Showing posts with label المستقبل. Show all posts
Showing posts with label المستقبل. Show all posts

Monday, May 30, 2011

هويدا طه تكتب: الإخوان والمجلس والطريق إلى يوليو 2011

جمعة الغضب الثانية يوم 27 مايو كانت نقطة فاصلة بين مرحلتين في مسار ثورة 25 يناير، فقبلها كانت هناك "مسلمات".. تنتقل بالتواتر وليس بقياس علمي دقيق، وبعدها وُضعت تلك المسلمات في حيز التساؤل والاختبار.. إذن لم تعد "مسلمات"بل (مسائل)،على رأسها: سلطة المجلس العسكري، ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين

أولا: المجلس العسكري

في رسالته يوم الخميس رفع المجلس يده عن (حماية المتظاهرين) بانسحابه من ميدان التحرير وميادين المدن الأخرى، الرسالة حملت- بصراحة- تهديدا للمتظاهرين وتفويضا للمجرمين! لكن الثوار الرائعين الذين واجهوا جبروت مبارك والعادلي يوم 25 يناير ردوا عليه في صفحته الرسمية برسالة على شاكلة رسالته قالوا فيها بخفة ظل وثقة وتحد ووعي (الحامي ربنا يارجالة)! وقد كان!..

** نظم شبابنا الصغار سناً الكبار همةً يومهم.. قد لا يدركون الآن حجم الخدمة الجليلة التي قدموها لمصر بهذا اليوم.. فقد كشفوا العديد من أقنعة الزيف في مصر، أولها بطرح سؤال واضح وبسيط: لماذا يناقض المجلس العسكري نفسه؟ ألم يعلن منذ انضمامه للشعب في ثورته أنه ملتزم (بواجبه في حماية حق المصريين المشروع في التعبير عن رأيهم)؟ لماذا الآن يقول لهم (مليش دعوة؟!) أي مصريين كان يقصد ياترى بهذا الوعد؟! لماذا هدد المجلس شبابنا بل الشعب كله بأنه سيلقي بهم (فريسة) لهجوم (توهمه أو أوحى به) تخويفا وترهيبا؟ ففي الأيام السابقة مباشرة ليوم الجمعة ظلت الأخبار تتوالى بعضها من المجلس مباشرة وبعضها تخديما على رسالته (غير المقبولة).. عن هجوم محتمل لآلاف البلطجية على الميدان.. وعشرات من سيارات الإسعاف تستعد.. وتركيز لحماية المنشآت.. وغيرها من (إيحاءات) بمجزرة وفوضى عارمة ستحدث إن.. إن ماذا؟ إن (تمردتم) على (انفراد) المجلس بالحكم والقرار! هل يفهم من هذا التكثيف ضد شباب جمعة الغضب الثانية غير هذا؟ حسنا.. جاء اليوم بأشد ما تكون الأيام تحضرا ورقيا ونظاما.. أو بتعبير الكاتب الجميل وائل قنديل (غاب الإخوان والعسكر وحضر ضمير مصر).. لم ينفع إذن تهديد المجلس للشباب ومن خلفه الشعب.. فكانت نقطة تقدم للشباب ونقطة تراجع للمجلس.. الذي يصر على الانفراد بالقرار واستبدال وعده (تنفيذ مطالب الشعب) بفعل آخر هو (الوصاية على الشعب)،

** هذه الوصاية من المجلس عبر عنها اللواء ممدوح شاهين في مكالمته الشهيرة لتليفزيون (أون تي في) حين غضب من وصف المظاهرة بكلمة (حاشدة) وقال إن الاستفتاء كان استفتاءً على شرعية المجلس! وقال نحن لا نستجيب للضغط! إذن على الشعب أن يفهم من رسالة سيادة اللواء أن المجلس بعدم استجابته للضغط سوف (ينفذ اللي في دماغه)! فماذا يا ترى في دماغ المجلس؟!

** لا قراءة للنوايا هنا إنما قراءة للظاهر من السلوك.. أولا: المجلس رأى أن من حقه الالتفاف على نتيجة الاستفتاء فأسقطه واستبدله بإعلان دستوري لم يستفت عليه..ثم أنكر على أي قوة أخرى الحق في أن ترفض هذا الالتفاف وتطالب بإعادة النظر! إعادة النظر إما في الاستفتاء نفسه وقد شابه ما شابه من نواقص أو إعادة النظر في التفاف المجلس ومناصريه على الاستفتاء المعيب! المطلوب هو الخرس التام إذن وليفعل المجلس (الوصي على العرش) ما يشاء! هذه ليست إلا.. وصاية!

ثانيا: المجلس يصر على إصدار قوانين تصب كلها في غير صالح (عموم الشعب) ولا يستفيد منها إلا فئة وحيدة لا تعبر عن كل الشعب ولا عن مصر التي عرفها التاريخ.. من تلك القوانين التي لم يؤخذ فيها رأي أي قوة سياسية في البلاد ولم تعرض لنقاش مجتمعي بشأنها.. قوانين مباشرة الحقوق السياسية والانتخابات وتصويت المصريين في الخارج وتجريم الاعتصام والتظاهر وقانون مصالحة رجال الأعمال (أو تدليلهم) وغيرها كثير من قوانين يؤسفنا حقا أنها كلها- وهذا باد للعيان- ضد عموم الشعب! ومع هذا يغضب المجلس عندما يعبر أحد عن استنكاره لهذا الإهمال المتعمد لمطالب الشعب.. بل ويحاكم بعض المنتقدين عسكريا ويلقي بهم في السجون.. بينما هو- المجلس- وكذلك الجميع يعرف بداهة أن انتقاد سلوك المجلس لا يعني انتقادا للجيش الذي يحبه المصريون ويحترمونه! الخلط المتعسف بين الجيش والمجلس هو بصراحة إرهاب لمن ينتقد المجلس، وتلك وصاية.. غير مقبولة!

** ولعل غضب المجلس من جمعة الغضب الثانية جاء لسبب آخر كذلك إضافة إلى استنكاره أن (يتمرد) الشباب على سلوكه المنفرد بالقرار، غضب المجلس بسبب(فشل توقعاته) وتوقعات أعوانه! فقد توقعوا أن إرهابهم للشعب بالحديث عن مجازر سوف تقع في الميدان أو عن كفار سوف يتظاهرون بالميدان.. سوف يقلل حجم المظاهرات إلى الدرجة التي تقر لهم إلى غير رجعة (الانفراد) بتخطيط المستقبل.. فإذا بحشود الشعب في معظم المدن تفاجئهم.. وتفاجئ أعوانهم! فغضبوا!

** أصبحت تلك الحشود إذن قوة ذات وزن تواجه المجلس بأهم تساؤل بينه وبينهم: لماذا كل تلك الحماية للمخلوع وأسرته ورجاله؟ لماذا كل هذا التباطؤ المستفز؟ لماذا يتعالى المجلس على الرد على اتهامات من هنا وهناك تقول- وأحيانا بمستندات كما ذكر بلال فضل في أحد مقالاته-إن تجميد أموال مبارك وعائلته لم يتم على خلاف ما أعلن، بل وفي الميدان تساءلت الناس هل مبارك فعلا موجود في مصر؟! هل العادلي وجمال وعلاء محبوسون فعلا؟ وكيف نتأكد؟.. نحن لم نر ولا صورة واحدة لأي منهم في محبس أو في قفص! لماذا لا يسمحون بتصوير هؤلاء الناس في المحاكم؟ هل مازال هناك درجة ما من الولاء لهم؟ إذا كان هناك درجة من الولاء أو الحماية لهم فهذا ببساطة.. خطر على الشعب وحقوقه!

** ثم هذا التآلف والود الواضح بين المجلس وفئة واحدة من الشعب هي جماعة "الإخوان المسلمون".. لماذا يأتي دائما على حساب (عموم الشعب المصري)؟!.. بل ما نوع ذلك (التوافق) بينهما؟ يحق للمصريين السؤال ويجب على المجلس بحكم وجود السلطة بين يديه أن يجيب.. المجلس ليس أعلى من الشعب.. بل الشعب هو من وضع المجلس هناك.. مجرد تذكير.. ذكر لعل الذكرى تنفع!

** السؤال الأكثر الحاحا الآن.. هل استمع المجلس لهذه التساؤلات؟ هل وصلته؟ إذا وصلته ولم يهتم ولم يبادر ليثبت العكس فهو إذن مازال محل تساؤل.. وإذا لم تصله.. فالحشود التي أغضبته يوم جمعة الغضب الثانية سوف تتضاعف في المرات القادمة! والأيام بيننا!

ثانيا: الإخوان المسلمون

** الحديث عن الجماعة هنا هو حديث باعتبارها قوة سياسية، أما دورها الثقافي فمجاله مقال آخر، أبرز ما يلاحظ عن علاقة الجماعة بالمجلس العسكري هو ذلك التحالف ضد رغبات (عموم الشعب المصري)! تحالف يستدعي في ذاكرة المصريين العودة إلى الوراء تسع وخمسين سنة! إلى عام 1952 حين قام تنظيم الضباط الأحرار بانقلاب عسكري.. وكان ضمن الضباط الأحرار بعض الإخوان المسلمين إلى جانب آخرين شيوعيين وليبراليين وغيرهم من تيارات سياسية في ذلك الزمان، بدأت العلاقة حميمة بين الإخوان و(مجلس) قيادة الثورة! ثم جاء حادث المنشية الذي انقلب فيه الإخوان على المجلس فقلب المجلس عليهم طاولة الحكم وبدأ العداء المبين بين الإخوان وثورة يوليو والذي استمر حتى 24 يناير! نعود الآن إلى الحاضر..

** في رأي الكثيرين لا يريد الإخوان قلب الطاولة عليهم ولا يريد المجلس حادث منشية جديدا! وكلاهما على الأقل كما استشعر كثير من المصريين يريد (تطويع الثورة) لصالحه.. لكن كل منهما لا يستطيع ذلك منفردا ويريد معينا على ذلك.. أمام شعب قام بثورة ثبت منها بما لا يدع مجالا للشك أنه في عمومه شعب واعٍ يصعب على قوة منفردة.. خداعه! المجلس اعتقد منذ اللحظة الأولى أن الجماعة (تمتلك ناصية الشارع) وهذا هو الوهم الذي (عاشت عليه) الجماعة سنينا! حتى صدقها خصومها وصدقها كذلك.. المجلس! والجماعة اعتقدت أنها لن تلدغ من ذات الجحر مرتين وبالتالي لن تعادي المجلس حتى تجني كل ما تستطيعه من مكاسب! فبدأ (الغزل) بينهما على عينك ياتاجر وعلى مرأى من الشعب وسمعه! أول مظاهر (الغزل) بين المجلس والإخوان كانت لجنة التعديلات الدستورية! التي كانت سلطة اختيارها بيد المجلس فاختار لجنة جاءت إخوانية بامتياز! تلك كانت البينة الأولى! ثم صمت الإخوان على التفاف المجلس على نتيجة الاستفتاء عندما اسقطه فعليا بإصداره إعلانا دستوريا لا يمت بصلة للاستفتاء! ثم سموا الأشياء بنقيضها وإياكم والاعتراض.. فسموا (تجاهلهم) لإرادة الشعب (خضوعا) لإرادة الشعب! ويستمر التحالف بينهما.. فيصدر المجلس قوانين لا يستفيد منها إلا الإخوان أو الأثرياء! فيروج لها الإخوان.. الأثرياء! بينما هي قوانين لا تقابل ولو في منتصف الطريق المطالب الاجتماعية لشعب قام بثورة من أجل العدالة الاجتماعيةوليس من أجل تحسين وضع جماعة الإخوان! قوانين تمهد الطريق لتقاسم السلطة بينهماإلا إذا.. إلا إذا طمع أحدهما في أكثر مما يعنيه منطق التقاسم! وحينها لا قدر الله ربما نشهد نسخة 2011 من.. حادث المنشية!

** جاءت جمعة الغضب الثانية فاصلة بحق حيث عبرت عن (حرب إثبات القوة في الشارع) بين الإخوان الذين ظلوا يتحدثون عقودا وبغطرسة متناهية عن (ملكيتهم التامة للشارع).. وبين القوى السياسية الليبرالية واليسارية الأخرى التي كانت حتى دعوتها الشجاعة لذلك اليوم خائفة من وهم ملكية الجماعة للشارع.. قامرت تلك القوى وقاطرتها شباب يرفض (الدخول في بيت طاعة المرشد واللواء) وحشدت ليوم الجمعة، وأذكركم أنه حتى منتصف الليل يوم الخميس كانت قيادات الإخوان تظهر في القنوات المختلفة مبدية سخرية من الشباب بل وأحدهم قال (لنرى من سيؤازركم)! ووزعت الجماعة بيانا بعنوان (جمعة الوقيعة) ظهر فيه النفاق للمجلس بأقصى ما يكون النفاق! وحذرت وتوعدت بتكفير وتخوين من يشارك في تلك الجمعة.. كانوا جميعا على يقين حتى ذلك اليوم أن الشعب المصري هو (قطيع) عصا قيادته في أيديهم! ثم جاءت الجمعة الفاصلة، وفي الإسكندرية(معقل الإخوان!) كانت الناس تردد في هدير بالغ هتاف:"لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة إنسان"، كم كانوا بلغاء في هتافهم هؤلاء الشباب! وبعد ذلك اليوم الذي أعاد الثقة بالنفس إلى شباب رفض أن يكون قطيعا يسوقه المرشد واللواء.. حتما ستكون هناك إعادة تقسيم للقوى.. لكن المدهش حقا كان موقف الإخوان الغاضب إلى درجة الهيجان من نجاح الشباب بدون قوتهم المزعومة.. كان يشبه تماما موقف الحزب الوطني المقبور وذيوله! إنكارٌ فإنكارٌ فإنكار!

