Showing posts with label ضد التعصب. Show all posts
Showing posts with label ضد التعصب. Show all posts

Saturday, October 08, 2011

استفزاز أم ابتزاز؟!


هل يعرف السلفيون الذين أحرقوا كنيسة «المريناب» من هو المهندس الذى بنى جامع أحمد بن طولون.. أجمل تحفة معمارية إسلامية؟ إنه المهندس القبطى سعيد بن كاتب الفرغانى الذى طلب منها بن طولون أن يبنى مسجداً يبقى ويظل شامخاً ولو أحرقت مصر أو أغرقت!! هل قرأ السلفيون عن أبى منصور وأبى مشكور اللذين صمما وبنيا قلعة صلاح الدين؟
إنهما مهندسان قبطيان، هل سمع هؤلاء الذين دمروا وخربوا عن السيل العظيم الذى صدع الكعبة قديماً وأعاد بناءها نجارون وبناءون أقباط؟! وبفضل مهارة الأقباط فى صناعة النسيج كانوا هم أفضل من ينسج كسوة الكعبة المهداة للسعودية من مصر أرض الفن الرفيع الذى صنعه مسلمون وأقباط، ويا ليت هؤلاء الكارهين الحارقين المخربين يعرفون ويفقهون أصل كلمة «قباطى»، هل لم يصلهم كتاب البلاذرى عن فتوح البلدان الذى ذكر فيه أن الوليد استعان بأقباط مصر لإعادة بناء مسجد المدينة؟!!
ما جرى من جلسات صلح عرفى بين أقباط القرية الذين لديهم رخصة إعادة ترميم كنيسة وسلفييها الرافضين للترميم، أو فلنقل بصراحة أكثر الرافضين بناءها من الأصل، يستحق لقب المهزلة الكبرى أو الكوميديا السوداء، فوسط حضور الجيش والشرطة وبرعاية المحافظ تم إملاء شروط غريبة وعجيبة ومجحفة على خادم الكنيسة لتمرير الموافقة المبدئية، منها عدم وضع صلبان وبناء قباب لأن هذا يستفز مشاعر مسلمى القرية!!
ولم يجب أحد من الحاضرين لماذا ومنذ سنة 1940 كانت هذه المشاهد لا تستفز أحداً، وكان الكل جيراناً، وكانت قيمة المواطنة وسلطة القانون هى الفيصل والحكم والمعيار، لم يكن هناك خطيب جامع يحرض ويشعل الفتنة ويلهب مشاعر الشارع بخطبه النارية من على المنبر، ويترك هكذا بدون عقاب قانونى، لم يكن هناك محافظ يبرر ما حدث بفورة وحماس الشباب! لم يكن هناك تواطؤ أو «طناش» أو «تعامى» أو غفلة، لم تكن هناك قنوات فضائية تحريضية تحتضن قتلة تنتفخ جيوبهم برائحة الريالات الوهابية لقاء صب الزيت على النار وتمزيق نسيج الوطن.
حكاية استفزاز الصليب لمشاعر أهل إدفو ذكرتنى بقصة قصيرة كتبتها فى بداية دراستى فى كلية الطب ونشرتها على مجلة حائط، ومزقها لى قطب الإخوان الكبير دكتور عصام العريان بصفته المشرف الثقافى باتحاد الكلية! عندما حملت قصاصاتى إلى حيث مكان اللجنة الثقافية، كان الرد لأن القصة بها كلمة الصليب! القصة عنوانها «مأساة عباس بن فرناس»، وكنت قد تخيلت فيها أن عباس بن فرناس طار ليدهش أهل مدينته المغيبين، طار ليحدث صدمة لسباتهم ولامبالاتهم،
فقد كان يقرأ كشاعر وعالم أن لحظة انهيار الأندلس قد اقتربت، القصة القصيرة فن، والفن خيال وتحليق، ذكرت فى القصة أن هذا المجتمع القاسى كان يريد صلبه لأنه متمرد وصادم، قامت القيامة ضدى وتم تمزيق القصة عدة مرات كلما حاولت تعليقها على حائط بعيد على أطراف الكلية، انتهت المطاردة بالمصادرة، ولكنى أيقنت فى ذلك الحين أن تكتيك الكلمات المعسولة والوعود الوردية لتيار الإسلام السياسى لابد ألا يعمينا عن استراتيجية الفاشية الفكرية التى يتبناها هؤلاء والتى تستدعى إلى الذاكرة بيت المتنبى الشهير:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
احرقوا عربات الإسعاف التى تحمل علامة الصليب الأحمر للوقاية من الاستفزاز، امنعوا علوم الحساب واشطبوا علامة الزائد فى كل عمليات الجمع لأنها تستفز المشاعر، اقتلوا الأطفال الذين يلعبون بالطائرات الورقية لأنها تبدأ برسم صليب من البوص والغاب.
لا أستبعد أن تصل مصر إلى هذا المستنقع إذا ظللنا على هذا الحال من نوبات الغيبوبة والهستيريا التى حتماً ستدفننا مع نفايات التاريخ.
 خالد منتصر - مصراوى

Wednesday, May 18, 2011

أم كلثوم والجماعة


لحظة الإفراج عن المهندس خيرت الشاطر كانت لحظة خاصة جدا عندى، ولقد جلست أمام التليفزيون فى حالة وجدانية شفيفة وأنا أتابع خطوات الإفراج عن محمد حتى وصوله إلى بيته وأولاده، فهو بالنسبة لى محمد، محمد خيرت سعد الشاطر، زميل مدرسة الناصرية الثانوية خلال السنتين اللتين قضيتهما فيها. ومحمد ظل فى ذاكرتى شابا فى السابعة عشرة، نحيفا رقيقا يوشك أن يكون شفافا، مهندما مجتهدا وعضوا ملتزما فى منظمة الشباب، وله ضحكة مميزة ونبرة صوت بها صهلة لطيفة.


