Showing posts with label ثورة 1919. Show all posts
Showing posts with label ثورة 1919. Show all posts

Friday, July 02, 2010

صفحات مجهولة من حياة الفدائى الأرستقراطى «عريان يوسف سعد»


فى خضم أحداث متلاطمة هزت القاهرة عام ١٩١٩، كان «عريان يوسف سعد»، الطالب الثورى الجامح للتمرد، يختم عامه الـ ١٩. ويحلو لبعض المؤرخين تقديم ثورة ١٩١٩ باعتبارها «سلمية»، إلا أنها فى واقع الأمر لم تكن سلمية لدرجة يمكن وصفها بـ «المخملية»، فقد كان لها وجهها العنيف، الذى اضطر الثوار إلى الكشف عنه فى مواجهة رصاص القوات البريطانية المتطاير فى وجوه المظاهرات الشعبية.

ولأن ثورة ١٩ لم تخل من الشهداء الذين تساقطوا، فقد حفزت دماؤهم الثوار على تدبير الاغتيالات ضد من اعتبروهم أعوانا للاستعمار، ومناهضين للحركة الوطنية. وفى بلد رازح تحت نير الاحتلال، كان الشعب يطرب لأصوات القنابل التى يستهدف بها الفدائيون «وزراء الاستعمار». كانت تلك العمليات «هى الشهب التى تضىء ظلام الحكم الحديدى»، منذ ١٩١٩ وحتى إعلان الدستور سنة ١٩٢٣، «ذلك المخدر الذى تراخت تحت تأثيره عضلات الثوار.. إلى أن فتحت (مصر) عينيها وهى بين يدى ثوار الجيش سنة ١٩٥٢».

هكذا تحدث «عريان يوسف سعد» فى مذكراته الخاصة.. استفاض فى سرد وقائع حيوية ترنو لدرجة التوثيق، وفاض مداد قلمه فى سرد مشاعره، قائلا: «فى ذلك الجو الخانق، جو ثورة شعب أعزل يواجه جيشا مدججا بالسلاح، كنت أعيش شابا يختم عامه الـتاسع عشر».

ولد «عريان» فى ٢٥ مايو ١٨٩٩ فى ميت غمر لأسرة أرستقراطية، حصل على البكوية عام ١٩٥١، وتوفى عام ١٩٧٤. ومن بين إخوته الـ ١١، دوّن تاريخ النضال الوطنى اسم عريان، الذى انتقل مع أسرته من عزبتها التى نشأت بها فى ميت محسن إلى القاهرة، ليتلقى تعليمه الثانوى فى المدرسة التوفيقية، قبل أن يلتحق بكلية الطب – جامعة فؤاد الأول.

ويلخص «عريان» تجربته وهو فى عنفوان شبابه، بأن «موجات الفتوة كانت تتدافع فى جسده وتغمر رأسه قصص كفاح قرأها، وهو فى أولى مراحل الحياة.. فلا عجب أن يبحث فى ظلال الثورة عن المغامرة، ولا عجب أن يجدها ويحياها».

دخل عريان حلبة السياسة على مراحل، وكان استعداده لها قويا منذ البداية، أما أول خطوة له فجاءت عن طريق المصادفة بدعوة من زميل له فى مدرسة الطب ليذهب معه إلى مكتب شقيقه المحامى فى القاهرة لتوقيع عريضة توكيل للوفد المصرى. وما هى إلا ساعات وكان «عريان» يمسك بالعريضة والقلم، مقرا فيها بأنه يوكل «سعد زغلول ومن معه للسعى فى المطالبة باستقلال مصر، ما وجد إلى السعى سبيلا». أما الإمضاء فكان: عريان يوسف سعد - طالب طب.

مثلت هذه الوثيقة نقطة تحول لـ«السعديين»، وأصبح سعد زغلول، وكيل الأمة، وحامل الراية التى حملها من قبله أحمد عرابى ثم مصطفى كامل ثم محمد فريد، وبها اعتبر سعد عريان نفسه «صاحب قضية»، استقلال الوطن، بل وكل لها محاميا، هو سعد زغلول.. «إذن فقد حق لى أن أتتبع خطوات ذلك المحامى.. وهل يقوم على الوكالة الخطيرة.. أم أنه تصدى لها لحاجة فى نفسه؟!».

عايش «عريان» بعد ذلك مظاهرات الطلبة التى خرجت هادرة بعدما قبض الإنجليز على سعد زغلول هاتفين: «تحيا مصر حرة!» و«يحيا سعد» و«تسقط الحماية». وعايش طالب الطب المتمرد تلك اللحظات التى وقف لها شعر رأس الطلبة وغلى الدم فى عروقهم «كأنه سيل من نار».

جاب مع مسيرات الطلبة الحاشدة الملتهبة بنار الوطنية شارع قصر العينى، قاصدة كلية التجارة العليا فى شارع المبتديان، بالقرب من سكة حديد حلوان، الذى أغلقته «سواري» و«بيادة» البوليس (المجندين) بأكمله فى وجه الطلبة، ملوحين بالعصى الغليظة. وقعت اشتباكات أسفرت عن اقتياد ما لا يقل عن ١٥٠ طالبا – بينهم «عريان» – إلى قسم شرطة السيدة زينب.

يستدعى عريان فى مذكراته لحظات خروجه وزملائه الـ ١٥٠ من القسم محاطين بجنود البوليس من الجانبين، وهم لايزالون يهتفون: «تحيا مصر» فى مشهد «لا عهد للقاهرة بمثله». وكان البوليس يقتاد الطلاب المتظاهرين من قسم السيدة إلى مبنى المحافظة فى باب الخلق، فساروا فى الشوارع لتطل عليهم وجوه النساء من شرفات منازلهن التى «ما كانت تظهر لأحد غير أهلها».

يقول عنهن عريان: «اخترقت زغاريد النساء هتاف الطلبة، فعلت عليه، وكأنها أصوات الملائكة نزلت من السماء لتشارك شباب مصر فى هتافه مطالبا بحقه وحق بلاده فى الحرية»، «كلما قطعنا جزءا من الطريق.. ارتفعت من المساكن التى نمر بها على الجانبين زغاريد كأجراس الفضة تبعث فى نفوس الشباب روح المغامرة، واستصغار المخاطر». ومن باب الخلق إلى معتقل القلعة، شقت لوريات الجيش الإنجليزى، محملة بالطلبة، ظلام الليل الدامس.

ينتقل عريان بنعومة عبر الزمان والمكان، فنروح معه ونغدو فى رحلة داخل الثورىّ الإنسان.. ومن شارع قصر العينى إلى مسقط رأسه ميت غمر، يقول بروح مفعمة بالوطنية البعيدة عن المذهبية: «كانت ميت غمر قد أعلنت استقلالها، وتألفت فيها وزارة من الأعيان وقام الطلبة والعمال بحفظ الأمن»، هذا الاستقلال الذى سرعان ما أجهضه الجنود البريطانيون.

ومضى يقول فى مذكراته إن أول مظاهرة نشبت فيها «كان يقودها محمود حسنى وأندراوس رزق وسعد يوسف سعد وكانت نار الخلاف بين المسلمين والأقباط لاتزال جذوتها تحت الرماد منذ مؤتمر الأقباط الذى انعقد فى أسيوط ١٩١٠ والمؤتمر الإسلامى الذى انعقد فى هليوبوليس والمقالات النارية التى كان يكتبها الشيخ عبدالعزيز جاويش والردود القاسية التى كانت تنشرها جريدتا الطائفة القبطية (الوطن لصاحبها جندى إبراهيم ومصر لصاحبها تادرس شنودة المنقبادى)» وبموضوعية بعيدة عن أى انحياز دينى يضيف: «كانت جمرات الحقد بين العنصرين لاتزال تحت رماد النسيان، أطفأها سعد زغلول فى قلوب المثقفين وعقولهم، ولكنها بقيت بين كثيرين من قليلى الحظ من الثقافة وكانوا كثرة فى البلاد».

هكذا صاغ الثورى القبطى فى مذكراته أفكارا تصلح لإطفاء نار الفتنة التى لايزال أبناء الوطن الواحد يكتوون بنارها حتى يومنا هذا. وهكذا كانت أفكاره التى انعكست فى مطالبته لابنته يوما بأن تقرأ الكتب السماوية الثلاثة ثم تأتى إليه ليتناقشا حولها. فى النهاية، توصل الأب وابنته إلى خلاصة مفادها أن الكتب الثلاثة تغطى الجوهر نفسه فيما يتعلق بالوصايا العشر، وهو ما يعنى أن تكون شخصا صالحا أمينا، له قيم يمارسها، لا يعظ بها».

أميرة عبدالرحمن- Almasry Alyoum


حفيده: جدى ضحى بنفسه ليمنع فتنة طائفية وقضى ٤ سنوات بين «تكسير الحجارة» والسجن الانفرادى

البطل هو الذى يقبل أن يضحى بسعادته الشخصية، بل بحياته فى سبيل هدف أسمى يؤمن به.. ولا يجوز تصنيف عريان يوسف سعد إلا كبطل، ففى صغره ضحى بمستقبله وقبل التضحية بحياته فى سبيل هدف أسمى هو «مصر»، وإيمانه الراسخ بوحدة أبنائها وعلاقاتهم الأخوية المتينة، بغض النظر عن اختلاف عقائدهم الدينية.

سجن وعمره ١٩ سنة فى محاولة اغتيال يوسف وهبة باشا سنة ١٩١٩ وخرج من السجن عمره ٢٣ سنة وتزوج بعدها وعمره ما يقرب من ٣٠ سنة، وعاش فى القاهرة وعمل فى مجلس الشيوخ ومما فرض عليه السياسة مرة أخرى بعدما كان أقلع عنها، ثم عمل مندوباً لمصر فى لجنة مقاطعة إسرائيل، وأخيرا فى الأعمال الخاصة حتى «يستر بيته» - على حد قول حفيده أشرف شنودة الذى أجرت معه «المصرى اليوم» هذا الحوار..

■ ماذا عن نشأة عريان يوسف؟

- ولد فى ٢٥ مايو ١٨٩٩ بالقرب من ميت غمر ‏(‏إحدى مدن الدقهلية)‏ وهو السادس بين إخوته الاثنى عشر، انتقل إلى القاهرة لمواصلة تعليمه الثانوى‏ حيث تفوق فى دراسته والتحق بكلية الطب‏ فى ميت غمر.

■ كيف اتجه للسياسة؟

- لم يكن له أى مسلك سياسى فى البداية وكان شاباً مثل أى شاب، وكان أول دفعته فى كلية الطب، فكان مجتهدا والمفروض أنه كان سيصبح طبيباً لولا جاء فى وقت دراسته موضوع زيارة ملنر لمصر وبدأ يأخذ جانب سياسى كما وصف فى مذكراته أنه أصبح صاحب قضية أى أصبح متخيلا أنه «عنده واجب لازم يعمله»، ومع تولى أول رئيس وزارة قبطى وهو يوسف وهبة باشا ازدادت الأمور بالنسبة إليه حتى إنه أراد أن ينبه أو يمنع التقارب الذى سيحدث بين يوسف وهبة والإنجليز، والذى غالبا ما سوف يؤدى إلى أضرار بالشعب المصرى.. وحتى ينفذ هذا الفكر فقد رأى الحل فى أن يغتاله ويسلم نفسه. وهذا هو الدور البطولى له وليس له أى أبعاد سياسية أخرى ولا حتى بعد خروجه من السجن.

■ لماذا اراد تنفيذ عملية الاغتيال بنفسه؟

- لأنه خاف فى ذلك الوقت من أن يُغتال من قبل شخص مسلماً وتحدث فتنة بين المسلمين والمسحيين، وأن يحدث تشوه للحركة الوطنية ككل فى جميع أنحاء مصر، وبكل تأكيد كان سيقول الإنجليز إن السبب الرئيسى للاغتيال هو الاحتقان بين المسيحى والمسلم وسيؤدى ذلك إلى قيام حرب بين المسيحيين والمسلمين.

■ ما موقفه حينما اعتقل سعد زغلول فى ٩ مارس ١٩١٩؟

- انضم إلى مظاهرة ضخمة قامت من الأزهر حيث تم اعتقاله مع الطلاب المتظاهرين وبعد الإفراج عنه ذهب وزملاؤه إلى ميت غمر، فالسلطة العسكرية منعت وقتها الانتقال من القاهرة وإليها.. فهربوا فى قارب شراعى ووصلوا ميت غمر فوجدوا ميت غمر أعلنت استقلالها ولكن لم يستمر الوضع كثيراً لعودة الإنجليز لها مرة أخرى، وهنا قرر عريان يوسف سعد الانضمام لمنظمة اليد السوداء لاستعادة حقوق المصريين.

