Showing posts with label River Nile. Show all posts
Showing posts with label River Nile. Show all posts

Tuesday, June 22, 2010

رحلة نيلية لـ «المصرى اليوم» تنتهى بسؤال: من ينقذ «النيل»؟

النهر تحول إلى مغسلة ملابس وأوان.. والفلاحات على ضفتيه اسمهن «الغسالات الأتوماتيك»

لا يخدعنكم صمته.. ولا يغرنكم هدوئه.. فالصمت ليس دائماً علامة الرضا، والهدوء فى بعض الأحيان ليس دليلاً على استقرار الطباع.. ربما يأتى اليوم الذى ينفجر فيه الغضب عارماً، ويبوح اللسان بما اضطر لكتمانه آلاف السنين.. ساعتها سينطق نيل مصر، سيشكو الإهمال، وسوء المعاملة، وقد يحمل عصاه عازماً على الرحيل، ومهما يكن من أمره لن يصبح أمامنا إلا أن نحترم قراره، فقط إكراماً لأياديه البيضاء علينا منذ وجدت هذه البلاد.

على أن البلاد التى منحها النيل أمسها وحاضرها، لم تكن قادرة على أن تمنحه حقه فى أن يعبر للغد آمناً مطمئناً، على العكس تماماً، راح أبناؤها، سواء بقصد أو بدون قصد، يعتدون على النهر الذى قدسه أجدادهم وعبدوه منذ آلاف السنين، وعلى امتداد مجرى نهر النيل داخل مصر اخترنا أن ننقل لكم صوراً حية تجسد ذلك الاعتداء، كما يحدث من بعض المواطنين.. لم نشأ أن نذهب بعيداً، أعطينا ظهرنا للقاهرة ويممنا وجهنا جهة الشمال لعدة كيلومترات تعد على أصابع اليدين، وعبر رحلة نيلية قطعتها باخرة سياحية من القاهرة حتى القناطر الخيرية، ثم العودة مرة أخرى رصدنا ما يحدث، وقررنا أن ننقله لكم بالصورة والكلمة فى السطور القادمة.

لم تكد الباخرة تبتعد قليلاً عن مرسى نهرى يقع أمام مستشفى معهد ناصر، حتى أخذت مظاهر المدنية فى الاختفاء شيئاً فشيئاً.. تباعدت العاصمة بجسورها وأبراجها العالية، ولم يعد يظهر منها سوى أطياف، ومع الأطياف راحت صورة الريف تتداخل مع بقايا الحضر حتى احتلت المشهد تماماً، وعلى ضفتى النيل انبسطت الأراضى الزراعية بخضرتها الرائقة، لا ينتقص من جمالها سوى بعض المبانى التى بدت فى وسطها أشبه بالبثور الدامية على جسد بض نضير.

وسط المبانى كانت هناك سيارة ضخمة تمد خرطوماً كبيراً فى اتجاه النهر، وتسكب فيه شيئاً لا يظهر بوضوح. بضعة أمتار أخرى وتتسلل ماسورة كبيرة قادمة من وسط الزراعات تلقى بدورها مياه شديدة الاتساخ.. يتجمع عدد من الأطفال وهم يلقون بأنفسهم داخل المياه ويسبحون فى استمتاع شديد، ويتكرر الحدث فى أكثر من موضع. تبدو مياه النهر فى تلك البقاع أكتر تلوثاً من غيرها فى أماكن أخرى.. يتحول اللون من الأزرق الفاتح إلى الأخضر الداكن، يصنع تناغماً مع مساحات الأراضى الزراعية التى تمتد سواء على الضفتين أو على الجزر التى تنتشر شرقاً وغرباً حتى تظهر مشارف القناطر الخيرية.

على مسافة كافية من النقطة التى يتفرع عندها النيل إلى فرعيه المشهورين دمياط ورشيد، وعلى مقربة من القناطر التاريخية التى أنشأها محمد على مطلع القرن التاسع عشر كان هناك صف طويل من البراميل مدون عليها عبارة «شركة البترول»، مرصوصة فى وضع أفقى، ومربوطة جنباً إلى جنب فى صورة حاجز حديدى، تحيط بها مخلفات زراعية مختلطة بقمامة، قال عنها ريّس مركبنا إن وزارة الرى وضعتها لتحجب المخلفات بعيداً عن القناطر الخيرية كآلية حديثة لتطهير مجرى النهر «ويا ريتهم بيشيلوا المخلفات ويودوها بعيد» قالها المراكبى بأسى وهو يشير إلى كومة عالية للغاية من المخلفات تستقر على الضفة الغربية للنيل، واصل قائلاً «وزارة الرى بتجمع المخلفات اللى بتخرجها من النيل هنا، وكل يوم الكوم بيزيد وما حدش بيسأل فيه».

لم تكن المخلفات وحدها هى ما يجذب الانتباه، قادنا المراكبى بناء على طلبنا إلى فتحة تقود بدورها لقرية القيراطيين التى تقع على ضفة النيل الغربية، وهناك صدمنا الواقع كما هو بلا تجميل أو مواربة.. سيدة عجوز جلست على شط النيل ممسكة بين يديها بآنية معدنية راحت تدعكها بقطعة سلك، وعندما انتهت منها وقامت بشطفها فى مياه النيل مدت يدها لآنية أكبر، وضعت ضمن مجموعة أوان تنتظر دورها فى الغسيل، وخلال عملية الإحلال والتبديل، لم تجد السيدة العجوز حرجاً فى أن تتمخط فى المياه نفسها التى تغسل منها أوانى طعامها وطعام أبنائها، وفى خلفية المشهد رقد رجلاً لم يكن يقل سناً عنها فى ظل شجرة ممسكاً فى يديه سبحة راح يمس حباتها بأصابعه مساً خفيفاً.