برغم أننى كنت مختلفا عنه تماما من حيث المشاغبة الفكرية وغير الفكرية والاهتمام بالرياضة التى كنت بطلا فيها، كان محمد يحمل لى ودَّا فيما أتذكر، ففى فسحة اليوم الدراسى التى كنت أستغلها فى التمرين، كان محمد يقترب منى باسما ويشير لى بيديه اللتين يديرهما حول بعضهما، فقد كان يروق له أن يرانى أؤدى «لفة فى الهوا» (باك ثمرثولت) التى أطير فيها فى الهواء وأدور حول نفسى ثم أهبط واقفا على الأرض. كنت أتذكر ذلك كله، وأبحث عن محمد فى الرجل الشهير الضخم الذى خرج لتوه من السجن، متعبا، يسعل، وتحوط عينيه هالتان داكنتان من تعب السنين وأرق السجن السياسى الذى ذقت بعضه.برغم تغير هيئة محمد كثيرا، لم يكن صعبا علىَّ أن أتعرف عليه حتى لو لم أكن أعرف أنه هو، صهلة الصوت العابرة، حركة اليد، لحظ العين، والإحساس بشخص يمثل جزءا من صباك، ومع حضوره ينهمر على روحك مطر من ذكريات عذبة عذوبة ذلك العمر العزيز، عمر الصبا. كان كل ذلك يشتملنى وأنا أتابع خطوات محمد الحرة إلى بيته، وكان مؤثرا جدا رؤية بناته وهن يلُذن بدفء حضور الأب فيه، لكن شيئا كان يخدش صفاء اللحظة، ولم يكن هذا الشىء إلا ركاكة «الأناشيد» التى كان بعض الإخوان يستقبلون بها محمد ويزفونه عريسا للحرية التى هى أسمى قيمة إنسانية فطر الله الناس عليها. كانت أناشيد مسطحة الصياغة، رتيبة اللحن، فقيرة الإيقاع، بأصوات مزنوقة بشكل ما. ولم تكن هذه أول مرة تزعج سمعى فيها مثل هذه الأناشيد، فقد حدث ذلك من قبل، وفى المنصورة التى ينتمى إليها كلانا..كانت نقابة أطباء الدقهلية فى العيد القومى للمحافظة قد دعتنى لتكريم شملنى مع كوكبة من أطباء المنصورة وبعض البارزين فى مجال الخدمة العامة والإعلام، ولم أتردد فى قبول الدعوة برغم عدم تواؤمى مع الاحتفاءات والاحتفالات عموما، لكننى رحبت بالدعوة فقد كان نقيب أطباء الدقهلية هو الدكتور عبدالمنعم عيد، وهو رجل فاضل وخيِّر وبشوش وكان إخصائيا فى جراحة الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى المنصورة العام عندما كنت نائبا للأمراض النفسية فى المستشفى نفسه، ثم إن الدكتور عماد شمس الذى وجه لى الدعوة عبر الهاتف، لمست فيه تسامحا جميلا وتقديرا وفهما عميقين للثقافة. حضرت الاحتفال ومضيت وكتبت من واقع اليومين اللذين قضيتهما فى المنصورة آنذاك، ولم آت على ذكر حفل النقابة، وقد لاحظ ذلك الدكتور عماد الذى عاتبنى بلطف، فأكدت له أنه لو عرف لماذا لم أكتب عن حفل النقابة، لتيقن أننى أكنُّ له وللدكتور عبدالمنعم مودَّة كبيرة منعتنى من ذكر ما نغص علىَّ اعتزازى بهذا التكريم حتى لا أجرح مشاعرهما بما لا يُسألان عنه، فقد لاحظت أن اللافتات التى تزين جدران النقابة أحادية النبرة بشكل صارخ يكاد يعلن أن هذه نقابة أطباء الإخوان لا نقابة كل أطباء الدقهلية بأطيافهم المتعددة والغنية، ثم توقفت أمام لوحة باسم «أعلام الدقهلية» رُسِمت فيها بفنية مضعضعة وجوه عشرات هؤلاء الأعلام والمشاهير، ولم أعثر فى هذه اللوحة عن أثر لأم كلثوم ورياض السنباطى، فاستغربت ودخلت مستغربا قاعة الاحتفال، لأشعر بالانقباض، ويخدش سمعى ذلك الفن الركيك لنوع من «الأناشيد» بأصوات مزنوقة، وعلى إيقاع دفوف رتيبة، وكأن تراث الفن المصرى كان خاليا من ألحان عظيمة ورصينة تليق بالتسامى فى حفل للأطباء فى محافظة شيدت تاريخها العريق بسعة الأفق وجمال التسامح وقبول التعددية وتخريج موجات تلو موجات من رموز السياسة والفكر والأدب والفن الذى حلَّقت فى ذُراه بنت المنصورة، معجزة الهبة الربانية التى استودعها الله فى حنجرتها ورهافة حسها، سيدة الغناء العربى، أم كلثوم.أم كلثوم التى لم يرها بعض الإخوان جديرة بأن تكون علما من أعلام محافظتها، فغيبوا وجهها وذِكرها، وأضافوا للغياب وجه الموسيقار العبقرى الدقهلاوى رياض السنباطى. كنت متيقنا من أن الدكتور عيد والدكتور شمس لم يكونا مسئولين عن هذا التغييب، لكنها القاعدة الفائزة بالانتخابات والتى حولت النقابة إلى نقابة فصيل له ذوق مغلق فى الفن لا نقابة مهنة تضم أطيافا عديدة بأذواق عديدة، وهذه ليست مصادفة بدليل فرض اختيار تلك الأناشيد ركيكة اللحن والكلمات ومزنوقة أصوات الجوقة والتى كانت بمثابة «دى جيه إخوانجى» عجيب تقصف به مكبرات صوت عملاقة الضجيج والنشاز فى قاعة الاحتفال بنادى الأطباء على نيل المنصورة الجميل!هذا الإقصاء المُتعمَّد لأم كلثوم ومن يماثلها فى مفهوم الفن الإخوانى، شىء لا يطمئن مثلى وملايين غيرى، من عموم الناس العاديين الذين يعبدون ربهم بلا إعلان ولا استثمار سياسى، ويسبحون بحمده فى كل النعم التى حباهم بها فى هذا الوجود، ومنها نعمة الفن الراقى والجميل الذى يروِّح عن النفوس ويُرهف الأحاسيس والمشاعر، والغناء الطيب الجميل بأصوات عذبة وموهوبة هو قلب هذا الفن الإنسانى، وأم كلثوم علامة عليه ونجمة متألقة فى سمائه.أم كلثوم هذه لم نسمع قطبا إخوانيا ممن يقودون مسيرة الزحف الإقصائى الآن يوليها ولو لمحة تدل على إنسانيته لا إنسانيتها فهى ليست فى حاجة لمثل هذا الإدلال، وعلى العكس منهم كان الصادق المحترم ورحيب الأفق الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، الذى أخرجوه من مكتب الإرشاد ربما لإصراره أن يطور نفسه، ويستفتى قلبه ويكون إنسانا لا حجرا أصمَّ فى قلعة تنظيم أو جماعة، وهو أى الدكتور أبوالفتوح، ما عبَّر مرَّة عن خلجة انفتاح وتسامح إلا وأنكروها عليه، من زيارته الحضارية لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، حتى حديثه عن حقوق المواطنة. بل إنه لم ينجُ من وعيد زميل مدرستى ونسمة الصبا البعيد، محمد الشاطر نفسه، الذى تبدَّى بُعيد أيام من الإفراج عنه مجرد قائد حديدى غايته قوة جماعته وطموحه «سيادة العالم»، فكان هينا عليه تهديد أبو الفتوح رفيق رحلته بالحرمان من رحمة الجماعة إن هو أصر على ترشيح نفسه للرئاسة برغم تحمس كثيرين من شباب الإخوان وغير الإخوان له! لقد طرت فرحا يوم الإفراج عن محمد عندما سمعته فى أول تصريحاته يتكلم عن النهضة وضرورة البدء فى مشروع النهضة المصرى، وقلت بزهو داخلى: ها هو ابن مدرستى وذكرى صبانا العزيز. لكن مشروع النهضة لم يصمد كثيرا أمام تكتيكات الجماعة لقطف ثمرة السلطة التى بدت دانية، وتحول جل الحديث الإخوانى إلى تلويح بالقوة والنفوذ، ومن لا يعجبه حديث هذا القطب الإخوانى أو ذاك فليُرشق بما هو قريب من التكفير على اعتبار أن لديه مشكلة لا مع منهج إخوانى، بل مع كتاب الله نفسه، وهو ما أفلت من تصريحات «الخبير الدستورى» الممتلئ بالزهو والاغترار بما لديه وغير المتواضع أبدا، صبحى صالح، صاحب حديث قطع الأيادى، والذى لا أعرف من أين أتى بشهادات «الفقيه» و«الخبير» الدستورى هذه! ربما من لجنة التعديلات الدستورية التى تجاهلت خبراء دستوريين مصريين عظاما واختارته دونهم بينما هو محام مثل آلاف المحامين فى بلادنا.أما فى دائرة الدنيا فيقول المرشد الحالى: «إن بستان الإخوان أخرج حزب الحرية والعدالة وقناة 25 يناير، وفى طريقه لإقامة الأندية الرياضية، متعهدا بالمنافسة على الدورى والكأس المصريين، وإقامة فرق مسرحية وأغنيات وأناشيد بعيدة عن الإسفاف».كلام يبدو مشروعا، لكنه لا يؤسس إلا لبستان استئصالى، بستان للإخوان وحدهم، وأندية إخوانية، ومسرحيات وأغنيات وأناشيد إخوانية، وكأن مصر لم تعش آلاف الأعوام، وتُراكِم طبقات من الأدب والفن الإنسانيين الراقيين! وبدون هذه اللمسة الإنسانية التى يَسعَد بها عموم البشر، والتى تُعَدُّ مؤشر انفتاح إنسانى وتسامح حميد مع الطبيعة البشرية الحميدة، لا أعتقد أن الإخوان إن حكموا سينجزون نهضة علمية واقتصادية وسياسية كنهضة حزب العدالة التركى التى لاحت لى ممكنة فى أول تصريحات محمد خيرت فور خروجه من السجن. ويا محمد. يا محمد خيرت سعد الشاطر، تذكر أن من فك أسرك وأخرجك من سجن ظالميك، بعد إرادة الله، لم يكن هو الإخوان وحدهم، بل شباب هذه الأمة بكل أطيافها الذين شاء الله أن يكونوا سببا فى انتصار ثورة يناير وإسقاط ظالميك وظالمى أمتنا، وهؤلاء الشباب يحبون غناء وموسيقى ومسرحا ورياضة غير ما يمكن أن يثمرها بستان الإخوان المغلق على ذاته، وبغير هؤلاء جميعا لا أصدق قدرة الجماعة على قيادة أى نهضة حقيقية فى مصر، لا جماعة الإخوان، ولا أى جماعة تستغنى بنفسها، وتستعلى وتستقوى على كل أطياف الأمة لمجرد أن لاحت لها ثمرة السلطة أو التسلط دانية!لقد شاء رب العالمين أن يكون ثقل مصر السكانى الذى هو مأزقها التاريخى، سببا لنجاتها فى أضخم عملية لإزاحة نظام إجرامى متشعب ومتغلغل وجسيم، وفى وقت قياسى عالمى قدره ثمانية عشر يوما فقط، ولسبب بسيط فى رأيى، هو أن هذه الكتلة السكانية المحبوسة فى حيز الوادى الضيق، كانت قادرة على الدفع بملايين لا قبل لأى سلطة قمعية مدججة بالسلاح أن تهزمها، حتى وهذه الملايين عزلاء ومجردة الأيادى وعارية الصدور. وهذه الكثرة السلمية الغنية بالتعددية والتى هزمت الفظاعة القمعية المسلحة للعصابة التى كانت حاكمة، ينبغى أن تكون درسا لأى فصيل يتصور أنه وحده قادر على حكم مصر والتحكم فيها وفرض نماذجه الخاصة عليها، سواء فى أمور الدين أو الدنيا. وأنا أزعم أن الكثرة من هذه الملايين التى صنعت الثورة، وبينها شباب فى الإخوان، تحب أم كلثوم وأناشيد وابتهالات وألحان غير تلك التى يعتمدها القسم الفنى فى الجماعة ويبشرنا بها «المرشد العام»، فنجزع من زمن ستُفرَض علينا فيه تلك الأناشيد الركيكة، ويُغيَّب عن أسماعنا شدو أم كلثوم!


د. محمد المخزنجى - الشروق

Monday, May 09, 2011

محام يمثل اصلاحيين سعوديين ينسحب من المحاكمة بسبب أخطاء


دبي (رويترز) - قال محام يمثل مجموعة من الاصلاحيين تجري محاكمتهم في السعودية يوم الاثنين انه سينسحب من اجراءات المحاكمة احتجاجا على الطريقة التي تعالج بها المحكمة القضية.

وكان باسم عالم يمثل 15 من بين 16 نشطا اصلاحيا يواجهون محاكمة في جلسات مغلقة عن اتهامات تتعلق بالامن والتحريض بعد أربع سنوات من الاحتجاز في المملكة.

وقال عالم ان القاضي انتقده مرارا ورفض مسؤولو المحكمة المضي قدما في شكاواه بشأن اخطاء في الاجراءات القانونية.

وأضاف لرويترز عبر التليفون انه غير مستعد ولن يسمح بأن يضفي وجوده في القضية شرعية على عملية مثقلة بالاخطاء التي دعا مرارا لتصحيحها.

وقال عالم انه حاول اضافة الاقوال التي تتعلق بالمخالفات لكن المحكمة رفضت.

ولم يتسن على الفور الاتصال بمتحدث باسم وزارة العدل للتعقيب.

وتم احتجاز غالبية المجموعة التي تضم ناشطين واساتذة جامعات ومحامين في عام 2007 بعد ان اجتمعوا في مدينة جدة لبحث الاصلاح.

وقال عالم في وقت سابق ان المحتجزين يواجهون الاتهام بمحاولة الاستيلاء على السلطة والتحريض ضد الملك وتمويل الارهاب وغسل اموال ومحاولة انشاء حزب في بلد يحظر الجماعات السياسية ضمن مخالفات اخرى.

وقال ان استجواب الرجال المحتجزين جرى دون حضور اي محامين.

وتعقد الجلسات في فيلا خارج جدة في حراسة قوات امن بالملابس المدنية. وقال جندي في حافلة لصحفي يوم السبت انه غير مسموح بدخول أحد.

ويقول نشطون ان الاف الاشخاص محتجزين في سجون بالسعودية دون توجيه اتهام أو السماح بحضور محامين رغم ان القانون يقصر الاحتجاز بدون محاكمة على ستة أشهر.

