Showing posts with label الليبرالية. Show all posts
Showing posts with label الليبرالية. Show all posts

Sunday, May 01, 2011

الدين والسياسة


يندر فى مصر أن يثار نقاش عام حول الأفكار الليبرالية أو أن تعقد مقارنات بينها وبين الأفكار المستلهمة للمرجعية الدينية دون أن تستدعى قضية موقف الليبراليين من الدين ودور الدين فى السياسة.

واللافت للنظر أن الاستدعاء هذا عادة ما يكون بصيغ سلبية واتهامية تنطلق من خرافة أن الليبرالية فى المجمل تعادى الدين، وذلك على الرغم من الحضور اللافت للدين فى الحياة العامة ودوره فى السياسة فى الكثير من الدول والمجتمعات التى تطبق الليبرالية شرقا وغربا، جنوبا وشمالا.

ففى مناظرة الأربعاء الماضى التى جمعت بين الأستاذ صبحى صالح، عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، وبينى واستضافتها مشكورة كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية كان السؤال الأول الذى وجهته إدارة المناظرة لنا هو عن رؤيتنا للعلاقة بين الدين والسياسة.

وفى حين لم يفاجئ الأستاذ صالح الحضور عندما أكد مستندا لموقف جماعة الإخوان على رفض الفصل بين الدين والدولة وكون إشكالية الفصل غير مطروحة من الأساس فى السياق الإسلامى، وقع قولى بأننى أيضا واستنادا إلى قناعاتى الليبرالية أرفض الفصل بين الدين والدولة وأعتبر الحديث عن حتمية الفصل بينهما أمرا مغلوطا لدى الحاضرين فى منزلة أخرى.

منزلة، وكما دللت مئات الأسئلة المكتوبة التى تلقيتها أثناء المناظرة، جمعت بين الكثير من عدم التصديق والتشكيك والتحفظ والقليل من القبول.

والحقيقة أن ما استقر من أفكار ليبرالية، وعلى الرغم من كل ما كيل لها فى مصر خلال العقود والسنوات الماضية من اتهامات زائفة تعلقت بوصمها برفض الدين ومحاربتها لدوره تماما كاتهامها بسطحية شديدة بتعظيمها للحريات الفردية دون أدنى اعتبار للصالح العام، لا تنطلق من حتمية الفصل بين الدين والدولة ولا ترى فى حضور الدين فى الحياة العامة عاملا معيقا للحرية وللديمقراطية لا بد من إزالته.

بل المؤكد هو أن الليبرالية تستبدل التساؤل عن كيفية الفصل بين الدين والدولة بسؤال آخر هو كيف ينبغى تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة، وليس الدولة فقط، على نحو يضمن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة فى مصر يعنى أولا أن يستند الدستور القادم، وهو الخيط القانونى الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطنين والوثيقة الأساس المعبرة عن هويتنا، إلى المبادئ والقيم والأخلاق المستمدة من المرجعيات الدينية بشرط ألا يقتصر الاستناد هذا على مرجعية دينية واحدة دون غيرها، وعلى أن لا يحول دون الانفتاح على مرجعيات قانونية وضعية. فمصر ليست بلد المرجعية الدينية الواحدة، بل يتعايش ويتداخل بها وفى حضارتها وثقافتها وأعرافها الإسلام والمسيحية واليهودية. لمصر أيضا تراث طويل من الانفتاح على المرجعيات القانونية الوضعية وتوظيفها للدفاع عن ذات المبادئ والقيم السامية التى تقدسها الشرائع السماوية كالخير والحرية والعدالة والمساواة والجمال.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة فى مصر يعنى ثانيا، ومع التسليم بدور المرجعيات الدينية فى الدستور والقوانين، أن المرجعية النهائية للحياة العامة والسياسة ومناط تحديد حقوق وواجبات المواطنين هى المرجعية المنصوص عليها فى الدستور. فإن نص الدستور على حق كل مواطنة مصرية ومواطن مصرى وبعد استيفاء شروط معينة فى الترشح للمناصب العامة بما فيها رئاسة الجمهورية، فلا يجوز على الإطلاق أن باسم مرجعية دينية ما أو باسم اجتهاد دينى ما أن ينتقص من هذا الحق أو يخضع لشروط إضافية غير منصوص عليها فى الدستور.

للوضوح التام، الالتزام بالمرجعية الدستورية كمرجعية نهائية يعنى أن من حق المصرى غير المسلم والمصرية غير المسلمة أن يرشحا نفسيهما لرئاسة الجمهورية ولرئاسة الوزراء ولغير ذلك من المناصب العامة دون انتقاص من حقوقهما ودون شروط إضافية.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة ثالثا يعنى أن الدولة بسلطاتها ومؤسساتها وأجهزتها وفى قوانينها وممارساتها هى كيان حيادى يضمن مواطنة الحقوق والحريات المتساوية ولا يميز بين المواطنين وفقا لانتماءاتهم الدينية. حضور المرجعيات الدينية فى الدستور والقوانين وإمكانية استلهامها فى السياسات والممارسات ليس لهما أن يتحولا إلى مصدر للتمييز بين المصرية المسلمة والمصرية المسيحية، بين المصرى المسلم والمصرى غير المسلم.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة رابعا يعنى أن التعبير العلنى والمنظم عن أفكار ورؤى وبرامج سياسية تستلهم المرجعية الدينية مسموح به شريطة ألا يسمح لشخص أو جماعة أو حزب بادعاء حق احتكار الحديث باسم الدين فى السياسة وعلى أن تتحول السياسة بصراعاتها وتداولها وتنافسها وتقلباتها إلى ساحة المقدس (أى أنه لا تديين للسياسة). ففى مناظرة الأربعاء الماضى لم يمثل الأستاذ صبحى صالح رؤية الدين فى السياسة ولم يكن له أن يدعى أنه يتحدث باسم الإسلام أو الرؤية الإسلامية، فهو عبر عن رؤية جماعة الإخوان كفصيل يستلهم المرجعية الإسلامية من بين فصائل عدة تتنافس على ترجمة المرجعية هذه فى الشأن السياسى والمجتمعى العام من خلال سياسات وممارسات وإجراءات مقترحة تحتمل الخطأ قبل الصواب وأبدا لا ينبغى أن ترفع إلى مصاف المقدس بخلط بينها وبين المرجعية الدينية التى تستلهمها.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة خامسا يعنى أن على الأشخاص والجماعات والأحزاب المستلهمة للمرجعية الدينية فى السياسة أن يلتزموا بقبول حضور آخرين ينطلقون فى عملهم السياسى من مرجعيات وضعية غير دينية.

فلا إقصاء باسم الدين، ولا أفضلية لسياسات وممارسات تستلهم المرجعية الدينية على غيرها إلا بمعيار تحقيقها للصالح العام ورضاء المواطنين عنها. لا أفضلية للافتة الاقتصاد الإسلامى على لافتة اقتصاد السوق الليبرالية إلا بمعايير التنمية والرخاء والتقدم والعدالة التوزيعية والحياة الكريمة لكل المواطنين، ولا أفضلية لمبادئ دستورية مستمدة من شرائع سماوية على مبادئ وضعية إلا بما تضمنه من حقوق وحريات المواطنين دون تمييز وبما لا يتعارض مع الصالح المجتمعى العام.

امنحوا الأفكار الليبرالية فرصة للخروج من مصيدة اتهامها بمعاداة الدين وبإطلاقها الحريات دون ضوابط

بقلم:عمرو حمزاوي - الشروق

Friday, April 29, 2011

ماذا تعنى الحرية؟

لنطرح السؤال: ماذا تعنى لكم الحرية؟

خلال مقالاتى الأخيرة حول الليبرالية تأكد لى أن مفهوم الحرية صار له أعداء كثيرون. ففى زمن عربى سابق كانت الحرية مرتبطة بنطاق سياسى عريض وبمعان واسعة كالثورة والتمرد على الظلم وإنهاء الاستعباد وتحقيق العدالة.. إلى آخر تلك المفاهيم التى تداولتها أجيال عالمية اعتبرت أن الحصول على صك الحرية مطمعاً يستحق التضحية. لكن حدث أن انقلبت الأمور فى الزوايا العربية المحافظة وصارت للحرية معان ضيقة مرتبطة بانحلال الأخلاق، بالبنات، بالتربية، بالصياعة.

تكتب عن الحرية فتصلك مخاوف الناس من الأمر الذى تقود إليه الحرية، يذكرونك بآيات القرآن، بتقاليد مجتمعك العريق وأعرافه الثابتة، يذكرونك بأنك مسلم فلا تنس تعاليم نبيك.