** ولم يكن يوم الجمعة الفاصلة تلك كاشفا فقط لقوة الإخوان السياسية في الشارع.. بل كشف أمام المجتمع المصري مدى فاشية تلك الجماعة.. والحق يقال أنهم هم بأنفسهم قدموا لمصر خدمة جليلة بالعمل على كشف عنجهيتهم وعقليتهم المستبدة الإقصائية.. فجندوا خير من يمثلهم (ويمثل بهم!) في ذلك المجال.. الأستاذ صبحي صالح! فمهما حاول المناوئون للجماعة كشف سلبيات تلك الجماعة أمام المجتمع لم يكن لينجح أحدهم بمثلما نجح ممثلهم العظيم في هذا! فهذا الرجل تطاول على فتيات مصر ونساءها (غير الأخوانيات أو الأخوات) ووصفهن بأنهن في (مرتبة أدنى) من الإخوانيات اللاتي رباهن سيادته في حظيرة الجماعة! ثم حاول التخفيف فاعتذر، ثم حاول التراجع عن الاعتذار فقال إنه كان (بيهزر!) ثم توج فعلته في برنامج العاشرة مساء حين وصف فتيات ونساء مصر غير الإخوانيات بأنهن.. بنات رصيف! هذا الرجل كان ضمن من اختارهم المجلس للجنة التعديلات الدستورية! وهو ما جعل البعض بعد ان استمع إليه يقول ضاحكا (يافضيحتك يا مجلس!)، وغير تلك الحادثة أظهر نفاق الجماعة للمجلس العسكري (عمال على بطال) أمام عموم الناس- حتى من كانوا يتعاطفون معهم أيام (ذريعة الاضطهاد)- كم هم منافقون وانتهازيون يخططون للاستحواذ على مصر عن بكرة أبيها!

** لكن المجتمع المصري ليس غبيا! هل سمع أحدكم عن قيام الإخوان بتنظيم إضراب عمالي واحد مثلا على مدار ثمانين عاما هي عمر الجماعة؟! هل سمع أحدكم أياً من قادة الإخوان الأثرياء يتحدث عن (عدالة اجتماعية) أو (إنصاف الفقراء) أو حقوق المرأة أو حقوق الإنسان أيا كان؟! لطالما كان هؤلاء الناس يتحدثون عن جماعتهم وحقوق جماعتهم واضطهاد جماعتهم وكأنهم دولة داخل الدولة.. كذلك لا يُعرف الكثير عن مصادر تمويل هذه الجماعة التي تنفق الملايين، إنهم لا يختلفون عن الحزب الوطني المقبور في شيء سوى أنهم أشد بأسا وقسوة على الفقراء في برنامجهم ورؤيتهم للدولة القادمة! الفقير حقه عندهم (الإحسان من الأغنياء) وليس (تعديل ميزان الثروة) بين المواطنين! قد يثور سؤال إذن لماذا يتبعهم آلاف المصريين ويتعاطفون معهم وخاصة الفقراء؟! ذلك أنهم أيها السادة يشهرون سيف الدين في وجه كل مُطالب بدولة للجميع! ذلك أنهم أيها السادة يتسلحون بأداة استحلاب العواطف الدينية لدى الناس! ذلك أنهم كانوا يتاجرون باضطهاد خصمهم القديم لهم الذي كانوا يصارعونه على السلطة! ولعلكم شاهدتم الأستاذ صبحي صالح وهو يصرخ محمر الوجه منتفخ الأوداج في مؤتمر العباسية الشهير قائلا:"لن نسمح لأي قوة أن تحرمنا من (ثمرة الثورة) نحن الذين اضطهدنا لن نسمح لن نسمح"! لكن هل يستمر تعاطف المصريين معهم بعد أن (تكالبوا) على الثورة والمجلس بهذا الشكل المكشوف؟ أحد الشباب علق على افتتاحهم لمقرهم الفخم في المقطم قائلا: هذا المبنى سيحرقه المصريون في ثورتهم القادمة! المصريون إن آجلا أو عاجلا وأظنه قريبا سوف ينحازون لمن يطالب لهم بالعدالة والكرامة والإنصاف والنصيب العادل في ثروات البلاد في الدنيا.. وإلا لماذا احتشدوا يوم جمعة الغضب الثانية رغم ضغط الإخوان في اتجاه تكفير كل من يشارك فيها؟!

** تذكروا أن ثورة 25 يناير عندما نودي إليها فإن الإخوان لم يكتفوا بإعلان رفضهم المشاركة فيها بل عرضوا على نظام مبارك المساعدة حتى لا تقوم الثورة! وهذا كله موثق والإخوان وُدهم لو أخفوا تلك الوثائق الآن لكن أنى لهم أن يستطيعوا ذلك! وعندما بدأت تباشير النجاح للثورة قفز عليها الإخوان قفزا وصوليا إلى أقصى درجة.. حتى أن الدكتور عصام العريان وفي استخفاف بعقول الناس قال إن الإخوان كانوا يجهزون للثورة منذ عام 2004! مع أنه هو نفسه صاحب التصريح الشهير يوم 24 يناير بقرارهم عدم المشاركة! وبالطبع كل قادة الإخوان الذين فتحت لهم كل أبواق الإعلام المنافق بدوره كذلك راحوا يشهرون على الملأ ملكيتهم للثورة وهم على يقين مغرور بأن ذلك لن يستفز أحدا وأن (الوضع مستتب لهم)! لكن ورغم رفض موقف الجماعة وقادتها لا ينبغي أن ننكر دور شباب الإخوان في تلك الثورة.. فهم شباب مصريون وطنيون ورائعون رفضوا الانصياع لأوامر المرشد واجبة الطاعة في عرفهم.. وشاركوا في الثورة بأحلامهم لمستقبل أفضل وشاركوا مع الآخرين بالدم حتى تنجح تلك الثورة، هؤلاء الشباب من حقهم أن يكونوا متدينينوهذا جق بديهي ولكن من حقهم ايضا الحلم (بتطهير الجماعة) من قادة لا يهمهم الوطن بقدر ما يهمهم دولة الجماعة! نفس هؤلاء الشباب حينما استجابوا لنداء الوطن وشاركوا في جمعة الغضب الثانية.. رغم أنف قادة الجماعة الذين حذروهم بل حذروا الشعب كله من المشاركة ورفعوا في وجهه سيف التكفير.. هؤلاء الشباب حنق عليهم القادة ففصلوا بعضهم من جنة الجماعة وأعلنوا أن الجماعة ليس لها ممثلون في الائتلاف الذي نظم تلك الجمعة! بدا ذلك (عينة) مما يمكن أن يفعلوه مع (المواطن) إذا كانت سلطة حكم البلاد في أيديهم! فتلك الجماعة كما أن مصطلح العدالة الإجتماعية (مكروه) في قاموسهم كذلك مصطلح الثورة لا يروقهم! لأن الثورة تعني أن هناك مطالب تطالب بها (جموع الشعب) وهم لا يريدون تحقيق مطالب تلك الجموع إنما يريدون تحقيق مطالبهم هم مطالب الجماعة ولو على حساب تلك الجموع!

** ما الخلاصة إذن من هذا الاستعراض لجزء من مسلسل (انكشاف الجماعة) وسقوط قناع تقواها أمام المجتمع؟ الخلاصة أن هناك الآن قوتين تسلبان حق الشعب المصري في التعبير عن رأيه وحقه في الاختيار وحقه في العدالة.. إحداهما قوة انتهازية كما هو معلوم من تاريخها ولا رجاء فيها هي قوة جماعة الإخوان والأخرى هي قوة المجلس العسكري.. وتلك الأخيرة قوة فيها الكثير من الرجاء رغم كل ما بدر منها! فإذا التمسنا للمجلس العذر في تخبطه في المرحلة الأولى فإننا وبعد جمعة الغضب الثانية.. نأمل منه أن يدرك أن هناك داخل حدود مصر شعب كامل عريق يعيش هنا وليس جماعة! وأنه مازال بيده استثمار حب الشعب للجيش من أجل صالح (عموم الشعب) والتراجع عن ميله الذي لا تخطئه عين لجماعة لا تمثل عموم الشعب المصري.. ونقترح عليه إعادة النظر في كل ما اتخذ من تدابير سابقة والاستماع إلى صوت الشعب.. صوت الشعب يا مجلس مازال يقول (الجيش والشعب إيد واحدة) وليس المجلس والجماعة إيد واحدة! أما تهديد الجماعة بأنها (لن تسمح بحرمانها من ثمرة الثورة) فهو تهديد نمر من ورق! الشعب ببساطة سيقف وراء من يحمي مصالحه وليس وراء من يحمي مصالح جماعته! والشعب يريد العدالة! يريد مساندتك يا مجلس ضد خصومه من الانتهازيين ومصاصي الدماء وليس تحالفك معهم!

** نقترح على المجلس إذن ومن واقع ما نسمع من (عموم الشعب) فك هذا الارتباط! والتعامل مع جماعة الإخوان باعتبارها إحدى القوى السياسية الموجودة في الشارع المصري، والإعلان عن تكوين جمعية تضم (كافة) القوى السياسية الصغيرة منها والكبيرة لوضع دستور جديد للبلاد.. تضم الجمعية ممثلين ليس عن القوى السياسية فقط ولكن عن النقابات والهيئات والاتحاداتوالأدباء والمثقفين والإعلاميين والمهنيين وحتى الأزهر والكنيسة.. ويرأسها كبار فقهاء الدستور الذين تشرف بهم بلادنا.. ويوضع دستور جديد أو تناقش الدساتير التي وضعت أصلا ولم يعرها النظام السابق أي اهتمام.. تناقش كل مادة فيه على حدة أمام الشعب وفي جميع وسائل الإعلام، ثم يطرح الدستور الجديد لاستفتاء عام بعد أن يهضمه جيدا الرأي العام بمختلف مستوياته الثقافية، تليه انتخابات برلمانية ثم رئاسية حسب القواعد التي أقرها الدستور الجديد.. وليس عيبا أن يتراجع المجلس فهذا هو الخضوع الحقيقي لإرادة الشعب.. إن كان هناك أصلا ثمة اكتراث بها..

الجماعة

** بهذا يستجيب المجلس لرغبات عموم الشعب بدون إقصاء لأي من قواه بما فيها الإخوان وغيرهم من التيارات الدينية والسياسية.. وتتحقق العدالة لهذا الشعب الذي مازال يتطلع بأمل إلى مجلسه الأعلى حتى وهو يكظم غيظه من استعلاءه المستفز..وكتمهيد لهذا التغيير في أسلوب المجلس عليه أن يتودد إلى الشعب بالسماح بتصوير جلسات المحاكمة لكل مجرمي النظام السابق بمن فيهم ال

مخلوع وأسرته.. مبارك ليس أغلى من الشعب المصري.. هذا فقط للتذكير..

** أما إذا استمر المجلس لا يرى إلا تلك على حساب الشعب المصري فإن المستقبل لا يبشر بخير.. فإما الشعب ينفذ صبره ويغضب غضبا أشد في الأيام المقبلة بسبب هذا الغياب العمدي للعدالة.. وإما توغل الجماعة في غيها وتطمع في المزيد فيفيق المجلس على عدم قدرته مسايرة اطماعها فتجد مصر نفسها أمام سيناريو قديم يتجدد ببلاهة! مع الفارق.. كان في يوليو 1954 رجل مثل عبد الناصر! وفي جميع الأحوال ستدفع مصر الثمن غاليا! فلماذا يا مجلس نعرض مصر وشبابها الرائع لهذا المصير؟ لديك مازال الوقت.. فاسمع للشعب.. وتذكر هتاف الشباب في ساحات المدن المصرية.. فهو رسالة إليك بأكثر منه هتاف في مظاهرة.. "لاسلفية ولا إخوان.. ثورتنا ثورة إنسان

الدستور الأصلى

Monday, May 09, 2011

زراعة الأمل

عشرات من المتابعين لمقالاتى يتساءلون: كيف هان عليك «ملف الزراعة» لتتركه وتهتم بملف «المصريون بالخارج»، ثم ملف «بنك الأفكار»؟..

وآخر المتسائلين كان المستشارة «نهى الزينى» التى سألتنى فى لقاء بالنادى الدبلوماسى: هل يا ترى «مقترحاتك» لقطاع الزراعة والتى بُحّ صوتك ووجعت قلوبنا بها قبل الثورة أصبح هناك من يهتم بها الآن؟!

