى. حذر بيان «القاعدة»، التى تبنت العملية آنذاك الكنيسة القبطية المصرية من الاستمرار فى احتجاز مسلمتين (فى إشارة إلى وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة، اللتين نسب لهما أنهما أسلمتا ثم أجبرتهما الكنيسة على العودة إلى الديانة المسيحية واحتجزتهما فى أديرتها).

فى حينه أدان الناطق باسم الخارجية المصرية ذلك العمل الإرهابى الهمجى، وأكد «رفض مصر القاطع الزج باسمها أو بشئونها فى مثل هذه الأعمال الإجرامية». من ناحية أخرى أكد مصدر أمنى مسئول أنه «يوجد تأمين لجميع كنائس مصر» سواء كانت تواجه تهديدات أم لا، كما شدد المصدر على أنه قد تم تكثيف الوجود الأمنى بعد التهديدات الأخيرة لتنظيم القاعدة. لكن مجزرة الإسكندرية وقعت، وهو ما يثير كثيرا من علامات الاستفهام التى قد نعود إليها لاحقا.

يلفت النظر ثانيا أن هناك سمات مشتركة فى أسلوب مواجهة هذه الأحداث الخطيرة، وأول هذه السمات هو إصرار المسئولين على أن الأحداث غير طائفية، فى نجع حمادى كان الحادث بدافع الانتقام لاغتصاب شاب مسيحى فتاة مسلمة فى إحدى القرى، ولا مانع من أن تنشر إحدى الصحف القومية الكبرى فى مكان ملاصق لتغطية الحادث أن وكيل إحدى المدارس (مسلم) قد لقى مصرعه بسبب واقعة اغتصاب، علما بأننا لم نسمع قبلا أن الانتقام لاغتصاب فتاة مسلمة يتم على أيدى مسجلين خطر ويتجه لأتباع ديانة المنسوب إليه فعل الاغتصاب، كما أن مبرر الجريمة (الانتقام للاغتصاب) مأخوذ من أفواه المجرمين وليس من أى مصدر آخر، وأخيرا فقد عُرف عن الكمونى ورفاقه أنهم يأخذون إتاوات من أصحاب الأعمال (قيل على لسان الأستاذة ابتسام حبيب النائبة فى مجلس الشعب آنذاك أن الأنبا كيرلس أسقف نجع حمادى كان يدفع إتاوة شهرية للكمونى ليتوقف عن ابتزاز الصيادلة المسيحيين)، ومعنى هذا أنهم يمكنهم أن يقتلوا من أجل المال: فمن تراه يمكن أن يكون قد دفع لهم ثمن جريمتهم؟

فى التفجير الذى وقع أمام كنيسة القديسين فى الإسكندرية كان هناك إصرار من المسئولين على أن العمل إرهابى يطول مصر كلها وليس طائفيا، ولست أدرى ما الضير فى أن يكون الأمرين معا: إرهاب يصيب مصر بأوخم العواقب بمسلميها وأقباطها لكنه موجه ضد أبنائها من الأقباط بصفة خاصة.

يتسق مع ذلك طريقة نشر أرقام الضحايا، ففى حادث نجع حمادى بدأ النشر أولا بأن الحادث أدى إلى قتل ستة وإصابة سبعة دون إشارة إلى ديانتهم، وبعد ذلك أصبحت صياغة أرقام الضحايا تشير إلى مقتل ستة بينهم شرطى مسلم، وعليك أنت أن تستنتج بسهولة ديانة الخمسة، الذين لم يشر إليهم الخبر. استمر الأمر على هذا المنوال فى الجريمة الأخيرة مع مزيد من عدم الدقة، فالمانشيت الرئيسى فى واحدة من كبريات الصحف القومية يشير إلى استشهاد 21 مواطنا مسيحيا ومسلما، وهو تصوير أقل ما يوصف به أنه غير دقيق، وهو حتى كتابة هذه السطور مغلوط لأنه لم يثبت أن مسلما واحدا ضمن هؤلاء الشهداء. هى محاولة مستميتة لإثبات أن العمل موجه ضد الأقباط والمسلمين معا، وهذا صحيح على الصعيد الاستراتيجى، بمعنى أن ما سيصيب مصر من جراء هذه الأعمال لا قدر الله سوف يمسهم جميعا، ولكنه غير صحيح من منظور أن الإرهاب حتى الآن يستهدف الأقباط تحديدا.

والمشكلة فى هذا التكييف للجرائم الإرهابية الموجهة ضد الأقباط أنه قد يؤدى إلى قصور فادح فى المواجهة. فهل يمكننا أن نتغافل عن أن استهداف أقباط مصر فى عديد من الحوادث قد أدى إلى ظهور «شارع سياسى قبطى» يخرج فى مظاهرات، ويرشق الشرطة بالحجارة، ويحطم ممتلكات؟ وإذا كان هناك الآن نوع من الفهم لدواعى ما يحدث فإن مرور الوقت قد يجعل من هذا «الشارع السياسى القبطى» عنصرا إضافيا لتعقيد المسألة طالما أننا نصر على هذا التكييف غير السليم لها، وقد تكمن العناصر المتشددة من المسلمين إلى أن تهدأ الأمور ثم تبدأ فى التعامل مع هذه الظاهرة بما يزيدها اشتعالا.