أيام تظاهرات مصر، وفيما كنا نتابع ما يحدث عبر التلفاز، فاجأتنى قريبة شابة بقولها: تعلمون أن كل الذى نراه كفر، الخروج عن الحاكم أياً كانت سلوكياته خروج عن طاعة الله.

أعداء الحرية هم الذين لا يعرفونها. الذين تعلموا أنها شرك أكبر، أنها عبث مخجل، تلقنوا تعاليم دراسية أسسها وكتبها ونشرها المسيطرون على التعريف. فنشأت أجيال (خاصة بين النساء) تفهم الحرية فهماً باطلاً يُقرن الحرية بالخوف وانعدام الأمان وخسارة كل ضمانات الحياة الرغيدة، هذا هو الفهم الراهن بعدد من الدول الخليجية وللأسف منتشر بشكل لا يصدق فى السعودية.

البلد الذى أفتى كبار رجال الدين به أن التظاهرات حرام وشرك، وفهم العدد الأكبر من الناس به أن الانحراف عن التقليد عيب، والخروج عن ولاة الأمر وشيوخ الدين وعدد من الأقارب والمسؤولين وخط لا نهاية له من الأشخاص كفر.

وعلى العكس فى البلدان العربية التى تسودها الثورات، فإن نسبة من الناس بها ترى الحرية بإطارها السياسى فقط. ويتغاضى الناس عن حقيقة ارتباط الحريات السياسية بحرية الفرد داخل بيئته الاجتماعية الصغيرة، تغاضوا عن أن العدالة السياسية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن الحريات العامة جزء مكمل للحريات الخاصة. تغاضوا عن أن مطلب الحرية الاجتماعية ليس برفاهية ولا هو بترف. إنما شرط أساسى لنيل الحرية السياسية.

الذين يطالبون بحرية سياسية وديمقراطية وعدالة ولا يؤمنون فى ذات الوقت بضرورة أن يتمتع الفرد بحريته الخاصة جداً التى تتوقف عند حدود حريات الآخرين، هؤلاء ليسوا سوى أبناء الفكر السياسى العربى التقليدى الذى يعلم تماماً أن حرية الفرد الخاصة تؤدى لتقليص حرية الحاكم العامة وتحديد حدود صلاحياته.

كما يعلم ذاك الفكر أن حرية الفرد تعنى وجود قانون يحمى تلك الحرية من أن يخدشها أحد ولو كان مسؤولاً كبيراً. هذا بالطبع يتعارض مع مطامحهم التى لا تتحقق إلا إذا ما تم حبس الأفراد فى خندق وهمى اسمه حماية الشرف والأخلاق والعفة ليتفرغ أصحاب المطامح الكبار للشؤون السياسية الكبيرة.

يريدون حريات سياسية بالقدر الذى يوصلهم للسلطة فقط وعدا ذلك فلا شىء يفرقهم عن أى نظام راحل أو حال.

أهم فعل ثورى يقوم به ثوار اليوم هو تغيير مناهج التعليم التى خلت لعقود من تعاريف حقيقية للحريات واحتوت طرحاً مزيفاً عن الإبداع. على التعليم أن يُرجع للكلمة تعريفها الصحيح، أن ينفض عنها الخديعة التى أحلت بها وحولتها لرمز الإثم حتى غدا التعريف: أن تكون حراً يعنى أن تصبح منحلاً. وأن تتحررى يعنى أن تخسرى شرفك وتحلى ضيفة ليلية على البارات.

مهم أن تحتوى مناهج التعليم قصصاً عن العبيد القدامى، عن حكاية الإنسان مع الحرية، عن تضحيات الشعوب لأجل الحرية، عن مناضلات الحركات النسوية القديمة.

مهم أن يفهم الطالب أن الاحترام مقترن بالحرية، وأن تفهم الطالبة بأن احترام المرأة لا يكون بالالتزام بالتقليد فقط أو بحفظها فى معلب وكأنها غير مكتملة النمو، بل يكون باحترامها ومنحها حرية تقرير مصيرها. هكذا يغدو منطقياً أن يفكر كلا الجنسين بالمشاركة السياسية فى بلد تتحول الحرية به إلى ثقافة وحياة، وليس مجرد مطلب تافه يطرحه المعارضون والمنفيون كطقس خطابى متوارث فى ساحة المعارضة لبلوغ غايتهم رغم رأيهم الواضح المستنكر للحريات الاجتماعية ورغم اعتبارهم مسألة تحييد دور المرأة وخنقها جزءاً من تقاليد العرب اللاحياد عنها.

كيف تمنح الحق فى انتخاب حاكم وليس من حقك اختيار مستقبلك؟

ومنذ متى كانت للحرية معايير ورؤى سياسية وجنس يتمتع بها دون الآخر؟

نادين البدير - المصرى اليوم

nadinealbdear@gmail.com


Wednesday, April 27, 2011

موقعة شم النسيم


هذا أول عيد للربيع فى مصر بعد نجاح الثورة، كان من المفترض أن يمر أكثر روعة وأعمق مصرية، وأوضح تجسيدا للروح الجديدة التى تألقت فى أيام الثورة المباركة.

لكن المفترض شىء والواقع شىء آخر أكثر قتامة وبؤسا.. ذلك أن شم النسيم هذا العام جاء مفعما برائحة طائفية كريهة، كنا نظن أننا تطهرنا منها بعد ملحمة التحرير، وإذا كانت أيام الثورة قد أظهرت أجمل وأنبل ما فى الشخصية المصرية، فإن ما جرى طوال الأيام القليلة الماضية كان نوعا من الشخبطة على صفحة الثورة ناصعة البياض.

طوال الأسبوع الماضى نشطت أصوات ومنابر تكفر الاحتفال بقدوم الربيع، وامتلأت الأرصفة بصحف وإصدارات خرجت فى صمت تنشر الفزع والرعب، منها صحيفة تابلويد تكفى عناوين صفحتها الأولى لإشعال مائة حريق فى لحظة واحدة، حيث تقرع طبول الحرب بصيحات متوعدة من عينة «السلفيون قادمون» وتتحدث عن «النصارى» باعتبارهم ضيوفا يشكلون أقلية لا يحق لها أن تشارك فى صنع القرار، وتصف شم النسيم بأنه «يوم الفسق والفجور».

و لا تكتفى المطبوعة التى تسللت إلى الأسواق فى صمت بالنصارى، بل تطلق صيحة الحرب على باقى المختلفين من الليبراليين والمثقفين، بما يعكس نوعا من النشوة المخيفة لطائفة تصورت أنها انتصرت على الكل واختطفت البلد.

إن أخطر ما يمكن أن نواجهه فى الأيام المقبلة أن يسود نوع من «فوضى الإصدارات» و«الانفلات الإعلامى» استغلالا لحالة الانشغال بملفات محاكمات عصابة النظام السابق، والترتيبات الخاصة بما هو قادم من استحقاقات سياسية.

و لذا من المهم للغاية أن تنتبه الجهات المعنية بالإعلام المصرى إلى أن الأمر يمكن ن يتطور ويتفاقم حتى ينتهى بنا إلى ما يشبه «اللبننة الإعلامية» وهنا يكون مستصغر الشرر الذى ينذر بنيران لو اندلعت فإنها لن تبقى أو تذر.

وأزعم أن دورا مهما ينتظر القائمين على الإعلام فى الفترة المقبلة حتى لا تتحول الساحة إلى سوق عشوائية تنشأ على الأطراف، وتعج بكل ألوان السلع الفاسدة، و«تجارة السلاح الإعلامى» وفى هذه الحالة ربما لن تكفينا سنوات طويلة لمحاصرة الخطر والسيطرة عليه.

مطلوب من الآن النظر فى كل ما تسرب إلى السوق من مطبوعات جرى إصدارها بليل، حيث استثمر أصحابها تلك الفترة الضبابية التالية لنجاح الثورة فى تكريس أمر واقع، على نحو غير قانونى، تماما كما هجم الانتهازيون فى فترة الانفلات الأمنى وحظر التجول والتهموا مساحات هائلة من الرقعة الزراعية، وبنوا فوقها.

انتبهوا أيها السادة : الكلمة نور وأحيانا نار.

بقلم:وائل قنديل - الشروق
دولة المواطنة: اقتسام الثروة العامة للبلاد

تقول الخبرة الإنسانية إنه بقدر ما يتقدم المجتمع فى بلورة وحدات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا، كلما تطور المجتمع فى تناوله للقضايا التى تشغله. فكلما كانت الوحدات الاقتصادية والاجتماعية متخلفة، من حيث طبيعة ملكيتها وإدارتها ونوعية ما تتعامل فيه، كان يوصف هذا النمط من المجتمعات بأنه ما قبل حديث، ومن ثم تبقى أولوياته واهتماماته ونوعية قضاياه بعيدة كل البعد عن الأولويات والقضايا الحقيقية.