وفي الشهر الماضي وضعت جماعة نشطين سعوديين لقطات فيديو مدتها عشر دقائق على موقع يوتيوب احتجاجا على سجن المجموعة. واجتذبت اللقطات أكثر من 9000 زيارة في أقل من 24 ساعة.

ودعا نشطون على الانترنت الى يوم حاشد من الاحتجاجات يوم 11 مارس اذار. لكن لم يشارك احد تقريبا بعد ان ظهرت قوات الامن بأعداد كبيرة واصدر رجال دين كبار فتوى تحظر الاحتجاجات.

وذكر تقرير لمنظمة مراقبة حقوق الانسان (هيومان رايتس ووتش) في ابريل نيسان ان السعودية اعتقلت أكثر من 160 نشطا منذ فبراير شباط. ويقول نشطون ان الاعتقالات مستمرة.



نشكر السلفيين

لا أجد من الكلمات ما يمكن أن أعبر به عن شكرى للسادة السلفيين على كبير مساهمتهم فى إدراكى وإدراك غالبية المصريين بحتمية أن تفضى ثورة مصر فى النهاية إلى دولة مدنية يحكمها دستور وقانون مدنيان ومؤسسات متحضرة متقدمة تساير العصر وتتطلع إلى المستقبل بقوة وثبات.. صحيح أنهم لم يكن لهم دور يذكر على المستوى السياسى أو الخدمى قبل الثورة، ولم يدخلوا فى صدام أو تحد أو مواجهة مع النظام السابق، مثلما فعل الإخوان المسلمون، ثم فوجئ بهم، المصريون يعتلون المنصة ويتصدرون المشهد دون سابق معرفة بهم وتساءل الملايين فى دهشة وعجب: من هم؟ ومن أين أتوا؟ وأين كانوا؟..

وتذكر البعض أننا كنا نسمع عن بعضهم ينسّق مع أمن الدولة فى عملهم الدعوى.. وتذكر البعض أنه شاهد شعارات لسلفيين وسمع وشاهد منهم من يقول إن الخروج على الحاكم معصية وكفر وفتنة.. صحيح أن هذا كان وضع بعضهم أو معظمهم قبل الثورة.. بل وفى أيامها الأولى، ولكنهم، على أى الأحوال، قد «لحقوا» أنفسهم ودخلوا فى الثورة بقوة.. حتى يكاد يتسلل إلينا الشك الآن أن ثورة ٢٥ يناير بدأها الشباب ثم انخرط فيها كل المصريين.. ويقترب منا اليقين بأن الثورة بدأها السلفيون ويأخذونها الآن بقوة.. ومن خلفهم الإخوان.

دعك من هذه الإشكالية التى تلتف حول رقابنا، وتذكر معى بكل العرفان والتقدير موقف السلفيين الذين لم يهتموا بتلك القضايا التافهة والسفاسف التى تهتم بها القوى السياسية والاجتماعية الأخرى مثل مستقبل ومصير مصر بعد الثورة وكيفية إعداد وإقرار دستور يليق بشعب مصر الذى أسقط الفساد والاستبداد.. لم يهتموا بمثل هذه التفاهات وركزوا جهودهم فى مصير كاميليا ووفاء ثم أخيراً «عبير ــ إمبابة» وهم فى سبيل هذه القضية المصيرية لا مانع لديهم من بذل الغالى والنفيس ولو كان الدم.. ولا مانع من إشعالها فتنة لا تبقى ولا تذر، ولو كان البلد والوطن والأهل، لأن إسلام كاميليا ووفاء وعبير هو الأهم!

ثم دعك من محاكمة ومحاسبة النظام الذى استباح ثروة مصر على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، واترك الآن قضية بناء مؤسسات سياسية واقتصادية وقانونية وشعبية ديمقراطية وشفافة ومستقلة ونزيهة، ولا تلتفت لما يثيره البعض عن استرداد المليارات التى استولى عليها مبارك ورجاله.. واهتم الآن بما هو أهم: هدم الأضرحة القائمة منذ عشرات ومئات السنين.. واسترداد مسجد النور من وزارة «الأعداء» الشهيرة بوزارة الأوقاف.. دعاة السلفيين يحتاجون هذا المنبر بالذات القريب من الكاتدرائية ليكون إشعال الفتنة سهلاً.. ولن يسأل أحدهم نفسه: ماذا لو تظاهر فى المقابل بضعة آلاف من المسيحيين أمام مسجد النور مثلما فعل السلفيون، فى الجمعة قبل الماضى، أمام الكاتدرائية وهدد بعضهم باقتحامها بحثاً عن «كاميليا شحاتة»؟!

أما أم القضايا التى يولونها كل الاهتمام الآن فهى التظاهر ضد مقتل «شيخ المجاهدين وشهيد الأمة الإسلامية بن لادن».. الذى دبر عمليات قتل آلاف المدنيين الآمنين فى نيويورك ولندن ومدريد، وإن كنتم ترون خلافاً شرعياً حول هذا القتل.. فإنه من وحى أفكاره التكفيرية والإرهابية قتل عشرات الآلاف فى العراق والأردن وغيرها من الدول الإسلامية.

تصورت وأنا أشاهد مظاهراتهم شجباً لقتل بن لادن أنه مفجر الثورات العربية ضد الظلم والفساد.. ولو عاش قليلاً لهاجم الثورات وأدان الثوار لأنهم بالتأكيد جعلوا وجوده وأفكاره وتنظيماته دون قيمة أو جدوى وفاقدة لكل أسباب الاستمرار.

سيروا على ما أنتم عليه، الإخوة السلفيين، فإنكم تثبتون للجميع يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة أن مصر تختلف عنكم ولن تسير فى طريقكم ولن تكون سوى دولة مدنية ديمقراطية لكل الأطياف والأديان والتيارات على السواء

محمد رضوان - المصرى اليوم

بروفة (اللبننة) فى إمبابة


كم نحتاج من حوادث مصنوعة بمنتهى الخسة والوضاعة مثل ذلك الذى جرى فى إمبابة مساء أمس الأول لكى نستقر فى قاع الجحيم؟

كم يكفى لكى نمارس جنون «اللبننة» فى مصر؟ اللبننة التى أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة على لسان أحد أعضائه وهو اللواء مختار الملا خوفه منها الأسبوع الماضى فى ندوة عقدها المجلس تحت عنوان «الأمن وآلية تحقيقه فى ظل الظروف الحالية».

كلمات الملا نشرت على أوسع نطاق صباح الأربعاء الماضى، وبعدها بساعات كانت بروفة صغيرة لتلك اللبننة البائسة تدور على أرض شارع عبدالعزيز بوسط القاهرة، حتى كان الكابوس المخيف الذى شهدته إمبابة أمس الأول، الذى تؤكد كل الوقائع على الأرض أنه مصنوع بدقة شيطانية متناهية.

وما يقال عن أن أحد ذيول الحزب الوطنى فى المنطقة كان وراء إطلاق شائعة احتجاز فتاة أشهرت إسلامها فى الكنيسة، يعنى أن النظام السابق يلعب بالورقة الأخيرة والأخطر على الإطلاق لمقاومة الثورة المصرية وإحراقها فى جحيم الفتنة الطائفية، غير أنه لابد من التمعن قليلا فى السياق الذى اندلعت به الفاجعة الأخيرة، ومن المهم هنا العودة إلى ما قاله اللواء الملا عن الأخطار المحدقة بمصر الثورة وفيه «إن أخطر ما يواجه المرحلة المقبلة، والمتمثل فى أعمال الترويع والبلطجة التى ينظمها ويحركها قيادات داخلية فقدت مكاسبها غير الشرعية، وجهات خارجية تسعى لانهيار مصر».

وعند «الجهات الخارجية» يجب أن نتوقف ونفكر ألف مرة فى تصاعد حالة الانفلات بالشارع المصرى بالتزامن مع حدثين مهمين وقعا فى الأيام الماضية، الأول هو إنجاز عملية المصالحة الفلسطينية فى مصر، وما تلا ذلك من حالة سعار انتابت الإسرائيليين فور توقيع الاتفاق.. والثانى هو الحكم بسجن وزير الداخلية المخلوع حبيب العادلى 12 عاما فى قضية الفساد المالى، وأزعم أن قراءة المشهد الراهن بعيدا عن هذين المتغيرين هى قراءة منقوصة.

لكنه من السذاجة أن نكتفى بالنظر إلى ما جرى على ضوء هذين المتغيرين فقط، فهناك عوامل أخرى لابد من وضعها فى الاعتبار، وفى مقدمتها حالة الحشد الطائفى التى تصاعدت بشكل مخيف بعد فتنة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وما أعقبها من عبث فى أزمة كنيسة أطفيح، واستدعاء شرير لقضايا وملفات «أرشيفية» ومنها مشكلة كاميليا شحاتة التى تنفسنا الصعداء بعد الإعلان عن انتقالها إلى النيابة العامة.

وعلى الرغم من التسليم بأن ما يحدث هو سيناريو محبوك ينتمى إلى دراما النظام السابق، لكى ينشغل المصريون عن ثورتهم، إلا أنه يكشف أيضا عن هشاشة وهزال فى النسيج الاجتماعى، بما يجعل مصر معرضة للإصابة بسعال طائفى حاد مع تعرضها لأى لفحة هواء تأتى من هنا أو هناك، وهو ما يضع المؤسسات الدينية على الجانبين فى دائرة الاتهام بممارسة الشحن وصناعة الاحتقان.

إن جحيم الحرب الأهلية اللبنانية اندلع عقب انتصار مذهل حققته مصر والعرب على العدو الصهيونى، والآن نحن نعيش أفراح الانتصار بالثورة فى مصر وتونس.. انتبهوا أيها السادة

بقلم:وائل قنديل - الشروق
غادة نبيل تكتب: "بارك بلادي"

ماذا يريد السلفيون من مصر ؟

لا يعنينى هنا السلفى " المعتدل " المؤمن بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فهذا هو الطبيعى ونحن نكتب عن غير الطبيعى والواضح أن هذا يسود . وأنا كمصرية معنية بذلك الرعب اليومى الذى يتهدد الوطن .

الكثير من المسلمين والأقباط يعرفون بأن السلفيين يريدون حكم مصر , فإن لم يكن منهم فمن قِبل تيار إسلامى داعم لهم يؤسس لدولة دينية .

ومن الواضح على نحو متزايد لكافة المواطنين أن هذا الهدف – حكم مصر – هو هدف يسعون إليه بأى ثمن ولوكان حرباً طائفية , هدف لن يتنازلوا عنه شاملاً التكلفة والدم الذى سيفرضونه على شعبنا المصرى المسالم بطبعه .