والإجابة هى:

إننى لم أهمل أو أنسى «ملف الزراعة»، والدليل أننى منذ الأسبوع الأول لتولى د. أيمن أبوحديد، دخلت مبنى وزارة الزراعة بعد مقاطعة دامت أربع سنوات كنت خلالها متأكدا وواثقا من أن وزير الزراعة السابق مع «الواد بتاعه» سوف يحولانها إلى «وكر»، لخفافيش الظلام، وبالتالى لن يجدا وقتا للاهتمام بالزراعة، وهذا ما حدث بالضبط، وتم تدمير هذا القطاع عمدا، وهذا هو السبب الذى جعلنى أنتقدهم بعنف وأكشف ألاعيبهم خلال أربع سنوات، ودفعنى لتقديم بلاغ إلى مستشار التحقيق بوزارة العدل قبل تخلِّى الرئيس السابق بيومين، ولا أحد يدرى لماذا كل هذا التباطؤ المريب فى تقديمهم للمحاكمة رغم ثبوت الأدلة الموثقة؟.

ومع استبداله بوزير جديد مشهود له بالأمانة والفهم والجدية والتواضع.. ذهبت إليه بلا موعد وقدمت له «أربعة مقترحات» جادة، بعد أن اتفقت معه على أنه إذا وافق على أى اقتراح منها، فهو ملزم بتنفيذه:

الاقتراح الأول هو: الإفراج الفورى عن كل «الفلاحين المسجونين» بسبب عجزهم عن سداد مديونياتهم لبنك الائتمان الزراعى حتى «خمسين ألف جنيه» أصلاً للمديونية، واعتبار هذه المديونيات التى لن تزيد على ٣٠ مليون جنيه على مستوى الجمهورية ديوناً معدومة «كأن أحد صغار الحرامية سرقهم»، فالفلاح المصرى ظل مسروقا خلال٦٠ سنة!!،

ورفع الوزير سماعة التليفون على الأستاذ على شاكر، رئيس البنك، وطلب منه إعداد كشوف بأسماء كل المسجونين.. وفى مساء اليوم نفسه، اتصل بى الوزير ليؤكد أنه قد تم عمل اللازم، وبالأمس طلب منى أن أخبره بأى اسم مازال مسجونا على مستوى الجمهورية للإفراج عنه فوراً، «فمن لديه مسجون بهذا الشأن فعليه إبلاغ الوزير فوراً» أو إبلاغى!!

الاقتراح الثانى: أن تقوم وزارة الزراعة بالتعاقد مع مزارعى القمح الذين زرعوا بـ«تقاوى» الوزارة بشراء كامل المحصول وبسعر مميز حتى نتمكن فى الموسم المقبل من زراعة أكبر مساحة ممكنة «بتقاوى» منتقاة، وهذا يوفر لنا زيادة فى الإنتاجية ٨٠٠ كجم بالفدان × ٣ ملايين فدان = حوالى ٢.٥ مليون طن، وببناء صوامع للتخزين يمكننا توفير١.٥مليون طن = ٤ ملايين طن أى ٥٠% مما نستورده.. وبإعداد تقاوٍ جديدة «مميزة» بالتعاون مع د. زينب الديب وأبحاث عظماء الباحثين بمراكز البحوث نستطيع رفع إنتاجية الفدان من ١٨ إردباً إلى ٢٥ أردباً، أى بزيادة ٣ ملايين طن = ٧ ملايين طن.

وبما أننا نستورد ٩ ملايين طن.. فالباقى (٢) مليون طن يمكن لمجموعة «المصريون» بالسعودية الذين أسسوا أكبر شركة زراعية الشهر الماضى بمصر زراعتها فى ٦٠٠ ألف فدان، ونكتفى ذاتيا خلال عامين، وينتهى هذا الصداع، لنأكل من عرقنا، بعيدا عن الذل والمهانة، ونستبدل ثقافة الشحاتة بثقافة الكرامة!!

الاقتراح الثالث: ويخص «الثروة السمكية».. الفضيحة أُمّ جلاجل.. لبلد يمتلك ٣٥٠٠ كم شواطئ على «الأبيض والأحمر»، ولديه ٩ بحيرات، وثانى أطول نهر فى العالم، ومفيض بتوشكى، وأخوار بأسوان، وهيئة للثروة السمكية ومعهد البحوث السمكية، ومعهد بحوث علوم البحار، ومعهد بحوث علوم المصايد، وجيوش جرارة من الموظفين، والبوكسات الحكومية، والسيارات، والإدارات، والأقسام، ثم نستورد٢٠٠ ألف طن نفايات الأسماك من أوكرانيا وشرق آسيا.. لماذا؟

لأننا كسولون، مرتعشون، وتحكمنا لوائح بالية، وأسطولنا البحرى لا يصلح إلا «للولعة»، ومعاهد بحوثنا فى واد آخر، والدليل أن بحيرة السد العالى بدلا من أن تنتج الـ٢٠٠ ألف طن تنتج حاليا ١٦ ألف طن!!

[المغرب.. لديها٣٥٠٠ كم شواطئ أيضا، ولا تملك بحيرات أو نهراً أو حتى ترعة.. وتصدِّر سنويا بـ٢ مليار يورو أسماك معلبة، ومدخنه، ومملحة، ومطبوخة]!!

باختصار: إن المطلوب للثروة السمكية المصرية الآن هو: ٢٥٠ مليون جنيه + رقابة على الصيد الجائر + تفعيل دور بحوثنا + تدريب للعمالة المطلوبة لنكتفى نهائيا ونتمكن فى عامين من التصدير، واستبدال وجبة الفول والطعمية بأسماك مشوية ومقلية، ويمكننا إرسال معونات سمكية مجانية لكل دول حوض النيل.. وبدأت بالإعداد لورشة عمل مع الوزير والمسؤولين لهذا الغرض، ووعدنى العميد مهندس سعيد طه، المسؤول عن المفارخ، بأنه سيضع بالبحيرة ٤٠ مليون زريعة خلال أربع شهور من الآن.. ثم ننتقل إلى تغذية النهر والترع والبحيرات بالزريعة ليعود خير زمان لكل المصريين!!

الاقتراح الرابع: زراعة ١٠٠ مليون شتلة زيتون بسيناء، [كما فعلت سوريا وزرعت ٩٠ مليون شتلة فى عامين] لتصبح سيناء «مخزن زيت الزيتون للعالم»، مع أصناف نخيل عالية الجودة بعيدا عن الزغلول والسمانى، للطلب العالمى على عسل التمور .. وابتسم الوزير متسائلا: ومن أين سنأتى بالتمويل؟

قلت لدى الحل: للحصول على التمويل المطلوب لتحقيق كل هذه الاقتراحات - وهى تقريبا ٦٠٠ مليون جنيه - طلبت من الوزير أن يتصل برئيس هيئة التعمير اللواء إبراهيم العجمى لإخراج كل العقود المحبوسة فى الأدراج وتسليمها إلى كل مزارعى الصحراء لأقل من مائة فدان والذين أثبتوا الجدية، ووافقوا على السعر الذى حددته اللجنة العليا، وكل ملفات من احترموا القانون ولم يخالفوه.. وبهذا يمكن تحصيل ٣ مليارات جنيه فى شهرين تكفى لتحقيق كل هذه المقترحات، لنكتفى ذاتيا، وساعتها نقول:

«ارفع راسك فوق.. إنت مصرى» لأننا نضحك على أنفسنا عندما نردد هذا الشعار صباحا، وفى المساء «نشحت»، «ونتسول»، ونمد أيدينا.. ونحن قادرون على أن نصبح أحرارا بحق وحقيقى.

د.محمود عمارة - المصرى اليوم

french_group@hotmail.com


Thursday, April 28, 2011

ما بعد الثورة

تعانى مصرنا من عدة مشكلات كبرى من أخطرها مشكلة الانفجار السكانى واكتظاظ القرى فى الريف والأحياء الشعبية والعشوائيات السكنية فى المدن والأقاليم، هذه المشكلة المتفاقمة نتجت بسبب فشل السياسات التى انتهجتها حكومات النظام البائد..

وقد أدى هذا الانفجار السكانى الذى نعيش فيه اليوم إلى تدهور الناتج القومى للأراضى الزراعية ونهر النيل بفروعه والبحيرات الشمالية وبحيرة قارون.. وفى ظل الإهمال والتسيب وتغييب القانون تلوثت المجارى المائية والأراضى الزراعية بالإسراف فى استخدام المبيدات المسموح به منها والمحرم، وتآكلت الأراضى الزراعية الخصبة، وضاق المكان بالبشر، وانعدمت قدرة الطاقة الاستيعابية للطرق والممرات والكبارى، وتزايدت أعداد العناصر البشرية فاقدة التأهيل والإعداد الحرفى والتعليمى، وتحولت إلى تجمعات بشرية تمثل أعباء على المجتمع والدولة. فى هذا الوسط الاجتماعى تتربى مفارخ للصراعات الطائفية والعشائرية والعائلية.

ما العمل؟

لقد وصل بنا الحال إلى أن الكيلومتر المربع يعيش عليه ألف شخص! ومازالت ٩٦٪ من مساحة البلاد أرضاً صحراوية خالية.. لقد أصيبت مصر بما يمكن أن نطلق عليه «خراب الحياة»، ويمكننا أن نرى مظاهر هذا الخراب فى العاصمة نفسها وفى ضواحيها والعشوائيات التى تحاصرها، ويمكن أن نراه فى «الريف المصرى» الذى كان رائعاً فى جماله وصفائه...

عندما نعود لنقرأ من وقت لآخر فى «شخصية مصر» ونسمع جمال حمدان يتكلم عن «اللاند سكيب» المصرى ندرك أن مصر على مدى تاريخها الطويل لم تشوه ولم تقبح بهذا الشكل أبداً.

كل هذا القبح وتشوه المنظر وتلاشى مظاهر الجمال من الحياة ينعكس على نفسية الإنسان ويؤثر تأثيراً سلبياً فى السلوك وفى العلاقات الاجتماعية وأحياناً يصيب الإنسان بمرض الغربة فى الوطن...

لكن: من قلب هذا القبح والطحن اليومى المتواصل للإنسان تنفجر الثورة وينبثق شعاع من الجمال، فنرى الشباب ينطلقون يجملون الميادين والشوارع...

نعم اليوم ينفتح الأفق أمامنا لنرى من جديد أحلامنا المجهضة، فها هى مصر الجديدة تفيق وتصحو لتنادى أبناءها من كل حدب وصوب، ليقدموا إليها إبداعاتهم وجهودهم المخلصة وأهمها المشروعات النهضوية الكبرى! مشروع ممر التنمية لصاحبه العالم فاروق الباز يعرض الآن ويناقش مع رئيس الوزراء...

وعندما يذكر ممر التنمية يجدر بنا أن نُذكر بمشروع الدكتور رشدى سعيد «دلتا جديدة لمصر» الذى أعلنه فى مارس من عام ١٩٩٦ على ما أذكر.. هذه المشروعات التنموية الكبرى تغير وجه الحياة فى مصر كلها: وادى النيل والدلتا والصحراء.

مشروع الدكتور رشدى سعيد يطهر الدلتا بأرضها وجوها وأنهارها وكل المجارى المائية فيها، ويخلصها من التلوث ويكسبها أرضاً خصبة لمصر لا تقارن فى عطائها وكفاءتها بأى أرض حديثة الاستصلاح، هذه الأرض التى صنعها النيل على مدى عشرة آلاف سنة.. تتآكل الآن ويفقدها الاقتصاد القومى «قبل حوالى ٤٥ ألف فدان اختفت تحت الأسمنت المسلح فى أيام الثورة».

إذا استمر الحال على ما هو عليه فإنه بعد ١٨٣ سنة سوف تغطى جميع الأراضى الزراعية بالأسمنت! أى خطر يحدق بنا؟ لماذا لم يستمعوا إلى جمال حمدان حين قال ونصح: «الطين للزراعة والرمل للعمران»؟

ولماذا لم يأخذوا بما بحثه رشدى سعيد وحذر منه طيلة أربعين سنة ثم جمعه ونشره فى كتابه القيِّم: «الحقيقة والوهم فى الواقع المصرى»، يخطط رشدى سعيد لنقل المصانع إلى الصحراء، ويقول إن ٨٠٪ من هذه المصانع تحتاج لعمليات إحلال وتجديد وبدلاً من تجديدها وهى فى الدلتا تنقل إلى الصحراء حول حقول الغاز، وسوف تنشأ عندها مدن صغيرة وتجمعات سكنية بالخدمات والمرافق التعليمية والصحية، تجذب إليها ملايين العاملين وأسرهم من الوادى المتفجر بالسكان.

هذه المشروعات الكبرى سوف تستوعب بداخلها العديد من المشروعات المتوسطة والصغيرة، وتستوعب الخبرات العلمية المصرية المعطلة التى لا تجد آذاناً صاغية ولا فرصاً مواتية لتطبيق ابتكاراتها فى أرض الواقع العملى...