تجمع بين الجريمتين أيضا هرولة ممثلى كافة مؤسسات الدولة إلى موقع الجريمة، وإلقاء خطب الجمعة حول التآخى. ومن الواضح أن هذه التصرفات وإن كانت مطلوبة إلا أنها لا تضيف بحال إلى المواجهة السليمة لهذه الظاهرة الخطيرة. وربما استثنى من ذلك المجلس القومى لحقوق الإنسان، الذى دعا فى تقريره عن أحداث نجح حمادى إلى حلول حقيقية منها معالجة الجرائم الحالية على وجه السرعة للحد من استياء الأقباط نتيجة ضعف الردع فى جرائم سابقة، والإسراع بإصدار القانون الموحد لبناء دور العبادة، وإجراء دارسة متعمقة للأسباب الكامنة، التى أدت إلى تكرار الحوادث الطائفية، ومعاقبة أى مسئول يثبت ارتكابه جريمة التمييز، وتأكيد الصفة المدنية للدولة، والكف عن البرامج الإعلامية التى تحض على «تديين» الدولة، وتشديد الرقابة على المناهج الدراسية وعلى القائمين بتدريسها. لكن شيئا من هذا لم يحدث تقريبا.

ليس معنى ما سبق أنه ليس هناك جديد على الإطلاق فى مذبحة الإسكندرية، وهنا يمكن أن نرصد علامتين مهمتين الأولى هى التحرك الفورى من قبل الرئيس حسنى مبارك وإلقائه بيانا أذاعه التليفزيون المصرى، علما بأن أول تصريح له بخصوص أحداث نجع حمادى لم يصدر إلا بعد عشرة أيام. من ناحية أخرى فإن مضمون تحرك الرئيس كان مختلفا. فى تعقيبه على أحداث نجع حمادى «طالب» المصريين مسلمين ومسيحيين بالتصدى لمحاولات الوقيعة، وشدد على رفضه أى نعرات طائفية وتعصبية خاصة أن هناك بالخارج من يحاول زيادة الهوة بين المسلمين والأقباط. أما فى جريمة الإسكندرية فقد توعد بقطع «رأس الأفعى» والتصدى للإرهاب وهزيمته، وذكر بمعركة مصر الناجحة ضد الإرهاب فى تسعينيات القرن الماضى، وتحدث عن دلائل لتورط أصابع أجنبية فى الحادث، وعن مسئوليته التى لن يفرط فيها أبدا لحماية أمن مصر.

أما العلامة الثانية فهى موقف الشارع المصرى بمسلميه وأقباطه الذى انفجر غضبه فى مظاهرات تلقائية تؤكد الوحدة الوطنية، ناهيك عن استنكار المواطنين المسلمين لبشاعة الجريمة، التى وقعت واستدعائهم للمعانى الحقيقية للتآخى والمساواة بين المسلمين والأقباط.

تبقى ملاحظات ثلاث واجبة الأولى تتعلق ببطء العدالة فى أحداث نجع حمادى، فرغم القبض الفورى على المتهمين واعترافهم فإن يد العقاب لم تطلهم حتى الآن، وهو عامل توتر إضافى بالنسبة لأقباط مصر. فى هذه المرة لم يتم التوصل بعد إلى مرتكبى الجريمة، وكلنا أمل فى أن يتمكن جهاز الشرطة المصرية من إنجاز هذه المهمة فى أسرع وقت.

الملاحظة الثانية همسة واجبة فى آذان قيادات وزارة الداخلية التى تتحمل أوزار مجتمع بأسره. قد تكون إجراءات التأمين قبل الجريمة قد اتخذت، بل إننى أصل إلى القول بأن جريمة الإسكندرية من النوع الذى قد لا يمكن الحيلولة دون وقوعه بتشديد الحراسة، لأن شخصا عاديا قد يأتى فجأة ويفجر نفسه وسط الجموع، لكننى كمواطن كنت أشاهد بعينى تراخى إجراءات التأمين بمرور الوقت بحيث لا يكون أفراد قوة التأمين فى وضع تأهب، فهم يتحدثون فى حلقات وظهورهم إلى الشارع، ويتسامرون دفعا للملل، ويبدو الجنود البسطاء منهم ذاهلين دوما. وقد ترى هذه القيادات أن تكون هناك مراجعة ميدانية كثيفة لإجراءات التأمين، كما أننى أتمنى ــ وأعرف مدى ثقل المهمة ــ أن تمتد إجراءات التأمين إلى المساجد لأنه لم يعد يفصل الإرهابيين عن تدبير اعتداءات على مساجد ونسبة ذلك إلى أقباط سوى خيط رفيع، وساعتها لا قدر الله سوف يشتعل الحريق.