■ ماذا كان موقف عريان يوسف سعد قبل محاولة الاغتيال؟

- قرر بداخله أن ‏المظاهرات قد لا تؤثر، وإذا دبر اعتداء عليه سيقال إن المسلمين اعتدوا على رئيس الوزراء لأنه قبطى،‏ ولهذا قرر أن يقوم بالعملية ويسلّم نفسه كدليل على أن المعتدى قبطى‏ وبالتالى التقى عريان يوسف سعد أحد أعضاء منظمة اليد السوداء واتفقا على التنفيذ‏ وتربص له فى قهوة ريش و‏عندما مرت سيارة يوسف وهبة أخرج القنبلة من جيبه وقذفها نحو السيارة‏ لكن السائق دار حول نفسه واستقرت القنبلة بجانب العجلة الخلفية وانفجرت ونجا يوسف وهبة باشا وقبض على عريان يوسف سعد وأُخضع للتحقيق‏.‏

■ ماذا عن مقابلته مع رئيس الوزراء قبل محاكمته؟

- هذه المقابلة أكدت المفهوم والفكرة التى يريد أن يوصلها الأقباط لـ«يوسف وهبة» حتى إننى أذكر مقولة لجدى وهو يحكى معى وهو فى سن الخمسين وهى «الحمد الله إنى مقتلتوش، وصلنا للحاجة اللى عايزين نوصلها وعرفنا نقول إنه فى إخوة بين المسيحيين والمسلمين ومفيش مشكلة بينهم، حتى إن القبطى حاول اغتيال قبطى آخر ليبعد الشبهة عن إخواته المسلمين، والحمد الله أنه لم يمت حتى لا تلطخ يدى بالدماء وأكون قاتلا عند ربى».

■ لماذا قبل عريان يوسف أن يترافع عنه إنجليزى رغم كرهه لهم ومحاولته اغتيال من يتعامل معهم كما حدث؟

- هو رفض فى بداية الأمر إلا أن شقيقه أقنعه فى النهاية وأعتقد أنه كان مضطرا لذلك بعدما أحس أنه سيعدم، واستطاع المحامى وبصعوبة أن يعدّل اعترافه من تعمد القتل إلى إرهاب رئيس الوزراء لتخفيف الحكم وهو ١٠ سنوات.

■ ماذا عن موقفه عندما نُطق بالحكم عليه ١٠ سنوات؟

- تقبّل الموقف، خاصة أنه كان متوقعا من الجميع عقوبة أكثر، لكن الذى كان يخفف عليه المعاملة الحسنة من قبل بعض المسؤولين بالسجن مع أن البعض الآخر يعامله كإرهابى قاتل، منهم مدير السجن الذى كان يعامله معاملة قاسية جدا ودائما ما كان يوجه له عقوبات أكثر من المساجين الآخرين.

■ عريان سعد قدم حياته ثمناً للوحدة الوطنية.. فماذا عن هذه الوحدة الآن؟

- الوحدة الوطنية الآن مضطربة، لأننا وسط التطور التكنولوجى وتطور العالم الحديث بدأنا ننسى المبادئ التى جعلت منا أناساً عندها قيم.. ومع قلة القيم وتطور التكنولوجيا اضطربت العلاقات.. واليوم ناس كتيرة تبحث عن «اللى يفرّقنا أكتر من اللى يجمعنا ومابقيناش مصر بتاعة زمان» والمستوى الأخلاقى للإنسان المعاصر لا يتناسب مع التطوّر التقنى الذى يتطلب بالضرورة إنساناً جديداً أرقى نفسيا، أى بطلا بالمعنى الذى أعطانا إياه عريان سعد، ولذلك أراد الناشر أن يطبع هذا الكتاب.

■ إذن الدافع الرئيسى لإصدار الكتاب هو الناشر المهتم بالوحدة الوطنية؟

- ليس فقط الناشر المهتم بالقضية، بل كل مصرى، فجاءت البداية عندما نشرت فى سبتمبر سنة ٢٠٠٥ بمجلة «أخبار الأدب» مذكرات يوسف سعد، وظهرت مبادرة الناشر، رغبة منه فى تقديم مثل حى من حقبة تاريخية كانت تنادى بالوحدة الوطنية والبحث عما يجمع بيننا وليس عما يفرقنا وظهر الكتاب سنة ٢٠٠٧.

■ ماذا عن علاقتك بعائلة يوسف وهبة باشا؟

- أنا صديقى حفيد يوسف وهبة وكنا نتقابل شبه يوميا فى النادى فى صغرنا، حتى إنه لم يعرف قصة الاغتيال إلا من خلال نشرى المذكرات سنة ٢٠٠٥ فى مجلة «أخبار الأدب»، وتقبل الموقف وحتى الآن نحن أصدقاء وبيننا علاقة محبة ومودة، بالإضافة إلى أنه بعد إصدار الكتاب جلسنا فى قهوة «ريش» مع الناشر وحفيدة يوسف وهبة.

حوار ميلاد حنا زكى- Almasry Alyoum


حفيدة يوسف وهبة باشا: جدى لم يكن عميلاً لـ«الإنجليز» ولولا قبوله الوزارة لفرضت إنجلترا سيطرتها بـ«الدبابات»

الدكتورة فوزية أسعد حفيدة رئيس الوزراء يوسف وهبة باشا، الذى تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة على يد عريان يوسف سعد.. ولدت فى القاهرة فى منتصف الثلاثينيات وحصلت على ليسانس الآداب من جامعة عين شمس ثم تزوجت وسافرت مع زوجها الطبيب فخرى عياد الذى يعمل فى منظمة الصحة العالمية، وأثناء سفرها حصلت على الدكتوراة من جامعة السوربون.

ومنذ نصف قرن والدكتورة فوزية تقيم فى سويسرا على مقربة من بحيرة جنيف غير أنها لاتزال تداوم على زيارة وطنها الأم مصر ربما أكثر من مرة فى العام، وهى روائية أيضاً بدأت مسيرتها الروائية منذ ٤٠ عاما، وكانت أولى رواياتها هى: (مصرية) التى تتحدث عن حرب فلسطين ثم تعاقبت أعمالها، منها (أطفال وقصص) حول تعرض المجتمعات العربية لمؤامرة كبرى فضلا عما تعيشه من نزعات قبلية وطائفية، و(منزل الأقصر الكبير) و(أحلام وقمامة القاهرة) .

■ درست ١٠ سنوات فلسفة فى «السوربون».. ماذا عن أساتذتك فى ذلك الوقت؟

- أنا حصلت على الليسانس والدكتوراة وكان يدرس لى المشرف على رسالة الدكتوراة جان فال، وكان من أهم الأساتذة فى ذلك الوقت وهو أول من تحدث عن الوجودية، وكان الأستاذ الذى تتلمذ على يديه «سارتر».

■ ماذا عن تعليمك هنا فى مصر؟

- حصلت على البكالوريا الفرنسية فى مدرسة «الميرديديه» ثم سافرت سنة ١٩٤٧ إلى فرنسا لمدة ١٠ سنوات وأخذت الليسانس والدكتوراة، وعدت إلى مصر عام ١٩٥٦ مع العداون الثلاثى، وكان عندى ٢٥ سنة وقتها، وكنت أصغر دكتورة أنا وسمير أمين، ثم من ٥٦ إلى ١٩٥٩ درست فى جامعة عين شمس لمدة ٣ أعوام وامتحنت فى المعادلة حتى أستطيع أن أحاضر وفق النمط المصرى.

■ ما الذى دفعك للعودة إلى باريس؟

- أول مرة كانت قلة العمل، وفى المرة الثانية سافرت تايوان بعد زواجى وبقينا هناك ٤ سنوات ونصفاً وحصلت على إجازة دون راتب، وكان زوجى طبيباً ويعمل فى منظمة الصحة العالمية، ثم سافرنا إلى جنيف عام ١٩٦٤، ودرست المصريات فى جامعة جنيف وتوفى زوجى منذ ٢٢ سنة، وحالياً ألقى محاضرات حرة فى جامعة جنيف.

■ كم كان عمرك حينما توفى جدك؟

- كان عمرى ٥ سنوات.

■ كيف وصلت إليك قصة محاولة الاغتيال؟

- والدتى كانت تحكى لى أن بطرس باشا غالى اغتاله إبراهيم الوردانى وهذا كان فى عهد الخديو عباس حلمى الثانى، وكان وقتها مصطفى كامل متألقا وزعيما وطنيا.. وهل تعلم أن الخديو عباس كان يريد الزواج من إحدى سيدات الباب العالى لكنه وقع فى غرام الجارية التى كانت عنده فى القصر وأنجب منها البرنس محمد عبدالمنعم، وهل تعلم أيضا أن السلطانة ملك حين تزوجت والدتى أهدتها سوارا من الماس وكانت جميلة جدا، وكل أصدقاء والدتى الذين تزوجوا فى تلك الفترة جاءت لهم بهدايا من الماس أيضا؟!

■ هل قالت لك أمك إن والدك كان رجلاً وطنياً؟

- نعم قالت لى هذا وقالت إنه قبل تشكيل الوزارة تطلعا لنيل الاستقلال.

■ لكن كل الوطنيين رفضوا تشكيل الوزارة.. وقبول جدك تشكيلها كان خروجاً على الإجماع الوطنى، ووصفه بعض المصريين بأنه كان عميلا للإنجليز؟

- وصفوا بطرس باشا غالى بنفس الوصف فما الفارق؟! لكن هناك من قالوا إنه لولا قبوله هذه الوزارة لكان الإنجليز فرضوا سيطرتهم على مصر بدباباتهم، كما كانت فكرته أن ينخرط الشعب أولاً فى الممارسة الديمقراطية قبل الاستقلال.

■ ماذا يمثل لك جدك؟

- والدتى جعلتنى أحبه من حكاياتها عنه، وأنا لا أزال محتفظة بكل صوره. لقد كان شخصية مهيبة، لها عظمة، وكنت أفخر بأنه رجل مصرى، وكان الإنجليز يعملون له ألف حساب لأنه كان رجل دولة من الطراز الأول، وأشقاء والدتى كانوا ذوى مهن تدر دخلا جيداً، وكانوا يدرسون فى باريس ورغم أنهم كانوا كباراً سناً وقدراً ومكانةً إلا أنهم كانوا لا يجرؤون على التأخر عن العشاء إذا كان جدى على رأس المائدة.

■ ثقافة يوسف وهبة باشا كانت إنجليزية أم فرنسية؟

- كانت فرنسية ولذلك حرص على أن يلحق أبناءه بمدارس فرنسية، وهو من ترجم القانون الفرنسى الخاص بـ«نابليون بونابرت» إلى العربية، والخديو أعطاه ١٠٠ فدان تقريبا، وباعها واشترى بيتا.

■ أين كان بيتكم؟

- فى الإسكندرية.

■ ألم يكن له بيت فى القاهرة؟

- لا.. حتى بيت الإسكندرية كان بالإيجار.

■ رئيس وزراء وكان بيته بالإيجار؟

- ما أذكره أن جدى اشترى بيت الإسكندرية فيما بعد وهو كان فى شارع البارون ميناش وراء المنشية.

■ لك رواية اسمها «المصرية» صدرت عن دار الهلال، ولقد وجدت فيها بعض شذرات عن سيرة جدك يوسف وهبة باشا؟

- نعم أنا كتبت عنه فى «المصرية» وفقا لما وصلنى عنه عبر كلام أبى لى، لكن للأسف الترجمة العربية لها كانت سيئة رغم أننى المترجمة ورغم مراجعتى «البروفات».

■ قبل أيام جلست على مائدة واحدة فى (كافيه ريش) مع حفيد عريان يوسف الذى حاول اغتيال جدك على نفس المقهى، وكانت مناسبة جلستكم الودية توقيع كتاب صدر عن قصة حياة عريان يوسف سعد.. كيف كانت الأجواء؟

- عادية وودية جداً لأنه فات زمن طويل على الواقعة وأصبحت فى ذمة التاريخ، وعلى فكرة أنا اشتريت الكتاب ومش فاكرة اتكلمنا فى إيه لكنها كانت جلسة كويسة وودية وعادية، ويحضرنى هنا موقف روته لى أمى عن أنها لما كانت فى بنها جاءت زوجة عريان يوسف لزيارتها ووالدى قال لها مش عايز كلام فى السياسة، واستقبلتها بكل لطف لكن أمى لم ترد الزيارة.

■ أين قبر يوسف وهبة؟

- فى الجبل الأحمر وهى مقبرة جميلة، ووالدى ووالدتى مدفونان فيها أيضا.