فى هذا المشروع الكبير يمكن لعشرات الابتكارات والمخترعات أن ترى النور.. والأيام التى نعيشها الآن تدعونا للتفاؤل وتبعث فينا الأمل والنظر إلى المستقبل فنقول: «إنه عند تمام هذه المشروعات سوف يتغير وجه مصر جغرافياً وبيئياً وسوف تنشأ علاقات اجتماعية جديدة وإيقاع حياة يختلف عما نحن فيه الآن.. أى نمط حياة أفضل كثيراً.. نحمد الله أن رشدى سعيد عاش معنا ليرى الثورة وها هى مصر الثورة تناديه ليعيد طرح مشروعه الحضارى العظيم.. إن أجل تقدير للعلماء هو تطبيق نظرياتهم على أرض الواقع فى أوطانهم.. لقد جاء الوقت لتعويض ما فات من خسارة وحانت ساعة العمل البناء.

عبدالعزيز مخيون - المصرى اليوم

makhyoun@hotmail.com



Wednesday, April 27, 2011

دولة المواطنة: اقتسام الثروة العامة للبلاد

تقول الخبرة الإنسانية إنه بقدر ما يتقدم المجتمع فى بلورة وحدات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا، كلما تطور المجتمع فى تناوله للقضايا التى تشغله. فكلما كانت الوحدات الاقتصادية والاجتماعية متخلفة، من حيث طبيعة ملكيتها وإدارتها ونوعية ما تتعامل فيه، كان يوصف هذا النمط من المجتمعات بأنه ما قبل حديث، ومن ثم تبقى أولوياته واهتماماته ونوعية قضاياه بعيدة كل البعد عن الأولويات والقضايا الحقيقية.

(١)

وقبل أن يقول قائل إن هذه هى التجربة الأوروبية، ونحن غير ملزمين بها. أقول لذا أجدنى قد صدرت المقال بعبارة «الخبرة الإنسانية». فالقارئ لتجارب متنوعة لمجتمعات مختلفة السياقات الثقافية ومتنوعة التطور مثل: الهند والبرازيل وتشيلى وماليزيا وجنوب أفريقيا وتركيا، سوف يجد كيف أن التطور الاقتصادى والاجتماعى القائم على اقتصاد إنتاجى مُركب قد نقل هذه المجتمعات إلى مصاف المجتمعات المتقدمة. كما يمكن القول كيف أن هذه المجتمعات قد استطاعت أن تؤسس لدولة المواطنة بحق.

(٢)

فبالإضافة إلى العدالة الشاملة - ليس القانونية فقط وإنما السياسية / المدنية، والاقتصادية / الاجتماعية - والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع دون تمييز لأى سبب من الأسباب، وهما من الركائز الأساسية لدولة المواطنة - كما أشرنا الأسبوعين الماضيين - نجد هذه المجتمعات تسعى فى إطار استهداف تحقيق مبدأ المواطنة عمليا إلى ضمان تأمين:

اقتسام الموارد العامة للبلاد بين كل المواطنين.

(٣)

كان العدل الاجتماعى يأتى على قائمة الأجندة الوطنية للمجتمعات سالفة الذكر. ولتحقيق العدل لابد من البدء بمواجهة الفقر وتوفير شبكة أمان اجتماعى وتأمين الرعاية الصحية والتعليم وتوفير الخدمات الأساسية وإتاحة فرص عادلة بين الجميع. وكان المدخل لذلك هو التوزيع العادل للثروة الوطنية بين جميع المواطنين، فى إطار اقتصاد إنتاجى مركب، انطلاقا من أن الشعب شريك فى عوائد التصدير، خاصة الثروات الطبيعية الرئيسية.

(٤)

بالطبع، لا نقصد بالتوزيع العادل للثروة الطبيعية أن يتم بشكل مباشر، وإنما فى إطار سياسات اجتماعية متعددة المستويات وعالية الجودة، بحيث يشعر بها المواطن فى حياته اليومية. وتترجم عمليا للمواطن البسيط بأنه صار شريكا بالفعل فى الثروة العامة للوطن الذى يعيش فيه.. شريكاً فى ثروة تضمن له أن تتحول أحياء الصفيح ـ فى البرازيل وتشيلى مثلا ـ إلى مواقع سكانية متطورة ونظيفة، بها المدرسة المتقدمة والنادى الرياضى المجهز جيدا والمركز الصحى ذات المستوى المقبول. كما يمكن للهند أن تتيح لمواطنيها فى كل البقاع مواقع للتواصل مع الكمبيوتر والإنترنت بأسعار رمزية، أو تدعم مشروعات تنموية للفقراء قاعديا فى ماليزيا بشكل مدمج فى هيكل الاقتصاد.

(٥)

لقد قبلنا على مدى عقود بالوصفة النيوليبرالية، التى تقوم على الخصخصة واقتصاد السوق فى مجالات تتسم بالريعية واقتصاد غير حديث. فرّطنا فى قاعدة اقتصادية ضخمة بدلا من تطويرها. وقلنا إن المستقبل فى السياحة، وكانت مناهج التعليم تسوق لذلك. وبدلا من أن نتبنى الصناعة والزراعة المميكنة والتكنولوجيا وتوطينها، بالإضافة إلى السياحة، وجدنا أنفسنا نعتمد على اقتصاد ريعى وبالكثير على صناعات تخلصت منها المجتمعات المتقدمة، لأنها تسبب التلوث مثل السيراميك. وعلى اقتصاد «تسقيع الأراضى» والتوكيلات... إلخ. وكلها نشاطات تدفع إلى أن تحتكر القلة الثروة الخاصة والعامة، فلا يصبح هناك أى مجال للحديث عن الشراكة فى الثروة العامة للبلاد، وأن يحتكر أفراد منح الأراضى والثروة العقارية، وأن يحتكر أفراد الثروة النفطية بالشكل الذى نكتشفه كل يوم.

(٦)

إن أى حديث عن المستقبل لن يستقيم إلا إذا طرقنا هذه النوعية من الموضوعات. أدرك أن طبيعة التطور لم تزل تحصر خلافاتنا فى الإطار الثقافى دون غيره.. عن دينية الدولة أم مدنيتها. وربما هناك من يريد لنا أن ننشغل بهذه النوعية من الموضوعات فلا نتحدث عما هو حقيقى، لأنه يخل بكثير من المصالح القائمة، لكن النهضة تبدأ بالتحرر من الوضع الاجتماعى والاقتصادى المهين، ومن الحديث عن العدالة الشاملة، ومن كيفية تحقيق التكافؤ والمساواة، وكيف يمكن أن يكون الوطن ملكا للجميع ينعمون بثرواته.. بذلك تتحقق دولة المواطنة

سمير مرقس - المصرى اليوم

Monday, April 18, 2011

قبل ما تقع الفاس × الراس



صحيح أنه بعد حبس الرئيس ومشاركيه، وبعد إزاحة الحزب الوطنى لم يعد هناك مبرر لمظاهرات مليونية جديدة، بل أصبح واجبا ولزاما علينا أن نخرج من التحرير إلى التعمير.. وصحيح أننى واحد من كثيرين مستعجلين على بناء «مصر الجديدة» تفاديا لمشاكل اقتصادية رهيبة أراها قادمة بسرعة الصاروخ..، وصحيح أيضا أننا فى أمّس الحاجة للبدء فى مشروع قومى يعيد لنا الثقة فى الحاضر، والأمل فى المستقبل..، ولكن الصحيح أيضا أننا أخطأنا كثيراً فى الماضى عندما تسرعنا بالدخول فى مشروعات كبيرة لم نطرحها على المجتمع فى حوار مفتوح يشارك فيه المتخصصون والخبراء والعلماء..

والنتيجة أن هذه المشروعات مثل «توشكى» و«أبوطرطور» وغيرهما، التهمت المليارات، وأضاعت علينا فرصا بديلة.. واكتشفنا بعد فوات الأوان أنها كانت «للبروباجندا» السياسية.

وبالأمس فاجأنا العالم المصرى المحترم «د. فاروق الباز» بأن مشروع المفاعل النووى «بالضبعة» هو مشروع خاطئ، ودراسته مشكوك فيها، ومكانه لا يصلح، وأنه ليس إلا قراراً سياسياً.. وعلى ذكر اسم دكتورنا «فاروق الباز».. وبما أننى سبق أن كتبت عن مشروعه «ممر التنمية والتعمير»، وكنت من مؤيديه، وألححت على البدء فيه..

لكن اليوم وصلتنى «دراسات معمقة ومستفيضة»، مصحوبة بخرائط طبوغرافية، وجيولوجية، وصور بالأقمار الصناعية ودراسة جدوى لمشروع آخر مماثل، ولكن أكثر اتساعا، ويضرب عدة عصافير بحجر واحد.. وهذا المشروع مقدم من د. إبراهيم كامل غير إبراهيم كامل بتاع موقعة الجمل.. أرسلها لى أحد الباحثين المعجبين بهذا المشروع طالبا منى النشر والتوضيح، لتوسيع دائرة الحوار.. باعتبار أن كلا المشروعين يتحدث عن تعمير الصحراء، واستيعاب الملايين القادمة التى لن تجد لها مأوى أو مأكل أو حتى مدفن!!

وحتى نقارن بين المشروعين وقبل أن نقع فى أخطاء مكلفة لا يتحملها اقتصادنا الهش.. وبحسب الدراسة والصور المرسلة لى فقد اتضح أن هذا المشروع المتكامل يسبق مشروع الدكتور الباز، وسبق طرحه على الرئيس عبدالناصر، وناقشه السادات، وتجاهله مبارك.. واليوم نضعه أمام رئيس الحكومة، والمجلس العسكرى، وأمام المتخصصين ليقارنوا بينهما.. وها هى المقارنة كما وردتنى:

أولاً: مشروع الباز يعتمد على أنبوب مياه منصرف وممتد من بحيرة ناصر إلى العلمين، وبطول١٢٠٠ كيلومتر، يستخدم للشرب واحتياجات الإنسان الشخصية.. أما «الزراعة» فتنشأ بالمناطق المحتمل بها مياه جوفية، والواقعة بجوار هذا الأنبوب.. (ولا توجد أى صور لأقمار صناعية تثبت أين توجد هذه المياه الجوفية غير المالحة، وبأى كمية)!!

أما المشروع الثانى فهو يعتمد على تغيير نظام الرى بالغمر بالأراضى القديمة لتحويله للرى بالرشح والتنقيط، لتوفير عشرين مليار متر مكعب تضخ فى أنابيب لاستخدامها فى زراعة المناطق الصحراوية التى لا توجد بها مياه جوفية عذبة أو متجددة.

مثال عملى: سيبدأ المشروع من أسوان بتعديل الرى فى المائة ألف فدان القديمة التى يستهلك الفدان الواحد فيها حوالى ٧٥٠٠ متر مكعب ليستهلك ٢٥٠٠ متر فقط.. وبالتالى يتم توفير مياه تكفى لزراعة ٣٠٠ ألف فدان جديدة.. والممول لهذا المشروع هو دولة «اليابان» (يوجد بالدراسة خطاب موافقة من حكومة اليابان).. ومصلحة اليابانيين هى أن يزرعوا فول صويا وغيره فى مائة ألف فدان من الثلاثمائة ألف فدان الجديدة.. أى أننا لن ندفع مليما فى أول تطبيق لهذه «الفكرة»، ونستفيد مرتين:

الأولى: استصلاح واستزراع٢٠٠ ألف فدان إضافية جديدة للمصريين.. والثانية: تعديل نظام الرى فى المائة ألف فدان القديمة على حسابهم..، وهكذا نبدأ من أسوان إلى العلمين.. وهذا اختلاف جوهرى بين ممر الباز، الذى يعتمد على «الصدفة» فى وجود مياه جوفية شرق الأنبوب، ومشروع إبراهيم كامل الذى يستحق مناقشته بجدية فى أنه يعتمد على تغيير الرى بالغمر إلى رى بالتنقيط ليوفر العشرين مليار متر مكعب بجانب المياه الجوفية!!

ثانياً: الطمى.. طمى النيل المتراكم ببحيرة ناصر لا يدخل فى حسابات ممر التنمية..، ولكن المشروع الثانى يشمل استخراجه من البحيرة للاستفادة به فى تحسين استهلاك المياه بالأراضى القاحلة، وتخصيب هذه المساحات الرملية، وتقوية مناعة النباتات.

ثالثاً: الطاقة الكهرومائية.. «الممر» مستهلك للطاقة.. أما «المشروع الثانى» فهو يستغل منسوب الشبكة الجديدة للمياه + ١٩٠ متراً فوق البحر هبوطا إلى الوادى والمنخفضات الصحراوية لإنتاج طاقة كهرومائية شبه مجانية!!