لعل السيناريو العراقى الأشد كآبة من السيناريو اللبنانى لا يخيف أحداً فى بلادنا عدا أعدائهم أو من يختلف معهم من المواطنين العاديين غير المسيسين الذين يريدون لحياتهم العادية أن تمضى فحسب أو تتغير للأفضل اقتصاديا ًواجتماعياً وعدم فقدان ما يحوزونه من حريات ضئيلة جاءت ثورة بشهداء ليعظموا مساحتها ونوعها . كذلك يخيف ذلك الاحتمال الشديد الإيلام – أى الحرب الأهلية – كل من يريد سلامة الوطن وحريته من العلمانيين والليبراليين والاشتراكيين . أما أتباع السلفية فلا يبدو لدى اغلبهم أدنى تخوف من تحول الاحتمال إلى حقيقة يكونون هم صنّاعها وربما يرحبون بها كحراك يتوهمون أنه سيعجل بفرض دولتهم الدينية بالإكراه .

أقول يتوهمون ليس لاستحالة تحول الاحتمال المرعب الكريه إلى حقيقة نعلم كم تتمناها فلول الوطنى معهم أو قبلهم ولكن التوهم الذى أقصده مرده أن الحوادث الطائفية المتتالية تُنبئنا أن الغرب لن يقف متفرجاً أمام العدوان على الكيان المسيحى فى أحد أكبر وأهم البلاد العربية التى كانت مهداً للمسيحية بعد بيت المقدس ( بلغة القدماء والتى جرّت محاولة استعادتها من المسلمين حروباً صليبية) . وخاصة أن بلادنا ترتبط باتفاقية ما يوصف بالسلام مع إسرائيل .

وأقول مرة ثانية " يتوهمون " لأن كل من يريد مصر حرة سيقاوم مشروعهم فى اختطاف الوطن وفرض التعصب والتمييز والدم عليه . وهى مفارقة أن يضطر الإنسان لدفع الدم للحيلولة دون المزيد منه لأجيال أولاده , وللحيلولة دون المزيد من القمع وإهانة كرامت الإنسانية بدعوى تكريمها أو حتى بلا دعوات.

والمثير أن فكرة مروعة – لا قدر الله – كالتقسيم لا تُخيفهم هى الأخرى , فثمة , منهم , من يؤمن برذيلة التحرش بالآخر والتفتيش فى داخلية قلبه إن كان مسلماً لا يروقهم مظهره الخارجى ( ليس مسلماً مقنعاً وجيداً بما يكفى ) أو بالعدوان عليه و " جر شكله " إن كان غير مسلم .

من الذى سيستطيع إقناع الله أو إقناعنا أن حرق كنيسة ومحاصرتها بالمواطنين العابدين داخلها أو من لجأوا إليها لحمايتها وافتدائها بأرواحهم , أن العدوان عليها ذاك فعل خير ينال صاحبه ثواباً من الخالق ؟ .. حتى لو صحت إشاعة ما عن زواج مسلم بمسيحية أو إسلامها واختطاف الكنيسة أو أهلها لها , ما يجعلها حقيقة وليس إشاعة وقتها , لكن كيف يكون حصار وحرق الكنائس تقرباً من الله ؟ .

هل سنقدر دائماً على إقناع المسيحيين بأن من يهاجمون كنائسهم هم من فلول الوطنى المأجورة الهادفة إلى " لبننة " مصر أو مسخها إلى حال كالذى ابتُلى به العراق ؟ .

حتى لو صدقنا نحن ( الأغلبية المسلمة ) هذا لفترة , المسيحيون لن يستمروا فى تصديقه , وحين يبلغ المعتدلون فى الطرفين المنطقة الفاصلة سيفترقا , عند إسالة الدم الكثير المتبادل . وقتها لن تعود هناك قيمة لاعتدالهما . سيكون هناك سخرية واستفزاز لكل طرف معتدل من جانب " طائفته " وسيكون الاعتدال مرشحاً لأحد أمرين : الخرس أو الانضمام للجانب الذى يمارس القتل .

سينسى كل معتدل ومعتدلة كل ذكرياتهما الحلوة الطبيعية مع المعتدلين والأسوياء فى الجانب الآخر . قد أتناسى أن خيرة الجيران وأصدقاء العمر لم يكونوا مسلمين . وقد أتناسى صديقا وزميلاًً قبطياً أحبنى ولم يعترف إلا بعد زواجه ليحفظ الأشياء فى أماكنها , وقد تمر صديقة لى بمحنة مضاعفة فوالدها كان مسيحياً ثم أسلم , بينما الصديقة الأخرى مسلمة على الورق كما اعترفت لى وتنحدر من أسرة أسلمت بعض عناصرها ولم يُسلم بقية الأخوال .

إذن مذبحة ؟؟ .

أرتعب . مصر التى فى خاطرنا ليست نقيضاً للإسلام , كما أنها ليست ملكية خاصة لأحد , ومعنى الوطن يهتز تماماً حين لا أكون آمنة فيه على حياتى ودينى وقناعاتى . ما أشذها من لحظة : أن يكون علىّ الاختيار بين وطنى من جهة وحريتى وكرامتى من جهة ثانية . أو وطنى ودينى !

هل حقاً ستكون الحكاية المرة القادمة حكاية شاب وفتاة من دينين مختلفين اختارا الحب الذى تجاوزا به كل محظوراتناوراجماتنا الاجتماعية ليعيشا بلا زيف وبشكل رسمى ما بشر به دينيهما ؟ أم ستنفجر المأساة عبر إشاعة عن تغيير مواطنة لدينها لينبرى السلفيون فى مهاجمة الكنائس ؟, وهل سينتظروا الإشاعة القادمة قبل الهجوم على ما يرونه كفراً من وجهة نظر ألبسوها للإسلام عنوة ليقوموا بهدم الصور والتماثيل وإلقاء الصلبان والكتاب المقدس على الأرض ؟ .

محزن أن نضطر للتفكير فى عودة اللجان الشعبية لحماية الأنفس والمقدسات بلا بديل أمنى آخر .

الرعب هو حرق مصر . والأفدح أن يكون حرقها تحت وهم أن دينها الرسمى مُهدَد .

أتضرع إلى الله بدعاء تجنيبنا الفتنة . أرتعب من دهم كنائس مصر وتدنيسها , من الهجوم الحتمى وقتها , كرد فعل , على مساجدها وآثارها الدينية للجميع , من مهاجمة الأديرة ومقار إقامة الراهبات , من حرق منازل ومحلات غير المسلمين والمسيحيين الذين هم مصر , ونحن – بالصمت وتمرير كل عدوان دون محاسبة كبيرة رادعة وعقاب قانونى قاطع ضد المعتدين – نصبح متواطئين مع الجريمة والوحشية والكراهية .

نحن , إن لم نخض حربنا – مواطنين ومسئولين – ضد الإرهاب والترهيب سنكون مسئولين عن كل من بدأ يعود , للتفكير فى الهجرة كما لو لم تحدث ثورتنا .

سنكون مسئولين عن إضاعة دم الشهداء , عن السقوط فى هوة القرون الوسطى وسيادة الرعب والأذى والتكفير ثم القتل على الهوية أو بمجرد النظر إلى وشم أو علامة فى معصم مواطن أو بعد توقيفه لمعرفة اسمه . سنكون مسئولين عن حملة التفتيش فى الضمائر والقلوب ومنع الموسيقى فى المدارس والتليفزيون ومنع النساء من الوقوف فى شرفات بيوتهن بدون نقاب وعدم خروجهن للعمل أو السفر دون محرم . سنكون مسئولين عن انتشار فرق إهانة الإنسان وتذبيحه والتحقيق معه فى عرض الطريق سلوكاً وملبساً . سنكون مسئولين عن إلغاء الأفلام والسينما والرسم وقاعات الفن التشكيلى وإزالة التماثيل والمنحوتات من الميادين العامة والقاعات وربما إلغاء كلية الفنون الجميلة والمسرح واختفاء الكتب أو حرقها لتبقى فى ذاكرتنا بالحفظ أو على أجهزة كمبيوتر تتعرض بدورها للمصادرة . لن نرى دواوين الشعر والروايات وبعض الكتب الدينية والعلمية والتاريخية .

لن نجد فى الشوارع غير اللون الأسود , وفى القلوب الصمت الأسود الداكن دليلاً على الموت والقتامة والقهر والغلِظة والبعد عن الله والطبيعة والرحمة .

سنكون مسئولين عن كل قطرة دم تسقط فى سجن كهذا , مسيحية كانت أو مسلمة أو بهائية . الدم دم . لا دين له .هناك فقط دمٌ برئ ودم فاسد آثم . هناك نقطة دم وروح من ينقذها كمن أنقذ الناس جميعاً , ومن يهرقها ويهدرها كمن قتل الناس جميعاً .

لن يعجب كلامى السلفى الدموى , وأعرف أنه ليس الجميع منهم هكذا , لأن ما نتحدث عنه هنا هو الإجرام الذى يتزيا ويتخفى بالدين ليكون مباحاً أو ليحصل على مشروعية . وهذا مصدر وهم آخر .

أقول ما نعرفه : الفتنة أشد من القتل . فإن أسلمت مسيحية أو صار أحد المسلمين بهائياً , فلكم فى القائل لمن أذوه بعدما تمكن منهم " اذهبوا فأنتم الطلقاء " – لكم فيه أفضل أسوة.

المسيحيون وغيرهم من الأقليات فى مصر مواطنون مصريون . لم يؤذونا وحتى الآن يبدو الطرف المسلم هو الحامل لخطيئة المبادرة بالعدوان . وحين تقوم أسرة لا تستطيع تقبل فكرة تغيير ابنتها لدينها وزواجها من دين الآخرين وتختطف تلك الابنة أو تقتلها فهذه وحشية ضد الشرائع وحقوق الإنسان ومحاولة إكراه فى الدين لا يرضاها الخالق الذى خلقنا أحراراً , لكن نصرة ومؤازرة مسلمة حديثاً ليست أهم ولا أخطر من حماية أمن البلد كله ومستويات الضرر معروفة فى الإسلام . قبل كل شئ حماية حرية العقيدة وغيرها من حريات وحقوق هى مسئولية أجهزة الدولة العقابية , بالقانون وليست مسئولية شخصية يقررها كل منا .