أما الملاحظة الثالثة والأخيرة فهى من نصيب المفكرين والمثقفين، الذين لا نسمع لهم صوتا الآن، وكانوا قبل ذلك يملئون الدنيا بأفكار وتحليلات حول الدور السلبى للكنيسة المصرية، ومع الاعتراف بأن هناك ملاحظات عديدة قد ترد على هذا الدور إلا أن الأمر يحتاج دون شك وقفة مع النفس يعلون فيها اعتبارات وحدة الوطن وسلامته على الإفراط فى تناول هذا الموضوع الأثير لديهم

بقلم:أحمد يوسف أحمد- الشروق

من أجـل الوطـن والديـن معاً

فى كل مرة كانت تقع فيها أحداث تفاقم من الاحتقان الدينى فى المجتمع المصرى كان المسئولون يسارعون أولا إلى نفى صفة الفتنة الطائفية عنها، ثم يبادرون ثانيا بلقاءات للمصالحة يحضرها بالإضافة إليهم رجال دين من الطرفين، ولا يدرى المرء ماهية جدوى هذه اللقاءات إن لم يكن الأمر متعلقا حقا بفتنة طائفية. وعلى أى حال كنا نشاهد فى هذه اللقاءات أيادى متشابكة وعناقا حارا بين ممثلى المسلمين والأقباط، وتصريحات وردية عن تجاوز الأزمة، غير أن شيئا عدا هذا لم يكن يحدث إلى أن يحين أوان الأحداث الطائفية التالية فيتكرر السلوك ذاته وكأن المجتمع قد أصيب بجلطة فكرية وسياسية، علما بأن معدل تكرار هذه الأحداث قد زاد على نحو ملحوظ فى السنوات الأخيرة.

من هنا آن أوان الحديث عن الحلول الجذرية، وهو حديث يدخلنا من ناحية فى مناطق شائكة للغاية، ويتطلب من ناحية أخرى لنجاعته وقتا طويلا الأمر الذى يعزز ضرورة البدء فى التحرك بأسرع ما يمكننا. ولا شك أنه من الصعوبة بمكان التوصل بسرعة إلى وفاق وطنى حول ماهية الحلول، ولكن طرح القضية ينبغى أن يكون نقطة البداية.

ثمة أمور كثيرة سكتنا عليها طويلا، واعتبرناها من حقائق الحياة، ومن أهمها سقف الوظائف العامة المسموح به للأقباط. سوف يقال كالعادة إن بين الأقباط وزيرين ومحافظ إلى غير ذلك من «الرموز»، لكن المسألة لا تطرح هكذا بالتأكيد، وإذا كنا لم نتمكن حتى الآن من تحقيق المواطنة الكاملة فى حياتنا السياسية ككل فلنحققها فى مجال الوظائف العامة، بمعنى أن تشغل استنادا إلى الكفاءة وحدها وليس لأى اعتبارات دينية، وهكذا يمكن أن تأتى وزارة مثلا دون وزراء أقباط على الإطلاق أو يشكل الأقباط نصفها أو أقل أو أكثر، وأقول هنا لكل مسلم يعارض هذا الرأى إن عزة الإسلام الحقيقية فى اجتهاد أبنائه وتفوقهم وليس فى شغلهم الوظائف العامة على غير أساس من الكفاءة.

سيقولون إن تولى الأقباط مناصب عامة عديدة قد تشمل رئاسة الوزارة وعضويتها ومحافظين ورؤساء جامعات وغير ذلك سوف يجعلهم يمثلون قوة حقيقية تتحزب لأبناء دينها بحيث ينتهى الأمر بسيطرتهم على الدولة، ناهيك عن ارتباطاتهم الخارجية المشبوهة، فما أسخف القول!. فهو مبنى ابتداء على التسليم بأن المسلمين أقل كفاءة من الأقباط، وهذا غير صحيح، وبالتالى فإن التطبيق الجاد للفكرة سوف يؤدى تلقائيا إلى ميزان للعدالة الحقة بين مكونى المجتمع، بحيث يشغل كل من المسلمين والأقباط ما يقارب نسبتهم فيه.

ما أسخف القول كذلك لأنه حدث عندما أعملت الكفاءة فى أهم المؤسسات المصرية وهى المؤسسة العسكرية كان الفريق فؤاد عزيز غالى قائدا مظفرا للجيش الثانى فى درة الإنجاز العسكرى المصرى فى حرب أكتوبر1973، وعلى صعيد آخر كان المرحوم يونان لبيب رزق بطلا من أبطال كتيبة العقول المصرية التى أعادت طابا لمصر، ولم يسمع أحد منا يوما عن تهمة وجهت لقاض قبطى بتحيز قائم على الدين فى أحكامه.

من ناحية أخرى وعلى مستوى القطاع غير الحكومى فإن آلافا وربما عشرات الآلاف من أقباط مصر أطباء وصيادلة ناجحون بفضل عدالة نظام التعليم المصرى، ولم يسمع أحد يوما أن مسلما قد حرم من خدمة طبية أو دواء ضرورى بسبب هذا الوضع، كما أن الحركات الاحتجاجية للصيادلة والأطباء كانت تتم دوما على أساس مهنى وليس دينيا. ومع ذلك كله فإن حديث «الضمانات» ضرورى فى هذا السياق كى يطمئن الجميع، فجنبا إلى جنب مع المساواة فى فرص شغل الوظائف العامة أو غيرها ينبغى أن تكون هناك رقابة جادة على شاغليها منعا لأى استغلال منحرف لها سواء فى مجال التحيز الدينى أو غيره، كذلك فإن عملية المساواة هذه يمكن أن تتم عبر خطوات تدريجية يمكننا دائما السيطرة على أى نتائج غير حميدة لها.

يأتى بعد ذلك دور رجال الدين، وقد آن أوان التوقف عن الإبحار فى مجال إبداء الآراء الانتقادية التى تمس صميم عقيدة كل طرف من جانب رجال الدين فى الطرف الآخر بالقول أو بالكتابة.