رابعاً: «الممر».. يستهدف توليد عائد غير مباشر من التوسع العقارى «حسب العرض والطلب.. والعائد الزراعى يتوقف على وجود مياه جوفية صالحة وكافية بالمناطق التى يمر بها».. أما «المشروع الثانى» فيعتمد على المياه العذبة والمؤكدة التى يتم توفيرها بجانب ما يوجد من مياه جوفية يستطيع بهما التحكم فى إقامة مزارع عملاقة، وإنتاج حيوانى وداجنى وسمكى، وصناعات غذائية، والمدهش أنه يمكّننا من زراعة عشرين مليون فدان جديدة، مستخدمين الطمى فيها.. تكفى لسد احتياجاتنا الغذائية وتشغيل٨٠ مليون مواطن جدد فى الزراعة والتصنيع والخدمات والتصدير.

خامساً: التمويل.. «اليابان» ستمول أول باكورة فى المشروع لزراعة الـ٣٠٠ ألف فدان الجديدة بأسوان، وتمويل شبكات ومضخات وأنابيب المياه ونقل الطمى و.. و..، وبنجاح التجربة فى أسوان يتم نقلها إلى المناطق المجاورة لكل محافظة بظهيرها الصحراوى، وبها يمكننا الحصول على تمويل كاف وبشروط ميسرة جدا من المؤسسات العالمية، أو بمشاركة المصريين بالخارج والداخل.. أما «الممر» فيعتمد فقط على شركة مساهمة مصرية يشارك فيها الشعب من جنيه إلى مليون، ولكن دون عائد لمدة عشر سنوات قد تمتد إلى ١٥سنة.. فمن سيصبر كل هذه السنين بلا عائد؟

هذه بعض النقاط الواردة بالمشروع الثانى للمقارنة بينهما.. والأمثل هو:

مناقشة المشروعين.. وبالتأكيد هناك مميزات وعيوب فى كليهما.. والمطلوب هو فتح باب الحوار على أعلى مستوى للوصول إلى ما هو أفضل، وأمثل، وأفيد لبناء «مصرنا الجديدة»، وقبل أن تقع الفاس فى الراس.. ونقول ياريت اللى جرى ما كان!!

ملاحظات مهمة:

١- جاءنا من د. ممدوح حمزة أنه معترض تماما على «ممر التعمير»، ولديه ما يقوله، ويقدم لنا مشروعا ثالثاً مختلفاً عن المشروعين السابقين.. والمهم ألا نتوه بين الثلاثة.. ولهذا من الضرورى دراسة هذه المبادرات الثلاث لاختيار ما ينفعنا منها، منفردة أو مجتمعة، على أن يتم التنفيذ بحد أقصى ٩٠ يوما من الآن.

٢- أهم حصاد هذا الأسبوع «لبنك الأفكار»:

مشروع سياحى مدروس الجدوى من المهندس عمرو جودت، خلاصته تطوير كامل لترعة المنصورية والتى تبدأ من شارع البحر الأعظم لعمل رحلات نهرية على الطراز الفرعونى لنقل السائحين حتى نزلة السمان أمام الصوت والضوء وأبوالهول، ثم استكمال الرحلات بالجمال والحناطير إلى الهضبة تحت سفح الهرم.

٣- عنوان المراسلة لمن لديه اقتراح يرغب فى إيداعه البنك هو:

www.ideas.cabinet.gov.egوwww.innovate.cabinet.gov،egوwww.afkar.cabinet.gov.eg

french_group@hotmail.com

د.محمود عمارة - المصرى اليوم

Sunday, April 17, 2011

صناع الفساد والعقد الاجتماعى الجديد

منذ ظهور «التاكسى» الأبيض الذى ساوى بينى وبين سائقى التاكسيات فى الحقوق والواجبات.. قررت أن أقلع تماما عن عادة قيادة السيارات.. وأصبحت من هواة ركوب «التاكسى الأبيض» حيث الدردشة مع السائقين متعة.. إذ تلمس بكلتا يديك نبض المواطن.. وليلة إلقاء القبض على جمال وعلاء مبارك.. والتحفظ على مبارك فى مستشفى شرم الشيخ.. وبدء التحقيق مع سوزان مبارك أمام إدارة الكسب غير المشروع.. فى هذه الليلة ركبت مع «سائق أبيض» واستمعنا معا إلى نشرة أخبار التاسعة.. وإذا به يقول لى:

«حد كان يصدق إن ولاد الريس يتقبض عليهم ويباتوا فى ليمان طرة.. ومبارك نفسه يتحبس ويتحقق معاه هو ومراته».. ثم نظر ناحيتى يتفحصنى بنظرة ذات مغزى، خوفا من أن أكون من فلول الحزب الوطنى.. أو لصوص المال العام.. أو أبطال موقعة الجمل..

ثم قال لى: «دنيا ملهاش أمان يا بيه.. والزمن غدار، بس الناس ما بتتعظش.. بالك أنت بكرة لما يعملوا رئيس جديد يقعد شوية أيام كده يعامل ضميره ويشتغل بما يرضى الله.. وبعد شوية الكرسى بيغير وتلاقيه قلب على الشعب.. وإيده تطول على فلوس البلد.. ويتلموا عليه الحاشية والنصابين ويطلع فى الآخر حرامى ويمشى بفضيحة وزفة».

تأملت حديث السائق الأبيض.. وتذكرت نص سعدالله ونوس المسرحى الرائع «الملك هو الملك».. ورحت أسأل نفسى:

- هل كان لابد أن تراق كل هذه الدماء.. حتى يستيقظ ضمير حسنى مبارك ليتنحى.. أو يحاصر بكل هذا الغضب والسخط ليجبر على ترك مقعد الرئاسة؟

- هل كان لابد من مرور ثلاثين عاما من الذل والهوان، ونهب المال العام، وتجريف ثروات مصر حتى يسقط نظام حسنى مبارك.. ثلاثون عاما لم يشبع خلالها كل رجال الرئيس والرئيس وعائلته؟

كيف لا يرى الحاكم إلا نفسه.. ولا يستمع إلا لبطانته.. ولا يستجيب إلا لنزوات النفس الأمارة بالسوء؟

لا شك أنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يحسون.. فإن أبصروا لا يرون الحقيقة.. وإن سمعوا فلا يستمعون إلا لشياطينهم.. وإن أحسوا لا يشعرون بظلمهم الواقع على العباد.. فهم بلا بصيرة.. والبصر غير البصيرة.. فلو كانت لديهم بصيرة نافذة لما وصلوا وأوصلونا إلى ما نحن فيه الآن..

ماذا فعلت لهم المليارات التى سلبوها.. جاء عسكرى مصرى غلبان وجردهم من كل متعلقاتهم الشخصية وهو يدفعهم داخل الزنازين.. ماذا فعلت لهم القصور والفيلات عندما أغلقت على كل منهم زنزانة مساحتها متر ونصف المتر فى مترين.. كيف صور لهم غرورهم وجبروتهم أن هذا الملك باق.. إن كنوز العالم كلها لا تساوى الآن لحظة ذل ومهانة مما يتعرضون له.. والآن هل يحاسبون أنفسهم ويشعرون بالندم على ما اقترفوه من جرائم جسيمة وخطايا لا تغتفر فى حق الشعب المصرى وفى حق مصر.. أم أن جبروت الغرور مازال يركبهم غير مصدقين أن ما يحدث هو الحقيقة بعينها.. أم أنهم يظنون أنه مجرد كابوس بشع سيزول بمجرد أن يستيقظوا من النوم.. ألم يدركوا أن العالم قد تغير..

وإذا عجزت الشعوب المغلوبة على أمرها عن الثورة صارت هناك قوى عظمى تستقوى بها الشعوب على حكامها الظالمين.. وأن هذه القوى هى نفسها التى كان هؤلاء الحكام ينسحقون أمامها، ويقدمون لها فروض الولاء والطاعة على حساب كرامة وعزة شعوبهم.. ثم تأتى اللحظة التى يصبح فيها هؤلاء الحكام منتهى الصلاحية.. وتبدأ هذه القوى العظمى فى بيعهم والبحث عن طرق مبتكرة للتخلص منهم.. إنها دروس فى التاريخ تتكرر دائما بأشكال وسيناريوهات مختلفة..

ولكن الحكام لا يتعظون أبدا على مر العصور.. إنهم مصابون بمرض لعين اسمه جنون العظمة.. ولا أمان لأى حاكم مهما خلصت نيته لبلاده وشعبه.. ولا ضمان للشعوب إلا الديمقراطية الحقيقية والدستور الذى يتحول إلى عقد اجتماعى بين الحاكم والمحكوم، يحدد شكل العلاقة بين الطرفين.. عقد يؤكد للحاكم أنه جاء بأمر تكليف من الشعب لصيانة حقوقه وحماية أراضيه..

عقد يحدد الخطوط الفاصلة بين الحقوق والواجبات.. ويفصل بين مصالح الحاكم الخاصة ومصالح المواطن والوطن العليا.. لأننا ونحن نبحث بين الوجوه المرشحة لرئاسة مصر عن رئيس جديد علينا أولا أن نضع دستورا حقيقيا للبلاد، ونصيغ عقدا اجتماعيا بيننا وبين الحاكم تحدد فيه كل الأمور بوضوح شديد، ويطبع من هذا العقد أصل و٩٠ مليون صورة، وتسلم للحاكم صورة ولكل مواطن صورة، ويتم إيداع الأصل فى المحكمة الدستورية العليا، ويكتب فيه شرطا أساسى ينص على: «أن أى إخلال بأى بند من بنود هذا العقد من جانب الحاكم أو المحكوم يصبح هذا العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون الرجوع للطرف الثانى، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء»..

لأنه لا أمان لأى حاكم مهما بلغت نزاهته، فهناك دائما صناع الفساد ومفسدو الحاكم، الذين يلتفون حوله ويضعونه فى علبة من الحرير شديدة النعومة ويحيطونه بكل مباهج الدنيا.. ويصنعون منه نصف نبى ونصف إله.. فيحجبون عنه حقيقة كل شىء، ويصبح هو كالخاتم فى أصبعهم يصنعون به ما يشاءون.. إنهم صناع الفساد.. فلا يهم من سيكون رئيس مصر غدا، ولكن المهم كتابة العقد الاجتماعى الملزم للطرفين الحاكم والمحكوم وعلى الوسطاء (صناع الفاسد) أن يمتنعوا.. فلا نريد طرفا ثالثا فى هذا العقد حتى وإن كان زوجة رئيس الجمهورية أو أبناءه أو بطانته.. فالعقد شريعة المتعاقدين والسماسرة يمتنعون

محمد بغدادى - المصرى اليوم

إسكندريلا.. روح الثورة


عندما جلسوا أمامى فى الاستوديو، وبدأ كل منهم يطلق العنان لأحلامه ولإبداعه، بدأت أصدق أن ثورة حقيقية انطلقت من ضفاف النيل. فرقة من شباب مصر انبعثت فيها جينات سيد درويش وفؤاد حداد وصلاح جاهين والشيخ إمام وعبده داغر وغيرهم من هؤلاء العظماء الذين قالوا «لا» فى وجه من قالوا «نعم» عندما كان ثمن قولة الحق أفدح كثيراً مما نعرفه الآن.

بذور ثورة 25 يناير؟ أزعم ذلك. وإلا فكيف يمكن أن نفسر تغلغل كلماتهم وأوتارهم وأصواتهم فى شرايين شباب اليوم؟ وكيف يمكن أن نفسر ذوبان ميدان التحرير وانفعاله اللاإرادى كلما غنى شباب إسكندريلا بينهم هذه الكلمات التى كتبت قبل نحو قرن؟.. «عاديك على اللى اداتلو الدنيا إيشى وبقالو شركة وبتاعة، تشوفنا إحنا تقول حنفية وتشوفه هو تقول بلاعة».. يزيد انفعال ميدان التحرير مع هذه الكلمات فيصير جزءاً لا يتجزأ من عملية الإبداع فينطلق فى حنجرة واحدة صائحاً بين المقاطع: «بفلوسنا.. بفلوسنا..». ثم يزيد عليها بخفة الدم المصرية الشهيرة: «.. كنتاكى.. كنتاكى».

بكل ما فيه من روعة ومن جمال ومن سلطنة، ليس هذا طرباً من أجل الطرب. بل إنه طرب يكشف النقاب عن كوكبة من القيم التى ظننا أنها إما تاهت وسط الزحام أو قُتلت مع سبق الإصرار والترصد. هكذا يدرك الشعب، بفطرته، أنه هبة الوطن وصانعه فى الوقت نفسه. يدرك أن ثمة فارقاً شاسعاً بين مصر وحكام مصر. يدرك تلك الأكذوبة الفاجرة التى سلطوها سيفاً على رقابنا كى يظن الناس أن من يقف فى طريقهم يقف فى طريق مصر. هذا هو الإرهاب الحقيقى السافر السافل الذى أرادوا لنا أن ننحنى تحت وطأته عقوداً طويلة. غير أن عيدان الذرة لا تنحنى كلها مرة واحدة مهما اشتدت قسوة الريح. وحتى إذا فعلت فسرعان ما تنبثق الأرض مرة أخرى عن بذور طازجة تحمل فى أنسجتها خريطة الجينات التى أبداً لا تموت.