(١)

وقبل أن يقول قائل إن هذه هى التجربة الأوروبية، ونحن غير ملزمين بها. أقول لذا أجدنى قد صدرت المقال بعبارة «الخبرة الإنسانية». فالقارئ لتجارب متنوعة لمجتمعات مختلفة السياقات الثقافية ومتنوعة التطور مثل: الهند والبرازيل وتشيلى وماليزيا وجنوب أفريقيا وتركيا، سوف يجد كيف أن التطور الاقتصادى والاجتماعى القائم على اقتصاد إنتاجى مُركب قد نقل هذه المجتمعات إلى مصاف المجتمعات المتقدمة. كما يمكن القول كيف أن هذه المجتمعات قد استطاعت أن تؤسس لدولة المواطنة بحق.

(٢)

فبالإضافة إلى العدالة الشاملة - ليس القانونية فقط وإنما السياسية / المدنية، والاقتصادية / الاجتماعية - والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع دون تمييز لأى سبب من الأسباب، وهما من الركائز الأساسية لدولة المواطنة - كما أشرنا الأسبوعين الماضيين - نجد هذه المجتمعات تسعى فى إطار استهداف تحقيق مبدأ المواطنة عمليا إلى ضمان تأمين:

اقتسام الموارد العامة للبلاد بين كل المواطنين.

(٣)

كان العدل الاجتماعى يأتى على قائمة الأجندة الوطنية للمجتمعات سالفة الذكر. ولتحقيق العدل لابد من البدء بمواجهة الفقر وتوفير شبكة أمان اجتماعى وتأمين الرعاية الصحية والتعليم وتوفير الخدمات الأساسية وإتاحة فرص عادلة بين الجميع. وكان المدخل لذلك هو التوزيع العادل للثروة الوطنية بين جميع المواطنين، فى إطار اقتصاد إنتاجى مركب، انطلاقا من أن الشعب شريك فى عوائد التصدير، خاصة الثروات الطبيعية الرئيسية.

(٤)

بالطبع، لا نقصد بالتوزيع العادل للثروة الطبيعية أن يتم بشكل مباشر، وإنما فى إطار سياسات اجتماعية متعددة المستويات وعالية الجودة، بحيث يشعر بها المواطن فى حياته اليومية. وتترجم عمليا للمواطن البسيط بأنه صار شريكا بالفعل فى الثروة العامة للوطن الذى يعيش فيه.. شريكاً فى ثروة تضمن له أن تتحول أحياء الصفيح ـ فى البرازيل وتشيلى مثلا ـ إلى مواقع سكانية متطورة ونظيفة، بها المدرسة المتقدمة والنادى الرياضى المجهز جيدا والمركز الصحى ذات المستوى المقبول. كما يمكن للهند أن تتيح لمواطنيها فى كل البقاع مواقع للتواصل مع الكمبيوتر والإنترنت بأسعار رمزية، أو تدعم مشروعات تنموية للفقراء قاعديا فى ماليزيا بشكل مدمج فى هيكل الاقتصاد.

(٥)

لقد قبلنا على مدى عقود بالوصفة النيوليبرالية، التى تقوم على الخصخصة واقتصاد السوق فى مجالات تتسم بالريعية واقتصاد غير حديث. فرّطنا فى قاعدة اقتصادية ضخمة بدلا من تطويرها. وقلنا إن المستقبل فى السياحة، وكانت مناهج التعليم تسوق لذلك. وبدلا من أن نتبنى الصناعة والزراعة المميكنة والتكنولوجيا وتوطينها، بالإضافة إلى السياحة، وجدنا أنفسنا نعتمد على اقتصاد ريعى وبالكثير على صناعات تخلصت منها المجتمعات المتقدمة، لأنها تسبب التلوث مثل السيراميك. وعلى اقتصاد «تسقيع الأراضى» والتوكيلات... إلخ. وكلها نشاطات تدفع إلى أن تحتكر القلة الثروة الخاصة والعامة، فلا يصبح هناك أى مجال للحديث عن الشراكة فى الثروة العامة للبلاد، وأن يحتكر أفراد منح الأراضى والثروة العقارية، وأن يحتكر أفراد الثروة النفطية بالشكل الذى نكتشفه كل يوم.

(٦)

إن أى حديث عن المستقبل لن يستقيم إلا إذا طرقنا هذه النوعية من الموضوعات. أدرك أن طبيعة التطور لم تزل تحصر خلافاتنا فى الإطار الثقافى دون غيره.. عن دينية الدولة أم مدنيتها. وربما هناك من يريد لنا أن ننشغل بهذه النوعية من الموضوعات فلا نتحدث عما هو حقيقى، لأنه يخل بكثير من المصالح القائمة، لكن النهضة تبدأ بالتحرر من الوضع الاجتماعى والاقتصادى المهين، ومن الحديث عن العدالة الشاملة، ومن كيفية تحقيق التكافؤ والمساواة، وكيف يمكن أن يكون الوطن ملكا للجميع ينعمون بثرواته.. بذلك تتحقق دولة المواطنة

سمير مرقس - المصرى اليوم

Friday, April 22, 2011

الليبرالية فطرة الله

عشرات الردود الإلكترونية سألتنى الأيام الماضية: اشرحى لنا المقصود بالليبرالية.. هل يسعى أصحابها لتشويه المجتمعات؟

من يسعى لتشويه من؟ هكذا تم تشويه مصطلح الليبرالية على يد الجميع. رجل الدين انتهك شرف الليبرالية وأهلها. السياسى أودعهم سجناً مفتوحاً فأصبحوا منعزلين، ينبسون فلا يسمعهم أحد ولا يسمعون أنفسهم. رَشْق الليبرالية بأشنع الألفاظ أعجب السياسيين.. استرجاع لمعركة السبعينيات بين الإسلاميين والشيوعية.

المجتمع لا يتوب. الحكومات تحكم بطريقة «فرّق تسد». الحكومات تشعل حروباً طائفية ومناطقية ودينية وأهلية، أشعلتها عدداً من المرات. المجتمع لا يتوب. اليوم تصدر أحكام شنيعة تُقصى حقوق كل ليبرالى بممارسة حرية تعبيره كمواطن. والإسلامى يظن نفسه منتصراً. الإسلامى لا يتوب.

لا أحد يتعلم الدرس! كلنا كنا الطُعم. وكلنا دخلنا اللعبة.

الفرق أن الإسلاميين دخلوا اللعبة أقوياء أشداء. أما الليبراليون فلا يعرفون أسرار اللعب. لم يفسروا فكرهم ولم يبوحوا به. أسلموا عُهدة الليبرالية للفكر المتشدد يشرحها ويفسرها ويزيفها عبر المنابر ووسائل الإعلام التى تركت له يسرح ويلهو بها كيفما شاء. لم يتحرك الليبراليون، كسلاً أو جبناً. غباءً أو ضعفاً.

< ماذا تعنى الليبرالية؟

- الليبرالية تعنى الرجوع إلى الله.

الله حيث الفطرة البريئة، التسامح، التعاون، الغفران، الحرية، الإنصات، المساواة، الحب. أن تكون ليبرالياً يعنى أن تحب. من منكم ضد الحب؟ من منكم باستطاعته أن يكره؟

جرى تشويه كلمة «ليبرالية» حتى اقترنت بالخروج عن القيم والأخلاق والدخول لعالم همجى تسوده نزعات الجنس، والجنس فقط.

كل طرق الحياة، وكل التيارات الفكرية المعاكسة لرغبات السلطة، تم تغيير معناها لتتحول لرمز فجور البنات وانفلات الشبان بشوارع الدعارة.. هكذا شرحوا للمجتمع الطريقة المحترمة التى كان يعيشها الناس فى الماضى.

الليبرالية لا تعنى الفجور ولا تعنى التطرف. بل هى حرية الاختيار.

ألا تملك الحق فى اختيار دربك؟ من انتزعه منك؟

حقك فى تقرير مصيرك هو أبسط حق يتمتع به أى مواطن عالمى.. إن كنت تعتقد أنك قاصر وجاهل وليس باستطاعتك تقرير ما تريد وما لا تريد، فاتركهم يعبثوا بحياتك، وكن معادياً لنفسك وللفطرة التى تحمى أى مجتمع من الفساد والضياع. لم تكن الفطرة على مر التاريخ الإلهى تطرفاً واستعباداً وتسلطاً.. كانت رحمة وألفة وخيارات متعددة تسببت فى نهضة حضارات لا حد لتقدمها رغم بدائية تاريخها.