هذا باختصار عمل غير مسئول يمارسه البعض للأسف انطلاقا من بطولات زائفة. كذلك ينبغى لوم كل قيادة دينية ومحاسبتها إذا لم تجهر بالصوت العالى بإدانة ما يقع من أخطاء من الجانبين، فكثير من رجال الدين المسلمين لا يتحدثون عن الرأى الصحيح للإسلام فى حرق الكنائس التى أكد الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر أن الدفاع عنها واجب إسلامى، وكثير من رجال الدين المسيحيين لم يبادروا بإدانة الأقباط الذين قاموا بمهاجمة مقر محافظة الجيزة فى أحداث كنيسة العمرانية الأخيرة، وفرق كبير بين أن تكون مظلوما وبين أن تنتهك القانون وإلا أعطينا ذريعة للممارسات المضادة.

أما خطباء المساجد ووعاظ الكنائس فحدث عنهم ولا حرج، لأنه من المؤكد أن نسبة منهم على الأقل لا تحفل بتعزيز الوحدة الوطنية، ومن حسن الحظ فى هذه الآونة أن على رأس أهم مؤسستين إسلاميتين لهما صلة بموضوعنا وهما الجامع الأزهر ووزارة الأوقاف رجلان يسكن الإسلام الصحيح عقليهما وقلبيهما، كما أن ثقتى كبيرة فى حكمة البابا شنودة فى هذا الصدد.

أما وسائل الإعلام فتحتاج وقفة خاصة لأنها تبقى الأكثر انتشارا وتأثيرا، وبعضها دون شك يلذ له كثيرا أن ينفخ فى الفتنة الطائفية بدعوى الاهتمام بها أو الغيرة على الدين، وهكذا تنتشر الروايات المثيرة والمغلوطة والتى من شأنها أن تؤجج مشاعر الفرقة والاحتقان، ناهيك عن دور الفضائيات التليفزيونية الخاصة إسلامية كانت أو قبطية فى توسيع الهوة بين أبناء المجتمع. ومن أسف أن بعض المثقفين يجد طريقه إلى وسائل الإعلام هذه فتكتسب بهم قيمة وقدرة أكبر على التأثير، والحق أن سيف القانون يجب أن يكون قاطعا فى هذا الصدد حتى ولو اقتضى الأمر بعض الإصلاحات التشريعية.

يتصل بما سبق حديث واجب عن النظام التعليمى بحيث يجب أن تكون المساواة بين الديانتين واضحة فى المناهج التعليمية ولا أزيد!، ويجب ضمان أن يكون المدرسون حريصين على الوحدة الوطنية. وكلنا يعرف الممارسات التى تخرج عن هذا السياق، وكان لبعض وزراء التعليم السابقين فضل إيقافها أو على الأقل شرف المحاولة.

من ناحية أخرى فإن التعليم الدينى على الجانبين يجب أن ينقى من أى شىء يسىء للوحدة الوطنية إن وجد، ويقودنا هذا كله إلى تغيير ثقافى واجب لا أمل بدونه فى إحراز أى تقدم فى هذه القضية المصيرية. ولقد هبت على مسلمى مصر وأقباطها رياح فكرية من خارجها ساعدت على خلق أساس فكرى للفرقة والاحتقان لا علاقة له بجوهر الديانتين، وبسبب هذه الرياح المدمرة حدث الكثير من حالات الفتنة، وفى ظل استمرارها لا أمل يرجى فى أى شىء بما فى ذلك الإنجازات التشريعية المطلوبة كالقانون الموحد لبناء دور العبادة، لأن تشريعا لا تتقبله ثقافة المجتمع لا يمكن أن يكون فاعلا.

الأفكار كثيرة يضيق بها المكان، ومسيرة الحلول الجذرية لا ريب طويلة وشاقة وشائكة، وبعض النفوس أو كثير منها مشحون، لكن الجميع يجب أن يؤمن بأنه لا عزة للدين إذا عاش أبناؤه فى وطن ممزق، ولهذا فإن وحدة الوطن وسلامته تستحق منا أن نبادر الآن وليس غدا بكل ما يمكننا من خطوات من أجل حماية الوطن وإلا فإن التاريخ لن يغفر لنا ما فعلناه بهذا الوطن الحبيب ذى التاريخ العظيم.

بقلم:أحمد يوسف أحمد- الشروق

Friday, December 31, 2010

د.عگاشة‮: ‬نعيش الآن مرحلـــة‮ "تفگيك مصر‮"

يواصل الدكتور احمد عكاشة استاذ الطب النفسي تحليل التركيبة النفسية والاجتماعية والسياسية التي آل إليها حال المصريين بعد نحو ثلاثين عاما من القهر والكبت السياسي.

في الجزء الاول من الحوار اكد عكاشة ان مصر تحولت الي نظام خائف يحكم شعبا من الخائفين معربا عن عدم تفاؤله برجال الحكم لانهم غير قادرين علي تحسين الاوضاع وان الحكومة بلا مصداقية

l‮ ‬ هناك رأي متشائم يري أنه لو استمرت الأوضاع القائمة لفترة أطول،‮ ‬ولم يتصدر من تسمونه‮ »‬القدوة‮« ‬المشهد المصري،‮ ‬فسنتحول لمرحلة ما تسمي‮ »‬الأنومي‮« ‬وفيها يري كل شخص أنه هو السلطة ويسن قانونه الخاص وينفذه،‮ ‬طالما رأي أن السلطة انسحبت عن دورها في ذلك،‮ ‬ويصل المجتمع المصري والدولة المصرية لمرحلة التفكك‮.. ‬هل نحن مقبلون علي هذه الفترة؟