■ أين مصر فى خاطرك؟

- أكتب عنها باستمرار ويلوموننى فى جنيف لأنى أتحدث عن القضية الفلسطينية.

حوار ماهر حسن - Almasry Alyoum

Thursday, July 01, 2010

مصطفى النحاس زعيم مصرى لا نعرفة

انحني محمد عبدالوهاب علي يد الزعيم مصطفي النحاس يقبلها كعادته فجذبها منه زاجرا لأنه غني بحبه مهما أشوف منه ومهما الناس قالت عنه فكيف بالله يرضي الهوان من أي مخلوقة ولو كانت ست الحسن والجمال‏,‏ وهو الذي غني حب الوطن فرض علي‏,‏ وأيها الخفاق‏..‏ وعاد عبدالوهاب يسترضيه فأواصر المعرفة قديمة بين الزعيم والمطرب تعود إلي زمن استمع فيه إليه لأول مرة في كرمة ابن هانيء علي شاطئ النيل عام‏1926,‏ وكان مصطفي وكيلا لمجلس النواب مدعوا مع سعد زغلول إلي فرح علي شوقي ابن الشاعر الكبير أحمد شوقي‏,‏ حيث غني عبدالوهاب للعريس بين يدي سعد باشا‏:


دار البشاير مجلسنا وليل زفافك مآنسنا
انشالله تفرح يا عريسنا انشالله دايما تفرحنا
الشمس طالعة في التللي وردة وعليها توب فللي
ملحة في عين الحسود اللي ما يقولشي ع النبي صلي


وظل عبدالوهاب من المقربين للنحاس حتي أنه كان المطرب الوحيد الذي أحيا حفل عقد قرانه علي زينب هانم الوكيل‏,‏ حيث نشرت الصحف الخبر الهام في‏13‏ يونيه‏1934‏ تحت عنوان دولة النحاس باشا الاحتفال بعقد قرانه أمس‏,‏ وجاء في السطور قبل أن وافت الساعة السادسة من بعد ظهر أمس أخذت السيارات المقلة للعظماء والكبراء والوزراء السابقين والوجهاء تيمم تجاه ضاحية حدائق القبة إلي شارع شفيق باشا‏,‏ حيث تقوم دار آل الوكيل الكرام أصهار حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفي النحاس باشا ففي هذه الدار تولي حضرة صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم الغاياتي صيغة عقد قران دولته بسليلة المجد الآنسة النجيبة زينب الوكيل هانم كريمة حضرة صاحب العزة عبدالحميد الوكيل بك عضو مجلس النواب السابق‏,‏ وكان ذلك في حفل كريم من العظماء‏.‏ وقد وزعت عليهم الحلوي والمرطبات وأخذ المصورون صورا عديدة لدولة الرئيس والحفلة الأنيقة‏.‏ ثم جلس دولة الرئيس في وسط الحفل المبتهج واستمعوا إلي قصيدة عامرة ألقاها الشاعر الكبير عباس محمود العقاد‏,‏ ثم وقف المطرب المبدع الأستاذ محمد عبدالوهاب فأطرب الحاضرين بصوته العذب الحنون في قطعة ترنمت بها نبرات الموسيقي‏:‏


النيل يهنئ بفرحة شخصك الغالي
والأمة تهتف وصوتها في الهتاف عالي

دولة مصطفي النحاس‏..‏ الوحيد المتفرد علي أرض مصر أول من سبق اسمه لقب دولة‏..‏ كان لقاؤه الأول بسعد زغلول في عام‏1909‏ عندما كان يشغل موضع العضو الشمال في إحدي الدوائرالقضائية بمحكمة القاهرة في الدائرة التي يرأسها صالح حقي باشا‏,‏ وأثناء نظر إحدي القضايا مال رئيس الدائرة علي عضو اليمين وتحدث معه‏,‏ ثم مال علي عضو الشمال مصطفي النحاس وقال له باستخفاف‏:‏ سنصدر حكما بكذا‏,‏ فقال النحاس‏:‏ أنا لي رأي آخر ويجب في هذه الحال الانتقال إلي غرفة المداولة‏,‏ ولكن حقي باشا لم يستجب لطلب النحاس ونطق بالحكم‏,‏ فما كان من الأخير إلا أن قال لكاتب الجلسة بصوت عال وعلي مرأي ومسمع من جمهور المتقاضين وغيرهم من المواطنين داخل قاعة المحكمة‏:‏ اكتب أنه لم يؤخذ برأي عضو الشمال في هذا الحكم‏..‏


وحدثت ضجة كبري داخل القاعة مما اضطر حقي باشا إلي رفع الجلسة والانتقال إلي غرفة المداولة‏,‏ وترتب بعدها بطلان الحكم‏,‏ ولم يجد حقي باشا ما يشفي غليله إلا أن يشكو النحاس إلي وزير الحقانية وقتها سعد زغلول الذي استدعي إليه النحاس لتكون المقابلة الأولي بينهما التي أسفرت عن اعتزازه بموقف النحاس فأصدر قرارا بنقله قاضيا جزئيا تكريما وإعجابا بشجاعته‏,‏ وتمضي مسيرة سعد زغلول الوطنية ليتم تأليف الوفد المصري في نوفمبر‏1918‏ استعدادا للسفر إلي بريطانيا من ثلاثة من المنتمين للحزب الوطني كان النحاس أحدهم‏,‏ ومن يومها أصبح النحاس سكرتيرا عاما للوفد وأقرب الشخصيات إلي قلب سعد‏,‏ وعندما اشتعلت ثورة‏1919‏ كان زميل المنفي بعدما اعتقلت السلطات سعد زغلول ومصطفي النحاس وفتح الله بركات وعاطف بركات وسينوت حنا ومكرم عبيد في‏23‏ ديسمبر‏1921‏ وقامت بنفيهم إلي جزيرة سيشل‏,‏ وأمام الثورة العارمة للشعب اضطرت انجلترا إلي إطلاق سراح الثوار‏

وبعدها صدر دستور‏1923‏ الذي جعل السلطة للشعب وليست للملك‏..‏ وتوفي سعد في‏23‏ أغسطس‏1927‏ ويجتمع الوفد المصري ليقرر في‏19‏ سبتمبر‏1927‏ انتخاب النحاس رئيسا له وبالتالي زعيما للأمة‏,‏ ومع افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة لمجلس النواب ينتخب مصطفي النحاس رئيسا خلفا لسعد زغلول الذي قال عن النحاس‏:‏ رجل ذو قلب طيب‏,‏ ومبدأ ثابت‏,‏ يميل إلي الثرثرة ولكنه خفيف‏,‏ به خفة ورعونة‏,‏ يميل إلي الخيال‏,‏ سريع الانفعال ولكنه لا يتغير بتغير الأحوال‏,‏ وطني مخلص‏,‏ وهو فقير مفلس‏.‏ ذكي غاية الذكاء‏,‏ وفي كل الوفاء‏,‏ وله في نفسي مكان خاص ولم يكن سعد حتي النهاية يخفي حبه للنحاس حتي أطلق عليه النحاس سيد الناس‏.‏

يحيا النحاس‏..‏ نداء دوي في سماء مصر منذ أواخر العشرينيات حتي أوائل الخمسينيات قام فيها النحاس بتوقيع معاهدة الاستقلال عام‏1936‏ أفضل ما كان يمكن أن يحصل عليه في ظل الاحتلال‏,‏ وفي عام‏1951‏ قام بإلغائها معلنا الكفاح الوطني الشعبي ضد الاحتلال ليقول مقولته الشهيرة في‏8‏ أكتوبر‏1951‏ في مجلس النواب‏:‏ لقد وقعت معاهدة‏36‏ وها أنا اليوم أطالبكم بإلغائها‏..‏ وقام بتوقيع أول ميثاق لجامعة الدول العربية عام‏1945‏ كأول خطوة للوحدة العربية‏,‏ وقام بإصدار أول قانون لنقابات العمال‏..‏ و‏..‏ تولي الوزارة في‏4‏ فبراير‏1942‏ بمفهوم إنقاذ مصر من شر مستطير كانت ستتعرض له لو رفض‏..‏ وأيده الكثيرون وعارضه البعض بدعوي لقد أتي النحاس علي أسنة رماح الإنجليز‏

وأيا كان الحكم وأيا كان الدفاع فسيبقي النحاس رمزا للديمقراطية ورمزا للدستور ورمزا للكفاح الوطني الطويل الذي تم التعتيم علي صاحبه ليدرج عنوة وبفعل فاعل في أضاريب النسيان‏,‏ فقد حددت إقامته حتي وفاته في بيته بجاردن سيتي‏,‏ وحذف اسمه من كتب التاريخ المدرسية ليتم العبور من فوقه كأن لم يكن ليذكر من أسماء الزعماء المصريين محمد كريم وعمر مكرم ومحمد علي وابنه إسماعيل وعرابي وهوجته مرورا بالأفغاني الضيف ثم مصطفي كامل ومحمد فريد وسعد زغلول‏,‏ وبعدها قفزة واسعة تهبط إلي اسم جمال عبدالناصر ويسقط اسم مصطفي النحاس الجليل الذي قضي سنواته الأخيرة كالأسير يعاني مرارة الجحود والظلم والإهمال


حيث كانت الصحف لا تذكر اسمه إلا تهجما أو تهكما أو تحاملا علي جيل بأكمله‏..‏ جيل السياسيين المصريين الذين انتزعوا مقاليد مصر من براثن الترك والشركس والأغوات‏,‏ ومن بعد ما ختمت علي أسماعنا أسماء نوبار وباغوص ورفقي ولاظوغلي أصبح الوزراء يحملون أسماء زغلول والنحاس والغرابلي وأبو علم وويصا واصف رجال من طين مصر عشقوا مصر فأفنوا حياتهم فيها‏,‏ ومع ذلك تعرض تاريخهم لأبشع أنواع التلطيخ والتزوير بينما لا يملكون دفاعا عن أنفسهم فيلوذون بجدران بيوتهم حتي يأتيهم الموت فقراء فيحسبهم الجاهل أغنياء من شدة التعفف‏.‏


الزعيم الذي كان جيرانه في جاردن سيتي يشاهدونه قبل وفاته محمولا فوق مقعد بواسطة البوابين وسياس الجراجات للانتقال لمكان العلاج ترشيدا للنفقات التي تتضاعف إذا ما تم العلاج في مسكنه‏..‏ السياسي النزيه الذي أجبر علي اعتزال الحياة السياسية لم يكن له دخل إلا معاشه الصغير في عام‏1953‏ الذي لم يتجاوز‏120‏ جنيها فهو لم يرث الأطيان ولا القصور فاضطرت زوجته إلي بيع مصاغها وبعض قطع أثاث منزلها لمواجهة أعباء المرض‏,‏ واضطر النحاس إلي التخلص من سيارته الخاصة بالبيع مع تسريح سائقها‏,‏ وفي عام‏1955‏ عجز تماما عن مواجهة الحياة فقامت زوجته




ــ كما جاء علي لسان النحاس ذاته في مذكراته التي أملاها علي سكرتيره الخاص محمد كامل البنا ــ بالاتصال بجمال عبدالناصر تطلب إليه أن يدفع إليها مبلغا من إيراد أملاكها التي صودرت‏,‏ ورد عليها سامي شرف وسألها ماذا تريد من الرئيس فقالت في أمر شخصي قتركها علي التليفون وغاب طويلا‏,‏ فعادت لتطلب محمد أحمد أحد أعضاء سكرتارية عبدالناصر الذي أوصلها به‏:


-‏ أنا زينب الوكيل حرم الرئيس السابق مصطفي النحاس‏.