إلى ماذا أوصلنا الابتعاد عن الفطرة؟ إلى حشر رؤوسنا بتفاصيل الحياة اليومية فقط.. حرام الطعام وحلاله. دعاء دخول المقابر. دعاء معاشرة الزوجة. تحريم العلوم والمعرفة والسفر.. لم ندرس كيف يكون المواطن خلاقاً وينهض بأمته؟ درسنا كيف يكون مطيعاً ويسجد لحاكمه.

الفطرة الإنسانية خلقت فى العراء. لم تعرف الحدود. هذا هو الإنسان الأول. غارق فى الطبيعة. منها استمد وحى الاختراع. وحين بنيت الحدود وأقيمت الجدران، توقف كل شىء عن العمل وتعرّض الجميع لنوبة تنويم مغناطيسى أرغمتهم على التفكير بفكر واحد. والإيماء بطريقة واحدة. وحلم واحد مصرح به للجميع.

هل أدت هذه الطريقة المخزية المهينة للوعى الإنسانى لانتشار الفضيلة ومحو الفجور؟

على العكس، خذوا مثالاً بسيطاً.. أيهما تتعرض فيه المرأة للمضايقة أكثر.. شوارع الأحياء المنفتحة أم أحياء التشدد والمحافظة؟ كلنا نعرف الجواب.

أيام كانت الليبرالية هى السائدة، لم تكن المرأة تتعرض للتحرش البذىء رغم لباسها الكاشف. كان الانفتاح الفطرى يحميها من الشر الموجود بأى نفس.

هذا مثال آخر.. زمن الليبرالية كان الحب هو السائد، وكانت الرومانسية منتشرة لا تحتاج لمن يفتش عنها. قصصها شحنت السينما بحب حقيقى، حتى تمثيله كان حقيقياً لأنه كان موجوداً، لذا لم يكن تجسيده مرهقاً. وبعد عدد من الحوادث الشيطانية فى الوسط السياسى العربى تم تحريم الحب.. الآن بدأت الجرائم تتوالى، وبدأ الفساد يعم، والانهيار المجتمعى يصل لأشد مراحله بؤساً.

انتشرت حالات الاغتصاب والتحرش والزيجات المخجلة التى اخترعها المخترعون المدافعون عن رذيلتهم.

هل تقنعكم مشاهد الحب فى السينما العربية اليوم، أو حتى مشاهد القبلات؟.. كلها تبدو رخيصة عند مقارنتها بمشاهد رومانسية الستينيات العربية. وتبدو ضحلة عند مقارنتها بمشاهد الحب الأمريكية الصادقة العفوية جداً، تبعث بك الرغبة لأن تحب وتعشق وتحلق. الرومانسية مازالت موجودة هناك.

ليست الرومانسية بين الجنسين فقط بل فى الحياة عموماً.

أن تكون رومانسياً فتفكر وتخترع وتكتب وتمثل وتحب دون شروط أو قيود أو حرام أو عيب. هذا هو سر إبداع الغرب وإبداع العرب والمسلمين أيام النهضة الإسلامية والعربية.

ابن رشد كان ليبرالياً.. الأصمعى. أبو العلاء المعرى. عمر الخيام.محمد عبده. رفاعة الطهطاوى. طه حسين.

وأغلب الخلافات الإسلامية الأولى كانت خلافات ليبرالية منفتحة على العالم. لم تكن متطرفة، تشنق المفكر، وتحكم على المبدع بالردة والكفر.

يخافون من الليبرالية الاجتماعية خوفاً من ليبرالية سياسية تمنح المواطنين الحقوق والحريات وتحترم الأقليات وتحافظ على شعائر كافية للأديان والأطياف. سياسة «فرّق تسد» لا يعجبها هذا الوئام. تقرر استخدام التطرف من المؤمن ومن الذى حقَّ عليه تدمير أوثانه ومعبده.. تشتعل الدنيا وينشغل الناس ببعضهم ويبقى السياسى هناك يتفرج على مهزلة وطنه. وبعد أن كانت الشعوب تدفع حياتها ثمناً للحرية، اليوم تدفعها ثمناً للقيود والأغلال. لا أصدق شخصا يطالب بحرية سياسية ويمنع عن نفسه أى حريات اجتماعية أو دينية.. يغش الآخرين. يخدعهم بحجة الدين.

حرية الاعتقاد لا تعنى الإلحاد، بل قد تدفعك دفعا إلى الله لأنك وقتها ستكون وحيدا معه دون عصا تجبرك على عبادته وتخرجك للصلاة مرغما، تحفظ الدرس دون أن تسرح بالملكوت، تدقق فى الشكليات وتنصرف عن عمق هذا الكون.

وحرية السلوك لا تعنى الفجور، بل تعنى تهذيب النفس والمسؤولية فى التعاطى مع الآخرين واحترامهم.

يوسف ابن شقيقتى طفل جميل ومُرفَّه، لا يمكنك إلا أن تحبه.. رغم أنه لا يهدأ عن الشقاوة والتنطيط هنا وهناك.. أحياناً يكون مزعجاً بسلوكه المدلل. أعطيته مرة درساً طويلا ملخصه: يوسف لن أمنعك من التصرف كإنسان الغابة، افعل ما تشاء. كن مؤدبا أو شقياً.. أنت المسؤول عن نفسك لأنك كبرت ولم تعد صغيرا كأختك الرضيعة، انظر لفارق الطول بينكما. أنت عاقل ومدرك. أنت حر. تركته يفعل ما يشاء. صمت مكتفياً بهز رأسه، فجأة صار الولد الشقى فى منتهى الدعة والانضباط والمثالية والمسؤولية. يعيد ويكرر متباهياً وبفرح عبارة: أنا حر.

هذا مثال ساذج من الطفولة حين تتعاطى معها بـ«ليبرالية».

نادين البدير - المصرى اليوم

nadinealbdear@gmail.com


Wednesday, April 13, 2011

يعنى إيه ليبرالية يعنى والدتك تبقى من غير حجاب

إليكم المصطلحات المجعلصة اللى ظهرت على السطح اليومين دول واللى الناس بتتكلم فيها أو عنها.

نبدأ بالليبرالية: اشتقت كلمة ليبرالية من ليبر liber وهى كلمة لاتينية تعنى الحر، فالليبرالية تعنى التحرر، وهى حاليا مذهب أو حركة وعى اجتماعى سياسى داخل المجتمع، تهدف لتحرير الإنسان كفرد وكجماعة من القيود السلطوية الثلاثة (السياسية والاقتصادية والثقافية)، وهى نسبية إذ تختلف من مجتمع إلى مجتمع).

وبخصوص العلاقة بين الليبرالية والأخلاق، أو الليبرالية والدين، فإن الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد طالما أنه لم يخرج عن دائرته الخاصة من الحقوق والحريات.

وده ميمنعش إن المصطلح المجعلص ده ظهر له تفسير حديث مؤخرا قريب جدا هيتم ضمه لموسوعة ويكيبديا الشهيرة، وهى أن الليبرالية تعنى إن (أمك تبقى من غير حجاب). والتفسير ده تفسير الشيخ «حازم شومان» فى إحدى خطبه بالمساجد والفيديو موجود على اليوتيوب للى يحب يرجع له.. وهنا المفروض ننزل بلافتة لا تعليق.. وعلى المتلقى أنه يعلق بنفسه.

والمصطلح المجعلص ده هتسمعه كتير جداً فى خطب الجوامع فى الفترة اللى جاية بتحذر منه، وبتقولك أبعد عنه، ويمكن يوصل الحال إنه يتقال لما تعرف إن فلان ليبرالى متسلمش عليه ومتلمسوش وعامله معاملة مرضى الأمراض المعدية.

اليسار: هو عبارة عن مصطلح يمثل تياراً فكرياً وسياسياً يسعى لتغيير المجتمع إلى حالة أكثر مساواة بين أفراده ويرجع أصله للثورة الفرنسية وسبب التسميه هو أن بعض نواب البرلمان الفرنسى كانوا قاعدين ع الشمال أثناء طرح ومناقشة موضوعات زى التحول للجمهورية وإقرار العلمانية والتخلص من سيطرة الكنيسة.

وبمرور الوقت المصطلح بقى بيضم مصطلحات تانية زى ليبرالية، ديمقراطية واشتراكية.. كلها مصطلحات ممكن يتم التعامل معها اليسار.

