Showing posts with label تونس. Show all posts
Showing posts with label تونس. Show all posts

Monday, January 24, 2011

الفرق بين تونس ولبنان

بينما يتنفس التونسيون عطر ثورة الياسمين على أمل تحقيق ما ظل الشعب محروما منه طوال ربع قرن من غياب الحريات.. فيقرأون صحفا لم تمسها يد الرقابة، ويتحاورون ويتجادلون كما يشاءون فى المقاهى والطرقات حول القضايا السياسية الراهنة، ويخرجون إلى الشوارع احتجاجا، ويستمعون إلى خطب يوم الجمعة دون أن تملى عليهم من أجهزة الأمن، ويتحركون فى المحافل والجامعات بغير حرس جامعى يراقب كل حركة وسكنة.. وتعقد الأحزاب وقوى المجتمع المدنى والمنظمات الحقوقية اجتماعاتها دون خوف من اعتقال أو مطاردة. وينشط الشباب إلى الإنترنت والفيس بوك ووسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة بعد أن ألغيت وزارة الإعلام (الاتصالات).. تجد تونس نفسها الآن أمام حقائق جديدة لابد من استيعابها. تملى على أى نظام سياسى ضرورة إعادة النظر فى الأوضاع القائمة، ومحاولة ملء الفراغ السياسى والدستورى الذى خلا بخلع نظام بن على وبطانته.

وهنا تكمن المشكلة. فالذين وجدوا أنفسهم فى موقع المسئولية، هم أنفسهم الذين يطالب الشعب بتغييرهم والتخلص منهم. وقد أحسنت الحركة الشعبية صنعا، وبالذات قيادات المجتمع المدنى واتحاد الشغل (النقابات) حين أصرت على استبعاد الغنوشى نفسه وكل وزراء الحزب الدستورى الذين وقفوا مع الطاغية، وتشكيل حكومة انقاذ وطنى. واضطر الغنوشى إلى التسليم وتعهد باعتزال العمل السياسى بعد انتهاء الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات، وتولى حكومة جديدة زمام المسئولية.

غير أن الخروج من المأزق الراهن لن يكون بهذه البساطة.. فقد أعطى التأييد الشعبى الجارف زخما للحركة التى انطلقت من غضبة تلقائية لشاب أشعل النار فى نفسه احتجاجا على ما يعانيه من بطالة ومطاردة أمنية.. كان الحادث نوعا من طلب الخلاص والتحرر من ظروف اجتماعية خانقة.. صرخة فى وجه الطغيان وتحريضا للشعب على المواجهة.

واستجاب الشعب التونسى للصرخة. ولكن المشكلة التى بقيت تواجه الثورة أن المجتمع التونسى تعرض خلال سنوات طويلة من القمع والكبت لتجريف سياسى قاصم. أفرغ تونس من قيادات وشخصيات سياسية نافذة اضطرت إلى الهروب إلى المنافى فى باريس ولندن. وأرغم الأحزاب وقوى المعارضة ــ التى كان يمكن أن تملأ الفراغ السياسى الراهن ــ على التوارى والاختباء أو ممالأة الحزب الحاكم. وهى صورة تتكرر فى معظم البلاد العربية التى تدعى الديمقراطية.. حيث تنطفئ مصابيح الأمل ويسود اليأس أجيالا صاعدة، ويظلم المسرح فلا يبقى على خشبته غير وجوه صفيقة لا تتغير. وتسمع الحجة التى تسمعها فى مصر كثيرا عن عدم وجود صف ثان.

بعض المعلقين يرون أن نجاح ثورة شعبية فى بلد مسلم كتونس، قامت بدون تنظيم إسلامى يحركها ولا زعامة توقدها ــ دليل على المخاوف التى سرت فى بدن النظم العربية، والتى أقامت سياستها على أساس أن الإصلاح والتغيير، لا يمكن أن يتحقق إلا من أحد طريقين: فرض نظام حكم شمولى صارم، أو ترك المجتمعات العربية لقمة سائغة بين يدى التطرف والتعصب الذى تغذيه بعض الحركات السياسية الإسلامية. وانتهى الأمر إلى تفضيل الديكتاتورية المطعمة بالفساد. وهذه كما كشفت أحداث تونس وجهة نظر عقيمة فاسدة. تشجعها أمريكا والغرب بحجة مكافحة الإرهاب!