‏‏-‏ أهلا وسهلا‏..‏ فيه حاجة؟‏-‏


تعلم أن كل ما أملك قد صودر وأصبحت لا أجد ما أستطيع أن أواجه به مطالب الحياة‏,‏ وأنا مسئولة عن زوجي الذي مهما يكن رأيكم فيه فلا ينكر أحد أنه ظل يخدم الوطن أكثر من ثلاثين عاما وقدم له ولغيره من الأوطان العربية ما قدم فهل ترضي أن يهان في أخريات أيامه وألا يجد ثمن الدواء؟


-‏ لا لست راضيا ولا أقبله فماذا تطلبين؟‏


-‏ أطلب أن تأمر بصرف مبلغ لي من إيراد أموالي التي تحت يد الحكومة لأنفقه علي مطالب الحياة‏.‏‏


-‏ سأفعل وسآمر المختصين بأن يصرفوا لك مبلغا يكفي لنفقات النحاس الذي لا ننكر أنه تولي زعامة مصر أكثر من خمسة وعشرين عاما فلم يستغل ولم يسرق ولم يختلس‏..‏ وانتهت المحادثة وبعد يومين اتصل بها محمد أحمد قائلا إن سيادة الرئيس أمر بأن يصرف مبلغ ثلثمائة جنيه شهريا للإنفاق منها علي النحاس‏,‏ وحينما انتقل الزعيم إلي جوار ربه في‏23‏ أغسطس عام‏1965‏ توقف صرف معاشه الرسمي في أول سبتمبر‏1965‏ وورثت الحكومة نصف معاشه الأصلي المستحق له وصرفت لحرمه النصف الباقي وقدره‏62.5‏ جنيها


وهو نفس ما حدث له مسبقا في عام‏1930‏ عقب خروجه من الحكم عندما أراد إسماعيل صدقي باشا أن ينكل به فخفض هذا المعاش إلي النصف بحجة أنه أضاف مدة النفي التي قضاها في سيشل وهي حوالي عامين إلي مدة خدمته في الحكومة‏,‏ واعتبر صدقي أن تلك الإضافة أمر لا تجيزه اللوائح‏,‏ ووقتها أسقط في يد النحاس فقد كان يعطي شقيقته من معاشه قبل تخفيضه عشرة جنيهات وأولاد أشقائه خمسة عشر‏,‏ وكانوا يسكنون معه في شبرا في شقة بالدور الأخير‏..


واضطر النحاس للاقتراض من بنك مصر ووافق طلعت حرب علي إقراضه بالتقسيط‏,‏ ورفع النحاس دعوي وحكم له القضاء وتم رد قيمة القرض من المبلغ المتجمد من فرق المعاش‏,‏ لكنه عاد لاقتراض مبلغ‏3000‏ جنيا وهو ما كان يعادل معاشه لمدة عامين كاملين‏,‏ وفي عام‏1950‏ أرسل إليه الدكتور محمد مصدق رئيس الحكومة في إيران سجادة صلاة هدية كان حجمها لا يزيد عن ثلاثة أرباع متر‏,‏ ولما لم يكن من حق أي شخص سوي الملك استلام هدية من الخارج دون تحصيل رسم الجمارك قبل النحاس الهدية وظل يدفع القسط المطلوب شهريا وكان المبلغ كله‏200‏ جنيه بما يعادل مائة في المائة من قيمة السجادة‏..‏


زعيم الأمة الذي بدأ حياته موظف تلغراف في مسقط رأسه سمنود ضمن سبعة أخوة لتاجر الأخشاب محمد النحاس‏,‏ وهم بالترتيب أحمد‏,‏ وسالم‏,‏ ومحمد‏,‏ ثم مصطفي وبعدهم ثلاث شقيقات‏..‏ الذي ثار وغضب وانفجع لأن أطفالا لا جريرة لهم قد تناولوا في مصر القديمة خبزا مخلوطا بنشارة الخشب فما كان منه وهو رئيس للوزراء إلا إرسال الأساتذة المحامين لبحث المسألة ورفع دعوي علي الحكومة بطلب التعويض والحكم بالسجن علي الذين قاموا بالغش‏,‏ وفي اليوم التالي توجه إلي مسجد عمرو بن العاص لتأدية فريضة الجمعة


وسأل عن منزل والد الأبناء الذين تناولوا الخبز المخلوط فدله الكثيرون علي البيت المتواضع فجلس وحوله الأطفال يواسيهم ويعطي كلا منهم مبلغا فضيا‏,‏ واختلي بالوالد ليمنحه مبلغا يستعين به علي الحاجة فتعفف طويلا عن قبوله‏..‏ الفلاح الذي كان يحلو له أمام الملك فاروق أن يخلع طربوشه ويمسح عرق رأسه بالمنديل كما يفعل أي شيخ غفر‏..‏ الوطني الذي قطع أجازته بعد أول يوم فيها ليعود بالطائرة التي يركبها لأول مرة ليهنئ بقيام الثورة في مبني قيادة الجيش في كوبري القبة بعد منتصف الليل فيلاقيه محمد نجيب معانقا متحمسا‏..‏


أما الضباط الذين كانوا في الحركة ولم أكن أعرفهم فقد استقبلوا حضوري بصمت وسكون عزوته إلي المفاجأة وعدم معرفتهم بي‏..‏ الثوري الذي لم يقف أمام محكمة الثورة وهو ما يعني أنه لم يكن لدي الثوار ما يمكن إدانته به أو حتي الشوشرة عليه‏..‏ الحريص علي الصلاة في أوقاتها الذي جاء والده ليدخله المدرسة في القاهرة فذهب به رأسا إلي ضريح سيدنا الحسين ليقف به أمام المقام قائلا في خشوع‏:‏ سلمت لك مصطفي وظل مصطفي يذكر تلك الوقفة طيلة حياته‏..‏ من لم يتناول خمرا ويكره السجائر ويعزف عن القهوة ويشرب الينسون بدلا من الشاي علي الإفطار‏..‏


شديد النظافة إلي حد الوسوسة من الميكروبات حتي أنه كان لا يلمس الدواء بيده وإنما ينقله بمشبك بعد تطهيره في كل مرة قبل تناوله‏..‏ من صفعه مواطن علي وجهه وهو رئيس وزراء فذهب يشكوه في أقرب قسم‏.‏ من قال في مذكراته إنه هزأ من الخبر المؤسف ورأي أنه إلي الهزل أقرب منه إلي الجد‏,‏ عندما قالت الصحف إن جلالة الملك المعظم ينتسب من جهة والدته الملكة نازلي بنت عبدالرحيم صبري إلي الرسول الأعظم محمد صلي الله عليه وسلم‏,‏ وأعلنت الصحف أن هذا الكشف قد توصل إليه وزير الأوقاف الهمام صاحب المعالي حسين الجندي باشا وأن الذي أرشده إلي هذا الاكتشاف الخطير وباركه هو السيد محمد الببلاوي نقيب الأشراف في مصر وخطيب مسجد الإمام الحسين‏..‏

فاروق ابن نازلي التي يتصل نسبها بلاظوغلي تصبح بين عشية وضحاها من آل البيت النبوي الكريم ويتصل نسبها بخاتم المرسلين سبحانك‏..‏ ضحكت كما لم أضحك في حياتي وتذكرت المثل اللي يعيش ياما يشوف‏..‏ من وصفته فاطمة اليوسف بأنه بسيط للغاية طيب القلب ذو وجه صريح القسمات‏,‏ وعندما نشرت روزااليوسف مقالا عن حياته الشخصية ثار وغضب بشدة معترضا بأنه ليس إحدي زهرات المجتمع‏..‏ من شاهدوه وهو يلقي خطبه وصفوا كيف كان في منتصف الخطاب يتوقف عن الاسترسال ليعنف شخصا قاطع حديثه حتي ولو بالهتاف‏..‏ من كان يؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه‏..‏


من تعرض في حياته إلي سبع محاولات اغتيال منها ما حدث في‏25‏ أبريل‏1948‏ حيث تم تفجير سيارة ملغومة أمام منزله‏:‏شاءت قدرة الله أن تنزل قطعتان كبيرتان من الديناميت فوق الناموسية التي كنت أنام تحتها وأمامي كتاب الله علي الكومودينو ونجا النحاس‏.‏ وكتب السادات أن ناصر كان يري في النحاس وليا من أولياء الله ومن يجيء عليه لا يكسب‏.‏

ويدخل مصطفي النحاس في‏12‏ مايو سنة‏1943‏ قاعة البرلمان الخاصة بالنواب منتصب القامة ومن خلفه أحد الحراس يحمل حقيبة كبيرة يفتحها خلال ردوده علي استجواب الكتاب الأسود الذي قام بإعداده مكرم عبيد الرجل الأول في الوفد بعد النحاس وسكرتير الوفد ووزير ماليته الذي أطلق عليه في شبابه ابن سعد البكر‏..‏ وكان بين مكرم والنحاس مودة وثقة بالغة زادها نفيهما معا إلي سيشل‏


وكان لمكرم يد في اختيار زوجة صديقه حيث توثقت العلاقة بين السيدتين أيضا‏,‏ وبقي شهر العسل الدائم بين الرجلين حتي مايو‏1942‏ عندما طلب النحاس من مكرم الاستقالة فحدث الخلاف الحزبي‏,‏ وخرج مكرم من الوفد ليؤلف حزب الكتلة الذي سانده القصر‏,‏ وأعد مكرم كتابه الأسود بمعاونة القصر ومندوبه أحمد حسنين وتم توزيع الكتاب سرا ليحدث ضجة في مصر وخارجها‏,‏ ويقدم بعدها مكرم استجوابه الشهير لصاحب المقام الرفيع ليضم ملخصا للكتاب يقع في‏260‏ صفحة ويحوي‏52‏ سؤالا حول وقائع هامة قام النحاس بالرد عليها‏,‏ فنال تجديد الثقة بإجماع‏76‏ نائبا ما عدا عشرة‏..‏


يفتح النحاس الشنطة ليخرج منها للمجلس ست قطع من الفراء الحريمي الثمين‏,‏ كل منها فراء لثعلب كامل‏..‏ طول القطعة من الرأس إلي الذيل‏70‏ سم وطول الذيل‏27‏ سم وعرض الظهر والبطن‏18‏ سم وكان يفردها وهو يقول للمجلس‏:‏ هذه هي قطع الفراء التي ترتديها زوجتي انظروها‏..‏ هل تساوي القطعة‏5000‏ جنيه‏,‏ كما نقل مكرم عبيد عن كتاب الجغرافيا الاقتصادية‏(‏ ضحك‏)‏ أم تساوي ستة عشر جنيها علي أكثر تقدير‏,‏ وكما قدمنا الدليل المادي علي ما نقول‏..‏ أترك لكم بعد كل هذا تقدير ما سمعتم وما رأيتم ومقارنته بما سمعتموه وتبينتموه من صاحب الاستجواب‏!(‏ تصفيق حاد‏).‏


وكانت صحف أخبار اليوم تهاجم النحاس وتخصص مقالاتها وعناوينها ورسوماتها الكاريكاتيرية للنيل منه‏,‏ وبعد وفاته كتب مصطفي أمين حزينا نادما آسفا قائلا‏:‏ عرفت الرجل عشرات السنين‏..‏ أحببته وحاربته‏,‏ وسجنت من أجله وفصلت من المدارس بسببه واختلفت معه في الرأي وهاجمته وهو رئيس حكومة‏,‏ فلم يفكر أن يضعني في السجن ولو كنت كتبت في عهد الدكتاتورية عن سكرتير أحد الوزراء ما كتبت عن النحاس لشنقوني أو أعدموني رميا بالرصاص‏


ومن حق النحاس علي أن أشيد به وأن أذكره كرجل قاد كفاح هذه الأمة‏,‏ وضحي في سبيلها ونفي من أجلها‏,‏ وحمل الزعامة بعد سعد زغلول وأخطاؤه كانت جنحا بالنسبة للجنايات والجرائم التي ارتكبت بعد ذلك‏..‏ و‏..‏ لقد خرجت الملايين لتشييعه إلي مثواه الأخير هاتفة عشت زعيما ومت زعيما‏,‏ وعندما قبض علي بعض من مشوا في الجنازة قيل إن قرار القبض يقضي باعتقالهم إلي الأبد‏..‏ فأتي الرد عليهم‏:‏ أنتم لا تملكون الأبد‏..‏
لقد استمد الوفد شرعيته من موقفه الوطني تحت قيادة رجلين هما‏..‏ سعد والنحاس‏..‏ والناس الآن عندما تتكلم عن الوفد تقعد تفتكر وتتذكر وتقلب الصفحات‏,‏ وكان زمان وعلي ذكر الأيام‏,‏ فالوفد أصبح تاريخا بعدما انتقل حاضره من صفحة السياسة إلي صفحة الحوادث‏....‏لقد كانت الأحزاب بما فيها الوفد جزءا من حيوية مجتمع أعضاؤها لاعبون وليسوا متفرجين أو كومبارس‏..‏ في زمن النحاس كانت المباراة الديمقراطية حامية الوطيس بين أحزاب الأمة‏


فإلي جانب الوفد كان حزب الأحرار الدستوريين بزعامة محمد حسين هيكل باشا‏,‏ وحزب السعديين بزعامة الدكتور أحمد ماهر باشا‏,‏ وحزب الكتلة الوفدية بزعامة مكرم عبيد باشا والحزب الوطني بزعامة حافظ رمضان باشا‏,‏ وحزب مصر الفتاة بزعامج أحمد حسين‏,‏ وجماعة الإخوان المسلمين بزعامة الشيخ حسن البنا‏,‏ وأربعة أحزاب شيوعية غير معلنة‏,‏ وحزب الفلاح‏..‏