والمصطلح المجعلص ده هتبقى تسمعه فى الأحزاب أو فى الكلام عن الأحزاب سواء الموجودة بالفعل أو بعض اللى لسه هتتولد بعد قانون الأحزاب الجديد، ومن الطبيعى أن المصطلح اللى بعد كده إنه يبقى عكس اليسار.

اليمين: وهو مصطلح بيتقال على بعض الراديكاليين «بزيادة» اللى مش بس عاوزين يتعاملوا بمنطلق الجذور لأ كمان بيرفضوا فكر اليسار رفضاً كلياً... واليمين فيه منه نوعان... نوع عادة.. وممكن إنه يتواجد من خلال أحزاب.. ونوع سوبر بيسموه دايما اليمين المتطرف لأنه بيؤمن بالعنف فى فرض وجهة النظر والسيطرة أو لفرض التقاليد والقيم وممارستها. وبقولك من دلوقتى متندهش لما تلاقى المصطلح المجعلص ده بيتقال على السلفيين فى الفترة الجاية بعد حوادث هنا وهناك منها حادث قطع أذن المواطن المصرى أيمن أنور مترى «تطبيقاً لحد وهمى وافتكاسى»، على حد قولهم.

وأخيرا ديمقراطية: تعنى فى الأصل حكم الشعب لنفسه، هى شكل من أشكال الحكم السياسى قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمى للسلطة وحكم الأكثريّة وكثيرا ما يتم خلطها بالليبرالية وعند الديمقراطية بالذات لازم يكون خير الكلام ما قل ودل.

والديمقراطية بالذات مش مصطلح مجعلص على الإطلاق... ولكن حلم بلدان وشعوب كتير.

ملحوظة أخيرة: تمت الاستعانة بوكيبديا (لسبر أغوار) الكلمات المجعلصة السابقة.. وطبعا سبر أغوار تتماشى مع كل المصطلحات الثقيلة اللى فاتت.

محمد حمودة- المصرى اليوم

Friday, April 08, 2011

فى فضل الدولة المدنية


فوجئنا بعد مرور أسابيع قليلة على قيام ثورة 25 يناير، بحدوث استقطاب حاد، وغير متوقع، وباعث على القلق، بين فريقين من المصريين. فريق يتكلم فى السياسة، بصورة أو بأخرى باسم الدين، وفريق آخر يؤكد على ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، حدث هذا على الأخص بمناسبة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، إذ زعم البعض أن التصويت بنعم أو لا، يعنى اتخاذ موقف معين من الدين، ورفض آخرون هذا الزعم واستهجنوه باعتباره إقحاما غير مبرر للدين فى السياسة.

سبق هذا وتلاه أحداث مؤسفة تنطوى على استخدام العنف بين المسلمين والأقباط، ونشاط غير مسبوق من جماعات سمت نفسها بالسلفية، وظهور بعض دعاتها على شاشات التليفزيون، مما أثار قلق الكثيرين من أن يكون هذا بداية لاتجاه ينتهى بسيطرة السلفيين على الحكم، مما يمكن أن يهدد بالتضييق من حرية الأقباط وغير المتطرفين من المسلمين.

كان من الطبيعى أن تؤدى هذه التطورات إلى فتح باب الحديث من جديد حول المفاضلة بين الدولة الدينية والدولة المدنية. فتذكرت مقالا قديما لى كنت قد كتبته فى هذا الموضوع ونشر منذ خمس سنوات (فى مجلة الهلال، عدد يناير 2006)، وعندما أعدت قراءته وجدت أن موقفى فى هذا الأمر لم يتغير قط، وأن ما جاء فيه من تفضيل الدولة المدنية على الدولة الدينية لايزال فى رأيى صحيحا وملائما تماما لنوع النقاش الذى يجرى فى مصر اليوم، ومن ثم سأسمح لنفسى بأن اختصر هنا الحجج التى ذكرتها فى ذلك المقال لصالح الدولة المدنية.

<<<

إنى أفهم وصف دولة ما بأنها «دولة دينية» بمعنى أنها دولة يمارس حكامها الحكم باسم الله، معلنين أنهم يطبقون شريعته ويستلهمون مقاصده، ويلتزمون أوامره ونواهيه.

أما وصف دولة بأنها دولة «مدنية» فأفهمه عندما يستخدم كمقابل للدولة الدينية، بمعنى أنها دولة لا يزعم حكامها هذا الزعم، بل يحكم حكامها باسم الشعب، أو باسم الديكتاتور، أو باسم مبادئ سياسية أو اجتماعية قال بها مصلح شهير، أو نادت بها ثورة، أو حازت قبولا عاما من الناس.

أمثلة الدولة الدينية كثيرة، فقد سادت أوروبا فى العصر الوسيط وحتى العصر المسمى بعصر النهضة، وخلال عصر النهضة حكم سافونارولا مدينة فلورنسا بإيطاليا حكما دينيا بالمعنى المتقدم، وحكم العرب الدول المفتوحة بعد الإسلام حكما دينيا، من المدينة أولا ثم من دمشق فبغداد. وكذلك كان حكم العرب فى الأندلس، والخلافة العثمانية فى استانبول، ومن أمثلته فى العصر الحديث الحكم الإسلامى فى إيران.

أما أمثلة الدولة المدنية فتشمل نظام الحكم فى أثينا وروما القديمتين، ودول أوروبا فى عصر النهضة المستقلة عن البابوية، كما تكاد تشمل كل دول العالم فى الوقت الحاضر.

وفى المقارنة بين الدولة الدينية والدولة المدنية، من المفيد فى رأيى تأكيد الحقائق الخمس الآتية والتى ترجح كفة الدولة المدنية على الدينية:
الحقيقة الأولى: هى أن الدولة الدينية يديرها بشر.

نعم إنهم بشر يحكمون باسم الله، ويحاولون بقدر ما تيسر لهم من جهد وفهم، أن يطبقوا شريعته، وأن يجعلوا إرادة الله هى العليا، ولكنهم قد يوفقون أو لا يوفقون، وقد يكون من بينهم المخلص وغير المخلص، العاقل والمتطرف، المتشدد والمتسامح، الكاره لمخالفيه فى الدين أو الرأى وغير الكاره، إذ ما داموا بشرا فلا بد أن يصيبوا ويخطئوا، ولابد أن يكون من بينهم من يصيب أكثر مما يخطئ وكذلك من يخطئ أكثر مما يصيب، وقد يكون المخطئ مخلصا ولكنه غير واع بخطئه، وقد يكون مخطئا ولكنه كاره للاعتراف بالخطأ والعدول عنه، وقد يظن مخلصا أن فهمه للدين هو الفهم الوحيد الصحيح، دون أن تكون الحقيقة كذلك ويستحيل مع ذلك إقناعه بخطئه.

نحن نواجه هنا إذن مشكلة عويصة. فالحاكم لا يستطيع فى ظل الدولة الدينية أن يطبق إلا فهمه هو لأحكام الدين، ولكنه باستمرار ينسب هذا الفهم إلى الإرادة الإلهية، فيسبغ على تطبيقه وفهمه الخاص للدين مكانة على أعلى درجة من السموّ، ويستخدم فى تأكيد هذه المكانة ألفاظا وعبارات يحمل لها الناس أعلى درجات التبجيل والاحترام، ومعظم الناس لا يستطيعون بسهولة أن يقبلوا أن كثيرا من النصوص الدينية يمكن أن يكون لها أكثر من تفسير، بل ومعظم الناس منفرون بطبعهم، لأسباب شتى، من قبول تعدد التفسيرات للنص الدينى الواحد، وكأن هذا التعدد يجرح حسّهم الدينى أو يسىء إلى الدين نفسه.

معظم الناس أقرب إذن إلى التغاضى عن هذه الحقيقة، وهى أن الدولة يديرها بشر مثلى ومثلك، قد يخطئون وقد يصيبون، ومن ثم فهم على استعداد لمنح ثقتهم للمنادين بالدولة الدينية، دون أن يعتريهم الخوف من أن يأتى التطبيق مخالفا لتوقعاتهم وطموحاتهم.

الحقيقة الثانية: أن الدولة الدينية تواجه بالضرورة ظروفا متغيرة. فالحياة لا تسير على نفس المنوال إلى الأبد، والناس يتغيرون بتغير ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، وحتى إذا تصوّرنا بقاء المجتمع الإسلامى على حاله، فالمجتمعات التى تحيط به دائمة التغير، والعلاقات الدولية لاتبقى طويلا على نفس الحال، وهو أمر يتطلب تغيير السياسة والتحول من مسلك قديم إلى مسلك جديد، حتى لو بقى الالتزام بالمبادئ الدينية والأخلاقية ثابتا وصارما.