‭ ‬llنحن بالفعل موجودون في هذه الفترة‮.. ‬الآن لا وجود لهيبة الدولة ولا للأمن،‮ ‬والقضاء بطيء،‮ ‬والحكومة أول من يعرقل تنفيذ أحكامه،‮ ‬إذن إذا كنت أريد الاحتفاظ بكرامتي يجب أن أحصل علي كل شيء بنفسي؛ فأصبح القانون في إجازة،‮ ‬والحكومة ضعيفة،‮ ‬والناس لا ترهب الشرطة إطلاقًا‮.. ‬هذا ما حدث في قانون المرور،‮ ‬وكذلك قانون رعاية المريض النفسي الصادر في العام ‮٩٠٠٢ ‬من أجل الحفاظ علي حقوق المريض النفسي،‮ ‬لتأتي الدولة بعد أقل من عام وتحاول ان تهدم المستشفي الذي يعالج المرضي النفسيين بسعر رمزي،‮ ‬كل شيء متناقض‮.‬

‭ ‬lهل يمكن اعتبار دراسة وزارة التنمية الإدارية التي أجرتها بالتعاون مع مركز دعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عن قيم المصريين والتي أظهرت أن ‮٩٤‬٪‮ ‬من المصريين باتوا يتقبلون الفساد ويمارسونه،‮ ‬هل هذه القيم المختلة تعتبر جزءاً‮ ‬من مفهوم التوحد مع المعتدي،‮ ‬وهو السلطة الفاسدة في هذه الحالة؟

‭ ‬llعندما يكون لديك انسان يرغب في الحياة ولديه ‮٤ ‬أولاد وراتبه ‮٠٠٤ ‬جنيه،‮ ‬فكيف سيعيش؟ كذلك لا يوجد تعليم جيد،‮ ‬أما الصحة فحالها في مصر يبعث علي السخرية،‮ ‬فالفقير الذي سيصاب بمرض عضال سيموت قبل أن يجد العلاج،‮ ‬وكأنما هناك فكرة مسلطة أن عددنا زاد علي الحد،‮ ‬ويجب أن نتخلص من الضعفاء للحد من الزيادة،‮ ‬هل هناك في العالم تأمين صحي يقتصر علي معالجة امراض معينة لا يتكلف علاجها مبالغ‮ ‬كبيرة،‮ ‬كما هو الحال في بلدنا؟‮! ‬

lد.عكاشة أنت لامست المناخ السياسي في حقبة الستينيات،‮ ‬في فترة شهدت مزاوجة بين الثقافة وصناعة القرار السياسي،‮ ‬لو حاولت حضرتك مقارنة تلك الفترة بالمطبخ السياسي الحالي والمزاوجة التي يشهدها صناعة القرار السياسي ورأس المال‮.. ‬كيف ستقارن بين الفترتين؟

lالفترتان مختلفتان تماما‮.. ‬كانت الأولي فترة تحرر وكنا بالنسبة للعالم المحيط بنا مثلا أعلي،‮ ‬وكان يحكمنا شخص بكاريزما طاغية،‮ ‬وشعر الشعب بالكرامة،‮ ‬وكان هناك مشروع صناعي متميز،‮ ‬وإن كان في وقت الثورات يتعرض قطاع من الشعب للظلم،‮ ‬فلم تتجاوز نسبة هذا القطاع في ثورة يوليو‮ ‬1٪‮ ‬من الشعب وهم طبقة الأثرياء والإقطاعيون‮.‬

لا أحد ينكر أن الفلاح والعامل في عهد عبد الناصر كانوا في أفضل حالاتهم،‮ ‬ولو يغير من ذلك ضحايا الثورة وهو الاحتمال الموجود في كل الثورات،‮ ‬ولنقارن مثلا بعدد من قتل في الثورة الفرنسية أو الشيوعية،‮ ‬ففي الثورة المصرية‮ ‬1952‮ ‬كان عدد الضحايا‮ ‬15‮ ‬فردا تقريبا،‮ ‬لذلك لا نجد في أي مكان بالعالم دولة يهزم جيشها ثم يخرج الشعب للتمسك بالحاكم ويرفض رحيله،‮ ‬ربما كانت تلك هي صورة السلطة الأبوية‮.‬

‭ ‬lالأب أم الفرعون؟

‭ ‬llلا الأب‮.. ‬الذي يوفر لك سبل البقاء والحماية،‮ ‬ويطلب منك أن تبتعد عن السياسة لتحصل علي مكتسبات‮.‬

‭ ‬lالبعض يري أن هذا الاعتماد الكامل علي النظام في كل شيء كان بداية الانهيار؟

‭ ‬llلا‮.. ‬بل كانت فترة مكتسبات للطبقات الكادحة،‮ ‬وكان يجب أن يتم تلافي أخطاء تلك الفترة فيما بعد وهو ما لم يحدث،‮ ‬ومن جاء بعد الحقبة الناصرية عمل علي هدم مشروعها ولم يسع لتلافي أخطائها،‮ ‬علي العكس تمامًا شهدت أمريكا في بداية توحدها حرباً‮ ‬أهلية ثم تمييزاً‮ ‬عنصرياً،‮ ‬أما الآن فقد تغيرت أمريكا وتوحدت وصار رئيسها أسود اللون‮.. ‬