وبجانب الأحزاب الرسمية المعلنة كانت هناك عشرة أحزاب أخري معلنة ورسمية‏,‏ ولكنها غير مؤثرة أو منتشرة علي أرض الملعب‏..‏ و‏..‏ لقد أصبح حضور الوفد في الإدراك الوطني نحيله إلي النحاس الميراث المشترك لكل المصريين‏,‏ وبالتالي أصبح مصطفي النحاس هو الحاضر الغائب‏..‏ موجود وغير موجود‏,‏ وما هو غير موجود نفتقده‏,‏ وكما يقول الصوفية‏:‏ إذا غاب‏..‏ حضر‏

الاهرام -
الكتاب
السبت 8 سبتمبر 2007
النحــاس -
بقلم‏:‏ ســنـاء البيـــسي

Wednesday, May 13, 2009

الولاء للوطن‏,‏ والولاء للدين‏

لا أستطيع ان افهم منطق الذين يريدون ان ينشئوا تناقضا جوهريا بين الولاء للدين والولاء للوطن‏.‏
لا افهم منطقهم لسبب يبدو لي واضحا غاية الوضوح هو أن ولاء الانسان للدين لايعني الا أن يكون له الحق في أن يعتنق ما يشاء من العقائد والمذاهب وأن يجهر بعقيدته التي اختارها‏,‏ ويدعو لها اذا أراد ويؤدي ما تفرضه عليه من شعائر دون أن يشعر بحرج‏,‏ أو يتعرض لأي اضطهاد‏
.‏فاذا كان هذا هو معني الولاء للدين فهو لا يتعارض أدني تعارض مع الولاء للوطن بالمعني الذي نفهمه اليوم من الوطن والولاء له‏.‏ بل ان الولاء للدين لايتحقق الا بالولاء للوطن‏.‏
وكيف يصح للانسان أن يمارس أي نشاط‏,,‏ كيف يمكنه أن يؤمن بفكرة ويعمل بالفكرة التي آمن بها دون أن يكون مواطنا في بلد من البلاد يعيش فيه وينتمي لأهله؟
‏!‏لكن هذه القضية التي أطرحها عليكم اليوم تحتاج لشيء من التوضيح لأن معظمنا لايحس بهذا التعارض الذي يمكن أن ينشأ بين الولاء للدين والولاء للوطن‏.‏
مصر بلد اسلامي وغالبية المصريين مسلمون‏..
‏ والدين بالنسبة للمصريين‏,‏ أو بالنسبة لمعظمهم يكاد يتطابق مع الوطن‏.‏
فالولاء لمصر ولاء للاسلام‏,‏ والولاء للاسلام ولاء لمصر‏
.‏ولاشك أن في هذا الذي ذكرته شيئا من التبسيط والتعميم‏..‏ فالتطابق ليس كاملا بين الدين والوطن‏.‏
لأن بعض المصريين ليسوا مسلمين‏.‏
ولأن بعض المسلمين المصريين يعتقدون أنهم مسلمون قبل أن يكونوا مصريين‏.‏ وأن وطنهم الحقيقي هو الاسلام‏,‏ أو هو أي بلد يكون دينه الاسلام وكما يستوي بالنسبة لهؤلاء أن يحملوا الجنسية المصرية أو الباكستانية‏,‏ يستوي بالنسبة لهم‏,‏ ذلك أن يكون ملكهم أو رئيسهم مصريا أو افغانيا أو تركيا‏.
‏ وهذا ليس مجرد منطق وإنما هو رواية لواقعة حقيقية‏.‏ فقد صرح بعض زعماء الجماعات الدينية بأن جنسية الحاكم لا تهمه مادام مسلما‏.
‏وتقديم الولاء للدين علي الولاء للوطن أو إثارة التناقض بينهما مسئول عن إثارة الفتنة الدينية في مصر هذه الأيام‏.
‏ولاشك في أنه مسئول عن كوارث أخري لم نلتفت إليها كما يجب‏.‏ وفي مقدمتها أن يتخلي المسلمون عن وطنهم وقت الشدة فرارا بدينهم الذي يمكن أن يرغمهم الاعداء علي التخلي عنه إذا انتصروا عليهم وحكموهم‏.‏
وفي اعتقادي أن هذا الهلع الذي ينتمي للعصور الوسطي هو الذي دفع خمسة ملايين مسلم للتخلي عن الأندلس‏,‏ واللجوء إلي بلاد المغرب ومعهم مفاتيح بيوتهم التي تركوها في قرطبة وأشبيلية وغرناطة‏.
‏ وهو الذي دفع مئات الآلاف من الفلسطينيين للتخلي عن مدنهم وقراهم أمام العصابات الصهيونية في الوقت الذي لم تكن فيه نسبة اليهود تزيد علي خمسة عشر في المائة من سكان فلسطين‏!‏
هكذا تري أن الوطن لايعني الكثير لدعاة الدولة الدينية التي تجمع بين اهلها رابطة الدين‏,‏ وتستمد حكومتها شرعيتها من الله لامن الشعب‏.‏ فالحاكم يتولي منصبه ويمارس سلطته بتفويض إلهي كما يزعم‏!‏
وليس باختيار الناس له كما هي الحال في الدولة الوطنية التي تستمد شرعيتها من انعقاد كلمة الناس عليها‏,‏ واتفاقهم علي أن تمثلهم وتتولي الدفاع عن أمنهم وحريتهم وأرضهم ومصالحهم‏.‏
وهذا هو العقد الاجتماعي كما سماه فلاسفة التنوير الذين قادوا أوربا الغربية في طريق الحرية‏,‏ وأسقطوا حكم الطغيان‏,‏ وفصلوا بين الدين والدولة فليس يحق لرجال السياسة أن يتدخلوا في الأمور الدينية‏,‏ وليس يحق لرجال الدين أن يتدخلوا في السياسة‏.‏وأنا أرجو المعذرة لأني ابتعدت عن مسألة التعارض بين الولاءين واستطردت في الحديث عن الفرق بين الدولتين‏
.‏لكن هذا الحديث الذي استطردت فيه كان لابد منه لأقول إن التعارض بين الولاء للدين والولاء للوطن يمكن أن يثور ويصبح مشكلة عنيفة حتي في البلاد التي ينتمي معظم سكانها لعقيدة واحدة‏,‏ طالما كان الوعي السائد يسوي بين الولاءين ولايميز بينهما‏
.‏الدين علاقة بين الانسان وربه‏
.‏ والولاء للدين إذن ولاء شخصي والتزام فردي فليس يحق لمواطن أن يسأل مواطنا عن عقيدته أو يحاسبه علي أنه اختار مذهبا دون مذهب آخر‏.‏
لكن المواطنة علاقة بين المواطنين بعضهم وبعض‏.‏
والولاء للوطن إذن ليس مجرد عاطفة‏,‏ ولكنه واجب نلتزم بأدائه لنحصل علي مايقابله من حقوق‏.‏
عليك أن تؤدي خدمة العلم‏,‏ وأن تدفع الضرائب المقررة‏,‏ وأن تحترم قوانين بلادك ليكون لك الحق في أن تعيش حرا‏,‏ وأن تملك ماكسبته يداك‏,‏ وأن تعتنق ماشئت من عقائد‏,‏ وتعبر عما لديك من افكار‏,‏ وتشارك في اختيار من ينوبون عنك ويحكمون بلادك وعلي الدولة‏,‏ أن تكفل لك هذه الحقوق‏,‏ وتمكنك من التمتع بها عن طريق القوانين التي تسنها والمؤسسات والأجهزة التي تنشئها‏.
‏الفصل بين الدين والدولة هو الطريق الوحيد لنفي التعارض بين الولاء للوطن والولاء للدين‏.‏
هكذا وضع المصريون يدهم علي الشعار العبقري الذي رفعوه في ثورة‏1919
المجيدة الدين لله‏.‏ والوطن للجميع‏
احمد عبد المعطى حجازى
‏نقلا عن جريدة الأهرام