إن الصور التى حملتها محطات التليفزيون، تعكس من خلال تفاعلات الشارع التونسى وجوها لشباب وشابات رجالا ونساء من مختلف الأعمار.. جيل جديد من المحتجين لا تحركه شعارات إسلامية أو نداءات طائفية أو حزبية، بل مطالب ديمقراطية لحكم نظيف قادر على محاربة الفساد. وهى مرحلة من النضج لم تتوفر حتى الآن فى عديد من الشعوب العربية ومنها مصر.

وحتى هذه اللحظة لم يسمح التونسيون لأطراف خارجية بالتدخل فيما يجرى فى تونس، حتى عندما تطوع العقيد القذافى بالدفاع عن بن على. وهذا هو الفرق بين تونس ولبنان. فحيث تتشرذم القوى السياسية فى لبنان، ويبحث كل فريق عن شرعية خارجية تسانده، يصبح انهيار الدولة محتوما، ويصبح تدخل الغرب مقدرا. وذلك ما تسعى تونس إلى تجنبه، حفاظا على انجازات قد تذهب هباء، إذا تغلبت حالة الفوضى ولم تنجح القوى السياسية فى التوافق على حل للخروج من المأزق الراهن

بقلم:سلامة أحمد سلامة- الشروق

Friday, January 21, 2011

المُدوِن التونسي سليم عمامو.. من معتقل إلى وزير في حكومة الغنوشي

بعد أيام من إطلاق سراحه من السجن، تحول سليم عمامو من مُلاحَقٍ أمنيًّا إلى وزير للدولة مكلف بالشباب. وفيما يخشى البعض أن يكون تعيينه مجرد لمسة تجميلية، يرى آخرون أن عمامو سيدعم حرية الرأي ومناهضة الرقابة على الانترنت

من المعتقل إلى عضو داخل الحكومة التونسيةالمؤقتة، وصف يختزل مسيرة المدون التونسي سليم عمامو، الذي كان اعتقل في السادس من الشهر الحالي إبان الاحتجاجات الواسعة في تونس بتهمة الانتماء إلى مجموعة "أنونموس" التي مارست القرصنة الالكترونية ضد مواقع للحكومة التونسية قبل إطلاق سراحه في 13 من الشهر نفسه، أي بيوم من سقوط بن علي.

الشاب البالغ من العمر 33 عاما الذي وقع الاختيار عليه لشغل منصب كاتب الدولة(وزير دولة) المكلف بالشباب لدى وزير الشباب والطفولة، عُرف "بحملاته ضد جهاز الرقابة في تونس والمعروف باسم "عمار 404" وبنضاله من أجل حرية التعبير وفتح المجال الالكتروني لكل التونسيين دون رقابة أو وصاية"، وفق ما يصفه صديقه وزميله في النضال من أجل رفع الرقابة عن الانترنت في تونس المدون التونسي سفيان الشورابي في حوار مع دويتشه فيله.

"الانتصار على عمار 404"

ويعرب الشورابي، الذي لم يتجاوز عمره 28عاما، عن ثقته بأن تواجد المدون سليم عمامو داخل الحكومة التونسية المؤقتة من شأنه أن يشكل "صمام الأمان أمام أي محاولة للالتفاف على مطالب التونسيين في الدخول إلى شبكة الانترنت دون أي رقابة". ويؤكد قائلا: " تواجده سوف يساهم في إدراك مسيري البلاد أن عهد ممارسة الرقابة على عقول التونسيين قد ولى ومضى مع انتهاء عهد الخوف". ويشدد سفيان الشورابي على أن سليم عمامو "سوف يلعب دورا كبيرا في إعادة إحياء دور المؤسسات الشبابية في تونس التي تعد مهترئة ولا تلعب أي دور كبير في الاتصال بالشباب".