هذه الحاجة إلى «التغيير» تواجه الدولة الدينية بمشكلة أشد صعوبة مما تواجه به الدولة المدنية. إذ إن الثابت فى الدين أكثر قداسة من الثابت فى المبادئ القانونية أو الاجتماعية التى تراعيها الدولة المدنية. فإذا كانت الدولة المدنية تتبع إرادة الدكتاتور، فقد لا يكون هناك أى ثبات مزعوم من الأصل، وإذا كانت تستلهم إرادة الشعب، فما أسهل مواجهة الظروف الجديدة بإصدار البرلمان لقوانين جديدة، وإذا كانت الدولة تستلهم آراء مصلح شهير أو مفكر اجتماعى كبير، فإن إعادة تفسير هذه الآراء بما يلائم الظروف الجديدة أسهل على أى حال من تفسير المبادئ الدينية على نحو يخالف ما جرى عليه العمل من قبل.

الحقيقة الثالثة: إن معظم الدول، سواء كانت دينية أو مدنية، تقطنها أقليات تعتنق أديانا غير دين الأغلبية وحكومة الدولة الدينية، مهما بلغ تسامحها مع الأقليات الدينية، لابد أن تستند فى تبرير ما تصدره من قوانين وما تتخذه من إجراءات إلى مبادئ الدين الذى عتنقه الأغلبية.

والأرجح أن حكامها سوف يستخدمون أيضا فى تصريحاتهم وخطبهم ألفاظا وشعارات مستمدة من كتبهم المقدسة. كما تشرع الدولة الدينية فى وضع مناهج للتعليم وسياسة للإعلام تستهدف تقوية الشعور الدينى وتستلهم مبادئ الدين، وتبرر أعمال الحكومة باتفاقها مع هذه المبادئ.

ولكن هذه المبادئ والنصوص والشعارات المستخدمة فى مناهج التعليم ووسائل الإعلام لابد بالضرورة أن تكون مستمدة من دين الأغلبية، وأقصى ما يمكن أن تسمح به حكومة دينية، إذا اتسمت بأكبر قدر من التسامح واتساع الأفق، مراعاة النسبة بين السكان المنتمين لأديان مختلفة فى توزيع البرامج أو الصفحات أو الساعات المخصصة لهذه الأديان فى وسائل الإعلام ومناهج التعليم، وتوفير الفرص لأصحاب الأديان الأخرى لكى يتعلم أولادهم مبادئ دينهم وممارسة شعائره.

ولكن المناخ العام للحياة اليومية لابد أن يتأثر دون أدنى شك بما تفعله الحكومة الدينية لخدمة دينها، إذ إن مواطنى الدولة الواحدة يعيشون فى دولة واحدة، يذهبون إلى نفس المدارس والجامعات، ويقطنون نفس الشوارع، ويقضون ساعات الفراغ فى نفس النوادى ونفس أماكن الترفيه..الخ. وليس هناك من طريقة، حتى إذا توافرت رغبة الحكومة الدينية فى ذلك، يمكن بها مراعاة مشاعر أصحاب الأديان الأخرى وهم يتعرضون لنفس البرامج التليفزيونية، ونفس ما تذيعه ميكروفونات أماكن العبادة، ونفس مقررات اللغة والأدب والتاريخ التى تضعها حكومة دينية، أو وهم يجبرون على الخضوع لنفس القوانين والقواعد المنظمة لما هو حرام أو حلال فى النوادى والمطاعم والشواطئ ومختلف مجالات الترفيه عن النفس.

لابد أن يسبب ذلك مشكلات نفسية، قد تتحول إلى مشكلات اجتماعية، تتراوح حدتها باختلاف درجة التسامح وسعة الأفق التى يمكن أن تتحلى بها الحكومة الدينية، وهى مشكلات لا يمكن أن تثور بنفس الدرجة فى دولة مدنية.

قد يقال إن هذا ثمن زهيد أو طبيعى علينا قبوله فى سبيل تحقيق مصلحة مهمة للأغلبية، إذ لا يجوز أن يطلب من الأغلبية التضحية بمصلحة أساسية تتعلق بصيانة دينها وترسيخ عقيدتها، لمجرد تجنب المساس بمشاعر الأقلية التى عليها أن تتعلم التعايش مع ما تفرضه مصلحة الأغلبية.

هذا القول يبدو معقولا تماما مادامت تضحية الأقلية لا تتجاوز حدا معينا، ومادام حجم التضحية المطلوبة من الأقلية يتناسب مع حجم المصلحة التى تحققها الأغلبية.

ولا يمكن الفصل فى هذه القضية بوجه عام (أى لا يمكن القول بجواز مطالبة الأقلية بالتضحية بوجه عام مادامت مصلحة الأغلبية تستلزم ذلك)، بل لابد أن تبحث كل حالة على حدة طبقا لحجم التضحية بالنسبة لحجم المصلحة.

أى لابد هنا أن نطبق القاعدة القانونية الخاصة «بالتعنت فى استخدام الحق». فالاعتراف بحق الأغلبية شىء، والتغاضى عن التعنت فى استخدام هذا الحق شىء آخر.

وأظن أن حكومة الدولة المدنية أقرب إلى إدراك ضرورة هذا التمييز من حكومة الدولة الدينية. ومن ثم فالمشكلات التى يمكن أن تثور فى ظل دولة دينية بسبب المساس بمشاعر الأقليات الدينية، لابد أن تكون أكبر، وقد يتعدى الأمر مجرد «المساس بمشاعر» بعض الناس، إلى إثارة فتن واضطرابات وإشاعة مناخ اجتماعى سىئ يضر بمصلحة الأقلية والأغلبية على السواء.

الحقيقة الرابعة: الدولة المدنية ليست بالضرورة دولة معادية للدين، هذه الحقيقة هى ما نستخلصه من تعريفنا المتقدم للدولة المدنية. فقد عرفناها بأنها الدولة التى لا يزعم حكامها أنهم يحكمون باسم الله، وأنهم يطبقون شريعته، بل يزعم حكامها أنهم يحكمون باسم الشعب أو باسم الدكتاتور أو باسم مبادئ سياسية واجتماعية من صنع البشر. هذا التعريف لا يتطلب اتخاذ أى موقف عدائى من الدين، ولا يتعارض البتة مع اتخاذ مواقف إيجابية للغاية إزاء الدين والمتدينين. فالمهمة الأساسية للدولة المدنية هى حفظ الأمن وحماية النظام العام، والنظام العام فى دولة أغلبية سكانها من المتدينين يفرض على الدولة المدنية واجبات كثيرة تتعلق باحترام الدين وصيانته من أى اعتداء ومنع أى إيذاء لمشاعر المتدينين.

وهذه الواجبات تشمل احترام وصيانة أديان الأقليات أيضا ومنع أى إيذاء لمشاعر أصحابها، ولكن هذه الواجبات بالضرورة أكثر وأبعد مدى فيما يتعلق بدين الأغلبية.

بل إن القيام بهذا الواجب قد يمتد ليشمل دورا إيجابيا للدولة يتعلق ببذل جهود ترمى إلى تقوية الشعور الدينى وترسيخ العقيدة الدينية، على أساس أن هذه الجهود قد تكون عاملا مهما فى تحقيق نهضة الأمة، اجتماعيا وخلقيا، وتقوية أواصر الأسرة والعلاقات الاجتماعية.

قد تفهم الدولة المدنية واجبها نحو الدين هذا الفهم الواسع دون أن تتحول بذلك إلى «دولة دينية»، إذ إن هذا الفهم لواجبها نحو الدين قد يُستلهم من مبادئ اجتماعية وسياسية عامة، وقد يستقى من فهم لمتطلبات النهضة التى تنسجم مع أى دين ولكنها لا تستقى من أى دين بعينه.

وليس هذا الكلام عما يمكن أن يكون عليه موقف الدولة المدنية من الدين، كلاما نظريا لا مقابل له فى الواقع. فمعظم دول أوروبا الغربية لاتزال تتخذ هذا الموقف من الدين، فتعتبر من واجبها احترامه ومنع الإساءة إليه كجزء من وظيفتها فى المحافظة على النظام العام.