كان أن حكى لى شاعر عراقى ولاجئ فى مصر عن أهوال الإبادة الطائفية فى العراق وكيف يقوم العراقيون أحياناً بتزوير بطاقات الهوية ليكون معهم العديد منها بحسب اضطرارهم للمرور فى مناطق نفوذ وسيطرة طوائف غيرهم . حكى لى بحزن العاجزين كيف يؤدى ذلك إلى قمة المهازل حين يقتل الشيعة مثلاً شيعياً لأنهم صدقوا بطاقته المزورة التى يوقعها سوء الحظ فى أيديهم ولا يعودوا يصدقون أنه شيعى منهم . والأشد شذوذاً وإجراماً حين يعلم القائم على حاجز أو منطقة للتفتيش والذبح أن من أمامهم ينتمى لطائفتهم , حينها أيضاً يقتلونه " عقاباً " على التبرؤ والتنصل من هويته الدينية ولو كان دافعه تأمين حياته وحياة أفراد عائلته . أمرٌ فاجع لكن المثير للسخرية المطلقة هنا هو أن القتل " عقاب " لولا أنه لا يترك فرصة لعدم تكرار الفعل الذى يقيمه غيرك أصلاً بكونه جريمة . الضحية لا تتعلم شيئاً والقاتل ينجو .

أحزن كل مرة يُراق فيها دم إنسان ثابت على مبدأ ولا يبادر بالعنف .

الحق أقول لكم : لستم ولا أحد منا وكلاء الله على الأرض . لم يفوضكم أحد للدفاع عن الإسلام والمسلمين . لستم مسئولين عن كفر أو إيمان أو ارتداد أو سلوك أحد .

لكنكم مسئولون كل المسئولية – حين تبادرون بفرض ما ترونه الحق الوحيد - أمام الله وأمامنا عن الدم

الدستور

Friday, May 06, 2011

المواطنة المهددة


من غير المقبول أن نصمت اليوم عن الممارسات الخطيرة التى تتورط بها جماعات منظمة ومجموعات من الأفراد وتهدد بإشعال فتن طائفية على امتداد الوطن.

من غير المقبول أن تصمت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى عن إشاعة مناخ من الخوف والقلق فى مصر، بمظاهرات أمام الكنائس وحديث غير منضبط عن التمكين للإسلام فى البلاد وتطبيق الشريعة وإقامة الحدود، يشعر معه المواطنون المسيحيون بأن حقوقهم وحرياتهم المدنية والدينية باتت موضع تهديد أو أن ضمان أمنهم وأمانهم قد يتحول إلى فضيلة مجتمعية نادرة.

يسىء لنا جميعا أن تشغل قضايا إثارة ذات أبعاد طائفية كقضية كاميليا شحاتة مساحة إعلامية واسعة، بينما تنزوى المعالجات الجادة لملفاتنا الاقتصادية والأمنية الضاغطة على كل المواطنين. هل يعقل أن تخصص برامج حوارية متعددة لقضايا الإثارة الطائفية ولمظاهرات بعض الجماعات أمام الكنائس، فى حين لا يستمع لخبراء الاقتصاد ولرؤيتهم عن كيفية تجاوز الأزمة الخانقة الراهنة ولا تفرد مساحة كافية لتناول تفاصيل الوضع الأمنى. فليس فى هذا، وبغض النظر عن أن بعض البرامج الحوارية قدم معالجة رصينة لقضية كاميليا شحاتة، إلا دليل فقر إعلامى بين وسوء تقدير لما تقتضيه مصلحة الوطن فى اللحظة الراهنة.

من غير المقبول أيضا أن نترك بدايات الفتن الطائفية دون مواجهة قانونية ومجتمعية جادة. قطع أذن مواطن، ترويع مواطنين فى دور عباداتهم، تهديدهم نفسيا بتصريحات علنية غير مسئولة هى جميعا أمور لابد إزاءها من تفعيل أدوات وإجراءات دولة القانون بمساءلة ومحاسبة المتورطين بها، كما يبنغى مواجهتها علنا بخطاب سياسى وإعلامى ينتصر لمواطنة الحقوق المتساوية لكل المصريات والمصريين.

وأكثر ما أخشاه، ومع كامل احترامى للمؤسسات الدينية الرسمية الإسلامية والمسيحية، أن يوكل لهذه المؤسسات وحدها مهمة احتواء بدايات الفتن الطائفية. فنهج الزيارات المتبادلة بين الشيوخ والقساوسة وحديث العموميات عن النسيج الوطنى المتماسك وتسامح الأديان لم يعدا لهما فاعلية حقيقية فى احتواء الفتن. الأهم أن ننشط جميعا، قوى سياسية وائتلافات وجبهات للشباب وشخصيات عامة ونقابات ومجتمع مدنى، ونتوافق علنا على رفضنا أى تمييز ضد مواطنات أو مواطنين بسبب الانتماء الدينى أو أى انتقاص من أمنهم أو حرياتهم.

هذه مسئوليتنا جميعا وعلينا أن نتحملها وأن لا ندع أجندتنا الوطنية تختزل إلى كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين

بقلم:عمرو حمزاوي - الشروق

Wednesday, May 04, 2011

عقدة ميدان التحرير


كان من الممكن أن يكون ميدان التحرير مساء أمس الأول لوحة مصرية تنطق بالروعة والجمال، لولا أن «البلطجية فى بلادى» مدللون ويمرحون وهم فى مأمن من العقاب.

كانت الساعة قد تجاوزت السابعة مساء بقليل، وكان المسرح جاهزا لاحتفالية جميلة بعيد العمال.. وزير العمل ألقى كلمة مقتضبة حيا فيها الثورة وشدد على التمسك بالحريات النقابية، فيما كان الفنان الرائع على الحجار يشحذ حنجرته للغناء، بصحبة فنانة دنماركية جاءت من بلادها لتغنى للثورة المصرية.

وفجأة، اقتحمت مجموعة من مفتولى العضلات المسرح واختطفت الميكروفون ووجهت عبارات بذيئة ومنحطة لوثت آذان الحضور، ليخيم الرعب والكآبة على الميدان، وتنسحب سيارات النقل التليفزيونى المباشر، وتمتد الأيادى السوداء إلى أجهزة الصوت والإضاءة على الطريقة التقليدية فى إفساد الأفراح «كرسى فى الكلوب».

قبل ذلك بدقائق كان الميدان الذى عاد لاستقبال الآلاف من المصريين قد تحول إلى كرنفال مدهش.. رائحة احتراق العلم الإسرائيلى تضفى على المكان نوعا من البهجة والخشوع، وصوت شادية «يا أحلى البلاد يا بلادى» يغسل الآذان من بقايا أصوات شريرة ملأت الآفاق على مدار أيام طويلة مضت، وفى الخلفية مجموعات تغنى للثورات العربية فى سوريا وليبيا واليمن والبحرين.

كانت كل المقدمات تنطق بأننا ذاهبون إلى أمسية مصرية منعشة، إلا أن السادة البلطجية احتلوا المسرح فى ظل حالة صمت تصل إلى حد الرضا من قبل الأجهزة المسئولة عن تأمين المكان، وأطفأوا الأنوار وأفسدوا العرس دون أن يقول لهم أحد «بم»، وبعد أن انفض السامر قرر منتفخو العضلات أن يترجلوا من فوق المسرح منتشين ممتلئين زهوا بإتمام عملية «تقفيل الفرح» مطلقين صيحات الانتصار على الشعب الذى جاء يحتفل بعماله وثورته.

على بعد أمتار كان الفنان على الحجار يجلس حزينا فى ركن بأحد المقاهى، بعد أن تلقى نبأ هزيمة الفن والموسيقى والفرح بالثورة أمام تلك الكائنات الغريبة التى ظهرت فجأة وملأت المكان ظلاما وظلما للثورة وشهدائها الذين جرى استخدام أسمائهم بوقاحة لتبرير الهجوم على مسرح الاحتفال، بالترويج لأن الذين أفسدوا الفرح فعلوا ذلك من منطلق رفضهم لإقامة مهرجان غنائى احتراما لأحزان عائلات الشهداء.

إلى هذا الحد يذهب البعض بعيدا جدا فى التدليس والكذب واستحلال دماء الشهداء لتبرير جريمة وقعت ضد ميدان التحرير، والذى يبدو أنه صار يمثل عقدة للبعض، حتى أصبحوا لا يطيقون رؤيته وهو يزدان بجموع المصريين الذين يطالبون باستكمال ثورتهم.

إن مصر لن تتغير طالما ظلت السيادة الغنائية فيها مخطوفة لصالح أولئك المتهربين من التجنيد، بينما الحناجر النبيلة مثل حنجرة على الحجار ممنوعة من الغناء للثورة والشعب فى قلب الميدان.

أيتها البلطجة: كم من الجرائم ترتكب باسمك، وأنت منها براء!

بقلم:وائل قنديل - الشروق

Monday, May 02, 2011

ماذا يريد السلفيون؟ا


احترنا مع السلفيين بحيث لم نعد نعرف ماذا يريدون بالضبط، ولا ما هى نسبة الحقيقة أو الزيف والادعاء فيما ينسب إليهم؟. كما اننا لم نعد نعرف ما إذا كان الصحيح الذى ينسب إليهم يعبر عنهم فى مجموعهم أم أنه ممارسات أفراد أو فصيل بينهم، وهل هم حقا تشكيل واحد أم فصائل متعددة بعضها فى الإسكندرية والبعض الآخر فى القاهرة، فى حين أن ثمة بعضا ثالثا فى صعيد مصر؟

رأيت أعدادا غفيرة منهم يوم الجمعة الماضى ترفع لافتات تتحدث عن السيدة كاميليا شحاتة، القبطية التى أثير لغط حول تحولها إلى الإسلام ثم عودتها إلى المسيحية ثم اختفاؤها بعد ذلك. وتواترت أنباء الصحف التى تحدثت عن نزاعهم مع وزارة الأوقاف حول منبر مسجد «النور» الذى يصرون على أن يكون خطيب الجمعة فيه من جماعتهم. كما ذكرت الصحف أن سلفيين قاموا بهدم بعض الأضرحة فى محافظتين بالدلتا، بحجة أنها بِدَع يتعين ازالتها.