كأن مصر فى هذه الأيام، منذ الخامس والعشرين من يناير، فى سباق مع الزمن تريد أن تثبت لنفسها أولاً، وللآخرين فى الداخل وفى الخارج ثانياً، أنها ليست «قذرة» مثلما كان يراد لها أن تدرك حين تنظر فى المرآة كل صباح. كأنها تستفيق فجأة فتدرك أنه لم يكن يراد لها، عمداً مع سبق الإصرار والترصد، أن تطرح أفضل ما فيها وأروع ما فيها وأنقى ما فيها. كأنها تغلى، تفور، تموج، تهدر، تتزلزل، تتبركن، تنوء تحت الصليب والهلال حافيةً عاريةً فى لحظة الصعود الحاد على طريق الآلام والأشواك فى ارتفاعها إلى لحظة من التطهر قادمة لا محالة. هى مطمئنة فى لحظات القلق والتوتر، فلماذا أنتم قلقون متوترون فى لحظات الاطمئنان؟ اتركوها تغلى إن كنتم معها أو لم تكونوا، يا ويل من يقترب من قطة فى لحظة المخاض.

السؤال الآن: كيف استطاع نظام أن يكتم هذا الإبداع كله فى النفس، وهذا الجمال كله فى الروح، بينما نحاسبه الآن على مجرد حفنة من الدولارات؟ هذه هى التهمة الحقيقية التى نضعها اليوم بين يدى النائب العام.

يسرى فودة - مصراوى

Thursday, April 14, 2011

خبير دولي: لا يمكن لمصر أن تستعيد قوتها إلا إذا أصبحت علمانية


أكد الدكتور ياسين العيوطى أستاذ القانون الدولي بجامعة ''فوردام'' الأمريكية بنيويورك والخبير الدولي أنه لا يمكن لمصر أن تستعيد قوتها الإقليمية والدولية إلا بأن تكون ''دولة علمانية''.

جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها العيوطى خلال اللقاء الذى نظمه المجلس المصري للشئون الخارجية الليلة الماضية تحت عنوان "أصداءالثورات العربية على الولايات المتحدة الأمريكية".

وقال العيوطى الذى يزور مصر حاليا - إن مصر عندما تتحرر تتحول إلى العربة التي تجر قطار التغيير العربي.

وعن رأيه كخبير للقانون الدولي في كيفية استرداد أموال الشعب المصري التي تم تهريبها للخارج. قال إن هذه الأموال سيتم استردادها بلا شك لأنها موجودة في بنوك بالخارج.

وأضاف العيوطى الذى يشغل أيضا منصب رئيس المنظمة العالمية للتدريب القانوني والقضائي "سنسجلو" بنيويورك - أن الثورات ليس لها مواعيد ولكن لها مسببات وليس للثورات برامج محددة ولكن لها أهدافا هامة، مشيرا إلى أن الثورات عبارة عن مزيج من الأمل والعمل وخليط مما هو معروف وما هو غير معروف.

وأوضح أننا نعيش الآن "ربيع التحرر" بفضل الثورات العربية التي انطلقت من تونس ثم اشتعل فتيلها في مصر فليبيا واليمن والبحرين ثم الأردن وسوريا، مشيرا إلى القلق الأمريكي من هذا "الربيع" إذ أن واشنطن لم تعتاد على العروبة التي تطالب بالحرية وفى نفس الوقت لا تدرى تأثير هذه الثورات على مصالحها وخاصة فيما يتعلق بإسرائيل وإيران.

ولفت إلى أن الصورة بالنسبة لمستقبل العلاقات الأمريكية العربية لا تزال "متأرجحة" إذ أنه من المستحيل أن تضع الإدارة الأمريكية حاليا سياسة واسعة خاصة بالشرق الأوسط وشمال افريقيا.

وبالنسبة للتحركات الدبلوماسية الجارية لإعادة العلاقات المصرية - الإيرانية، قال العيوطى: "إن إقامة هذه الروابط "أمر هام" وتساءل "كيف نسمح للعلم الإسرائيلي أن يرفرف في القاهرة ولا نسمح للعلم الإيراني بذلك؟"، مشيرا إلى أن مصر بحاجة إلى خلق "أحلاف هادفة".

وفيما يتعلق بتوقعاته بالنسبة للثورة الليبية في ضوء الأوضاع الصعبة التي يعانى منها الشعب الليبي. أكد العيوطى أن الثورة الليبية ستنجح، موضحا أن الأوضاع التي شهدتها ولا تزال مدينة مصراته الليبية لم تحدث حتى تحت الحكم النازي، ولفت إلى أن "فشل الثورة الليبية" سيمثل خطرا على مصر.

مصراوى


Sunday, March 27, 2011

نحو تيار مصرى جديد

مازالت الغالبية العظمى من المصريين لا تجد نفسها بين الأيديولوجيات المختلفة ولا تتحمس للاندماج فى التيارات الأساسية الموجودة فى فضاء العمل العام، مازالت الملايين تبحث عن الانتماء والارتباط بما يلبى احتياجاتها ويتلاءم مع أولوياتها النفسية والعقلية.

عجزت التيارات الأساسية أن تقدم للسواد الأعظم من المصريين برامجها وأفكارها، فما بين تيار يتضاءل عدده باستمرار- حتى وصل للعشرات- من كثرة انشقاقاته الداخلية وراديكالية خطابه، إلى تيار آخر نخبوى يستعلى على الناس ويحدثهم من أبراج عاجية بخطاب لا يقدر قيمهم ويصر على الانسلاخ من الهوية، بينما تيار ثالث يعيش فى صفحات التاريخ ويتغنى بأمجاده، وتيار رابع مازال عاجزا عن التعاطى مع الواقع وقراءته بشكل صحيح، فحبس نفسه بين اجتهادات السابقين، وأهدر كثيرا من الطاقات والموارد التى لم تتح لغيره.

ينظر كثير من المصريين إلى هذه التيارات نظرات التشكك والخوف والقلق، وتمضى أحلامهم تسبح فى بحر الأمانى لتبحث عن تيار جديد يجدون فيه أنفسهم وأحلامهم وأمانيهم لهذا الوطن، يبحثون عن تيار يتصالح مع الدين ويقدسه ولكنه يربأ به عن النزول لساحة التوظيف السياسى وتغييب عقول البسطاء لتفضيل خيارات معينة، تيار يحترم قيم المجتمع ويحافظ على الهوية ولكنه يتطور باستمرار ويستجيب لفقه الحاجات والأولويات.

تيار لا يرفع شعارات فضفاضة بلا مضمون، بل يخرج من كل مضمون لديه شعارات تعبر عن وضوح رؤية وعزم حقيقى على الإنجاز، تيار يحافظ على وحدته ويقدم نموذجا للعمل الجماعى والترابط الداخلى، تيار يقوم على الأفكار والمبادئ لا الأشخاص، يعلى قيمة العمل المشترك ولا يصر على إقصاء أى طرف مخالف، يقر قيمة الاختلاف ويحترم الرأى الآخر ولا يعرف لغة التخوين والمزايدة على المخالفين فى الرؤى والتوجهات.

تيار يجعل مصلحة الوطن هى قيمته العليا ويؤخر أى مصلحة حزبية أو أيديولوجية، لأن الوطن فوق الجميع، تيار يتسق مع أفكاره ومبادئه فلا يتلون ولا يبدل جلده من أجل مصالح ومكاسب لحظية ولكنه يتحلى بالمرونة الكافية للتفاعل مع الأحداث ويقدم نموذجا مختلفا للفعل السياسى القائم على أسس أخلاقية لا تعرف الكذب أو الغش أو الافتراء.

تيار يقترب من الناس ويعرف همومهم ويتفاعل معها، تيار يؤمن بقيمة الإنسان وأنه محور النهضة، لا يزدرى البسطاء ولا يركز على النخب، فملح الأرض عنده له نفس الأهمية التى يعطيها للنخب والطبقات العليا.

تيار يتفهم المصالح المشروعة للأغنياء والمخاوف الواقعية للفقراء، فيوازن بين هذا وذاك، فلا يشطط بل يعدل فى الرؤى والاهتمام وحفظ المصالح، تيار لا يعادى أى طبقة اجتماعية، ولا يحرض الطبقات على بعضها ليكسب بالكراهية ويفكك السلم الاجتماعى.

تيار يملك الجرأة والشجاعة للاعتراف بالأخطاء، فلا يدافع عنها ولا يبررها بل يسعى لتقويمها ويرحب بالنقد البناء ويراه من أهم وسائل التطوير وتحسين الأداء.

تيار يخرج من بين الناس ويشق الطريق من أسفل إلى أعلى، تيار يفرز الرموز والقيادات ويصنعها وليس تياراً تصنعه الرموز، قوته فى جلاء أفكاره ووضوحها ونقاء مقاصده وسلامتها، تيار يعمل للوطن ويواجه كل التحديات ويمضى فى طريقه لتحقيق النهضة، ويدرك أن النهضة لا تأتى من عمل مجتزأ فى مسار واحد، بل يرى ضرورة تكامل المسارات وتلاقيها، فهو يناضل من أجل الوصول للتحول الديمقراطى الكامل ونشر الوعى السياسى، وفى الوقت نفسه تتحرك مؤسساته الاجتماعية للتنمية بالثقافة والفنون ومساعدة المجتمع فى الارتقاء الحضارى، وهو كذلك يتبنى الخطاب الدينى المجتمعى المستنير وينشر أفكاره وقيمه ولا ينسى الجانب الاقتصادى الذى صار عصب الحياة، فيتحرك المتخصصون فيه لوضع البرامج الواقعية القابلة للتنفيذ لتلبية احتياجات الناس وتفهم همومهم ومشاكلهم اليومية الحياتية.

تيار لا يستبدل دور الدولة ولكنه يهيئ هذا الوطن للنهضة ويخرج من أعماقه رجال دولة يستطيعون أن يحققوا النقلة النوعية فى أسلوب الإدارة، تيار يقدم للمجتمع رموزا من شبابه تشكل نخبا جديدة طال انتظارها، نخباً جاءت من بين الناس لتبقى بين الناس، نخباً تقدس قيمة العمل الجماعى وتصر على المنهجية وتتحلى بإنكار الذات.

سيرانا البعض حالمين ولكن جيلنا يفخر بأنه يملك القدرة على الحلم ولكنه حلم يتبعه أمل وعمل، وكما كانت ثورة ٢٥ يناير حلما حلمنا به وتحقق، فإن هذا التيار أيضا حلم بدأ فى التكون وتتضافر لبنائه الجهود والأيادى، وعهدنا لمصر أن نحقق لها حلمها ونكمل خطواتنا التى بدأناها مع أعظم ثورة شعبية فى التاريخ الإنسانى.

إن الفرق بين جيلنا وغيره من الأجيال أننا نؤمن بأنفسنا ونؤمن بقدراتنا وأننا نصدق أحلامنا ونقاتل لنجعلها حقيقة، فلينتظر الوطن منا ما هو أروع، وإن غداً لناظره قريب

د. مصطفى النجار - المصرى اليوم

Friday, March 18, 2011

أكبر من مجرد «فستان

هذا الذى حدث بالضبط، ذهبت «شادية» إلى هذا المحل بالصدفة. فى العادة لا تذهب أبدا إلى تلك الأماكن، توكيل إحدى الماركات العالمية المُتخصصة فى أزياء النساء، لا تستطيع حتى أن تنطق اسمه، الأسعار تبدأ فى خانة الآلاف، لم تكن لدى شادية تطلعات طبقية حتى هذا الوقت، على العكس اشتهرت بين صديقاتها بأنها ترتدى الملابس البسيطة العملية، لا تكترث بالمال والمظاهر ولا تحاول ادعاء شىء، وهل ثمة دليل أقوى من أنها فضلت ممدوح على صلاح!، صلاح الذى تقطعت أنفاس بنات الدفعة عليه، بهندامه الأنيق وسيارته الفاخرة وثراء أسرته المعروف، لا أحد يدرى لماذا تعلّق بـ«شادية» بالذات؟ ربما لأنها أهملته!، وربما الكيمياء الغامضة التى لا ندرى عنها أى شىء. أثار احترامها له أنه دخل البيت مباشرة، لكنها لم تتردد فى الرفض.

صديقاتها كدن يقتلنها، أمها كادت تُصاب بالفالج، ممدوح الذى لا يملك إلا قوت يومه، ويأكل من اليد إلى الفم مباشرة، تفضله على صلاح!.

وكانت الإجابة «نعم»، إنها تحبه فعلا، يفهمها وتفهمه، ينتميان إلى عالم واحد، يبنيان عشهما الصغير معا، هى بطبيعتها لا تكترث بالمال، قانعة بحالها، وتعرف كيف تستمتع بأبسط الأشياء، تعرف كيف تجد سعادتها فى مطر منهمر، فى لحظة حزن شتائية، فى فنجان قهوة يفوح عبيره، فى خبز مغموس بالمحبة، فى ضحكة صادرة من القلب، فى موعد ولقاء.