على بعد خطوات قليلة من العجوز جلست سيدة أخرى تغسل ملابسها وملابس أسرتها فى المياه الأسنة، دعكت السيدة الملابس وشطفتها ورفعتها على جذع شجرة لتجف، وإلى جوارها كانت هناك من تغسل حصيرة بلاستيكية مستخدمة فى ذلك فرشاة صغيرة، وثالثة تغسل أوانى الطعام باستمتاع شديد، ورابعة تتجاذب أطراف الحديث مع خامسة تقرفص بدورها وهى تدعك آنيتها المعدنية، وسادسة، وسابعة، وثامنة.. ضحك المراكبى وهو يعلق قائلاً: «بعد شوية هتلاقوهم هنا زى التتار كل واحدة عايزة تقعد على البحر وتغسل فيه، احنا هنا بنسميهم الغسالات الأتوماتيك».

لا ينتهى صف «الغسالات الأتوماتيك» كما أطلق عليهن المراكبى، من وسطهن تتسلل بضعة سيدات يحملن جرادل بلاستيكية محملة بمياه شديدة القذارة.. يلقين بها فى النيل، ويعودن من حيث أتين فى براءة تامة، تجلس فتاة صغيرة فى يدها صنارة تحاول أن تصطاد بها وسط طابور السيدات.

وحتى لا نظلم الفلاحات ونحملهن خطايا جميع البشر، ظهر على مقربة منهن رجل كبير يرتدى ملابسه الداخلية فقط، كان يتوضأ من ماء النيل بحماس ظاهر، دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى يمينه حيث تجلس السيدات يغسلن كل ما تطوله أياديهن، ويودعن مياه النيل فضلات أكلهن، ورائحة ملابسهن، ومخلفات أخرى ما أنزل الله بها من سلطان.

ورغم أن حرارة الجو كانت مقبولة إلى حد كبير، إلا أن المياه لم تعدم من يسبحون فيها على امتداد القرى التى تحتل ضفتى النهر، سواء كانوا كباراً أم صغاراً، هذا دون الإشارة إلى مخلفات صناعية انسابت من مواسير صغيرة تكاد لا ترى وسط الزراعات، متسللة من مصانع كبيرة بمداخن عالية، بالإضافة إلى بقاياً أطعمة، وأغلفة منتجات غذائية، وزجاجات فارغة بالجملة راحت تعترض طريق الباخرة، لتعيد إلى الذهن صف براميل وزارة الرى الموضوع أمام القناطر الخيرية ليحجب المخلفات، الأمر الذى يطرح تساؤلاً عن الآليات التى تعمل بها وزارة بحجم وزارة الرى لها ميزانية، وبها موظفون، وإدارات، وهيئات، وفى النهاية تستخدم وسيلة شديدة البدائية لتحجب بها المخلفات عن القناطر الخيرية.

لا تنتهى الرحلة دون أن تفرض الابتسامة نفسها على الوجوه، فشرطة المسطحات المائية لا يزعجها فى كل ما سبق سوى كاميرا زميلنا المصور، ولا يشغلهم سوى «تصريح أمنى بالتصوير فى القناطر، بعيداً عن استراحة السيد رئيس الجمهورية». وتظل كلمة النهاية معلقة على صفحة النهر فى انتظار من يد له يد العون قبل أن يتخذ قراره ويرحل ـ ومعه كل الحق ـ غير مأسوف عليه.

سماح عبدالعاطى- Almasry Alyoum

Saturday, May 29, 2010

د. رشدى سعيد والنيل ومآثر لا تُحصى

د. رشدى سعيد هو أبو الجيولوجيا المصرية الحديثة، فهو أول من حصل على درجة الدكتوراه فى هذا الفرع من العلوم من أهم جامعة فى الولايات المتحدة، وهى جامعة هارفارد، فى منتصف القرن الماضى. وتزامنت عودته إلى الوطن بعد ذلك مع الغليان الشعبى الذى سبق ثورة يوليو ١٩٥٢. وتوافقت أحلام الجيولوجى الشاب مع أحلام وأهداف قيادات تلك الثورة، الذين كانوا أنفسهم من أبناء جيله.

وكان طالب الجيولوجيا فى كلية العلوم بجامعة «فؤاد الأول»، ثم أستاذها بعد عودته إلى نفس الموقع - والتى تغير اسمها إلى «جامعة القاهرة» - قد مسح مع آخرين مُعظم الأراضى المصرية: وادى النيل، والصحراء الشرقية والغربية، وسيناء. ولكن نهر النيل ظل حُبه الجيولوجى الأول، مع حُبه الإنسانى الأول لرفيقة حياته، أستاذة الفلسفة، د. وداد سعيد.