Tuesday, March 24, 2009

من صـدق ذكـريات ثـورة‏1919‏

موعدنا اليوم يبدو بعيدا عن حروب العصر الجديد‏,‏ إذ أنه وقفة عند ما أحاط باحتفالنا بالعيد السبعيني لثورة‏19‏ مارس‏1919,‏ وما أثاره هذا الاحتفال من حنين وتساؤلات وكأننا أمام حدث خارج علي سياق الركود الذي يحاصرنا الي حد دفع بزميلنا الأستاذ صلاح عيسي الي إعلان أن الثورات ليست أخطاء تاريخية‏(‏ المصري اليوم‏,2009/3/14).
‏أثار الاحتفال وما واكبه من تساؤلات شجون الذاكرة التي لازمت ثورة‏1919‏ منذ الطفولة‏,‏ تصفحت معظم الجرائد اليومية والأسبوعية‏,‏ وما واكبها علي شاشات التلفزة وتعليقات الإذاعة‏,‏ وإذ بها تنقل صورة احتفاليات صاحبت ذهاب الوفد المصري للتفاوض بقيادة سعد زغلول باشا بعد عودته من المنفي‏,‏ هذا بالإضافة الي ذكر مقدمات جمعت بين الحزب الوطني في مطلع القرن العشرين وأجيال التحديث آنذاك‏,‏ كلها وقائع تاريخية مثبتة لها مكانتها‏
.‏من أين إذن ذلك الشعور الذي انتابني في الأعماق بأن ثورة الشعب المصري الأولي في القرن العشرين كانت لها أبعاد امتدت الي جذور مشاعر شعب مصر في الأرياف والمدن‏,‏ وهي التي أثارت الحراك الاجتماعي والاقتصادي والفكري والسياسي الجبار الذي اضطر دولة الاحتلال المظفرة في الحرب العالمية الأولي الي التراجع النسبي‏.‏
سمعنا في شبابنا روايات جمهورية زفتي‏,‏ حدثنا المؤرخون ـ خاصة الدكاترة محمد أنيس ومدرسته حتي رفعت السعيد هذا العام ـ بأن الثورة امتدت الي أعماق الريف المصري‏,‏ إذ تقدم فقراء وصغار الفلاحين ثورة شعبية بكل معاني الكلمة‏,‏ هي التي حركت أعيان وباشاوات المدن والأرياف‏,‏ هذا بينما أكد الباحثون أن قيادة ثورة‏1919‏ تركزت بين ايدي التنظيم السري للوفد المصري بقيادة القائمقام‏(‏ عقيد‏)‏ عبدالرحمن فهمي بك الذي كان سكرتير عام الوفد باعتراف المشاركين والمؤرخين آنذاك‏,‏ وقد اجتمع صفوة الثوار من المثقفين والمهنيين والضباط والعمال والفلاحين والطلبة في إطار هذا التنظيم السري‏,‏ العقل المدبر واليد المنفذة لثورة الشعب المصري ضد الاحتلال بعد الحرب العالمية الأولي‏.‏ من هنا جاءت ثورات الأقاليم‏,‏ وفي مقدمتها جمهورية زفتي‏,‏ ومن هنا أيضا جاء المناخ الذي أتاح تكوين منظمة الكادر في قلب التنظيم السري التي أطلقت علي نفسها تسمية اليد السوداء‏.‏
هنا استسمح القارئ العزيز في فتح كتاب الذكريات التي قد تضئ بعض النواحي المغيبة من ثورة مصر الأولي في القرن العشرين‏.‏شاءت الظروف أن ينشأ كاتب هذه السطور في أسرة وفدية لا تعرف إلا حب الوطن والعلم‏,‏ وقد أخبرتني والدتي منذ الصبا أن والدي كان محاميا بعد الحرب العالمية الأولي وأنه كان وفديا‏,‏ أكاد أقول بطبيعة الأمر‏,‏ ثم أخبرتني أنه اعتذر في مطلع عام‏1920,‏ بعد أن تم اعلان خطوبته بوالدتي‏,‏ اعتذر لأنه سوف يغيب فترة‏..‏ تفهمت والدتي الشابة عذر خطيبها‏,‏ أو هكذا تصورت‏
.‏ثم امتد البعد‏,‏ أي غياب والدي عن القاهرة‏,‏ لمدة ثلاثة أعوام‏...‏ عاد فجأة في مطلع‏1923‏ دون تغيير‏,‏ ذاكرا أسبابا وطنية شهيرة حسب رؤية والدتي‏,‏ ثم تم الزواج وكان الزوجان مثالا رائعا للحب والهيام والوفاء‏
.‏من كتاب الذكريات أيضا‏:‏ أن والدي انتقل بعد سنوات الي مسابقة الدخول في وزارة الخارجية الجديدة‏,‏ وكان الأول في امتحان اللغتين‏(‏ الفرنسية والانجليزية‏),‏ فما كان من حافظ عفيفي باشا سفيرنا الأول لدي بريطانيا بعد منح مصر الاستقلال الصوري في دستور‏1923,‏ إلا أن دعا والدي لقنصلية مصر في ليفربول‏,‏ وهناك أصيب الرجل بمرض شديد أضطره للعودة الي ديوان الخارجية بالقاهرة حيث توفي بعد طيلة عذاب عام‏1932‏ في عصر لم يكتشف بعد المضاد الحيوي‏(‏ البنسلين‏),‏ وكنت قد لاحظت في مكتبته العامرة بعد عودته الي القاهرة حقيبة من الجلد الفاخر وفي صدرها لوحة صغيرة من النحاس حفرت عليها عبارة من عمال شركة سكك حديد‏(‏ أي مترو‏)‏ مصر الجديدة الي محاميهم اسكندر عبدالملك‏,‏ كانت الحقيبة تحتل مكانة الصدارة في المكتبة التي احتلت صدر المنزل‏,‏ حيث كنا نجتمع معا أنا وهو لأستمع لدروس التاريخ والجغرافيا يوميا‏,‏ كان لابد أن يكون لهذه الحقيبة مكانة خاصة عند والدي‏,‏ حسنا‏
..‏ ولكن وظيفته كانت في وزارة الخارجية آنذاك من أين تري اعتزاز والدي بشهادة محفورة في اللوحة النحاسية المذهبة والتي تشير الي دوره محاميا لاحدي نقابات العمال المهمة في مصر الجديدة‏.‏
توفي والدي ولم أبلغ الثامنة والنصف من سنين الطفولة‏,‏ كان أقرب الصديقين هما عبدالحليم البيلي بك المحامي الوفدي المرموق والقائمقام‏(‏ العقيد‏)‏ حافظ صدقي بك‏
.‏أتوقف هنا‏,‏ ما دام المجال ليس ذكريات الشباب‏,‏ لأتابع الخيط الدفين‏,‏ مرت السنون‏..
‏ سمعنا عن وجود التنظيم السري الذي قاد ثورة مصر في الأعماق بعد الحرب العالمية الأولي‏,‏ ظهر اسم عبدالرحمن فهمي بك في روايات الساسة والمؤرخين في أثناء وبعد التحركات الثورية الشعبية عام‏1935‏ ـ‏1936,‏ ومن ثم‏,‏ وعلي مر السنين أخبرنا الباحثون بأن بريطانيا حددت ضرورة إبعاد عبدالرحمن فهمي بك من رئاسة تنظيم الوفد المصري لو أراد قادة الوفد من الطبقات الوسطي والعليا أن يتم التفاوض معهم‏,‏ وبالفعل أقيل عبدالرحمن فهمي بك‏,‏ قائد الثورة‏,‏ وتم استبداله بسعد زغلول باشا رئيس الوفد المصري‏,‏ بعد أن أعيد من المنفي‏,‏ ثم كانت المفاوضات مع بريطانيا حتي منح الاستقلال الصوري والدستور وعودة فؤاد ملكا عام‏1923
.‏تمر الأيام‏,‏ تمر السنون‏,‏ أمور الدنيا تتغير ومعها تتبدل الأنظمة‏:‏حركة التاريخ‏.:‏ تمر الأيام ومازالت عناصر الصورة لم تجتمع في تركيب عقلي متكامل‏,‏ برغم تقدم البحوث التاريخية المصرية وتدفق وثائق تاريخنا المعاصر خاصة من دار الوثائق البريطانية‏‏ الشهير في ضاحية كيو جاردنز جنوب غرب لندن‏.‏
حركة‏23‏ يوليو‏1952‏ تطيح بالملكية‏,‏ وكذا بمؤسسات الطبقة الوسطي من الأحزاب الي مجلس الدولة‏,‏ من الصحافة الي طلائع الجامعة‏,‏ ثم يبدأ الحراك التصنيعي والاستقلالي بدءا من تأميم قناة السويس والسد العالي‏,‏ تتوالي حملات العدوان من دول الغرب وإسرائيل حتي نكسة يوليو‏1967,‏ وفي هذا الجو يزداد التنقيب عن أعماق ثورات مصر‏,‏ انتصاراتها ونكساتها‏,‏ وفجأة تنشر بعض الصحف ذكريات التنظيم السري لثورة‏1919‏ ـ‏1923,‏ ومعها‏,‏ فجأة ذكري تنظيم باسم اليد السوداء علي صلة وثيقة بأسماء نادرة الذكر‏,‏ وفي مقدمتها عبدالحليم البيلي بك‏,‏ حاولت لأن أتحري الدقة‏,‏ وقد أشار عنه بعض المعلقين علي أنه كان الرجل ومعه أقرب الأصدقاء‏,‏ ووالدي في مقدمتهم‏,‏ في دائرة هذا الجديد الذي يطفو علي السطح دون مقدمات لحظة البحث عن أعماق تاريخنا الثوري‏.
‏ قبل هذه اللحظة كان من الواضح أن التنظيم السري للوفد المصري‏,‏ منظما وقائدا لثورات الفلاحين في الريف ونشأة الحركة العمالية النقابية وامتدادها الي الحزب الاشتراكي منذ‏1920‏ ثم الحزب الشيوعي الأول في‏1923,‏ وهو الأمر الذي يفسر تاريخ مناضل شاب جمع بين الثورة الوطنية التحريرية ونصرة الحركة العمالية الناشئة بما يفسر ـ بعد سنوات طويلة من التساؤل والبحث ـ غياب هذا الشاب لمدة ثلاث سنوات‏..
.‏ كان الأرجح أنه يعمل في قلب الحركة الثورية‏,‏ ثم عودته محاميا للحركة النقابية بعد‏1923,‏ مسألة حكاية الحقيبة إذن إشارة أبلغ الي الوثيقة‏,‏ وكذا الاختفاء ثلاث سنوات أيام التنظيم السري‏.‏
تمر السنون‏,‏ تشاء الظروف أن يدعي كاتب هذه السطور زميلا أي أستاذا زائرا في معهد الدراسات المتقدمة‏
‏ في برلين عام‏1985,‏ كانت ألمانيا مازالت منقسمة الي ألمانيا الغربية‏,‏ حيث مقر المعهد وألمانيا الشرقية التي تبدأ من قطاع الأوسط والشرقي من العاصمة برلين‏,‏ كان من واجب كل زميل أستاذ زائر في المعهد أن يدعو ضيفا مرموقا من الخارج الي العشاء مع زملائه في المعهد للتعارف وتبادل الآراء‏,‏ وقد شاءت الظروف‏,‏ والظروف تشاء أن تكون السفيرة رئيسة البعثة الدبلوماسية المصرية في برلين هي كريمة القائمقام عبدالرحمن فهمي بك قائد التنظيم السري لثورة الوفد المغيب‏,‏ وقد تفضلت بقبول الدعوة‏,‏ فكان حديثنا بعد العشاء الرسمي في المعهد غير تقليدي‏,‏ إذ قدمت الضيفة الكريمة الي مجلس الإدارة وكبار الأساتذة والزملاء بصفتها الرسمية بطبيعة الأمر‏,‏ ثم أضفت أنني أعتز بتحيتها بوصفها كريمة قائد المرحوم والدي أيام التنظيم السري لثورتنا المصرية الأولي في القرن العشرين‏,‏
وقد أثارت هذه الكلمات تساؤلات تحولت الي حوار مفتوح امتد فيما بعد لمحاضرة في المعهد عن حقيقة ثورة‏1919,‏ وأسباب تغييب الحقيقة‏,‏ وكأن الثورات أخطاء تاريخية يجب التنصل عنها‏.
بقلم / د‏.‏ أنور عبدالملك
نقلا عن الاهرام