وفى مصر كانت الدولة مدنية منذ تولى محمد على الحكم على الأقل، أى منذ قرنين من الزمان، وزاد طابع الدولة المدنية وضوحا منذ الاحتلال الإنجليزى فى 1882، ثم انفصال مصر عن الخلافة العثمانية فى 1914. واستمر الأمر كذلك، أى استمر الطابع «المدنى» للدولة المصرية فسمحت الدولة لنفسها بأن تستلهم الدساتير الأوروبية فى تنظيم العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وباستلهام القانون الفرنسى فى الأحكام المنظمة للالتزامات المدنية والتجارية وللعقوبات، إلى جانب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فى الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والميراث.

ولكن الدولة المصرية اعتبرت من واجباتها حماية الدين ومنع الاعتداء عليه أو الاساءة إلية كجزء من وظيفتها كدولة مدنية، واعتبرت من واجبها أيضا تعميق تعريف النشء بدينهم وتقوية الشعور باحترامه والالتزام بشعائره كجزء من المنهج التعليمى، دون أن يقتصر هذا على دين الأغلبية، بل راعت نفس الشىء مع النشء المنتمين لدين الأقلية، فكانوا يتلقون بدورهم من الدروس فى المدارس ما يعمق معرفتهم بدينهم ويغرس الشعور باحترامه.

لم يصدر عن الدولة المصرية أى إعلان عن تخليها عن أى من هذه الواجبات، فإذا بدا لنا أن الدولة المصرية قد بدأت تتهاون فى تطبيق هذه المبادئ، مثلما يظهر فى سلوك بعض القضاة وكأنهم تحوّلوا من قضاة إلى مشرعين، وتحول عدد متزايد من المدرسين إلى دعاة دينيين، حتى ولو وجود بين التلاميذ من يدين بغير دين الأغلبية، إذا بدا لنا ذلك فالسبب ليس تحول مصر إلى دولة دينية، وإنما سببه الضعف العام الذى أصاب الدولة المصرية.

الحقيقة الخامسة: إننا اليوم نعيش فى عالم يصعب فيه جدا إن لم يكن المستحيل، أن تعزل أى دولة نفسها عن بقية العالم. فالتكنولوجيا الحديثة فرضت الاعتماد المتبادل فى الاقتصاد، وعرّفت كل أمة بما يجرى فى الأمم الأخرى، فخلقت حاجات جديدة لدى كل أمة لا تستطيع إشباعها بمفردها، كما سهّلت تدخل الدول الأقوى فى شئون الدول الأضعف، إما بإجبارها على فتح أبوابها للسلع، أو بإجبارها على تبنى أنماط للحياة لم تخترها بإرادتها الحرة. فى عالم كهذا لابد أن تجد الدولة الدينية نفسها فى ورطة لا تواجهها الدولة المدنية بنفس الدرجة.

فإذ تجد الدولتان نفسيهما مضطرتين للتعامل مع أمم مختلفة الأديان والثقافات وأنماط الحياة، تحاول الدولتان باستمرار التوفيق بين متطلبات هذا التعامل مع أمم مختلفة عنها، وبين الالتزام بقواعد الدين وبالثقافة ونمط الحياة المرتبطين بهذا الدين. هذه المحاولة المستمرة للتوفيق، أيا كان نوع الدولة، دينية أو مدنية، لابد أن يصحبها مؤثرات نفسية واجتماعية قد تصل إلى درجة إحداث ازدواجية خطيرة فى الحياة الاجتماعية والثقافية، بين أنصار التمسك بالتراث وأنصار الحداثة.

ولكن يجب أن نتوقع أن يكون التوتر الذى يمكن أن ينشأ فى الدولة المدنية أقل حدة وخطورة مما يمكن أن ينشأ فى ظل الدولة الدينية، خاصة إذا اتسمت الدولة الدينية بتسامح أقل من المخالفين فى الرأى ومع أنصار الحداثة.

فإذا استطاعت الدولة المدنية أن تواجه العالم من حولها بتسامح مع أصحاب الأديان والثقافات وأنماط الحياة المغايرة (كما فى تعاملها مثلا مع السياح والأفلام المستوردة) دون أن تتنكر لدينها، أو تبدى تقاعسا فى حماية هذا الدين من أى إيذاء أو إساءة من أصحاب الديانات والثقافات وأنماط الحياة المغايرة، فإنه يصبح من المبرر القول بأن الدولة المدنية أقدر على مواجهة مشكلات «العولمة» من الدولة الدينية.

<<<

قد يقال ردا على كل ذلك، إن المفاضلة بين الدولة الدينية والدولة المدنية على هذا النحو لا فائدة منها مادام الأمر لابد أن تقرره فى النهاية إرادة الناس عن طريق انتخابات حرة. فإذا حدث واختار غالبية الناس، فى انتخابات تطبق قواعد الديمقراطية، وتتسم بأقصى قدر من الحرية والنزاهة، أن تكون حكومتهم دينية، فما جدوى المفاضلة فى هذه الحالة بين هذه الحكومة وغيرها؟ إذ فلتكن الدولة دينية إذن، ما دام هذا هو اختيار الناس. ولكن حتى لو افترضنا أن غالبية الناس فى مصر تفضل أن تقوم فيها حكومة دينية، فإن هذا فى رأيى لا يجب أن يستنتج منه بالضرورة أن الدولة الدينية أفضل من غيرها.

فهذا الاستنتاج يتطلب توافر شرطين من المشكوك فيه توافرهما. الأول: أن الناس تعرف بالضبط ما الذى يعنيه مجىء «الدولة الدينية» والثانى: أن الناس يعرفون دائما أين تكمن مصلحتهم الحقيقية.

الشرط الأول مشكوك فى توافره لأن أصحاب التيار الدينى، مثلهم مثل غيرهم، لا يفصحون عادة عما ينوون فعله بالضبط إذا حدث وأمسكوا بمقاليد الحكم. فشعار «الإسلام هو الحل» مثلا، شعار يحتمل العديد من التفسيرات التى قد لا يحظى بعضها بنفس الدرجة من التأييد التى يحظى بها غيره من التفسيرات.

والشرط الثانى مشكوك أيضا فى توافره، على عكس الاعتقاد الشائع. فالناس فى الحقيقية لا يعرفون دائما كنه حاجاتهم الحقيقة، ومن ثم كثيرون لا يعرفون مدى قدرة البدائل المطروحة على تلبية هذه الحاجات.

إن الإنسان وهو بصدد الاختيار بين البدائل السياسية المطروحة لا يختلف وضعه كثيرا عن وضعه وهو يحاول الاختيار بين السلع المطروحة عليه فى الأسواق.

إن معرفته بالخصائص الدقيقة لكل سلعة من السلع المعروضة عليه، كثيرا ما تكون معرفة ناقصة (ونحن نعرف ما تفعله الدعاية التجارية والإعلانات بقصد تضليل عن الصفات الحقيقية للسلع). كما أن معرفة المستهلك لما يحتاج إليه حقيقة من هذه السلع ومدى النفع الذى يمكن أن يحصل عليه من كل منها، وما إذا كان هذا النفع سيستمر طويلا أو سرعان ما يزول، هى أيضا معرفة ناقصة.

وكلا النوعين من نقص المعرفة كثيرا ما يؤديان بنا (كما نعرف جيدا) إلى شراء سلعة ثم نتبين بعد ذلك أنها لا تحقق ما علقنا عليه من آمال.

الانتخابات الحرة فى السياسة ليست إذن أفضل كثيرا من نظام السوق الحرة فى الاقتصاد، كلاهما يقوم على هذين الافتراضين: المعرفة الكاملة (أو الكافية) بخصائص المرشحين أو السلع، والمعرفة الكاملة (أو الكافية) بحاجاتنا الحقيقة، وكلا الافتراضين مشكوك فى صحتهما.

قد نقرر على الرغم من كل هذا أن الانتخابات الحرة هى أفضل الوسائل لتحديد نظام الحكم، وأن نظام السوق الحرة هو أفضل أنواع التنظيم الاقتصادى. ولكن حتى لو سلمنا بهذا وذاك فإن هذا لا يعنى بالضرورة أن النظام الذى ستسفر عنه الانتخابات الحرة هو أفضل النظم طُرًّا، وأن السلع التى سنقتنيها من السوق بمطلق الحرية، هى أكثر السلع تحقيقا لحاجاتنا الحقيقية، مع هذا قد نقرر الالتزام باحترام رأى الغالبية.

تماما كما كان الأب الرحيم قد يرى أحيانا أن من الأفضل أن يترك ابنه يختار ما يشاء من السلع رغم أنه يعرف أن ابنه لن يختار ما فيه مصلحته الحقيقية. ولكن حتى لو فعل الأب ذلك، فإن من واجبه أن ينتهز أى فرصة تتاح له لكى يشرح لابنه البدائل المطروحة وتقارن بين مزايا ومخاطر كل منها.