لقد تتلمذ مُباشرة على يدى رشدى سعيد خلال حياته المهنية آلاف الطلاب، وأضعافهم بطريق غير مُباشر فى مصلحة الجيولوجيا التى انتدبه الرئيس عبدالناصر من الجامعة لإدارتها، هذا فضلاً عن مئات الآلاف عبر مصر والعالم العربى والعالم الذين أعجبوا به كشخصية عامة ليبرالية اشتراكية ديمقراطية. وكان الشباب المسلمون والأقباط فى مصر يتطلعون إلى هذه الشخصية المصرية المسيحية الملتزمة، التى لم يكونوا قد رأوا لها مثيلاً منذ مكرم عبيد باشا، وسينوت حنا، وسلامة موسى.

وضاعف من تألق رشدى سعيد، وسامته ورشاقته وبلاغته باللغتين العربية والإنجليزية. وحينما اختير لعضوية مجلس الأمة (البرلمان سابقاً، ومجلس الشعب لاحقاً)، كان فخراً لهذه الهيئة التشريعية، كما كان فخراً لكليته وجامعته، ولكل هيئة حكومية أو أهلية انتمى إليها فى حياته.

وكتب أحد المعجبين بهذه الشخصية الفذّة، منذ عرّفنى بها عالم آخر من خيرة أبناء مصـر، وهو د. مصطفى كمال طلبة، فى منتصف ستينيات القرن الماضى أثناء عمله كمستشار ثقافى لمصر فى واشنطن. وكنت وقتها أدرس للدكتوراه. ثم لم ألتق به إلا بعد خمسة عشر عاماً، حينما زاملت قرينته، د. وداد سعيد، ضمن أعضاء هيئة التدريس فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وحزنت كثيراً حينما تعرّض د. رشدى سعيد للاضطهاد على يدى الرئيس الراحل أنور السادات، ضمن مئات الشخصيات العامة التى شملتها قرارات سبتمبر ١٩٨١.

وبالمصادفة المحضة كان د. رشدى سعيد يحضر مؤتمراً علمياً بالخارج، حينما صدر قرار اعتقاله فى مصر، فلم يعد الرجل إلى الوطن، وارتضى حياة الغربة، رغم أن قرينته وبقية أفراد أسرته (ابنه د. كريم وابنته د. سوسن) التحقوا به جميعاً، وما هى إلا سنوات قليلة، حتى تغيّرت الأحوال فى مصر نفسها، واشتد حنين الرجل للوطن، فأصبح يعود إلى مصر خريفاً وشتاءً، ويقضى الربيع والصيف مع ابنيه وأحفاده فى الولايات المتحدة، حيث استقر الابنان، وأنجبا له ولوداد الأحفاد والحفيدات.

كنت كلما زرت الولايات المتحدة أحرص على زيارة د. رشدى ود. وداد سعيد. وسعدت كثيراً بأن الأجيال الجديدة من المصريين فى المهجر قد عرفوا مناقب هذا المصرى العظيم ومآثره الحافلة.

وضمن هذه المآثر استمرار عطائه العلمى والفكرى والثقافى. وقد تشرّف مركز «ابن خلدون» فى القاهرة باستضافته مُحاضراً كلما أتى لزيارة مصر. وقد حاضر فى رواق ابن خلدون عدة مرات. ولم أقرأ أو أسمع من يتناول نهر النيل بعلمه الغزير وحُبه العميق، منذ الجغرافى العظيم جمال حمدان، إلا رشدى سعيد.

لذلك حينما أثيرت مؤخراً المشكلة مع إثيوبيا حول اقتسام مياه النيل، انتهزت فرصة زيارتى منطقة واشنطن لمقابلة أعظم حجة مصرية مُعاصرة فى الموضوع، فتوجهت مع أحد أبناء جيلى، وهو الاقتصادى النابه د. نعيم الشربينى. وجلسنا عند قدمى العالم الكبير.

١ـ قال رشدى سعيد، إن الانشغال باستخدامات مياه النيل ومجراه، ظل هماً مصرياً فريداً ومنفرداً، لآلاف السنين، فلم يهتم به آخرون، إلا فى القرن التاسع عشر، خلال عصر التكالب الاستعمارى على أفريقيا. ورغم أن مصر أرسلت عدة حملات فى منتصف ذلك القرن لاكتشاف منابع النيل، ولأنه لم تكن هناك ندرة فى المياه تعانى منها البُلدان التى يمر فيها النيل أو روافده، ولأن هذه البُلدان، باستثناء إثيوبيا، لم تكن «دولاً»، ذات مؤسسات، فقد ظلّت الأمور تجرى فى أعنتها دون حاجة لتوقيع اتفاقيات أو مُعاهدات.

٢ـ فقط فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بدأت بريطانيا، التى احتلت مصر والسودان، تحرص على استمرار تدفق مياه النيل من بُلدان المنبع إلى بلد المصب الذى هو أساساً مصر. ولم يكن ذلك حُباً فى مصر أو حرصاً على مصالح المصريين بقدر ما كان حرصاً على إنتاج القطن المصرى، خاصة طويل التيلة منه, فوقعت مُعاهدات فى أعوام ١٨٩٤ و١٩٠١، و١٩٠٢، و١٩٠٦ تحظر على بُلدان المنبع، أو من خلال القوى الأجنبية المهيمنة عليها (مثل فرنسا، وبلجيكا، وألمانيا، وإيطاليا) ألا تقوم منفردة بأى أشغال، أو مشروعات، تعرقل أو تنقص من جريان النهر أو نصيب مصر والسودان من مياهه.