وقد ذاع صيت المدون سليم عمامو خلال تغطيته للاحتجاجات الواسعة من خلال مدونة "نواة تونس"، التي يعتبر أحد مؤسسيها، وذلك في ظل الحظر الذي كان مفروضا على الإعلام الرسمي والخاص. وكانت هذه المدونة، التي قيل أنها قد تعرضت عديد المرات لمحاولات قرصنة وحجب من قبل "عمار 404"تنشر تقارير صحفية عن الاحتجاجات في شتى أنحاء البلاد ومقاطع فيديو للأحداث، كاسرة بذلك الحظر الذي حاول نظام بن علي فرضه على شتى وسائل الإعلام.

كما شكلت مدونة "نواة تونس" المنصة للتونسيين للتعليق على الأحداث والتعبير عن غضبهم من بن علي ومطالبهم له بالرحيل.وكان عمامو قد دعا في 22من أيار/مايو الماضي إلى تنظيم مظاهرة أمام مقر وزارة تكنولوجيا الاتصالات في تونس للاحتجاج على الرقابة الشديدة التي كانت السلطات التونسية تمارسها على الانترنت. وقامت الشرطة التونسية إبانها بالحيلولة دون تنظيم هذه المظاهرة.

"إيصال صوت شعب الانترنت"

سليم عمامو نفسه، عُرف بصورة شاب يدخن الغليون ويضع نظارات ذات إطار أسود، تناقلتها المدونات التونسية والصفحات المختلفة على موقع فيسبوك، حين تعرض للاعتقال، قال في حديث لقناة تي.أف.1التلفزية الفرنسية أنه لم يكن يسعى للحصول على أي منصب سياسي وإنما قد "فوجئ حينما وقع عليه الاختيار قبل نحو نصف ساعة من الإعلان عن تشكيلة الحكومة المؤقتة".

وشدد عمامو على أن تغطيته للاحتجاجات الواسعة التي أدت إلى الإطاحة ببن علي ونشاطه المناهض للنظام البائد على شبكة الانترنت لم يكن نابعا من أي انتماء سياسي، مؤكدا أنه لا ينتمي إلى أي حزب سياسي وأنه لم ينشط أبدا سياسيا، وأن هدفه كان إيصال صوت "شعب الانترنت".

وعلى الرغم من أن المدونات والمواقع الالكترونية الاجتماعية على غرار "فيسبوك" وبدرجة أقل "تويتر" قد لعبت دورا مهما في نشر الأخبار والصور في كسر التعتيم الإعلامي الذي فرضه النظام المطاح به، على الاحتجاجات الواسعة وتونس، بل واستخدم وسائل الإعلام في تشويهها، إلا أن عمامو يؤكد أن الشباب التونسي هو "من صنع الثورة". ويوضح عمامو بأن التونسيين "هم الذين خرجوا إلى الشوارع وتظاهروا" ضد نظام بن علي وضد الفساد وضد القمع.
مطالب بعدم مشاركة عمامو في الحكومة المؤقتة.

ولكن كثيرة هي الأصوات المنادية بعدم مشاركة سليم عمامو في الحكومة المؤقتة، التي تعتبر" غير شرعية" في نظر قطاع من التونسيين الذين شاركوا في الاحتجاجات وما يزالون يقومون بها، ويعللون رأيهم بأنها تضم وزراء من عهد الرئيس المخلوع، كما يطالبون أيضا على المدونات وفي موقع "فيسبوك" بعدم الانضمام إلى حكومة – حتى وإن هي مؤقتة –خشية أن "تلتف على ثورتهم".

وقد كتب أحدهم تعليقا في مدونة "نواة تونس" يقول من خلالها أنه قد سئم "رؤية هؤلاء البورجوازيين" في إشارة منه إلى عمامو، معتبرا أن "هؤلاء دائما من المحظوظين"، قبل ثورة الياسمين وبعدها.

وبالفعل فإن عمامو صاحب شركة مختصة في الاستشارات في مجال الانترنت لم يكن من أولئك الذين الشبان يعانون البطالة، والآن إذا به يُعيّن كاتبا للدولة مكلفا بالشباب، وربما هذا ما يزيد من مخاوف البعض من أن تعيين عمامو إنما هو "مجرد إجراء تجميلي" لا غير.