كل فترة لها وعليها،‮ ‬ولكن الجمود الذي حدث لنا في الـ‮ ‬30عاما الأخيرة سبب لنا نوعاً‮ ‬من البلادة،‮ ‬علي عكس الشعوب المتقدمة التي تتسم أنظمتها بالعدل،‮ ‬وانظر للاحتجاجات التي عمت باريس بسبب قانون مد سن التقاعد وكان المشاركون فيها معظمهم من الشباب،‮ ‬وكذلك الاحتجاجات الطلابية في لندن علي رفع مصاريف الدراسة‮.‬

‭ ‬lد‮. ‬عكاشة‮.. ‬نلمح في خلفية مكتبك صورة الرئيس مبارك وهو يقوم بتكريمك‮.. ‬عندما تلتقي مع رجال النظام ومؤسساته،‮ ‬ألم يقم أي منهم باستشارتكم في سبل التصرف في هذه الأوضاع؟ ام انهم لا يستشعرون بأن البلد فيه مزاج اكتئابي وتمر بأزمة؟

‭ ‬llالحزب الحاكم يتسم بعدم القدرة علي الحوار،‮ ‬ومن ثم يعتبر انه دائما علي صواب،‮ ‬وهذه مشكلة كبيرة،‮ ‬وأيضا تجد ذلك في تيارات المعارضة،‮ ‬وعندما أكون مع رجال السلطة،‮ ‬يؤكدون أن أرائي صحيحة ولكن من الصعب تحقيقها،‮ ‬ولكي نفهم ما يقصدونه يجب أن نلاحظ أن أي وزير لم يعينه الشعب ولا يسائله الشعب ولن يغيره الشعب،‮ ‬فيكون ولاؤه لمن منحه السلطة وليس للشعب،‮ ‬وبالتالي فهم سيستمعون فقط لآراء السلطة حتي وإن جانبها المنطق‮.‬

‭ ‬lإذن لم يحدث أنه تمت استشارتك بشكل مباشر للبحث عن حلول لمشاكل المصريين،‮ ‬ومزاجهم العام؟

‭ ‬llحدث بطرق‮ ‬غير مباشرة،‮ ‬فأنا أعرف الكثير من رجال السلطة بشكل شخصي،‮ ‬وأقول لهم رأيي بصراحة،‮ ‬ولكن شهوة السلطة التي تفوق سلطة التعقل،‮ ‬وتنتصر فيضيع نصحي ورأيي هباءً‮.‬

‭ ‬lألا يشعر رجال السلطة بالخطر أو الرهبة من ثورة الشعب؟ أم أنهم يعتبرونه شعبًا مستكينًا لا خوف منه؟

‭ ‬llبرأيي أنه هناك نوعان من رجال السلطة،‮ ‬نوع يعتبر أن الشعب مستكين‮ »‬تجمعه زمارة ويفرقه كرباج‮«‬،‮ ‬وهذا ليس صحيحا،‮ ‬وفريق آخر داخل السلطة في حالة خوف من الشعب،‮ ‬نحن في وضعية بلد خائف‮.. ‬حكام خائفون يحكمون شعبا خائفا‮.. ‬وتجربة الانتخابات الأخيرة التي فاز الحزب بـ‮ ‬95٪‮ ‬من مقاعدها تثبت ذلك،‮ ‬ما السياسة وراء ذلك‮ ‬غير الخوف؟‮!‬

ما زلت أعتقد أن أعضاء الحزب الوطني يحبون مصر،‮ ‬وكذلك الحال في الإخوان المسلمين وفي الوفد وباقي التيارات،‮ ‬أنا لا أخون احدًا،‮ ‬إنما المشكلة تكمن في‮ ‬غياب القدرة علي الحوار والاستفادة من أفكار الفريق الآخر،‮ ‬إنها مشكلة الشعب بأكمله‮.‬

طبعا هنا لا أتحدث عن الخائنين ولا اللصوص ولا الفاسدين،‮ ‬وللأسف هم الغالبية بحسب دراسة لمركز دعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء،‮ ‬والتي تكشف أن‮ ‬94٪‮ ‬من الشعب يقبلون صورة من صور الفساد ويمارسونه،‮ ‬إذن يبقي هناك‮ ‬6٪‮ ‬جيدون ويمكن أن يغيروا النسبة الغالبة،‮ ‬ويمكن أن يقودوا بمبادئهم وأيدلوجياتهم،‮ ‬و6٪‮ ‬رقم كبير لقيادة التغيير‮. ‬

إذن المشكلة مشكلة مصداقية،‮ ‬وكذلك انعدام الثقة،‮ ‬وايضا سبق وأجريت دراسة عن الثقة وجدت أن‮ ‬84٪‮ ‬من المصريين لا يثقون في بعضهم البعض أو أجهزة الدولة،‮ ‬وغياب الثقة يعني‮ ‬غياب الحب‮.. ‬أي أن‮ ‬84٪‮ ‬من المصريين لا يحبون بعضهم البعض،‮ ‬وهذه وحدها أزمة‮.‬