٣ـ وبعد استقلال معظم بُلدان أفريقيا، قامت مصر عبدالناصر، وغانا تكروما، وغنيا سيكوتورى، وإثيوبيا هيلاسلاسى، بتأسيس منظمة الوحدة الأفريقية بإبقاء الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية على حالها، وكذلك إقرار المعاهدات التى وقّعها الاستعماريون نيابة عنها، بما فى ذلك تلك التى تنظم جريان الأنهار، واقتسام مياهها. وكانت الحكمة فى ذلك هى سد كل الذرائع الممكنة للصراعات بين بُلدان القارة حديثة العهد بالاستقلال.

٤ـ وقّعت مصر مع بُلدان حوض النيل عدة اتفاقيات خلال عقدى الأربعينيات، والخمسينيات حينما بدأ اهتمامها ببناء خزانات وسدود جديدة، أو تعلية وتوسيع القدرة التخزينية لسدود وخزانات قديمة. وضمن ذلك مُساهمة مصر فى بناء خزان شلالات أوين (OWEN) فى أوغندا.

٥ـ ومع تفكير مصر فى بناء مشروعها العملاق المعروف بالسد العالى، كان مُجمل الاتفاقيات التى وقّعت بين مصر والسودان قد حدد نصيب مصر بـ٥٥.٥ مليار متر مُكعب، ونصيب السودان بـ١٨.٥ مليار متر مُكعب ولم تكن إثيوبيا أو بُلدان الحوض الأخرى طرفاً فى اتفاقيات خمسينيات القرن العشرين. ولكن البلدين (أى مصر والسودان) حرصا مع ذلك على الاعتراف بحق تلك البُلدان فى إقامة ما يُفيدها من مشروعات، ما دام ذلك يحدث بالتراضى، وبما لا يؤثر على الحقوق المكتسبة للدولتين.

٦ـ صرّح المسؤولون الإثيوبيون مؤخراً بأنهم طلبوا من مصر عدة مرات إجراء مُحادثات حول رغبتهم فى بناء سدود على رافد النيل الأزرق الذى ينبع من أراضيهم، بغرض توليد الكهرباء، التى هى أولوية تنموية عندهم فى الوقت الراهن، أسوة بما كانت تحتاجه مصر عند بنائها السد العالى فى الستينيات. ويقول رئيسهم زيناوى، إن المصريين لم يستجيبوا، ولذلك فإنه سيمضى مُنفرداً.

٧ـ طالما كنا نسمع منذ ثلاثة عقود أن حروب القرن الحادى والعشرين ستكون حروب مياه، وكنا فى العالم الثالث لا نأخذ هذا التنبؤ مأخذ الجد. ولكن يبدو أن الأزمة الأخيرة توحى بدقة تلك التنبؤات. ولازالت الفرصة سانحة أمام المسؤولين المصريين أن يبادروا باحتواء الأزمة وإعادة النظر فى تحديث مؤسسة الرى المصرية ومؤسسة المساحة الجيولوجية اللتين كان يُضرب بهما الأمثال فى الكفاءة.

وكما يقول أبو الجيولوجيين المصريين، وعاشق النيل رشدى سعيد، لابد أن نستيقظ وننهض ونبادر، فالأمر جد خطير. صدق الرجل الذى احتفل المصريون فى أمريكا بعيد ميلاده التسعين، الأسبوع الماضى، وأطال عُمره وعُمر رفيقته وداد، وحمى لنا وللأجيال المقبلة نهرنا الخالد.

آميـن

Almasry Alyoum د. سعد الدين إبراهيم

semibrahim@gmail.com


Tuesday, May 25, 2010

د. رشدى سعيد يتحدث لـ «المصري اليوم»حول «اتفاقية النيل»: إثيوبيا أصل الأزمة ومفتاح الحل

إذا ذكر نهر النيل فلابد أن يذكر د.رشدى سعيد، وإذا ثار الجدل حول أزمة فى منابع النيل فلابد أن يقول الرجل الذى أفنى جزءا كبيرا من عمره الذى تجاوز التسعين كلمته، فهو صاحب أهم الدراسات عن نهر النيل، وصاحب دراسات مهمة فى علوم المياه والرى إلى جانب أنه عالم الجيولوجيا الأشهر فى مصر، الذى تخصص فى جيولوجية مصر بالتحديد، وأصدر كتابا بهذا الاسم أصبح مرجعا معترفا به على المستويين المحلى والعالمى.

ويُعد من أبرز خبراء الرى وأحد العارفين بأسرار نهر النيل، وله كتب ومقالات عديدة حول التعدين والرى والزراعة فى مصر والمنطقة العربية، حيث شغل منصب أستاذ بجامعة القاهرة فى الفترة من ١٩٥٠ ـ ١٩٦٨، وتولى إدارة مؤسسة التعدين والأبحاث الجيولوجية فى الفترة من ١٩٦٨ – ١٩٧٧، ساهم فى الاكتشافات التعدينية التى مكنت مصر من التغلب على ما فقدته بعد احتلال سيناء، ثم قدم استقالته من إدارة المؤسسة.