أما الشائعات المثارة حولهم فحدث فيها ولا حرج. فتارة هم يريدون تطبيق الحدود الشرعية من جانبهم، واخترع الإعلام أن ثمة «حدًا» يقضى بقطع الآذان، وان حادث الاعتداء الذى أصيبت به أذن أحد الأقباط فى قنا له أسبابه الأخلاقية هو جزء من ظاهرة وصفها بعض المهيجين بأنها حملة لتقطيع آذان الأقباط. وأشيع فى وقت متزامن أن السلفيين سيخطفون الفتيات غير المحجبات من الشوارع وينقلوهن إلى أماكن مجهولة لإعادة «تأهيلهن». كما أشيع أنهم هم الذين حركوا الجماهير فى محافظة قنا للاحتجاج على تعيين محافظ قبطى لها... إلخ.

أدرى أن مثل هذه الشائعات يروج لها المهيجون والمتصيدون والمتعصبون، لكن الصورة التى قدمت بها ممارستهم فى وسائل الإعلام أشاعت انطباعات سلبية عنهم سمحت بتسويق ذلك الكلام. ولأنه لا دخان بغير نار، فما كان لتلك الشائعات ان يصدقها الناس لولا أن ممارسات بعض السلفيين التى رأوها بأعينهم على شاشات التليفزيون مثلا جاءت مشجعة على ذلك.

لم أفهم تدخل السلفيين بالشكل الحاصل الآن فى ملف كاميليا شحاتة، رغم أن اختفاء مواطنة مصرية أمر يخص الأجهزة الأمنية ويتعلق بأعمال القانون وهيبة الدولة. وقد أقبل أن يقدم بلاغ إلى النائب العام بذلك سواء من السلفيين أو إحدى منظمات حقوق الإنسان للكشف عن حقيقة الأمر. كما أفهم أن تتحرى الأجهزة الأمنية المسألة وأن تحل اللغز. لكن ما أستغربه أن تصبح القضية شاغلا أساسيا للسلفيين دون غيرهم. وان تنطلق تظاهراتهم طوال الأسبوع لهذا الغرض، وان يهددوا بالزحف على الكاتدرائية القبطية لأجل ذلك. إذ إن موقفهم ذاك يشكل عدوانا على حق الدولة فى تأمين مواطنيها، كما أنه يسهم فى تعميق الفتنة الطائفية فى المناخ الراهن، ناهيك عن أنه يربك الرأى العام ويصرفه عن تحديات أكبر تواجه الوطن فى الوقت الراهن الذى يفترض أن تحشد فيه الجهود لصالح تأسيس النظام الجديد.

لم أفهم أيضا الإشكال الذى أثاروه بمطالبتهم باحتكار منبر المسجد بدعوى أن جمعية «الهداية» هى التى بنته وأن وزارة الأوقاف استولت عليه. وهى بالمناسبة معلومة غير دقيقة لأن الحكومة من خلال شركة المقاولين العرب هى التى أكملت بناءه وقامت بتشطيبه وحولته إلى تحفة معمارية مميزة. فضلا عن اننى لا أعرف أن أحدا يمكن أن يدعى أنه يملك مسجدا، حيث المساجد لله فى نهاية المطاف. ثم إننى استغرب المشاحنة واستخدام القوة فى اعتلاء منبر أى مسجد، وتحدى وزارة الأوقاف فى هذا الصدد.

أيضا فإن موضوع هدم الأضرحة، الذى نعرف أنه يشغل غلاة السلفيين فى حين أن آخرين تجاوزوه ونسوه، دليل آخر على أن إخواننا هؤلاء غير واعين لا بواقع المجتمع المصرى المتدين بطبيعته، وغير مدركين لشىء من أولويات تأسيس النظام الجديد فى مصر.

لقد دعوت من قبل إلى احترام حق السلفيين فى الوجود، لكنهم مدعوون الآن وبشدة إلى احترام النظام العام والقانون، وإلى النظر بعقل واعٍ وأعين مفتوحة إلى طبيعة واستحقاقات المرحلة التى يمر بها الوطن. وإذا كان هناك من يتصيد لهم ويشوه صورتهم فلا مفر من الاعتراف بأنهم من يقدم لهؤلاء «الطُّعم» الذى يمكنهم من بلوغ مرادهم.

إن ممارسات السلفيين قدمت لنا اسوأ ما لديهم وليس أفضله مما شوه مشروعهم الذى التبس علينا أمره، لذلك فإننى أتمنى أن يقدموا أنفسهم بحسبانهم إضافة إلى الوطن وليس تخويفا لأهله وخصما من رصيده واجهاضا لحلمه.

بقلم:فهمي هويدي - الشروق

Sunday, May 01, 2011

جمعة سرقة الثورة

بات يوم الجمعة من كل أسبوع يوماً مفصلياً فى التاريخ السياسى والاجتماعى المصرى، منذ قيام ثورة ٢٥ يناير وحتى وقتنا هذا، حيث انطلقت فى هذا اليوم المسميات الفارقة من «جمعة الغضب»، إلى «جمعة الإصرار»، إلى «جمعة الرحيل»، إلى «جمعة النصر»، وغيرها، لكن يوم الجمعة الماضى يمكن أن يأتى فى هذا السياق باسم «مشوق» جديد، وليكن «جمعة سرقة الثورة».

أمس الأول «الجمعة»، هيمنت الهتافات على الشارع كعادتها منذ اندلاع الثورة، لكنها اتخذت منحى مختلفاً اختلافاً جذرياً، حيث أمكن للقاهريين سماع هتافات من نوع: «إسلامية.. إسلامية»، و«أخواتنا أو الطوفان»، و«نحرى دون نقابى»، و«فى سبيل الله قمنا نبتغى رفع اللواء، فليعد للدين مجده أو تراق بيننا الدماء».

كان الهتاف الرئيس فى «جمعة سرقة الثورة» تلويحاً بإراقة الدماء بين المصريين فى سبيل «إعادة المجد إلى الدين»، ولا أعرف كيف يمكن أن يقتنع أى من أهالى شهداء الثورة بأن التضحية التى قدمها أبناؤهم لم تستطع أن تقود البلاد سوى إلى هذه النقطة، التى ينشب فيها الاقتتال الأهلى، على خلفية التصورات الذهنية للجماعات الدينية عن نفسها وعن شركائها الآخرين فى الوطن.

فى «جمعة سرقة الثورة» كانت قوات من الشرطة والجيش تطوق مسجد النور فى العباسية بوسط القاهرة، لكن هذا لم يمنع أعضاء فى جمعية «الهداية الإسلامية» السلفية من السيطرة على منبر المسجد، للجمعة الثانية على التوالى.

سيطرت الجمعية ذات الاتجاه السلفى على المنبر، ووضعت خطيباً تابعاً لها، فيما اكتفى الخطيب المعين من قبل وزارة الأوقاف بالصلاة فى أحد الصفوف «تفادياً للعراك».

فى أعقاب الصلاة، انطلقت الهتافات من المصلين، الذين أتوا من محافظات عدة بأعداد كبيرة، تهدر: «إسلامية.. إسلامية»، وطالب المصلون بإقالة نائب رئيس الوزراء الدكتور يحيى الجمل، لأنه «علمانى».

على مقربة من مسجد النور كان آلاف السلفيين يصلون صلاة العصر أمام الكاتدرائية المرقسية فى منطقة العباسية، فى محاولة للضغط على الكنيسة القبطية والبابا شنودة لـ«إطلاق المسلمات الأسيرات»، حيث رُفع فى هذه التظاهرة، التى اتخذت شكل الصلاة، الشعار: «أخواتنا أو الطوفان».

وفى الوقت ذاته، كانت هناك مسيرة ضمت مئات المتظاهرين، اتخذت طريقها من مسجد «الفتح» إلى مسجد «النور»، للمطالبة بإطلاق السيدة «كاميليا»، التى يُعتقد أن الكنيسة القبطية تحتجزها فى مكان غير معلوم لأنها تحولت إلى الإسلام.

لم يكن هذا كل شىء بالطبع، فقد تجمع آلاف السلفيين، ومئات المنتقبات أمام دار الإفتاء ومشيخة الأزهر، مطالبين بإقالة المفتى الدكتور على جمعة، لأنه أرسل فتوى إلى المحكمة الإدارية العليا، رأى فيها أن «النقاب عادة وليس عبادة»، وهو ما يترتب عليه إتاحة الفرصة للسلطات الإدارية للتحقق من شخصية المنتقبات لاعتبارات الأمن ونزاهة الامتحانات.

لم يقتصر الأمر على القاهرة فقط، لكنه امتد أيضاً إلى محافظات أخرى، حيث أطلق أهالى قنا على تلك الجمعة اسم «جمعة الكرامة والإرادة الشعبية». كانت «جمعة الكرامة» فى قنا أشبه ما تكون باحتفال مبطن، بعدما استطاعت التظاهرات والاعتصامات وأعمال قطع الطريق التى قام بها المتظاهرون هناك - إجبار الدولة على التراجع جزئياً عن قرارها تعيين محافظ جديد، وتجميد عمل المحافظ عماد ميخائيل لمدة ثلاثة أشهر. أعاد المتظاهرون التأكيد على مطالبهم أمس الأول؛ وأولها بالطبع: «تعيين محافظ مسلم».

لا يبدو أن كل تلك التحركات والتظاهرات ستمر من دون أن تستفز شيئاً ما لدى شريك الوطن الآخر، الذى بات من حقه أن يعتقد أن الثورة أغرت به «كارهيه وأعداءه»، حتى ولو كانوا من بنى وطنه، خصوصاً بعدما أقاموا صلاتهم أمام «الكاتدرائية»، وبعدما اضطرت قوات الأمن والجيش لتطويق مقار كنسية وتشديد الحراسة عليها، فى أعقاب تلقى تهديدات بتفجيرها واقتحامها، لـ«إطلاق الأسيرات، وبحثاً عن الأسلحة المخزنة داخلها».

لذلك لم يكن مستغرباً أن يرد فى أخبار «جمعة سرقة الثورة» إعلان عن تشكيل تنظيم «الإخوان الأقباط»، ودعوة للبدء فى اختيار «مرشد قبطى».

سياسياً، كانت جماعة «الإخوان المسلمين» تعقد اجتماع مجلس الشورى الخاص بها، لتقرر حجم مشاركتها فى الانتخابات البرلمانية، فيما نشرت وسائل الإعلام العديد من التصريحات نقلاً عن رموز من تيارات إسلامية مختلفة.