أزمة بشر

‭ ‬lهل أصبحنا أسوأ يا دكتور فيما بيننا؟

‭ ‬llفي رأيي أن الجنة بشر والنار بشر والدنيا بشر،‮ ‬والبشر هم سبب سعادتنا أو شقائنا،‮ ‬وقصة جان بول سارتر‮ »‬الجحيم هو الآخر‮« ‬التي يري كاتبها أن العذاب في الجحيم الأبدي هو بالحياة مع أناس سيئين،‮ ‬واقعية تماما،‮ ‬وسبب أزماتنا في مصر،‮ ‬أننا صرنا سيئين فيما بيننا،‮ ‬وطالما صحة المواطن النفسية في حالة‮ ‬غير سوية،‮ ‬فسيتمركز الإنسان حول ذاته،‮ ‬ولا يتمركز حول الآخر،‮ ‬وأحد القيم الأخلاقية في الدين والعدل،‮ ‬هو تجاوز الذات مما يحقق السعادة أكثر،‮ ‬ومثال ذلك بيل جيتس الذي وهب ثروته لعلاج الفقراء في إفريقيا وآسيا،‮ ‬لقد سعد بتجاوز ذاته،‮ ‬وتبعه في ذلك عدد من مليارديرات العالم‮.‬

من النادر أن تجد شخصاً‮ ‬يتجاوز ذاته،‮ ‬سئلت في أحد المرات سؤالا شعرت معه بالحرج من نفسي،‮ ‬كان السؤال هو‮: ‬لقد حققت الكثير مما يتمناه الناس علي المستويين الشخصي والمهني،‮ ‬وكذلك علي المستوي العالمي،‮ ‬فمتي فكرت ان تخدم الشعب،‮ ‬هل منذ صغرك أم بعدما حققت ما تتمني فتجاوزت ذاتك؟‮ ‬

أجبت أنني كنت مشغولاً‮ ‬بذاتي وتخصصي،‮ ‬ولكنني لم أتوقف عن خدمة الوطن بعد عودتي،‮ ‬وقررت أن أعود بعد بعثتي من لندن،‮ ‬ولم أفضل الاستمرار مثلما فعل الكثير من زملائي،‮ ‬وعرضت علي مناصب جامعية في دول متقدمة ورفضتها،‮ ‬فكان لدي تجاوز الذات لكنه لم يتفجر إلا بعدما كبرت،‮ ‬وهذا التجاوز للذات وجدته يؤذي عدداً‮ ‬من المسئولين الذين نصحوني بالبعد عن الحديث في السياسة‮.‬

‭ ‬lهل حدث لك تهديد بسبب مواقفك وآرائك اللاذعة فيما يتعلق بالحالة السياسية والاجتماعية في مصر؟‮ ‬

‭ ‬llطبعًا لو أرادوا تهديدي فهم قادرون علي ذلك بطرق مختلفة،‮ ‬لكن في الحقيقة إلي الآن لم يحدث أن تعرضت للتهديد المباشر،‮ ‬ولكن أحيانا تصلني رسائل في صيغة مزاح،‮ ‬فعلها مرة أحد رؤساء الوزارة ولا داعي لذكر اسمه،‮ ‬كما يحاول أصدقائي من المسئولين نصحي بتهدئة وتيرة آرائي،‮ ‬أو علي الأقل أن أقتصرها علي مستوي سياسي معين لا يتجاوز للأعلي منه،‮ ‬ولكن أحيانا يطلب مني مسئولو قنوات تليفزيونية عدم تخطي حساسيات معينة‮.‬

‭ ‬lبمناسبة ما يثار عن نقل وهدم مستشفي‮ »‬العباسية‮«.. ‬هل تعتقد أن الدولة عازمة بشكل جدي علي نقل المستشفي،‮ ‬أم سترضخ للأصوات المعارضة لتلك الخطوة؟

‭ ‬llقلتها في وقت سابق‮.. ‬إننا نعوي ولا نعض،‮ ‬سواء إعلاميين أو معارضين،‮ ‬وما حدث أن هذا الأمر حدث منذ أكثر من‮ ‬16‮ ‬عاما في عهد د‮. ‬علي عبد الفتاح المخزنجي،‮ ‬وزير الصحة الأسبق،‮ ‬وكان صديقاً‮ ‬لي،‮ ‬وعندما ذهبنا كأطباء نفسيين لمناقشته في الأمر،‮ ‬اقتنع بآرائنا وسحب الفكرة،‮ ‬ثم جاء د.إسماعيل سلام ليقوم بتوسعة مستشفي العباسية،‮ ‬ويضيف إليه مبنيين‮.‬

وما حدث هذه المرة أنه تمت مناقشة موضوع إقامة أرض معارض كبري في هذه المنطقة،‮ ‬وذلك في شهري مارس وسبتمبر الماضيين بمجلس الوزراء،‮ ‬ولكن الرسم الذي عرض حينها لم يشتمل علي أرض مستشفي العباسية،‮ ‬غير أن من يعلم قيمة الأرض في هذه المنطقة،‮ ‬في ظل حاجة الدولة لأموال تدعم بها خزانتها،‮ ‬بدليل فشلها في توفير اعتمادات لزيادة رواتب الأطباء مما دفعها لتحصيلها من جيوب المرضي الفقراء الذين يراجعون المستشفيات الحكومية،‮ ‬وعلي هذا الأساس يري البعض أنه صدرت تعليمات لوزير الصحة بنقل أرض المستشفي لاستثمار أرضها‮.‬