كرمه الرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر فى عام ١٩٦٢، حيث سلمه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وحصل على جائزة الريادة لعام ٢٠٠٣ من الجمعية الأمريكية لجيولوجيى البترول، تقديرا لأعماله العلمية فى مجال جيولوجيا مصر والشرق الأوسط، التى وصفتها بأنها فتحت آفاقا جديدة لتطبيق هذا العلم فى مجال البحث عن البترول فى المنطقة.. «المصرى اليوم» التقت د.رشدى سعيد صاحب أهم دراسة عن نهر النيل وجيولوجية مصر فى واشنطن أثناء مشاركته فى مؤتمر تحالف المصريين الأمريكيين، وكان معه هذا الحوار..

■ ملف النيل.. ما تعليقك على أزمة حوض النيل المثارة حالياً؟

ـ إن أزمة حوض النيل تعد إحدى كبرى الأزمات التى تقابلها مصر، فهى أزمة كبيرة جداً وليست صغيرة أبداً، وعلى مصر أن تهتم بها اهتماماً كبيراً، ففى عام ١٩٥٩ أى منذ ٥٠ سنة وقعت اتفاقية لتوزيع مياه النيل ولم تثر أزمة بين معظم الدول ومصر والسودان، خاصة بعد بناء السد العالى، لأنهما الدولتان الوحيدتان فى حوض النيل، اللتان كانتا فى هذا التوقيت فى حاجة إلى المياه، فيما كانت باقى دول الحوض الأخرى تعتمد على الأمطار والمياه الجوفية،

حيث كان عدد سكانها قليلاً، أما الآن فالوضع تغير.. وأريد أن أفرد وأقول إن إثيوبيا لها مشكلة كبيرة جداً مع مصر وحلها سيكون عسيرا، لأننا عندما وقعنا اتفاقية عام ١٩٥٩ قمنا بتقسيم كل المياه القادمة من إثيوبيا من النيل الأزرق بين مصر والسودان ولم نعط لبلد المنبع أى نقطة مياه،

وبالتالى كان هناك اعتراض على الاتفاقية من جانب البنك الدولى وإثيوبيا بالطبع، لكن فى ذلك الوقت كان عدد سكان إثيوبيا أقل والحاجة إلى المياه أقل، فلم تكن المشكلة واضحة المعالم والآن إثيوبيا فى حاجة إلى المياه، وبتقول «إنتو بتاخدوا كل الميه بتاعتى وأنا عايزه بقى نصيبى فى هذه المياه..

خدى بالك إن مصر والسودان معتمدين اعتمادا يكاد يكون كاملا على النيل الأزرق»، فـ ٨٥% من احتياجاتنا من المياه نحصل عليها منه، بينما تأتى البقية من الهضبة الاستوائية بنسبة ١٥% وهذه النسبة قليلة مما يشير إلى قلة مشاكلنا مع دول الهضبة الاستوائية عن مشاكلنا مع إثيوبيا لأنها مياه محدودة والطلب عليها كثير من مصر والسودان وإثيوبيا..

فلابد أن ندبر شيئاً بحيث نعطى مياهاً لإثيوبيا مما سيؤثر على حصة مصر والسودان منها، وهو ما ذكرته اتفاقية سنة ٥٩، ففيها بند يقول «عندما يظهر أن هناك طرفاً ثالثاً يطالب بالمياه سيجتمع الطرفان الموقعان وهما مصر والسودان للنظر فى طلبهما وذلك لاقتطاع جزء من حصتهما لإعطائها للدولة الثالثة»،

ولكننا تراجعنا الآن، فخمسون سنة مرت وعدد السكان زاد ومطالب مصر زادت والمياه أصبحت بالكاد تكفى مصر وإحنا مش قادرين نستغنى عن نقطة ميه فيها، ولكن إثيوبيا لها مطلب عادل تؤيده القوانين الدولية، ويؤيده المجتمع الدولى كله بما فيه البنك الدولى.

ما رأيك فى التصريحات الأخيرة للبنك الدولى بوضع تسعير لمياه النيل؟

ـ البنك الدولى يطالب بذلك من زمان ولكن السبب الحقيقى هو أنهم يقولون إن مصر تهدر كثيرا من المياه وأنها يجب أن تستخدم مياهها بكفاءة أكبر بحيث يمكنها الاستغناء عن بعض المياه وإعطاؤها لإثيوبيا، أما بالنسبة لموضوع تسعير المياه لا أعرف ما إذا كان هذا ممكناً أم لا، والبنك الدولى من أول ما مضينا الاتفاقية سنة ٥٩ وهو يقول إن الاتفاقية غير قانونية لأنها لا تعطى حصة من المياه لبلد المنبع، وبالتالى مشكلتنا الأساسية مع إثيوبيا وعلينا إذن إحداث نوع من التنظيم للمياه فإما نحدث تخفيضا فى حصتنا منها وهذا غير وارد والحكومة المصرية لن تقبل ذلك، أو أن نتفق مع إثيوبيا على أن ندبر لهم مياهاً من أجزاء أخرى من إثيوبيا مثل أن ننشئ لهم مشروعات على حسابنا أو نشترى المياه وطبعاً شراؤها عملية غير مقبولة.

هل توافق على تدخل البنك الدولى فى الأزمة القائمة بين دول حوض النيل؟

ـ أنا ضد تدخل أى وسيط بين دول حوض النيل وهذا كان ضمن السياسة المائية المعترف بها بعد منذ استقلال مصر، فلا أحد يدخل كوسيط بينى مثلا وبين أوغندا.. فالوساطة قد تفسد العلاقة وتدخل معاملات جديدة فى المعادلة، بحيث تدخل أوضاع جديدة أنت فى غنى عنها، متسائلا: لماذا لا يتم التفاوض مباشرة؟ فطول عمرنا منذ حصولنا على الاستقلال كانت سياستنا المائية تقول لا أدخل وسيطاً بينى وبين دول حوض النيل.