من بين ما نقلته وسائل الإعلام فى «جمعة سرقة الثورة» تصريحات أدلى بها الداعية الدكتور صفوت حجازى فى محاضرة ألقاها فى جامعة الزقازيق، حيث دعا أمام شباب الجامعة، وفق بعض وسائل الإعلام، إلى: «تكوين أحزاب دينية إسلامية وقبطية»، على أن يكون «صندوق الانتخاب هو الفيصل».

نامت الثورة الحقيقية أمس الأول الجمعة، وغرق أتوبيس فى بنى سويف، ونشبت مشاجرات بين مشجعى الأهلى والمصرى فى بورسعيد، وهيمن خفافيش ومتعصبون على المشهد، محاولين «سرقة الثورة»، وجرنا جميعاً إلى الظلام والفتن

ياسر عبدالعزيز - المصرى اليوم

الدين والسياسة


يندر فى مصر أن يثار نقاش عام حول الأفكار الليبرالية أو أن تعقد مقارنات بينها وبين الأفكار المستلهمة للمرجعية الدينية دون أن تستدعى قضية موقف الليبراليين من الدين ودور الدين فى السياسة.

واللافت للنظر أن الاستدعاء هذا عادة ما يكون بصيغ سلبية واتهامية تنطلق من خرافة أن الليبرالية فى المجمل تعادى الدين، وذلك على الرغم من الحضور اللافت للدين فى الحياة العامة ودوره فى السياسة فى الكثير من الدول والمجتمعات التى تطبق الليبرالية شرقا وغربا، جنوبا وشمالا.

ففى مناظرة الأربعاء الماضى التى جمعت بين الأستاذ صبحى صالح، عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، وبينى واستضافتها مشكورة كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية كان السؤال الأول الذى وجهته إدارة المناظرة لنا هو عن رؤيتنا للعلاقة بين الدين والسياسة.

وفى حين لم يفاجئ الأستاذ صالح الحضور عندما أكد مستندا لموقف جماعة الإخوان على رفض الفصل بين الدين والدولة وكون إشكالية الفصل غير مطروحة من الأساس فى السياق الإسلامى، وقع قولى بأننى أيضا واستنادا إلى قناعاتى الليبرالية أرفض الفصل بين الدين والدولة وأعتبر الحديث عن حتمية الفصل بينهما أمرا مغلوطا لدى الحاضرين فى منزلة أخرى.

منزلة، وكما دللت مئات الأسئلة المكتوبة التى تلقيتها أثناء المناظرة، جمعت بين الكثير من عدم التصديق والتشكيك والتحفظ والقليل من القبول.

والحقيقة أن ما استقر من أفكار ليبرالية، وعلى الرغم من كل ما كيل لها فى مصر خلال العقود والسنوات الماضية من اتهامات زائفة تعلقت بوصمها برفض الدين ومحاربتها لدوره تماما كاتهامها بسطحية شديدة بتعظيمها للحريات الفردية دون أدنى اعتبار للصالح العام، لا تنطلق من حتمية الفصل بين الدين والدولة ولا ترى فى حضور الدين فى الحياة العامة عاملا معيقا للحرية وللديمقراطية لا بد من إزالته.

بل المؤكد هو أن الليبرالية تستبدل التساؤل عن كيفية الفصل بين الدين والدولة بسؤال آخر هو كيف ينبغى تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة، وليس الدولة فقط، على نحو يضمن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة فى مصر يعنى أولا أن يستند الدستور القادم، وهو الخيط القانونى الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطنين والوثيقة الأساس المعبرة عن هويتنا، إلى المبادئ والقيم والأخلاق المستمدة من المرجعيات الدينية بشرط ألا يقتصر الاستناد هذا على مرجعية دينية واحدة دون غيرها، وعلى أن لا يحول دون الانفتاح على مرجعيات قانونية وضعية. فمصر ليست بلد المرجعية الدينية الواحدة، بل يتعايش ويتداخل بها وفى حضارتها وثقافتها وأعرافها الإسلام والمسيحية واليهودية. لمصر أيضا تراث طويل من الانفتاح على المرجعيات القانونية الوضعية وتوظيفها للدفاع عن ذات المبادئ والقيم السامية التى تقدسها الشرائع السماوية كالخير والحرية والعدالة والمساواة والجمال.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة فى مصر يعنى ثانيا، ومع التسليم بدور المرجعيات الدينية فى الدستور والقوانين، أن المرجعية النهائية للحياة العامة والسياسة ومناط تحديد حقوق وواجبات المواطنين هى المرجعية المنصوص عليها فى الدستور. فإن نص الدستور على حق كل مواطنة مصرية ومواطن مصرى وبعد استيفاء شروط معينة فى الترشح للمناصب العامة بما فيها رئاسة الجمهورية، فلا يجوز على الإطلاق أن باسم مرجعية دينية ما أو باسم اجتهاد دينى ما أن ينتقص من هذا الحق أو يخضع لشروط إضافية غير منصوص عليها فى الدستور.

للوضوح التام، الالتزام بالمرجعية الدستورية كمرجعية نهائية يعنى أن من حق المصرى غير المسلم والمصرية غير المسلمة أن يرشحا نفسيهما لرئاسة الجمهورية ولرئاسة الوزراء ولغير ذلك من المناصب العامة دون انتقاص من حقوقهما ودون شروط إضافية.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة ثالثا يعنى أن الدولة بسلطاتها ومؤسساتها وأجهزتها وفى قوانينها وممارساتها هى كيان حيادى يضمن مواطنة الحقوق والحريات المتساوية ولا يميز بين المواطنين وفقا لانتماءاتهم الدينية. حضور المرجعيات الدينية فى الدستور والقوانين وإمكانية استلهامها فى السياسات والممارسات ليس لهما أن يتحولا إلى مصدر للتمييز بين المصرية المسلمة والمصرية المسيحية، بين المصرى المسلم والمصرى غير المسلم.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة رابعا يعنى أن التعبير العلنى والمنظم عن أفكار ورؤى وبرامج سياسية تستلهم المرجعية الدينية مسموح به شريطة ألا يسمح لشخص أو جماعة أو حزب بادعاء حق احتكار الحديث باسم الدين فى السياسة وعلى أن تتحول السياسة بصراعاتها وتداولها وتنافسها وتقلباتها إلى ساحة المقدس (أى أنه لا تديين للسياسة). ففى مناظرة الأربعاء الماضى لم يمثل الأستاذ صبحى صالح رؤية الدين فى السياسة ولم يكن له أن يدعى أنه يتحدث باسم الإسلام أو الرؤية الإسلامية، فهو عبر عن رؤية جماعة الإخوان كفصيل يستلهم المرجعية الإسلامية من بين فصائل عدة تتنافس على ترجمة المرجعية هذه فى الشأن السياسى والمجتمعى العام من خلال سياسات وممارسات وإجراءات مقترحة تحتمل الخطأ قبل الصواب وأبدا لا ينبغى أن ترفع إلى مصاف المقدس بخلط بينها وبين المرجعية الدينية التى تستلهمها.

●●●

تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة خامسا يعنى أن على الأشخاص والجماعات والأحزاب المستلهمة للمرجعية الدينية فى السياسة أن يلتزموا بقبول حضور آخرين ينطلقون فى عملهم السياسى من مرجعيات وضعية غير دينية.

فلا إقصاء باسم الدين، ولا أفضلية لسياسات وممارسات تستلهم المرجعية الدينية على غيرها إلا بمعيار تحقيقها للصالح العام ورضاء المواطنين عنها. لا أفضلية للافتة الاقتصاد الإسلامى على لافتة اقتصاد السوق الليبرالية إلا بمعايير التنمية والرخاء والتقدم والعدالة التوزيعية والحياة الكريمة لكل المواطنين، ولا أفضلية لمبادئ دستورية مستمدة من شرائع سماوية على مبادئ وضعية إلا بما تضمنه من حقوق وحريات المواطنين دون تمييز وبما لا يتعارض مع الصالح المجتمعى العام.

امنحوا الأفكار الليبرالية فرصة للخروج من مصيدة اتهامها بمعاداة الدين وبإطلاقها الحريات دون ضوابط

بقلم:عمرو حمزاوي - الشروق

إنهم يُغرقون الثورة فى بحر الظلمات


لكى لا ننسى: لولا المليونيات فى ميدان التحرير لما كان كل هذا الحشد من كبار الزوار نزلاء فى «بورتو طرة» الآن، ومن ثم يجب على كل من يعطينا دروسا سطحية فى ضرورة الكف عن الاحتشاد والاصطفاف لتجديد دماء الثورة ــ التى مازال أمامها طريق طويل ــ أن يرشد قليلا فى الثرثرة والسفسطة والكلام الأجوف عن الذهاب إلى البناء.

إن أحدا ليس ضد بناء مصر الخربة بفعل 30 عاما من الفساد، لكن البناء على التربة الهشة المصابة بالنشع، عملية محفوفة بمخاطر السقوط والانهيار.

وإذا كان من حق أى مصرى أن يفتى بعلم أو بغير علم فى مستقبل مصر، فإنه لا يستقيم خلقا أن يعتبر البعض الدعوة إلى مظاهرات مليونية سلمية فى يوم الجمعة تعطيلا لعملية البناء أو تعويقا لعجلة الانتاج، خصوصا أن الفضل فى كل ما تحقق حتى الآن يرجع بعد الله إلى وعى شعب مصر بما تقتضيه مسيرة الثورة، وهو ما أدى إلى تحول مليونيات الجمعة إلى جمعيات عمومية للوقوف على ما تم إنجازه، وما يجب أن ينجز مستقبلا.

وبهذا المنظور تبقى المليونيات عملا شعبيا نبيلا ومحترما، طالما هى فى سياق الدفاع عن الثورة ضد أخطار التفتيت والتذويب والسرقة أيضا.

غير أن هذه المظاهرات الحاشدة، ولكى تحتفظ بنقائها وبهائها، يجب أن تظل قابضة على حزمة الأهداف النبيلة والمبادئ الجامعة لكل أطياف الشعب المصرى حول مطالبه المشروعة، وهو ما تحقق فى المليونية الأخيرة فى ميدان التحرير والتى أسفرت عن تساقط الرءوس الكبيرة فى نظام مبارك.