Friday, March 13, 2009

صفية زغلول‮.. ‬امرأة قادت ثورة

طلب مني أستاذي مصطفي أمين أن أكتب موضوعاً‮ ‬عن صفية زغلول،‮ ‬فلما قرأت عنها رفضت أن أكتب الموضوع وقلت له سوف أكتب كتاباً،‮ ‬فقال لي اكتبي الموضوع أولاً‮..
‬وكانت هذه المقدمة وكان هذا عنوان الكتاب‮:‬
‮»‬أخبر سعادة المندوب السامي أنني سأظل في القاهرة وسأعمل كل ما في وسعي لأتم عمل زوجي وانتم تستطيعون أن تنفوا جسم سعد،‮ ‬ولكنكم لا تستطيعون أن تنفوا روحه لأنها تعيش وستظل تعيش،‮ ‬وفي بيته وأنا سأكون سعداً‮ ‬حتي يعود،‮ ‬وهو سيعود لأن الشعب لن يسمح بغيابه ولن يمكنكم من إبعاده طويلاً،‮ ‬حتي لو مات سعد فسيأتي كثيرون‮ ‬غيره وسيتقدمون الصفوف وسأفعل كل ما أستطيع لاشعال روح الثورة في سبيل استقلال مصر‮«.‬
كان هذا هو الرد الذي أرسلته السيدة صفية زغلول إلي المندوب السامي،‮ ‬حينما اعتقل سعد زغلول في‮ ‬22‮ ‬ديسمبر‮ ‬1921‮ ‬بعد أن رفض أن يعتكف في قريته مسجد وصيف وواجهت اعتقاله بهدوء وسكينة حتي‮ ‬غادر زوجها البيت تاركاً‮ ‬زوجة شجاعة وكان يعلم جيداً‮ ‬أنها ستحفظ ثورته في‮ ‬غيبته،‮ ‬وكما قالت وقتها‮: »‬إن سعداً‮ ‬سجين في سيشيل ولكنني هنا روحه الثانية وزوجته التي تصون مكانه
‮«.. ‬يا الله‮.. ‬ما أعظمك من امرأة مصرية‮.. ‬طيب الله ثراك ورحمك رحمة واسعة بقدر ما قدمت لهذا البلد الذي كان يعاني من وطأة استعمار قاس‮.‬ طيب الله ثراك الذي تعطره خطوات كفاحك في‮ ‬غيبة الثائر الأعظم‮..
‬ألست القائلة في منشورك الذي وزعته في أنحاء مصر تحت عنوان‮ »‬نداء من حرم الرئيس‮.. ‬رئيس الوفد‮«.‬ لأن كان سعد شيخاً‮ ‬فثقوا أن هذا النفي لا يهد من عزيمته‮.. ‬إلا شيء واحد هو أن يعلم يوماً‮ ‬أنكم اعتراكم الضعف ولو للحظة واحدة‮.‬ أي نوع من النساء كانت صفية زغلول؟‮.. ‬أي نوع من النساء تولد في القرن التاسع عشر في كنف أسرة ارستقراطية منعمة بين أب من الباشوات رأس الوزارة لعشرين عاماً‮ ‬وأم لا تعرف إلا الزهوروالعطور؟‮!
‬أي فتاة كانت في قصرها تتعلم اللغات والعزف علي البيانو‮.. ‬وفجأة يخطبها من والدها رئيس وزراء مصر مصطفي فهمي باشا‮.. ‬سعد زغلول القاضي النابه درة صالون الأميرة نازلي فاضل والذي كانت تتمناه خيرة النساء‮..
‬ولكن قدره كان عظيماً‮ ‬بهذه الزوجة،‮ ‬ماذا فعلت تلك الشابة مع ذلك الثائر دوما؟
كيف تعاملت معه منذ أن وقفت عربتها وهي عروس ونزل منها أمام بيت الزوجية‮.. ‬لقد نصحتها أمها قائلة‮:‬ ‮- ‬سوف ينزل من السيارة ويفتح لك الباب ويقول لك اتفضلي يا هانم‮.. ‬فلا تنزلي أول مرة وسوف يكررها ثانياً‮ ‬فلا تنزلي وفي المرة الثالثة انزلي بتؤدة وسوف يمد لك ذراعه فامسكيها وسيري معه إلي البيت‮.‬
ونزل سعد زغلول من السيارة وقال لها‮:‬ ‮- ‬اتفضلي يا هانم‮..‬ فلم تنزل‮.. ‬وتقول صفية زغلول كما كتبت مربيتها مدام‮ »‬فريدا جيد فيدال‮«.‬ فلم يكرر سعد دعوته لي بالنزول‮.. ‬وسار خطوة نحو البيت فنزلت خلفه بسرعة‮..
‬وظللت طول حياتي ألهث خلف سعد زغلول‮
.‬ أحست صفية زغلول بمسئوليتها منذ بداية حياتها‮.
. ‬ذهبت معه إلي قريته عاشت حياته وجلست مع الفلاحات وبادلها الحب عاشت كل طبقات الشعب حتي سقاها سعد زغلول حب الشعب الذي ثار من أجل تحرره واستقلاله‮..
‬آمنت معه بهذا الشعب العظيم وغيرت كل سلوكياتها وانغمست في كفاح سعد حتي أصبحت المنظومة كاملة في بيت الأمة‮.. ‬وصلت لقيادة الثورة في‮ ‬غيابه منفياً‮ ‬حينما‮ ‬غيب المنفي زعماء الوفد الكبار،‮ ‬وغاب الصف الثاني في السجون تزعمت صفية زغلول نساء مصر،‮ ‬وكتبن صفحة خالدة جديدة وشاركن جميعاً‮ ‬في الكفاح حينما‮ ‬غاب الرجال‮.‬
كان نوعاً‮ ‬من الكفاح المنظم‮.. ‬المخطط،‮ ‬حيث بدأت صفية زغلول خطتها مع كتيبة كاملة منظمة من نساء مصر في تواصل مع مصر كلها بكل طبقاتها وصولاً‮ ‬إلي الفلاحات‮.‬
قررت صفية زغلول وأركان حربها كما كانت تطلق علي السيدة هدير بركات قررن مقاطعة البضائع البريطانية‮..
‬وأصبحت السيدات ليست في بيت الأمة فقط،‮ ‬ولكن في كل بيوت مصر بنداء مشي مثل النار في الهشيم من صفية زغلول فأصبح في يد كل سيدة‮ »‬إبرة التريكو‮« ‬وخيوط الصوف‮.. ‬
وكادت أكبر محال‮ »‬البلوفرات‮« ‬أن تفلس لجلد المصريات حرصن علي مقاطعة البضائع البريطانية‮.. ‬حتي مخابز الحلوي التي كان يملكها الأجانب قاطعنها وخبزن الحلوي والفطائر في البيوت‮.‬
ولم يكن الكفاح هو الامتناع عن شراء البضائع الأجنبية ورفع شعار‮ »‬صنع في مصر‮«‬،‮ ‬ولكن أوصلت صفية زغلول منشوراتها إلي مطبخ المندوب السامي لتصله علي المائدة مع شاي الصباح‮!!
‬أي امرأة كانت تلك السيدة العظيمة؟
كيف تسللت بعقلها وحسها الوطني إلي قلب الفلاح الذي يشتهي الذرية ليعيش حياتها وتعوضه ابتسامة صبي طوال العمر؟
كيف استطاعت أن تحول عقمها إلي خصب وطني أكثر دواماً‮ ‬وأمومة لأمة احتاجت أمومتها‮.. ‬كيف حولت أمومتها إلي عمل وكفاح فكانت الرحم الذي حافظ علي ثورته في‮ ‬غيابه‮.
لقد تحول بدروم بيت الأمة إلي خلية عمل لصناعة كل ما يلزم ولتعليم النساء كل ما لا يعرفنه حتي تتم المقاطعة للبضائع الإنجليزية لقد وصلت دعوة المقاطعة إلي الريف المصري فنشطت الأنوال لصناعة الصوف لعمل‮ »‬شيلان‮« ‬الرجال والعباءات،‮ ‬أصبحت مصر شعلة من الكفاح أثناء اعتقال سعد وصحبه والضوء ينبعث ليلاً‮ ‬من بيت الأمة والعمل يستمر نهاراً‮ ‬حتي يتم نجاح أسلوب المقاطعة ليصل صوت المصريين بشكل عملي خلف الزعيم وصحبه الذين أبعدوا حتي تخمد الثورة‮..
‬ولن يعلم الإنجليز أن هناك امرأة تقود الثورة وتوقظ النساء وتفتح المشربيات ليدخل الهواء وتخلع الحجاب يوم‮ ‬16‮ ‬مارس فيصبح عيداً‮ ‬للمرأة المصرية‮.
‬ وجاءت إلي مصر الصحفية الأمريكية جريس تومسون سيتون لتري نساء مصر بعد أن سمعت بصفية زغلول وكتبت كتاباً‮ ‬صدر تحت اسم‮ »‬الزغلوليات‮« ‬نسبة إلي صفية زغلول وغطائها الذهبي الثائر سعد زغلول‮.
. ‬صدر الكتاب عام‮ ‬1922‮ ‬كما كتب أستاذنا الكاتب الراحل الثائرة حتي في قبره الأستاذ محمد عودة،‮ ‬وكانت السيدة تومسون شديدة الاعجاب بأسلوب كفاح صفية زغلول في إشعال الثورة في‮ ‬غياب زوجها في المنفي‮.
‬ لقد استعانت السيدة صفية زغلول بالنساء في أسلوب مقاطعة البضائع‮..
‬استعانت بالمرأة المصرية منذ أكثر من ثمانين عاماً،‮ ‬وقت ان كانت المرأة لا تستشار من زوجها ولكنها استخلصت منهن الكفاح الوطني‮.. ‬لقد عقدت اجتماعاً‮ ‬مع ألفي سيدة وهذا عدد ضخم،‮ ‬حينما كان عدد السكان لا يزيد علي عشرة ملايين كما لو اجتمعت الآن بمليوني سيدة‮!!.. ‬اجتمعت بهن ونظمت المقاطعة تماماً‮ ‬كأي قائد معركة يخطط للنصر‮!!
‬وكانت النتيجة أن البريطانيين ضجوا من المقاطعة وأفلس عدد منهم‮.‬
كان صالون صفية زغلول كأنه مصر كلها‮..
‬السيدات الارستقراطيات وأميرات البيت المالك من صديقاتها المؤمنات بالثورة والفلاحات يرتدين الحلي الفلاحي‮.
. ‬فلاحة مصرية تجلس علي الأرض وفرشت أمامها‮ »‬طرحتها‮« ‬وضعت بها مصاغها وما تبرعت به بنات قريتها جاءت به لصفية زغلول للانفاق علي الثورة وبيوت الثوار الذين سجنهم الاستعمار الإنجليزي،‮ ‬إحساس بالمسئولية نقلته لنساء مصر كلها،‮
‬واستمر الاستعمار في لعبته في محاولة للقضاء علي الثورة المصرية بإبعاد الزعيم سعد زغلول وبعد نفيه في سيشيل قرروا نقله إلي جبل طارق،‮ ‬حيث كانت المنطقة تحت السيطرة البريطانية وأرسل سعد زغلول إلي السيدة صفية زغلول لتلحق به إلي هناك حيث يشعر باعتلال صحته‮.‬
ولكي نعلم كيف كان بناء المجتمع المصري شديد القوة في مواجهة الاستعمار والحفاظ علي زعيم فقد كتبت السيدة فهيمة ثابت إحدي المقربات من صفية زغلول في مذكراتها‮ »‬أرسل الزعيم سعد زغلول خطاباً‮ ‬إلي صفية هانم قال فيه بأدبه الجم‮: »‬إذا سمحت ولم يكن السفر يتعبك فأقدمي إلىّ‮ ‬لأنني محتاج لعنايتك‮..« ‬أي رقة وأدب جم لهذا الزوج الذي كان كالأسد الهصور أمام البريطانيين؟
وقد عرضنا عليها جميعاً‮ ‬السفر معها،‮ ‬وفي بورسعيد كانت مصر كلها تودع صفية زغلول جاءوا من المدن والقري لتوديع شريكه سعد ويحملونها رسالة الشوق إليه جاءوا يحملون الزهور طوال الطريق فلاحين وأفندية وباشاوات يرضعون سعف النخيل ويعنون لها‮ »‬سلمي يا سلامة تعودي مع سعد بالسلامة‮«.
‬ لقد استطاعت صفية زغلول أن تغسل يأس المصريين بنفي زعيمهم وإبعاده وأن تحوله إلي أمل بمواصلة الكفاح والثورة‮.
‬ استطاعت أن تقود الثورة باسمه‮.
. ‬كانت ترفعه وتؤازره ولا تنتقص منه‮.. ‬لم تكن تريد أن تحصل علي نصر شخصي لها‮..
‬لقد أحست بعظمته وأهمية ثورته فكانت جزءاً‮ ‬من هذه الثورة ذابت معه في مصر ولم تذبه في نفسها‮! ‬
وحينما كان يغيب كانت تجمع الثوار في بيت الأمة وتخاطبهم وتقرأ عليهم رسائله‮.‬ وتروي السيدة فهيمة ثابت في كتابها مشهداً‮ ‬من أعظم مشاهد الإخلاص في حياة هذا الشعب،‮ ‬والذي يجب أن يستعيد تاريخه ليبعث الأمل في مستقبله فلقد جاء أحد كبار الضباط وصعد مودعاً‮ ‬بها في الباخرة وقال لها‮:‬ ‮- ‬أبلغي سعداً‮ ‬أن الجيش والبوليس وضباطه وقواده معه وتحت أمره ورهن إشارة معاليه‮.‬
أين من شجاعة هؤلاء الضباط الذين يرسلون لرجل منفي وفي بلد يحكمها المندوب السامي البريطاني رسالة في منفاه؟
إنهم تحت أمره ورهن إشارته؟‮!
‬لقد تحول الضباط من حماية الملك وحماية المستعمر إلي حماية ثائر منفي في آخر الدنيا من أجل مصر‮!!
‬لقد شعروا أن زوجته استمرار لثورته فحملوها رسالة ذات معني يندر أن يوجد لدي شعب سوي الشعب المصري‮.
. ‬إيماني بالشعب المصري بلا حدود وأن جينات الثورة تملأ الرياح ويعجبني هذا الوصف للمصريين‮.
. ‬وأؤمن به كحدث مستقبلي وصف قالته الكاتبة الأمريكية جريس تومسون‮:‬ ‮- ‬إن المصريين مثل رمال الصحراء‮.. ‬قد تستطيع أن تسير عليها ولكن يوماً‮ ‬ما سوف يهبون كعواصف الرمال ويبتلعونك‮
بقلم: نعم الباز
.‬ نقلا عن جريدة الوفد


تنازل الطالب الأزهرى عن إكمال تعليمه بعد أن أصبح محمد عبده رئيسًا لتحرير مجلة الوقائع المصرية، عندما طلب منه أن يساعده فى تحريرها.. كان هذا الشاب هو سعد زغلول، المولود بقرية إبيانة بالغربية عام ١٨٥٩ لأسرة من أعيان الريف.
تلقى تعليمه فى الكُتاب ثم التحق بالأزهر عام ١٨٧٣ والتف مثل الكثير من زملائه حول جمال الدين الأفغانى، ثم عمل معه فى الوقائع المصرية، ثم انتقل إلى وظيفة معاون بنظارة الداخلية لكنه فصل منها لاشتراكه فى ثورة عرابى ثم اشتغل بالمحاماة لكنه قبض عليه عام ١٨٨٣ بتهمة الاشتراك فى المؤامرة الوطنية المعروفة بـ «جمعية الانتقام»
وبعد ثلاثة أشهر خرج من السجن ليعود إلى المحاماة ثم دخل إلى دائرة أصدقاء الإنجليز، عن طريق الأميرة نازلى، وسعى وقتها إلى تعلم اللغة الإنجليزية ثم تزوج من ابنة مصطفى فهمى باشا صديق الإنجليز، رئيس وزراء مصر، ثم تعلم الفرنسية ليزيد من ثقافته ثم تقلد وظيفة نائب قاض عام ١٨٩٢ ثم حصل على الليسانس عام ١٨٩٧.
انضم سعد زغلول إلى الجناح السياسى لفئة المنار، التى كانت تضم أزهريين وأدباء وسياسيين ومصلحين اجتماعيين ومدافعين عن الدين، واشترك فى الحملة العامة لإنشاء الجامعة المصرية وكان من المدافعين عن قاسم أمين وكتابه «تحرير المرأة» وفى عام ١٩٠٦ تم تعيينه ناظرًا للمعارف ثم عين فى نفس العام ناظرًا للحقانية.
وأصبح نائبًا عن دائرتين من دوائر القاهرة، ثم فاز بمنصب الوكيل المنتخب للجمعية وبعد الحرب العالمية الأولى تزعم المعارضة فى الجمعية التشريعية التى شكلت نواة «جماعة الوفد» فيما بعد وطالبت بالاستقلال وتنظيم الحماية، ثم تم اعتقاله فى مالطة هو ومجموعة من رفاقه فاندلعت ثورة ١٩١٩ حتى تم الإفراج عنه.
توجه إلى باريس لطرح قضية مصر على مؤتمر الصلح، لكن جميع الأبواب أوصدت فى وجوههم ثم عاد الوفد برئاسة سعد، إلى مصر ليبدأ الصدام بينه وبين أنصار عدلى يكن الذى انتهى بكسب سعد للجولة.
وبعد صدور الدستور عام ١٩٢٣ قرر سعد دخول الانتخابات التى أحرز من خلالها انتصارًا كبيرًا وألف الوزارة، لكنه قدم استقالته منها بعد عدة أشهر، بعد حادثة مقتل السير «لى استاك»، القائد العام للجيش المصرى، حاكم السودان، وفى الانتخابات التالية فاز سعد وأنصاره مرة أخرى.
كتب إبراهيم الخضرى ١٣/ ٣/ ٢٠٠٩
المصرى اليوم