■ إلى أين تذهب الأزمة بين دول حوض النيل الآن؟

ـ الأزمة تفاقمت خلال الخمسين سنة الماضية، فما بالك بحال مصر فى ٥٠ سنة قادمة، فهى عملية فظيعة جداً لأن عدد السكان يتزايد والمطالب على الماء كبيرة فى كل دول حوض النيل، وأحذر من أزمة حادة كبيرة ستواجه مصر خلال السنوات المقبلة بما يدعو لوجود رؤية جيدة لها.

ما ملامح هذه الأزمة القادمة؟

ـ تتمثل فى قلة المياه، فلن يجد المصريون المياه التى يروون بها الأرض ويشربون منها، وحقيقة أقول لكى لا أعرف ما هو مستقبل الأزمة.. ففى ظرف خمسين سنة من سنة ٥٩ إلى اليوم، عندما وقعت مصر والسودان الاتفاقية احتجت إثيوبيا ورغم ذلك قبلت الموضوع لأنها وقتها لم تكن محتاجة إلى المياه والآن هى محتاجة إليها، ولذلك أفكر فى ماذا سيحدث بعد خمسين سنة، وهو ما يحتم أن يكون لدى مصر رؤية لحسن استخدام المياه.

■ قلت فى تصريح إن إسرائيل تستعد لشراء مياه النيل من منطقة جنوب السودان بمباركة مصرية.. هل صدر عنك هذا التصريح؟

ـ لا يا أستاذة ده كان زمان دلوقت المشكلة مع إثيوبيا أكتر، لكن جنوب السودان لا يقدر أن يبيع المياه لإسرائيل إلا إذا وافقت مصر، وأشك كثيراً أن مصر ستقبل ذلك.. إنتى عارفة إن ترعة السلام معمولة لتوصيل المياه لإسرائيل من خلال أنفاق كافية علشان توصل الميه، لكن دلوقت الفكرة اتغيرت لأن كمية المياه قليلة، فالتفكير كان زمان إن كان عندك مياه كافية.

■ بالنسبة للموارد.. هل لدى مصر حسن استخدام لمواردها الطبيعية؟

ـ مصر أساءت استخدام الموارد الطبيعية أشد الإساءة لدرجة أنى أسميها «جريمة» ويكفى أن أقول لك إن الاستغلال السيئ لسواحل مصر فى تخصيصها للترفيه أو للسياحة يعد أكبر خطأ، لأن الامتداد الطبيعى والحقيقى لمصر موجود على السواحل البحرية، فمثلا الساحل ما بين الإسكندرية والسلوم طوله يكفى لإنشاء دولة كاملة، بالإضافة إلى جميع السواحل على البحرين الأحمر والمتوسط وخليج العقبة وخليج السويس..

كل هذه الأماكن كان من الممكن أن تكون امتداداً طبيعياً لمصر، بحيث تبنى عليها مصر الجديدة مصر المستقبل، لأن مصر ستعيش فى حدود ضيقة من المياه إذن لابد أن يكون لدينا على السواحل محطات لتحلية مياه البحر بحيث يقدر أن يعيش عليها الناس وتقدر تعمل امتدادات خارج مصر.. فهتروح فين مفيش غير السواحل وإنت الآن بعت السواحل للسياح فى البحر الأحمر وللبشوات بتوع مصر فى البحر المتوسط فى غرب الإسكندرية.. وهذا أسوأ تبديد للثروة فى مصر.

■ على ذكر سوء استغلال الموارد وسوء التخطيط.. السواحل كلها والساحل الشمالى مهددة بالغرق بسبب التغيرات المناخية وارتفاع مستوى منسوب البحر ورغم ذلك يتم إنشاء مشروعات سياحية مثل مارينا وغيرها؟

ـ لا نريد أن نبالغ فى ارتفاع مستوى سطح البحر، لأنه لن يزيد ارتفاعه على متر فى أى حال من الأحوال وسيكون أقل من ذلك حتى نهاية هذا القرن، رغم أنه سيكون له تأثير بشكل كبير جداً جداً على الدلتا حيث سيغرق مناطق كثيرة فيها، لكنه لن يحدث غرق كبير على الساحل الغربى إلا مناطق صغيرة وهو ما يمكن تفاديه بسهولة بقليل من التخطيط البسيط رغم صعوبة تحقيق ذلك فى منطقة الدلتا.

■ وماذا عن صحة القول بأن مصر من المتوقع أن تفقد ٨ مليارات متر مكعب سنوياً على مدار الـ ٢٠ سنة المقبلة؟

ـ هذا الرقم صحيح طبعاً، وهو يمثل نسبة الفاقد الذى يتم صرفه فى البحر المتوسط.. بالتأكيد نحن فى حاجة إلى ترشيد استخدامنا للمياه فى كل أمور الزراعة، بداية من إبطال زراعة المحاصيل التى تستهلك مياهاً أكثر مثل زراعة قصب السكر والأرز التى يمكن زراعتها فى الشمال لكن يجب ألا نقوم بزراعتها فى منطقة الدلتا.