تزوجته فى حفل بسيط، كادت تطير من الفرح رغم تواضع العُرس، أمها كانت تجتهد فى رسم ابتسامتها لكن كان واضحا أنها تفكر فى صلاح.

عاشا معا فى سعادة رغم الميزانية المحدودة، التى لا تكفل إلا شراء الضروريات، وفجأة تقاضت من عملها بضع مئات من الجنيهات، قررت أن تشترى بها فستانا من المحال التى تعرفها، لولا أن صديقتها قد أخبرتها- عرضا- بأن أحد التوكيلات العالمية يعرض بعض الثياب بتخفيضات مُذْهلة، لم تعبأ بالأمر فى حينه، لكنها اختزنت المعلومة التى طفت على السطح حين وجدت نفسها- بالمصادفة- هناك.

فليكن، ابتسمت فى مرح وكأنها مقبلة على مغامرة، دلفت من الباب الزجاجى فأحست بأنها تنتقل إلى عالم آخر، عالم من الهدوء والعطور والعناية بأدق التفاصيل، شعرت بعدم الارتياح لكنها استجمعت شجاعتها، ودلفت إلى الداخل، راحت تتأمل الثياب مبهورة، أنيقة رقيقة ناعمة رائعة تنتمى إلى عالم من البذخ والرخاء، عالم ربما ألمَّ صلاح بطرف منه، لكنه غريب عنها وعن ممدوح.

كانت توشك أن تنسحب حين شاهدت بطاقة تشير إلى خصم كبير، اصطدمت عيناها بالرقم فتوقفت، عادت تتأمل الرقم فى حيرة، أول رقم فى المحل كله يقع فى خانة المئات، أمسكت الفستان بأناملها فى رفق، وكأنها تخشى أن تخدشه، أذهلتها روعته، خامته الرقيقة، ألوانه الهادئة، خطوطه الراقية، أزراره البديعة، عنايته بأدق التفاصيل، لم يكن مجرد فستان، وإنما تحفة، عادت تنظر إلى السعر المسجل بالبطاقة، بالتأكيد هناك خطأ، مستحيل أن تُباع هذه التحفة بعدة مئات من الجنيهات.

اقتربت منها فتاة أنيقة تعمل بالمحل، أشارت إلى الفستان وتساءلت عن الثمن، فردت فى شبه دهشة: إنه الرقم المسجل على البطاقة، أبدت دهشتها من سعره، فأخبرتها البائعة بأنه القطعة الأخيرة من مقاس نحيف نوعا ما، غير معتاد فى أجساد المصريات.

وضعته على جسدها، إنه مقاسها بالضبط، اختطفته فى لهفة وكأنها تخشى أن تغير البائعة رأيها، ارتجفت أناملها وهى تعد النقود، خرجت من المحل، وقد تغير شىء فى داخلها إلى الأبد.

سارت فى الطريق المزدحم بالبشر، وأفكارها تزدحم فى رأسها، يشبه الأمر ثغرة أطلّت منها على عالم مسحور لم يكن يخطر من قبل على بالها، الآن تفهم لماذا يسرق اللصوص! الآن تفهم لماذا يتكالبون على المناصب المهمة! الآن تفهم لماذا يبيع الناس ضمائرهم! من أجل عالم من الترف، يرمز إليه هذا الفستان.

فتحت الكيس الأنيق، ونظرت إلى الفستان فى انبهار، ثم نظرت إلى حذائها فى امتعاض، مستحيل أن ينسجم هذا الفستان مع هذا الحذاء، ستنتظر بضعة شهور أخرى حتى تستطيع شراء حذاء لائق به، تحتاج أيضا حقيبة يد فاخرة بدلا من تلك المصيبة التى تحملها، نظرت فى ازدراء إلى حقيبتها، ولأول مرة تشعر بالحنق على ممدوح.

كانت تسير فى الطريق ذاهلة عن الطريق، هل ترتدى هذا الفستان فى بيتها الضيق البسيط؟ قالت: «لا» بصوت مرتفع، فنظر إليها أحد المارين فى دهشة، ولكنها لم تنتبه، هذا الفستان مصنوع حتما من أجل أن تخطو به صاحبته فى القصور، ولأول مرة تشعر بالضيق وهى تقترب من المنزل، تذكرت غرفه الضيقة فأحست بالاختناق، أخرجت طرف الفستان تتحسسه، وراحت تتذكر غرف البيت غرفة غرفة، ولأول مرة منذ زواجها تفكر فى صلاح!.

لم تنتبه شادية إلى أنها تكلم نفسها، إلا حين ابتسم صبى كان يمر جوارها، وسمعت تعليقا ساخرا من صديقه المراهق، انتبهت لنفسها فجأة، وكأنها أفاقت من نوم عميق، حقا لقد فاجأها ضعفها الذى لم تكن تتوقعه، وجدت نفسها أمام البيت مباشرة، المنزل ببوابته الكئيبة وسلالمه الضيقة، ورائحة الطعام التى تضايقها عند المدخل، كلها حقائق اختارتها بنفسها لأن معها الحب!، الحب الذى يجمّل الأشياء ويضفى عليها لمسة سحرية! ممدوح الذى فعل المستحيل كى يقترن بها، ضمّاته، قبلاته، دفئه، حنانه، قلبه الكبير، كل هذا توشك أن تضيق به من أجل فستان حقير.

نظرت إلى الفستان فى مقت، وكأنه شيطان يوشك أن يسرق روحها، وبسرعة اتخذت قرارها، تلفتت حولها فى حذر، حتى اطمأنت أن أحدا لا يراها، ثم رمت الفستان بجوار الحائط وكأنه جمرة فى يدها، ثم راحت تصعد السلالم فى سرعة وهى تشعر بأنها تخلصت من عبء كبير.

د. أيمن الجندى - المصرى اليوم

aymanguindy@yahoo.com

Thursday, March 03, 2011

د.عصام شرف:مسئولية السلطة أصلا تحقيق رغبات الناس ولازم المسئول يحترم مشاعرهم

نشر موقع الدستور الأصلي حوارا أجريناه مع د. عصام شرف وزير النقل الأسبق في بدايات العام الماضي، واليوم نعيد نشره من جديد بعد أن أصبح د. عصام شرف رئيسا للوزراء

لم يجر حوارًا صحفيًا منذ خمس سنوات تقريبًا. وتحديدًا منذ خروجه من وزارة النقل في ديسمبر 2005. ارتضي الترحال خارج مصر. آثر العزلة والعمل والبحث العلمي علي الحياة العامة والظهور في وسائل الإعلام: «والله فعلا، أنا ما بحبش أظهر علي صفحات الجرائد، والتليفزيونات، لو مفيش عندي جديد أقوله وأقدمه». قال إن أصدقاءه يتهمونه بأنه متفائل زيادة عن اللزوم، لكننا لم نلحظ كثيرا هذه السمة عليه، برر ذلك بأنه «زعلان من اللي بيحصل في البلد، الشروخ الصغيرة تركت لتتحول لحفر كبيرة، ودي حاجة تزعل طبعا، بس صدقني أنا رغم كل ده متفائل ببكرة».!

الدكتور عصام شرف، وزير النقل الأسبق، وأستاذ الطرق المعروف دوليا بأكثر من 160 بحثا منشورا في الدوريات العلمية العالمية والإقليمية، اختص «الدستور الأصلي» بأول حوار شامل يجريه مع صحيفة مصرية منذ سنوات عديدة. تحدث معنا عن أزمات النقل، والتخطيط، والحكومة، والتنمية، وحركة التغيير ونقابة المهندسين، والاكتئاب، والمستقبل، وأمور أخري في نص هذا الحوار.

> بداية، لماذا لا تحب الظهور في وسائل الإعلام والصحف، وبمعني أدق لماذا أنت نادر الظهور؟.

- لا مش كده بالضبط، بس أنا يعني، والله فعلا، أنا ما بحبش أظهر علي صفحات الجرائد، والتليفزيونات إلا إذا كان الظهور ده له معني، يعني لو مفيش عندي جديد أقوله وأقدمه، ها أظهر ليه؟. وأنا عندي أنشطة تانية بعملها، أنشطة علمية واجتماعية، أنا بصراحة مش غاوي أعرض نفسي، أفضل العمل أكثر من الظهور في وسائل الإعلام، وقبل ما أتولي الوزارة في يوليو 2004 كنت أظهر في وسائل إعلام كثيرة لأنه كان فيه مبرر للظهور، لكن أظهر لمجرد إني أظهر، لأ طبعا.

> وهل لخروجك غير المتوقع من وزارة النقل سبب في هذا العزلة عن وسائل الإعلام؟

- والله أبدا، صدقني، خروجي من الوزارة خلاص مرحلة وعدت، كان لي دور وأديته، وتخصصي الأصلي هو أنني أستاذ جامعة، وأنا قلت لك إني ما بحبش الظهور كثيرا في وسائل الإعلام، وفترة عملي كوزير للنقل كانت فترة كويسة في رأيي، كانت نقلة من تحقيق مجد شخصي إلي تحقيق مجد للوطن، وخد بالك إن المنصب بيكون عبء لو شعر المسئول إنه مش قادر يعمل حاجة للناس الغلابة، حكاية التوازن بين مسئوليات المنصب، وحل مشاكل الناس الغلابة دي مسألة مهمة جدا، ودي حكاية مرهقة جدا لأي وزير بيحط الناس في اعتباره.

> وهل بصراحة كنت قادرًا علي تحقيق هذه المعادلة عندما كنت وزيرا للنقل، هل كنت تشعر بأن لديك استقلالية في أداء عملك بعيدا عن بيروقراطية تنفيذ التوجيهات اللي جايه من فوق؟.

- الحقيقة أن الواحد بيكون مرتبط بخطة عامة للدولة، ولازم تلتزم بها، يعني حتي لو اختلف لاعب الكرة مع المدرب، ما ينفعش يشوط الكورة في جونه، لازم يحترم الإرادة الجماعية، وبعدين أنا خرجت وأنا راضي عن نفسي. لكن أقدر أقولك إن الارتباط بالتوجيهات بيقلل من قدرة الوزير علي المبادرة والاستقلالية، بتؤثر سلبيا، يعني اللي انت ممكن تشوفه كمسئول صح، بيتشاف علي إنه مش صح في الدائرة الأوسع للحكومة.

> وإلي أي مدي أثر هذا بالسلب علي أدائك في فترة توليك منصب وزير النقل؟.

- أنا كان اهتمامي عموما بكل ما هو عام، محور اهتمامي كان النقل العام اللي بيهم القطاع الأكبر من الناس، كنت مهتمًا بمشروعات مترو الأنفاق، وربط المدن الكبيرة مثل القاهرة والإسكندرية بـ «المونوريل»، أقصد المترو المعلق المستخدم في بعض الدول، وكنت مهتمًا أكثر بتطوير السكك الحديدية لتكون خدمة مريحة لجموع الناس، وأنا كنت باشوف أن تحسين الخدمات العامة فرصة جيدة للحكومة لإثبات حسن النوايا تجاه الشعب، وفيه حاجات قدرت أعملها، وفيه حاجات بدأت فيها زي الخط الثالث للمترو، وكان ممكن الأمور تكون أسرع في التنفيذ لكن ما حصلش للأسف.!

> ولماذا المشروعات الأخري لم تستكمل؟ وهل لهذا علاقة بأن خطط ومشاريع النقل في مصر في واد، ورغبات الناس في واد آخر؟.

- والله أنا ،....، أنا بازعل جدا، ولازم المسئول يحترم مشاعر الناس، ومسئولية السلطة أصلا تحقيق رغبات جموع الناس، للأسف فيه حالة قصور بين المسئولين والناس، مفيش جسر يربط بين الاثنين، في الحقيقة هناك مناخ ثقافي واقتصادي وسياسي واجتماعي يمنع هذا التواصل، هناك فجوة كبيرة فعلا بين بعض المسئولين والشارع، وهذا يخلق الصورة الذهنية السيئة عنهم، ومشاريع النقل بدأت في الفترة تهتم بمسألة التخطيط، وأتوقع أن يحدث تغير إيجابي.

> هل تعتقد أن هناك تطورًا إيجابيًا حدث في مشاريع وخطط النقل منذ أن تركت الوزارة قبل خمس سنوات؟

- أعتقد أن هناك تقدمًا حدث، لكنه ليس علي المستوي المرجو طبعا، لأنه للأسف النظرة للنقل في مصر خاطئة، ولازم تتغير، النقل ليس معناه حل مشاكل النقل، النقل أحد المحاور الرئيسية للتنمية في أي بلد، وانظر لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لابد من تربيط مناطق التنمية ببعضها البعض، مفيش تنمية حقيقية من غير وسائط نقل مرنة ومتقدمة، النقل مهم لربط مناطق الإنتاج بموانئ التصدير، توصيل المنتج للمستهلك يتم عبر شبكات النقل، وهو مهم جدا سياحيا، فلسفة النقل أعمق بكثير مما نتصور، مشكلتنا في مصر أننا بنهتم في ملف النقل فقط بحل المشاكل اليومية الصغيرة دون التخطيط لما هو أبعد، وبالطبع راحة مستخدمي النقل مهمة جدا، ولها أولوية قصوي.