أما أن تضل الحشود طريقها، وتبدل أهدافها، وتتجه خطأ إلى ميدان العباسية، مخلية ميدان التحرير.. وتعود إلى تضييق عدسة الرؤية بحيث تختزل قضية مصر مجددا فى اختفاء وفاء وكاميليا، ونعود إلى خناقة الامتحانات بالنقاب أو بدونه، فهذا معناه أن الثورة فى خطر محدق.

وأظن أن ألف باء العدل والإنصاف أن الذين أعلنوا رفضهم للمشاركة فى الثورة حين دعاهم الناس إلى المشاركة يوم 25 يناير، بل اعتبروا أنها مظاهرات تهدف إلى الفتنة، باعتبارها خروجا على طاعة ولى الأمر، أظن أنهم لا يحق لهم أن ينقضوا عليها، ويختصروا مطالب الشعب المصرى إلى السيطرة على مسجد هنا وهناك، أو النبش فى ملفات لم نأخذ من ورائها إلا الفرقة والانقسام، والانشغال عن قضايانا الكبرى والرئيسية.

وحتى لا يزايد أحد أو يفتح معسكرات التكفير ويستخرج حفنة من الاتهامات بخذلان الإسلام ومعاداته، فإن حرية أى مصرى فى حياته ومعتقده حق أصيل ومقدس، سواء كاميليا أو وفاء أو أى مواطن آخر..

لكن هذا لن يمنعنا من التحذير من أن العبث فى خريطة الثورة، ونقل التظاهر من ميدان التحرير إلى ميدان العباسية، والاحتشاد أمام مسجد النور، بدلا من عمر مكرم، يعنى أن هناك من يريد إغراق الثورة فى بحر الظلمات

بقلم:وائل قنديل - الشروق

الثورة من السياسة إلى الفكر


ثورتنا حتى الآن سياسية (أى ضد الساسة الذين كانوا يحكموننا)، ولكنها ليست ثورة فكرية بعد، لم نزل نفكر فى أغلبنا بنفس الطريقة القديمة.

أغلب المصريين يعيشون معضلة «المأزق المفتعل» (false dilemma) وهى تقوم على افتراض أن أى سؤال له إجابة واحدة صحيحة وإجابة واحدة خطأ، وبما أن الكثير من الأمور الفكرية والثقافية والدينية تتأبى على هذا الافتراض، فإن الإنسان صاحب هذا المأزق المفتعل يفترض أنه هو مركز الإجابة الصحيحة، وكل من هم عن يمينه مخطئون وكل من عن يساره مخطئون.

ولى خبرة مباشرة تؤكد أننا مصابون (بدرجة ما) بهذا المرض، فقد وصفنى البعض بحدة بأننى إخوان (أو على الأقل خرجت من عباءتهم). وقد وصفنى آخرون بأننى علمانى متغرب (أو على الأقل مهزوم نفسيا تجاه الغرب)، وظننت فى لحظة أن الخطأ من عندى، لأننى أقول كلاما يمكن أن يفسر على أكثر من وجه، ولكن هل من الممكن أن أصل إلى أن أكون الشىء ونقيضه ثم نقيض النقيض فى الاتجاه المعاكس؟

ولكن إذا عدنا إلى ما كتبه جون ستيورت ميل عن المنطق وطرائق الاستدلال لفهمنا بعضا من هذه المعضلة. فالعقل البشرى يستريح لتسكين الناس فى أقل عدد ممكن من الخانات المعروفة سلفا ويقاوم بشكل فطرى محاولة ابتكار خانات جديدة، وهى وفقا لتعبيره «عقلية الطفل» الذى ينظر للناس إما كأصدقاء يبتسم لهم أو أعداء يبكى حين يراهم، ويذهب جون ستيورت ميل للاعتقاد بأن جميع مناهج المعرفة الإنسانية المنظمة (العلم والفلسفة تحديدا) كانت تهدف لأن تضيف للخانتين الأولى والثانية الخانات الثالثة والرابعة... إلخ، ومن هنا كان يرى أن هناك فروعا من العلم لابد أن يدرسها كل الطلاب فى كل التخصصات، وعلى رأسها «المنطق» لأنه يساعدنا على حسن الاستنتاج، بغض النظر عن نوعية المعلومات التى نمتلكها أو كما يقول الجرجانى: المنطق هو العاصم من الخطأ فى التفكير.

نحن بحاجة للثورة فى منهج التفكير الخلاق، فمشاكل المجتمعات المعاصرة ليست بسيطة أو فطرية، وإنما هى شديدة التعقيد بما يتطلب تفكيرا جدليا مركبا يأخذ فى الاعتبار أسئلة من قبيل: من نحن؟ وماذا نملك ولا يملكه غيرنا؟ وما الذى يملكه غيرنا ولا نملكه؟ وما هى تكلفة الفرصة البديلة إن تبنينا ما يملكه غيرنا؟ هل يمكن الجمع بينهما؟ مثلا هل يمكن أن نحترم ادعاء الحكم بشرع الله دون احترام شرعية الشعب بما قد يفضى إليه هذا من دولة ثيوقراطية؟ هل يمكن أن نحترم شرعية الناس دونما اعتبار لشرع الله بما قد يفضى إلى دولة علمانية؟ هل من الممكن الجمع بينهما كى نقدم نموذجا يحترم ثوابت الشرع ويلبى شرعية الشعب؟، أعتقد أن البديل الأخير هو الأقرب إلى الشرع الشريف ومن الصالح العام.

وكى نفكر سويا، فلابد من التدرب على الاختلاف فى الرأى، ولنتخيل سويا هرما له قاعدة وله رأس وبينهما أدوار من البدائل المتاحة لنا.
●●●

فأولا فى قاع الهرم هناك ما يمكن تسميته «سب الشخص» (name-calling) وهو أدنى مراتب الاختلاف ومع الأسف الأكثر شيوعا. وفيه تنطق بعض الألسنة بما فى النفوس فتهوى بأصحابها.

الطابق الأعلى مباشرة فى هرم الاختلاف هو «مهاجمة الشخص» (ad hominem) ليس بالسب ولكن بتوجيه انتقادات ليس لها علاقة بجوهر الفكرة المطروحة، فننشغل بالأشخاص والأشياء أكثر من مضمون ما يقدمونه من أفكار وتحليل للأحداث، فيُتهم كاتب ما بأنه من «من محاسيب إيران» لأنه يوضح أن إيران نجحت فيما أخفقت فيه مصر سابقا من تحقيق معدلات أداء اقتصادى وعسكرى وتكنولوجى، ومع ذلك من الممكن أن يكون انتقاد الكاتب مبررا إذا كان مبنيا على أسباب (حتى لو اختلفنا معها)، كانتقاد من يدافع عن حزب أو جماعة بانتقائية شديدة للمعلومات أو بتزييفها، ولكن هنا لا نقول إن هذا الأسلوب هو «مهاجمة للشخص» وإنما هو انتقاد لمصداقيته أو منهجه بأدلة مرتبطة بالقضية موضع النقاش.

الطابق الثالث فى هرم الاختلاف هو «مناقشة التوجه العام» (responding to tone) وهو أقل النقاشات الجادة سوءا، إذن نحن بدأنا نناقش نقاشا علميا ولكن فى أدنى مستوياته لأننا بدأنا نناقش الموضوع وليس كاتب الموضوع، وهنا يكون الانتقاد موجها للتوجه العام للموضوع دون تحديد أين مواضع الخلل فيها بشكل مباشر، فكأنك ترسم دائرة كبيرة على مقال وتقول هذا مقال:

«متأسلم» أو «تجارة بالدين» أو أن المقال من «أوهام العلمانيين المتغربين». هذا توجه عام يمكن أن يكون مرفوضا عند شخص ما، لكن ما الفائدة التى عادت على القارئ أو المستمع ما لم يقدم الرافض أسبابا واضحة للرفض بحيث تكون قابلة للنقاش؟

الطابق الرابع فى هرم الاختلاف هو «المعارضة» (opposition) وهنا نكون بدأنا فى النقاش الجاد فعلا، فيقدم الكاتب ما يفيد اعتراضه على ما يقرأ أو يسمع مع بعض الأدلة هنا أو هناك بما يثبت وجهة نظره، وقد تكون المعارضة للفكرة المركزية (central point) أو لقضية هامشية أو استشهاد يراه المعترض فى غير محله لكن مع الموافقة على الفكرة المركزية.

الطابق الخامس فى هرم الاختلاف يتمثل فى تقديم طرح بديل (counterargument)، وبالتالى هو اعتراض واضح على المقولة المركزية ومعها أسباب الرفض ثم طرح فكرة مغايرة تماما للفكرة الأصلية.

والطابق السادس والأخير أن يكون كل ما نكتبه إما عليه دليل أو على الأقل يمكن إثباته (provable) أو يمكن دحضه (falsifiable) بالرجوع إلى مصادر معلومات وأفكار أو خبرات دول أو أشخاص آخرين حتى يمكن القياس عليها والاستفادة منها.
●●●

هل تعلمون أن كل مجتمع بشرى احتاج قرونا كى ينتقل معظم أفراده من طابق لآخر؟، ولنأخذ مثالا بالعقل الأوروبى حيث بذل فلاسفة اليونان جهدا هائلا لإثبات فكرة الذات العاقلة فى مواجهة الأساطير الموروثة وحكم الكهنة، واحتاج العقل الغربى قرونا كى ينتقل من الذات الاستنباطية (سانت أوجستين) إلى الاستقرائية (بيكون)، ثم إلى الذات المفكرة والمتشككة (ديكارت)، والتى لها حقوق غير قابلة للمساومة والانتقاص (كانط).

أزعم أن الكثير من حواراتنا، بالذات التى يكون الدين طرفا فيها، تتحول تلقائيا إلى منطق «الذات الاستنباطية» التى يصبح فيها الشخص وما قرأ أو سمع (مهما كان قليلا) هو المرجعية ومن يخالفه «لا يعترف به». شاب فى العشرينات من عمره قال لى «إنه لا يعترف بالشيخ القرضاوى» فسألته عمن يعترف به إذن قال لى: «العلماء الثقات مثل ابن باز وابن عثيمين وآخرين». قلت له سبحان الله: إن هؤلاء وصفوا الشيخ القرضاوى بأنه «علامة» وهو وصفهم بأنهم من «أعلام الاجتهاد» وصدق قول القائل: «من وسع علمه قل إنكاره» و«لا إنكار فى مختلف فيه». ولكن فهم هاتين القاعدتين أصلا يحتاج ثورة فكرية.

بقلم:معتز بالله عبد الفتاح - الشروق