هل لدينا حسن تخطيط بالنسبة لموضوع ترشيد استخدام المياه؟

ـ لابد أن نرشِّد استخدام المياه ومن السهل عمله وليس صعباً ولكن يحتاج حكومة رشيدة ولديها الكفاءة فى تحقيق ذلك.

ما تعليقك على موضوع تلوث مياه نهر النيل؟

ـ نهر النيل ملوث جدا، فـ ٩٠% من قرى مصر ليس لديها صرف صحى وبالتالى تصرف فى النهر، هذا إلى جانب المصانع التى أنشئت عليه وهذا خطأ، وكان لدى اقتراح بألا نبنى مصنعاً واحداً فى أرض وادى النيل.. عندنا الصحراء الكبرى نقدر أن نختار فيها بعض المناطق التى تصلح لإنشاء مدن صناعية جديدة بتخطيط طيب ونمدها بأنبوبة مياه صغيرة بحيث تسهل استخدامات الصناعة والناس الذين سيعملون فيها.

إذن لماذا لا توجد سيطرة من قبل الأجهزة الحكومية على هذا بوقف المصانع عن الصرف؟

ـ ما حدث أن الحكومة أرادت إرضاء الشعب شويه فوفرت لنسبة عالية من القرى فى مصر المياه، فالأسهل أن أوفر له ميه فى الحنفية بدلاً من توفير صرف صحى لأنه مكلف وغالى، لذلك النيل ملوث بشدة، فإلى وقت قريب منذ خمس سنوات تقريباً كانت ضاحية المعادى تصرف فى النيل.

■ خلال مؤتمر مستقبل الديمقراطية الذى عقد فى نيويورك أجمع المشاركون على أن مصر بلد طارد للعلماء ولا تشجعهم مما يدفعهم للسفر الى دول أوروبية وأمريكية ليجدوا المناخ المناسب الذى يقيم علمهم.. فما رأيك فى ذلك؟

ـ مصر بها مشكلة كبيرة جداً ليست مقصورة على البحث العلمى فقط وإنما على التعليم عموماً، يكاد الإنسان أن يقول أنه لا يوجد تعليم فى مصر.. خلاص انتهى، لو كان عندك ولاد، بياخدوا دروس خصوصية علشان التعليم ضعيف والمدارس لا تعمل والمدرسون لا يعملون والأحوال سيئة جداً فى التعليم، والجامعات والبحث العلمى فى حالة سيئة جداً، فأهم حاجة فى الجامعة أن تكون معهداً للبحث العلمى قبل أن تكون معهداً للتدريس، فالبحث العلمى جزء أساسى من التعليم الجامعى وإذا لم يكن لديك بحث علمى فلن يكن لديك بحث جامعة، هذا الى جانب عدم وجود إنفاق عليه ولا تنفق عليه الصناعة المصرية، لأننا ننقل كل شىء من الخارج.

لا أقدر فى حديثى معك ألا أسألك عن رأيك فى الدكتور محمد البرادعى خاصة أنك قلت قبل ذلك أن رمسيس الثالث آخر حكومة صالحة؟

ـ رمسيس الثالث هو أحد أكبر الفراعنة فى مصر وبعده انحدرت مصر وأصبحت مستعمرة لمختلف الدول، حيث كانت مصر دولة غنية جداً فى وقت كان يعتمد فيه العالم على الزراعة، وإذا كانت الثروة تأتى من الزراعة إذن مصر كانت حينها أغنى بلد فى العالم لأنها دولة زراعية من الدرجة الأولى وإنتاجها عال، لذلك كانت درة من الدرر التى تسعى كل الإمبراطوريات للاستيلاء عليها منذ أن سقط رمسيس الثالث أحد أعظم فراعنة مصر.

بماذا تصف الوضع الحالى فى مصر؟

ـ الوضع الحالى فى مصر غير مقبول إطلاقاً، فلا يمكن لأى إنسان أن يقبله من كل وجهة، فعندما أذهب الى مصر لا أقدر أن أمشى فى الشارع من زحمة المرور إلى التعليم السيئ وأزمة القمامة فى الشوارع وغيرها.. يعنى كل حاجة تقريباً فى مصر باظت، ولا أرى فيها شيئاً جميلا سوى الــ«الكومبوندز» الخاصة بالأفراد الذين يعيشون فى مستوى اقتصادى عال.. وإذا تكلموا عن هذا الوضع سيقولون وجهة نظر أخرى مغايرة، ولكنى أتحدث عن وجهة نظر الشعب المصرى.

هل يمثل ظهور البرادعى أى أمل فى التغيير بالنسبة لك؟

ـ على كل حال هو عمل إثارة فى الجو وهذا شىء جيد وهناك حركة سياسية تجرى حالياً فى مصر والبرادعى نسمة هواء منعشة، ولذلك أنا مع حركة التغيير ومع أى تغيير فى مصر، لأن مصر محتاجة للتغيير دون شك، وأعتقد أنه لا يوجد أحد لا يريد التغيير فى البلد وإلا يكون راجل مش عايش فيه.