وربما تصريح وزير الصحة في صفحة الدولة بصحيفة الأهرام الخميس‮ ‬23‮-‬12‮-‬2010‮ ‬والذي قال فيه إنه‮ »‬لم يأت لي خطاب حتي الآن بهدم مستشفي العباسية‮« ‬يشير إلي أن هناك نية بالفعل ولكن ربما تكون مؤجلة،‮ ‬ونحن نطالب الوزير بأن يصرح بانه لا يمكن هدم هذا الصرح بأي حال من الأحوال،‮ ‬وليس بنفي تسلمه إخطاراً‮ ‬بالهدم‮.‬

‭ ‬lفي إطار ما يحدث للمصريين وما يمرون به من أعراض مرضية،‮ ‬ألا توجد مبادرة من جانبكم بالتعاون مع المجتمع المدني لإيقاف مشروع هدم مستشفي العباسية؟

‭ ‬llأعتقد أن المبادرة يجب أن تأتي كذلك من الإعلام،‮ ‬فيجب أن يعمل علي صناعة رأي عام ضد هذا المشروع،‮ ‬ولو وصلت أصداء الاعتراض لرئيس الجمهورية أثق في أنه سيعطي أوامره بوقف هذا المشروع‮.‬

‮- ‬علي ذكر المبادرات‮.. ‬ألا توجد مبادرة تتولي قيادتها للتعامل مع ملف الصحة النفسية للمصريين،‮ ‬بتوفير العلاج النفسي المجاني والراقي لفقراء المصريين؟

‭ ‬llهناك مركز عكاشة للطب النفسي في جامعة عين شمس الذي يراجعه يوميا أكثر من‮ ‬70‮ ‬مريضًا دون أية مصاريف أو رسوم،‮ ‬بما يساوي عدد من يراجعون مستشفي‮ »‬العباسية‮« ‬سنوياً،‮ ‬وفيه قطاع اقتصادي لتغطية نفقات علاج الفقراء‮.‬

‭ ‬lلكن ألا توجد مبادرة لإنشاء مستشفي للطب النفسي قائم علي التبرعات علي‮ ‬غرار مستشفي سرطان الأطفال‮ ‬57357‭.‬

‭ ‬llتجربة مستشفي سرطان الأطفال‮ ‬غير قابلة للتطبيق مع الطب النفسي،‮ ‬فهي تجربة يقف خلفها رموز في السلطة،‮ ‬كما أنني أعتقد أنها كانت لها أثر سيئ علي معهد الأورام الذي يعالج عشرات الآلاف سنويا،‮ ‬وقضت علي التبرعات التي كانت تخصص له واستحوذت عليها،‮ ‬لصالح عدد محدود من المرضي‮ ‬يعالجهم المستشفي،‮ ‬ثم إننا لا زلنا في مجتمع لا يعتبر المرض النفسي له الأولوية في العلاج‮.‬

رسالة إلي المصريين

‭ ‬lفي النهاية‮.. ‬نريد رسالة من د.أحمد عكاشة لكل من النظام الحاكم،‮ ‬والشعب للتعامل مع الأزمات التي تمر بها مصر الآن‮..‬

‭ ‬llأقول للشعب‮.. ‬مستقبل أولادكم مسئوليتكم،‮ ‬وليست مسئولية الحزب الحاكم،‮ ‬كن إيجابيا وطالب بحقوقك ولا تتنازل عن حقوق مهدرة حتي إذا نمت في الشارع احتجاجا‮.. ‬تكاتفوا‮.‬

وللحزب الحاكم‮.. ‬أتمني أن يكون كلامكم المعاد منذ‮ ‬10‮ ‬ـ15سنة باهتمامكم بذوي الدخول المحدودة،‮ ‬أتمني ان يصدق هذه المرة،‮ ‬ولكن للأسف إن ما رأيناه ونراه خاصة في مجال الصحة والتعليم،‮ ‬لا يفي ولا يتوازن أو يتواكب مع وعودكم‮.. ‬أرجوكم‮.. ‬أنا لا أشك في وطنية أعضاء الحزب ولا التنظيمات السياسية‮.. ‬أرجوكم اجعلوا بينكم الحوار،‮ ‬لا تفتقدوا عقولاً‮ ‬مبدعة ومنتجة لا تنتمي للحزب الوطني‮.‬

هذه الفرصة الوحيدة أمامنا للنهضة وأنتم القدوة،‮ ‬ولا يمكن أن يوجد شعب ينهض بلا قدوة،‮ ‬وقد قيل أن الأمم تنهض ليس بالقوي العسكرية ولا السياسية ولا الاقتصادية،‮ ‬ولكن بأخلاق مواطنيها،‮ ‬دعنا نعمل علي أن تعود أخلاق المصري كما سبق‮.. ‬كرامة‮.. ‬عزة‮.. ‬شموخ‮.. ‬شهامة وتجاوز للذات‮.‬

‭ ‬lونصيحة للمواطن الذي يشعر بأنه يعاني حالة الاكتئاب من الأوضاع الحالية،‮ ‬ويغلبه اليأس‮.‬

‭ ‬llيجب أن تتكيف لتعيش،‮ ‬ونحن لا نعالج من عنده أعراض اكتئابية،‮ ‬هذه مهمة صانع القرار السياسي وليس الطبيب النفسي،‮ ‬الطبيب يعالج أمراضًا وليس مشاكل حياة،‮ ‬فلا تحمله مسئولية أعراض بطالة وغلاء وظلم ووووو‮.‬

كتب: عادل القاضي وهشام عبدالعزيز