١٦ مارس.. أول ظهور لـ «المرأة» فى ثورة ١٩


إذا كانت ثورة ١٩ صفحة مجيدة فى تاريخنا الوطنى فإنها كذلك تعنى الكثير بالنسبة للمرأة المصرية ووضعها فى المجتمع. فقد خرجت المرأة المصرية وشاركت فى الثورة وكان ذلك سببًا فى تغيير نظرة المجتمع لها وقبول مشاركتها فى الحياة العامة.
لقد شاركت المرأة المصرية فى ثورة ١٩١٩، وكان أول مظهر لهذه المشاركة، المظاهرة الكبرى التى نظمتها يوم الأحد ١٦ مارس سنة ١٩١٩ للتعبير عن رأى المرأة، والاحتجاج على ما أصاب الأبرياء من القتل والتنكيل فى المظاهرات السابقة.
خرجت المتظاهرات كما يقول عبدالرحمن الرافعى فى كتاب «ثورة ١٩١٩ تاريخ مصر القومى من سنة ١٩١٤ إلى سنة ١٩٢١»، فى حشمة ووقار وعددهن يربو على ٣٠٠ من كبار العائلات وأعددن احتجاجًا مكتوبًا ليقدمنه إلى معتمدى الدول، قلن فيه: جناب المعتمد.. يرفع هذا لجنابكم السيدات المصريات أمهات وأخوات وزوجات من ذهبوا ضحية المطامع البريطانية يحتججن على الأعمال الوحشية التى قوبلت بها الأمة المصرية الهادئة لا لذنب ارتكبته سوى المطالبة بحرية البلاد واستقلالها تطبيقًا للمبادئ التى فاه بها الدكتور ويلسن وقبلتها جميع الدول محاربة كانت أم محايدة.
نقدم لجنابكم هذا ونرجو أن ترفعوه لدولتكم المبجلة لأنها أخذت على عاتقها تنفيذ المبادئ المذكورة والعمل عليها، ونرجوكم إبلاغها ما رأيتموه وما شاهده رعاياكم المحترمون من أعمال الوحشية وإطلاق الرصاص على الأبناء والأطفال والأولاد والرجال العزل من السلاح، لمجرد احتجاجهم بطريق المظاهرات السلمية على منع المصريين من السفر للخارج لعرض قضيتهم على مؤتمر السلام أسوة بباقى الأمم، وتنفيذًا للمبادئ التى اتخذت أساسًا للصلح العام، ولأنهم يحتجون أيضًا على اعتقال بعض رجالهم وتسفيرهم إلى جزيرة مالطة.
سارت السيدات فى صفين منتظمين، وجميعهن يحملن أعلامًا صغيرة، وطفن الشوارع الرئيسية فى موكب كبير، هاتفات بحياة الحرية والاستقلال وسقوط الحماية، ومرت المتظاهرات بدور القنصليات ومعتمدى الدول الأجنبية لتقديم الاحتجاج المكتوب، ولكن الجنود الإنجليز لم يدعوهن فى طريقهن فحينما وصلن إلى شارع سعد زغلول يردن الوصول إلى بيت الأمة ضربوا نطاقًا حولهن وأوقفوا مسيرتهن وسددوا إليهن البنادق والحراب،
وبقيت السيدات هكذا مدة ساعتين تحت وهج الشمس المحرقة، لا يرهبهن تهديد، وتقدمت واحدة منهن وهى تحمل العلم إلى جندى وجه بندقيته إليها ومن حولها، وقالت له بالإنجليزية (نحن لا نهاب الموت، أطلق بندقيتك فى صدرى لتجعلوا فى مصر مس كافل ثانية) ومس كافل هى الممرضة الإنجليزية المشهورة التى أسرها الألمان فى الحرب العالمية الأولى وأتهموها بالجاسوسية وأعدموها رميًا بالرصاص وكان لإعدامها ضجة كبيرة فى العالم، فخجل الجندى وتنحى عن طريق المتظاهرات، فكتبن احتجاجًا ثانيًا على هذه المعاملة الغاشمة، ألحقنه باحتجاجهن الأول، وقدمنه إلى معتمدى الدول، وهذا نصه:
(جناب معتمد دولة ....
قرر السيدات المصريات بالأمس القيام بمظاهرة سلمية والمرور على دور السفراء لتقديم الاحتجاج الكتابى المرفق بهذا والذى نتشرف برفعه لجنابكم الآن وعندما اجتمعن بشارع سعد زغلول باشا حاصرتهن قوة مسلحة من العساكر البريطانية ووجهت لهن السلاح حتى لا يتحركن لا إلى الأمام ولا إلى الخلف، وبقى السيدات هكذا مدة ساعتين، تحت نار الشمس المحرقة».
هذا ما رآه المحتلون من معاملة السيدات، وهو بمفرده وبغير تعليق دال على استمرار الإنجليز فى استعمال القوة الغاشمة حتى مع السيدات لإخماد أنفاس هذه الحركة العامة التى لم يكن أساسها أى عداء لضيوفنا الأجانب، لأنها موجهة فقط ضد أعمال الاستبداد والقوة التى يقابل الإنجليز بها مطالب الأمة الحقة الشرعية.
لهذا يا جناب المعتمد نضم هذا الاحتجاج الثانى لاحتجاجنا الأول، ونرجو إبلاغه لدولتكم الموقرة
كتب كريمة حسن ١٣/ ٣/ ٢٠٠٩
المصرى اليوم

ثورة «الألف شهيد» أضرب الشعب فأسقط الحكومة وأعاد سعد زغلول ورفاقه


ثورة صنعتها مطالب وأحلام شعبية ترجمها الشارع المصرى إلى شرارة كبيرة طالت مدنًا ومحافظات وأقاليم مترامية من مصر هى ثورة ١٩١٩، التى شاركت فيها الأمة بكل طوائفها وأقباطها ومسلميها.
كان حسين باشا رشدى طلب من الإنجليز، عقب توقيع الهدنة مع ألمانيا، أن يسافر إلى لندن مع عدلى باشا، وزير المعارف، لشرح حالة مصر لوزارة الخارجية، والاتفاق معها على مصالح الوطن فوعده الإنجليز بالسفر، لكنهم عادوا وماطلوا فقدم استقالته فى ديسمبر ١٩١٨ إلى أن رضخوا لطلبه، لكنه طلب أن يصرح للوفد الذى تم تأليفه وعلى رأسه سعد زغلول بالسفر إلى لوندرة وباريس، للمطالبة بالاستقلال فرفض الإنجليز بحزم.
وفى أول مارس ١٩١٩ استدعى وطسون، قائد الحامية، سعد زغلول وزملاءه إسماعيل صدقى ومحمد محمود وحمد الباسل، وأظهر لهم استياء الحكومة من تدخلهم فى سياسة البلد وهددهم بمحاكمتهم عسكريًا، ثم قبض عليهم مساء نفس اليوم ٦ مارس ١٩١٩، وقرر أن يعتقلهم فى جزيرة مالطة وأرسلهم إليها فعلاً، فسرى نبأ نفيهم فى مصر، سريان النار فى الهشيم واندلعت المظاهرات فى كل ربوع المحروسة، وتم إطلاق النار على المتظاهرين فقتل وجرح كثيرون مما أثار حمية المتظاهرين وأزكى لهيب المظاهرات.
كان الجنرال أو «اللورد» اللنبى آنذاك فى باريس فصدر له الأمر بالعودة بأسرع ما يمكن وتم تعيينه مندوبًا ساميًا فى مصر بدلاً من «ونجت»، ورغم أن اللنبى أمر بقمع المظاهرات وتأديب المتظاهرين وإقامة المحاكم العسكرية فإنه أمر بإعادة سعد زغلول فاندلعت المظاهرات ابتهاجًا بعودة سعد ورفاقه وانتهت بتدخل الإنجليز ومقتل مجموعة كبيرة من المتظاهرين.
أما أعضاء الوفد فلم يتراجعوا أمام إنذار المندوب البريطانى، كما أن سعد زغلول أرسل برقية إلى «لويد جورج»، رئيس الوزارة البريطانية، يفيده بالمطلب الشعبى بالاستقلال التام، وأن الحماية غير مشروعة فقامت سلطات الاحتلال باعتقال سعد زغلول فى ٨ مارس ١٩١٩، وواصل «الوفد» ثورته بعد اعتقال سعد وبدأت الثورة بالمظاهرات السلمية لطلبة المدارس فى اليوم التالى، وكان طلبة الحقوق على رأس الطلبة المضربين،
وفى ١٠ مارس سقط أول القتلى فى المظاهرة وفى ١١ مارس استمر الإضراب وأضرب سائقو الترام والتاكسى والأتوبيسات، وذكر الرافعى أن أول شهيد فى مظاهرات ثورة ١٩١٩ كان مصطفى ماهر أمين وفى رواية أخرى كان محمد عزت البيومى.
وفى ١١ مارس أضرب المحامون وبلغ عددهم ٣١٩ محاميًا ثم أضرب المحامون الشرعيون فى ١٥ مارس، وهو اليوم الذى أضرب فيه عمال العنابر، وفى ١٦ مارس اندلعت المظاهرات النسائية، نحو ٣٠٠ سيدة من كرام العائلات، وحينما بلغن شارع سعد زغلول قاصدات «بيت الأمة» حاصرهن الجنود وسددوا الأسلحة إلى صدورهن وظللن محاصرات طيلة الساعتين إلى أن تقدمت إحداهن إلى أحد الجنود، الذى يشهر سلاحه فى وجهها،
وقالت له بالإنجليزية: «نحن لا نهاب الموت، أطلق بندقيتك إلى صدرى، لتجعلوا مصر مس كافل ثانية» ومس كافل هذه كانت ممرضة إنجليزية شهيدة فى الحرب العالمية الأولى، واتهموها بالجاسوسية وأعدموها رميًا بالرصاص وقدمت النساء احتجاجات للمعتمد البريطانى،
كما أضرب العاملون فى البريد وفى ١٧ مارس كانت المظاهرات الأكبر فى سلسلة هذه المظاهرات وتم إبلاغ الحكمدارية بها ورأت السلطة العسكرية عدم التعرض لها حقنًا للدماء، وتولى «راسل باشا»، حكمدار العاصمة، ضبط النظام فى هذا اليوم وركب سيارة تقدمت المظاهرة التى بدأت من الأزهر فالحكمدارية الجديدة فعابدين فشارع سليمان فشارع شريف ثم ميدان الأوبرا وقطعت المسيرة فى ساعات وقيل إن عدد المتظاهرين كان أكثر من ٥٠ ألفًا، واستمرت الثورة إلى يوم ٩ أبريل الذى شهد تشييع جنازة ٤ شهداء.
وفى ١١ أبريل تم تشييع جنازة ١٤ شهيدًا إلا أن شعلة الثورة طالت سائر الأقاليم، بورسعيد والبحيرة والغربية والمنوفية ودسوق وزفتى وكفر الشيخ والمحلة الكبرى ودمياط والمنصورة والدقهلية والقليوبية والشرقية والفيوم والمنيا وأسيوط وقنا وأسوان وبلغ عدد الشهداء ١٠٠٠ شهيد، وعم الإضراب سائر ربوع مصر ومدنها إلى أن تم تعيين المندوب السامى «اللورد اللنبى»، الذى أعاد سعد زغلول ورفاقه،
فى استجابة جبرية للمطلب الشعبى، كمحاولة لتهدئة الموقف، غير أن الموظفين الحكوميين ظلوا على إضرابهم وكذلك طلبة مدرسة الحقوق، بل المدارس الثانوية والمحامون وعمال الترام، حتى بعد عودة سعد، وشكلوا لجنة اسمها لجنة مندوبى وموظفى وزارات الحكومة ومصالحها، وأقرت اللجنة استمرار الإضراب من ١٢ أبريل حتى إلغاء الأحكام العرفية وسحب الجنود البريطانيين من الشوارع، ومن جانبه أصدر رشدى باشا فى ١٢ أبريل عام ١٩١٩ بيانًا يهيب فيه بموظفى الحكومة العودة إلى وظائفهم
كتب ماهر حسن ١٣/ ٣/ ٢٠٠٩
المصرى اليوم