كيف تفكر فى مستقبل مصر؟

ـ لدينا موارد طبيعية فى مصر ولو أحسنا استخدامها ستصبح مصر من البلاد التى يستطيع شعبها أن يحيا حياة كريمة جدا؛ لأن مواردها ليست قليلة وأستطيع تلخيصها فى ثلاثة أشياء أهمها الحيز أو مساحة مصر؛ لأن مصر تاريخيا هى وادى النيل فقط، ولكن بها حدوداً كبيرة جدا تشكلها الصحارى المحيطة بها وهذه الصحارى لعبت دورا مهما فى تاريخ مصر القديم والحديث.وصحارى مصر كانت لها استخدامات كبيرة جدا وأهملت فقط وقت الاحتلال التركى، وبمراجعة تاريخ مصر نجد أن الصحارى لعبت دورا مهما جدا فى حياة مصر منذ أيام الفراعنة، حيث كان هناك اهتمام بالصحراء، التى كانت مصدرا لكثير من المعادن التى استغلت فى ذلك الوقت

وفى أيام الفراعنة كان هناك مسح علمى لموارد مصر المعدنية، خصوصا الذهب الذى يتواجد فى عروق المروى الموجودة كثيرا بجبال الصحراء الشرقية بالآلاف، حيث يتراوح حجمها بين ١٠ آلاف و١٢ ألف عرق.

وقلت قبل ذلك إن الحضارات القديمة هى من أحسنت استغلال صحارى مصر. وعندما جاء محمد على استعان بعدد من خبراء أوروبا حتى يستغلوا الصحارى ويستخرجوا الفحم الذى كان فى ذلك الوقت مصدر الطاقة الموجود فى العالم قبل ظهور البترول، واُكتشف عدد من المعادن وفُتحت مرة أخرى بعض مناجم الذهب والرصاص والزنك وبدأت بعض الصناعات وبدأت الحركة تدب فى الصحراء المصرية مرة أخرى.

■ قلت قبل ذلك فى ندوة لك بالقاهرة إن زراعة الصحراء وهم كبير.. كيف وهناك تجارب ناجحة فى هذا الصدد، وهذا الاتجاه يمثل أملا مع تناقص الأراضى الزراعية فى الدلتا؟

ـ قلت ذلك لأن الأرض الخصبة فى الوادى لن يتسنى تعويضها فى أى مكان آخر فى مصر، ومسألة زراعة الصحراء قلت إنها وهم لسببين: أولهما أن الأرض المحيطة بنهر النيل ليست بالمساحة الكبيرة حيث يحده من الناحية الشرقية جبل وناحية الغرب جبل آخر، والاتساعات بجواره قليلة جدا، حتى فى حالة وجودها فى أماكن مثل المنيا فلا يمكن الزراعة بها، لأنه لو حدث سيذهب صرفها للأراضى الزراعية الخصبة، وبالتالى تحدث خسائر كبيرة. والمكان الوحيد الذى يمكن زراعته هو شرق وغرب الدلتا وهذه المساحة محدودة مقدرة بمليون ونصف فدان فقط فى حين أن غرب الدلتا يتم عليه بناء مساكن ومدن سياحية.

كما أن هذه الأراضى ليست بخصوبة الأراضى القديمة لأنها مرتفعة وتحتاج لرفع المياه وهى عملية تحتاج لتكاليف كبيرة. أما المياه الجوفية فهى محدودة جدا، وفى عام ٥٩ كان هناك مشروع اسمه «تعمير الصحارى فى مصر»، وهو من المشاريع الجيدة جدا وكان هناك تجربة بديعة واخلاص حقيقى للوطن ومن ضمن الأشياء التى قاموا بها عمل دراسة علمية عن المياه فى الصحراء، ووجدوا اننا نستطيع استخراج مليار متر مكعب مياه فى السنة على أساس أن تنتهى هذه المياه كلها فى مائة عام.

وهذه الكمية تعتبر ١/٥٥ من المياه التى تأتى من نهر النيل، ونحن فى الوقت الحاضر نستغل هذه الكمية تقريبا منذ التسعينيات، ولكن هذا لا يعنى أنه ليست لدينا مشكلات فى زراعة الصحراء، ومن الأفضل الحفاظ على هذه المياه وبدلا من استخدامها فى الزراعة نستخدمها فى الصناعة؛ لأن مردود استخدام متر مكعب فى الصناعة عشرة أضعاف مردودها من الزراعة.

ما التحدى الرئيسى الذى تواجهه مصر؟

ـ المشكلة الكبرى فى مصر الآن أنه لابد من عمل مجتمع منتج؛ لأن المجتمع المنتج هو المجتمع الوحيد القادر على بناء مؤسسات صالحة غير فاسدة، وجزء من فساد المجتمعات الأوروبية وأمريكا، التى لم يكن بها فساد، أن المجتمع المنتج انتهى، فتاريخيا كل المجتمعات الصالحة حدثت وقت البناء والإنتاج، إنجلترا مثلا لم تبنى قضاء ومصلحة جمارك وضرائب سليمة إلا عندما كانت لديها صناعة واضطرت لأن تفعل هذا وإلا لما استطاعت بناء شىء.

ولذلك طالبت ومازلت أطالب بإقرار مشروع قومى لعمل مجتمع صناعى بمصر هو بناء مجتمع منتج، وإذا استطعنا إنجاز هذا فيمكننا بناء مصر، وأنا أثق فى أن شعب مصر سيستجيب لأنه يحتاج إلى مشروع قومى كبير للالتفاف حوله

Almasry Alyoum

حوار منى ياسين 25/5/2010