> في مصر لا نري هذا ولا ذاك، بمعني أننا لا نري لا فلسفة نقل سليمة، ولا حتي حلاً للمشاكل اليومية للناس.. لماذا؟

- إذا كانت هناك نية، هيكون فيه حل لكل المشاكل، للأسف عند تنفيذ خطط النقل في مصر بيحصل تراخ، ولدينا مشكلة كبيرة في ضعف تمويل الموازنة العامة لمشاريع النقل، وأعتقد أن فلسفة النقل مش واضحة لدي المسئولين، اللي مش واضح كمان إن شبكات النقل بكل أنواعها سبب أساسي في تقدم الأمم الكبيرة، بيحصل عندنا تطور شوية، لكنه لا يتلاءم مع مكانة مصر أبدا، لا بد أن يعود الدور الأهم للتخطيط في النقل كمحور من محاور التنمية، لابد من الاتجاه إلي سيناء والصعيد بطرق ووسائل نقل، هذا سيشجع الهجرة إلي هذه المناطق، بل ستحدث هجرة عكسية كالتي حدثت في قنا، دي مسائل في غاية الأهمية. لازم يكون فيه اهتمام بتخطيط النقل لصنع المستقبل، لازم تتوافر للتخطيط كل الإمكانات المادية، لازم يكون فيه مناخ ملائم للتخطيط.

>
وهل التخطيط وحده حل لأزمات النقل في مصر؟.

- لأ طبعا، التنفيذ مهم جدا، وللأسف التنفيذ في مصر يعتمد علي المركزية في التخطيط والتنفيذ، والمفروض أنه يكون التخطيط مركزي وأن يكون التنفيذ لا مركزي، لأنه بيحصل خلل في التنفيذ، وأيضا لأن لكل إقليم طبيعة مختلفة عن الآخر، وهذا يعيق نجاح أمور أخري في السياسات العامة.

> كيف تقرأ مجموعة كوارث القطارات والطرق التي وقعت في مصر في الفترة الأخيرة؟.

- أولا أنا مش موافق أبدا علي استقالة أو إقالة الوزير السابق محمد منصور؛ لأن الراجل ترك منصبه علشان مسئولية سياسية، ده بيحصل في أمريكا واليابان، هناك فعلا مسئولية سياسية لكن يقابلها مناخ سياسي واقتصادي واجتماعي جيد، اخلق لي مناخ مثل اليابان وأمريكا، وبعدها حاسب الوزير، المشكلة إن الوزير عندنا بيتحمل مسئوليات سياسية فوق مسئولياته المهنية، الوزير منصور كان ماشي كويس، وكان لازم تكون فيه مساندة له، وهذا المناخ السييء يؤثرعليِّ أنا شخصيا.

> ومن الذي خلق هذا المناخ السييء؟

- الدولة، السلطة مشاركة في هذا، ودائما أقول لتلاميذي إنه لو فيه شرخ ظهر في مكان وتم إهماله، الشرخ هيكبر، ويبقي حفرة كبيرة، وهيكلف مئات الآلاف من الجنيهات لإصلاحه، رغم إن إصلاحه في الأول ما كانش هيكلف خمسين قرشا، الشرخ كبر فعلا، وهناك بعض الجهود تبذل لإصلاح الفجوات لكن دائما هناك أصحاب مصالح في كل دائرة من دوائر الدولة، وكما أن هناك رجال أعمال يستاهلوا الذبح، فيه رجال أعمال وطنيين يستحقوا إننا نعملهم تماثيل.

> لكن لماذا نجد دائما التفوق لأصحاب المصالح علي الجهود المبذولة التي تتحدث عنها؟.

- بصراحة لأن فيه فجوة كبيرة ما بين الحكومة والناس، هناك فجوة لأنه لا يوجد مشروع قومي يربط الناس مع السلطة، ويجعلهم يرضون عن أدائها، ساعات بيصعب علي بعض الوزراء اللي بيقوموا بأعمال ليس لها مردود شعبي؛ وهم فعلا عارفين إن مفيش ثقة من الناس تجاههم، الحقيقة، لازم يكون للوزير نظرة للناس، لأن الوزراء كلهم هم أعضاء مجلس إدارة أملاك الشعب، هناك حالة عداء حقيقية بين الناس والحكومة، ودي محتاجة خبراء علم نفس واجتماع سياسي ومثقفين يحللوها.

> وهل هذا يؤرقك؟

- أنا أعتقد أنه تنتابني في بعض الأحيان حالة قلق علي حال الوطن ومستقبله، يعني لو نظرت للأحداث الطائفية الأخيرة في نجع حمادي، لازم تزعل لأنك هتجد أن هناك فجوة كبيرة بين الناس والحكومة فعلا. وهذا يجعل الناس محبطة ومكتئبة ومستعدة للانفجار في كل وقت.

> كيف تقيم هذه الحادثة الخطيرة؟.

- أشعر مع هذه الحادثة أن الوطن تفتت لأوطان صغيرة، وطينات، وكل وطن صغير له جيشه، ومريديه ومقاتليه، ودول مستعدين في أي لحظة للفتك بشعوب الأوطان الصغيرة التانية، نحن في حالة تفتيت. وأحداث نجع حمادي هي مجرد انعكاس لحقيقة أن الفجوة زادت، والشروخ تحولت إلي حفر، الشرخ بدأ مع أحداث الزاوية الحمراء عام 1972، زاد الشرخ، ولم يلتفت أحد، الكشح كان شرخًا، ونجع حمادي حفرة كبيرة. تحولت لحفرة في نجع حمادي وغيرها، هناك إغفال من جانب السلطة لقضية المواطنة. أكاد أشعر أن هناك تفهمًا واضحًا الآن من جانب المسئولين لهذه القضية، وده لازم يحصل، حتي لا نتعرض مثلا لتدخلات من الخارج، والزبائن كثيرون.!

>
حوادث القطارات وحوادث الطرق التهمت في السنوات الأخيرة آلاف الضحايا، لماذا تقف الحكومة مكتوفة الأيدي؟.

- لازم ننظر للموضوع من جميع جوانبه. هناك مناخ سياسي واقتصادي يعيق إحداث الحل، التخطيط موجود، لكن هناك حلقة غائبة، هي التنفيذ والرقابة، هل لدينا في مصر أب شرعي لحوادث الطرق؟. لا. مفيش، لازم يكون فيه هيئة لسلامة النقل تتكون من ممثلي وزارات الصحة والنقل، والتعليم، والداخلية، والإعلام. ولازم يكون فيه تخطيط مشترك، أنا أعلم أنه يمكن تخفيض حوادث الطرق، القضية الأصلية ليست الحوادث، دي انعكاس وعرض لقضية أكبر وأخطر هي التخطيط وإدارة أصول النقل.

> إذن ما الحل؟.

- كما قلت لك هناك خلل يحدث في التنفيذ والرقابة، وللأسف التخطيط في النقل مركزي، والتنفيذ مركزي، وهذا يحدث الخلل في النتائج، والمفروض العكس، وهذا يحتاج لإرادة سياسية، يعني أنت شوف الفاقد الاقتصادي في حوادث الطرق يصل لـ 2 مليار دولار سنويا، وفي بعض التقديرات يصل لــ 16 مليار دولار مخصومة من إجمالي الناتج القومي، ومعني هذا أن أي خطة للحد من هذه الحوادث يمكن أن توفر لنا علي الأقل عائدًا اقتصاديًا يقدر بــ 6 مليار دولار سنويا، ولا تنس أن أرواح المواطنين لا تقدر لا بالمليارات ولا بأي ثمن.

> وماذا عن نقابة المهندسين: ألا تري أنك تورطت عندما قبلت منصب رئيس لجنة التسيير في مواجهة حراسة ودولة تكمم كل النقابات المهنية؟.

- بالعكس، أنا استفدت كثيرا، قابلت الجميع، حكومة وحراسة، ومهندسين من كل التيارات، والناس بدأت تتوافق علي أهمية رفع الحراسة، نحن نعد لمرحلة ما بعد الحراسة، نحن نعد المناخ لتنمية موارد النقابة وإجراء الانتخابات، وانا اتكلمت مع الدكتور نصر علام، وزير الري عن هذا الأمر، وأنا لو شعرت أن فيه مماطلة من الدولة هانزل الشارع واقعد مع المهندسين.

> لننتقل لأمر آخر ذي صلة، كيف تقرأ مشهد التغيير في مصر؟

- أتابع مثل الآخرين ما يحدث في البلد، وأكون سعيدا عندما أتابع حركة احتجاجية هنا أوهناك ترفع مطالبًا وحقوقًا، هذا أمر إيجابي جدا، للحكومة والمحتجين، وهذا منطق طبيعي للتعبير عن الرأي، والحكومة يجب أن تستفيد من هذه الاعتصامات والإضرابات العمالية والاجتماعية في تعديل قراراتها لتكون أكثر ارتباطا بالناس، والاحتجاجات هذه تكشف عن أن هناك ضغطًا شعبيًا من أسفل؛ لأن الفجوة زادت بين الطبقات، بين الفقراء والأغنياء، الناس تخرج لتحتج لأن شعورها بالظلم فاق قدرتها علي التحمل.

> وإلي أي مرحلة تطور وصلت حركة التغيير برأيك؟

- لا أظن أن حركة التغيير في بداياتها، أعتقد أنها ناضجة بقدر كبير، ما أراه من احتجاجات جيد لأنه يعبر عن كبت الناس، والمشاكل الحادة التي يعانون منها، لكن ينقصها عنصر التنظيم، تحتاج إلي شغل أكثر من جانب النخبة السياسية للوصول للناس، وأنا أفضل أن أجلس مع الناس ثلاث دقائق بإخلاص عن الجلوس معهم وأنا أمثل عليهم، الناس هتكشفك علي طول، و المصريون أذكياء جدا، هيمثلوا عليك فورا، لكن الجسور بينها وبين المسئولين مقطوعة. هناك فجوة كبيرة فعلا. والحل هو إحساس الحكومة بهموم الناس، وعدالة التوزيع، والمهم أن تقدم الخدمة للناس بأسلوب راق لأن الشعب المصري متحضر، ومش مهم تقدم له كتير.!

> وكيف يمكن أن يحدث هذا؟

- لازم يكون فيه مشروع قومي يربط الناس بالوطن، لا يمكن أن يحدث تقدم في مصر إلا إذا شارك الناس فيه، والناس مستعدة للمشاركة، الشعب المصري من أذكي شعوب الأرض ومش سلبي أبدا،، وأعتقد أن بُعد مصر الآن عن دورها الريادي سوف يعود، لكنه لن يعود إذا لم يشارك الناس في صنعه.

> لماذا يبدو من كلامك أنك مكتئب أو مش مبسوط؟

- )يبتسم شرف، ويتردد في الإجابة)، ليس اكتئابا ولا حاجة، ممكن تقول إني بعاني من اكتئاب وطني، اكتئاب علي حال الناس والبلد، لما تكون في مكان يؤهلك لأن تعرف أن البلد ده كبير وشعبه عظيم، وبعدين تشوف حال الناس كده، لازم تزعل وتكتئب، الناس تستاهل أفضل من كده، الشروخ كبيرة، والحفر عميقة، ومحدش واخد باله، أنت عارف أنا متهم بالتفاؤل، أصدقائي بيتهموني بده، وأنا مع كل هذا متفائل لأن مصر بلد كبير، بس محتاجين إرادة سياسية للتغيير وسد الفجوات، وبناء جسور مع الناس. أنا أتألم من أجل وطني، وهذا يسبب لي سعادة كبيرة في معظم الأحيان.

> مصر داخلة في عامين مثقلين بقضايا عديدة، انتخابات برلمانية ورئاسية، ومخاوف سياسية وحقوقية من تصاعد انتهاكات السلطة للحريات، ما رأيك؟

- أشعر أن السلطة وصلت لدرجة من الإحساس والوعي بخطورة الموقف في مصر، هناك تفاوت رهيب بين الطبقات، والناس تعاني فعلا، وأعتقد أنه لازم تحصل استجابات من السلطة لمطالب الناس، هناك حالة حراك في الشارع، وأنصح الحكومة بأن تستجيب، وأعتقد أن هناك مساحة كبيرة لحرية التعبير، لكن الناس محتاجة لحرية التغيير، حرية التغيير مهمة جدًا، وإلا هنفضل في المربع صفر دون تحرك. لازم يكون فيه تخطيط استراتيجي، لازم الدولة تهتم بصنع المستقبل، مفيش مستقبل هيهبط علينا من السما، فيه بلاد كانت خرابات حقيقية بعد الحرب، مثل الهند واليابان، وماليزيا، وبدأوا بعدنا بمراحل، ونهضت مجتمعاتهم واقتصادياتهم، واحنا لسه مستغرقين في مشاكلنا اليومية، التخطيط لصنع المستقبل هو الحل الوحيد للبلد دي، وأنا واثق أنه سيحدث

رضوان آدم - الدستور الأصلى