وهذا هو ما حاولت أن أفعله فى المفاضلة السابقة بين الدولة الدينية والدولة المدنية

بقلم:جلال أمين - الشروق
العفن الليبرالى السعودى

الليبراليون فى السعودية نائمون.. جبناء.. لا يقوون على معارضة السائد، ولا يجرؤون على انتقاد حشرة.. الليبراليون مشتتون. ضائعون.. ما يميز التيار السلفى عنهم أنه جاد، جرىء بانتقاد أى شىء، وإن كان نقداً سياسياً بعض الأحيان. هل يكون لمكانة رجال الدين السياسية وارتباط الدين بالسلطة دور فى جرأتهم؟ ربما. لكنى أعتقد أن إيمانهم بمبادئهم راسخ جداً، على عكس الليبراليين الذين يثبتون يوما تلو الآخر أنهم ليسوا أكثر من ظاهرة صوتية.. ليبراليو السعودية مختلفون عن ليبراليى العالم العربى، وإن كانوا جميعهم متفقين على مسألة واحدة هى عدم امتلاكهم مشروعاً حقيقياً أو عدم البدء به.. فماذا يفعل الفكر الليبرالى وسط الثورات وجنون الحرية؟ يتقوقع على نفسه أكثر فأكثر. ليكشف أنه لم يكن شيئاً. كان نزوة، خرافة. كان أى شىء باستثناء أن يكون تياراً ذا فكر ومنهج وإيمان.. الليبراليون كاذبون. منافقون. متقلبون.. أسأل الفرد منهم: هل أنت ليبرالى؟

فيجيب: والله حسب مفهومك لليبرالية.

أعيد سؤالى: يعنى إنت ليبرالى أم لا؟

فيجيب: أنا إنسانى أطالب بالتعديل والإصلاح.. أعيد سؤالى: أنت ليبرالى؟ أجبنى نعم أم لا.

يقول: لا.

غوغائيون. يهيمون. يقولون ما لا يفعلون.. المثقفون السعوديون يدعون إلى الحرية والانفتاح، ويزعمون أنهم يقومون بالتغيير والإصلاح وأنا أزعم أنهم يخربون البلد ويرجعونه للوراء أكثر مما أرجعه المتشددون، فلا حرية أو إصلاح يتصالحان مع عناصر هدامة كالخوف والخجل.. ما يزرعانه هو النفاق والالتواء، تجدهم فى كل مكان ينظرون ويحللون وليس أكثر منهم يتحدث عن الحرية. لكنها حرية مغشوشة، يمسكون بسلاح الليبرالية للتأكيد على مدنيتهم وعصريتهم، فيما هم تقليديون حتى النخاع. نساء غالبيتهم مازلن بالعباءات، نساء غالبيتهم لا يُكشفن على مخلوق، يحبون الليالى الحمراء. صاروا مشهورين بتلك الليالى. الأمر الذى يجعل الفرد أمام خيارين: إما أن ينضم لقائمة الإسلاميين والمحافظين، أو أمامه حياة لا تسير على مبدأ. اختفى النموذج العربى القديم. الفكر المتدين المتحرر. امرأة متدينة لا ترتدى الحجاب. رجل متدين يخالط النساء. مؤمن يطلق لأفكاره العنان ويطرح تساؤلات كونية. حبيبان تعلم القبائل بأمرهما وتتغنى بأشعارهما. اختفت الفطرة.. الاختلاط، حتى ولو بأماكن العمل.. فجور وكفر بنظر السلفيين. وحياة معتدلة بسيطة مستنكرة عند الليبراليين.

هل كانت الليبرالية ردة فعل متطرفة لتطرف التشدد الدينى؟!

يقول إنه ضد الاتجاه الإسلامى.. يدعو للحريات ولاحترام حقوق الإنسان، ويدعو لمؤسسات مجتمع مدنى، ويدعو لحرية المرأة وللحب ولأشياء أخرى.. أجبنى: هل أنت ليبرالى؟

لا يوافقنى على أنه ليبرالى بل حقوقى. يرتعد من فكرة أن يصل نبأ ليبراليته لأسماع الإسلاميين أو السياسيين فيلقوه بالخانة السوداء. أقصى مشاركة جريئة يقوم بها كتابة رواية جنسية تفصل العلاقة الجسدية وبلوغ النشوة بين رجل وامرأة، أو تصور تفاصيل حميمة لعلاقة مثلية نشأت بسبب التطرف والمحافظة. هو على استعداد تام لنقد المجتمع من خلال أطروحاته الجنسية، هذه أقصى وطنية يمتلكها. أما أمور السياسة والدولة فراضٍ عنها بلا نقاش.

طبعاً، الطرف الآخر (الإسلامى) فَرِحٌ بهذه المشاركة الوطنية التى تبدأ من الحزام فما تحت. حتى لو انتقدها وقام بتكفير أهلها، يبقى سعيداً بها، إذ لن تعطله أو تشكل أى عائق أمام مرماه الرئيسى. الطرف الآخر منشغل بالأهم. بالسيطرة. منظم ولديه برامج لا تنتهى. ومهما اختلفنا معه ومع القشور التى يريد أن يشغل بها حياتنا فهو التيار الأكثر تنظيماً وربما الأكثر تأثيراً. هدفه التمكين السياسى. يرفع من حظوظه السلطوية انغماس الفكر الليبرالى فى السرير ومداعباته.

المتحرر يشاهد وطنه يكاد يتفجر ضحية للفكر الواحد ويقف صامتاً.. هتافاته عن الحرية لن تخرج عن الطاعة، نفاقه اشتد فى الآونة الأخيرة وتحول لشاعر فى بلاط السلاطين. يمجد ويكبر ولا يجد مانعاً من أن يكون حراً فكرياً وعبداً عملياً فى آن، فيما العالم العربى يمر بمراحل تغييرية ويترقب الحال السياسية والفكرية بعد الثورات.

بعض التحليلات تصب فى صالح صعود الإسلاميين، وبعضها يجزم بصعود الليبراليين خاصة أننا نعيش عهد المفاجآت. خلال ذلك يبقى المثقف السعودى ينتظر الإرادة العليا ليحدد إرادته وفقاً لها وليحدد عنوان مقاله الجديد وفقاً لعنوانها، ليس لديه أى جديد، وليس بجعبته أى نهضة تذكر. وعن الرموز؟ ليست هناك رموز ليبرالية فى السعودية.. بالطبع ستكون الغلبة هنا للإسلاميين. ليس لأن السياسى يريد ذلك فقط بل لأنهم الوحيدون فى الساحة.

السلفية برأيى تسير بمنحى متصاعد.. واحترام وجودها واجب، فأتباعها جزء من الوطن. لكن الجريمة أن يسود تيار فكرى واحد وتغيب التعددية، أساس تقدم أى مجتمع. كل الشباب العربى الحر الذى خرج مقاتلاً من أجل النهضة والحرية وكل الشابات الصغيرات اللواتى لم يهبن شيئا فى سبيل أن تصل كلمتهن الحقيقية.. كلهم لم يؤثروا به ليصبح أكثر جرأة ولم يحركوا به ساكناً. بقى على عهده وزاد تمسكه بإخفاء هويته حتى لا يصنف ضمن المطالبين بالتغيير.

أكثر شىء يفعله هو المجاهرة بأنه ضد الأديان، رغم أن الليبرالية والعلمانية لا تتعارضان مع التدين. على العكس، فالعلمانية تضمن حرية الدين وحماية حقوق الأفراد بممارسة الشعائر التى يؤمنون بها من خلال فصل الدين عن السلطة.

بالطبع، لن يُغضب مقالى أحد ليبراليى السعودية لأنهم ببساطة خائفون حتى من الغضب، من التعبير عن أنفسهم، ومن الدفاع عن أفكارهم، كى لا يفتضح أمر ليبراليتهم، وهذا سبب كاف لأكتب عن دائرة العفن التى أراها تتسع أكثر فأكثر كل يوم، ويزيد معها حجم الشرخ فى وطن صار عاجزاً عن تحمل كل هذا التطرف الدينى وكل ذاك الخوف الليبرالى.. يبقى أمل واحد فى جيل الشباب الجدد. جيل لم تتحدد بعد ماهيته. أهو متطرف، أم خائف مرتعد، أم يكون متأثراً بمحيطه العربى الثورى فيتزعم نهضة تقود لمستقبل أكثر منطقية وأكثر عقلانية من راهننا السعودى المجنون؟!

نادين البدير - المصرى اليوم

nadinealbdear@gmail.com