غير أن سفيان الشورابي يؤكد في مقابلة مع دويتشه فيله أن سليم عمامو "ليس من أولئك الذين يمكن التلاعب بهم بهذه السهولة". ويعرب عن ثقته في دور عمامو، ويقول: "في حال حدوث أي محاولات لإخراس أصوات المدونين أو النشطاء على الانترنت، فلا أعتقد أن سليم عمامو سوف يواصل توليه هذه المسؤولية". ويتحدث سفيان، وهو بدوره صاحب مدونة "تونس أخرى ممكنة"، على لسان أبناء جيله، الذين تظاهروا في الشوارع وكسروا التعتيم عبر الانترنت، قائلا: "المدونون الآن يعلقون آمالا كبيرة على أن يحافظ سليم عمامو على هذه المكاسب التي تحققت بفضل انتفاضة التونسيين."

شمس العياري

مراجعة: منصف السليمي

Thursday, January 20, 2011

العدوى التونسية

بدأ الخوف من «العدوى التونسية» قبل أن تبلغ الانتفاضة ذروتها وتُسقط حكم الرئيس بن على، طال هذا الخوف حكومات فى بلاد عربية أخرى لا تختلف ظروفها الموضوعية كثيراً عن تونس.

تمكنت الحكومة الجزائرية من احتواء الاحتجاجات التى وقعت فى بعض المناطق عبر إجراءات فورية لتجميد الضرائب على بعض السلع الغذائية.

أما الحكومة الأردنية فقد اتخذت إجراءات سريعة للحد من ارتفاع أسعار الغذاء، ومع ذلك خرجت مظاهرات واسعة نسبيا الجمعة الماضى. وكان واضحا تأثير الأحداث فى تونس عبر الشعارات التى رُفعت فيها مثل ( هلا يا أردن هلا.. الموت ولا المذلة).

إنها، إذن، العدوى التى تخشى حكومات عربية عدة أن تنتقل من تونس التى حقق شبابها تحولاً نوعياً فى التعبير عن الغضب المتراكم من جراء سياسات أدت إلى تفاقم الفقر وتضخم ثروات الأكثر ثراء.

وبالرغم من أن أجهزة الدولة المصرية تتميز بحساسية خاصة فى مثل هذه الظروف، فقد أبدى بعض أركان الحكومة وأباطرة المال ثقة مفرطة عبر تأكيد أن ما حدث فى تونس لا يمكن أن يؤثر فى مصر، وإذا كان صحيحاً أنه لا استنساخ ولا عدوى بالمعنى الدقيق فى التطور السياسى والاجتماعى، فهذا لا يمنع التأثير والتأثر.

ولذلك يبدو أن هؤلاء ينامون على حرير ولا يشعرون بما آلت إليه الحال فى قاع المجتمع، فالمعاناة المتزايدة لا تقتصر على القاع السحيقة، حيث تستحيل الحياة الآدمية بالنسبة إلى الخُمس (٢٠%) الأفقر من السكان الذين يحصلون على نحو ٩% من الدخل الكلى، فى الوقت الذى يستحوذ الخُمس (٢٠%) الأكثر ثراء على نحو ٤٠% من هذا الدخل.

فإلى جانب أهل القاع الأشد فقرا، يعيش نحو ٢٠% آخرون فى فقر تتفاوت معدلاته ويأس تزداد مرارته، بعد أن فقدوا الثقة فى الوعود البراَّقة على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

وبالرغم من أوجه اختلاف عدة بين الأوضاع فى تونس ومصر، فهذا وضع لا يبعث على الاطمئنان حتى بافتراض أن المطمئنين يمتلكون خططا لا سابقة لها لمعالجة التناقضات الاجتماعية الهائلة التى ترتبت على سياساتهم، فقد كان نظراؤهم فى تونس سعداء بالنمو الاقتصادى الذى تحقق لسنوات وأدى إلى شيوع اعتقاد فى أنهم حققوا معجزة.

صدق الكثيرون فى العالم قصة المعجزة التونسية التى كشف الشاب محمد بوعزيزى حقيقتها عندما أحرق نفسه، فأوقدت ناره حماس شباب صبروا طويلا وتراكم الغضب فى صدورهم.

وليست هناك مناعة إزاء مثل هذا التحول فى أى مجتمع يبلغ فيه التناقض الاجتماعى مستوى مماثلا لما وصل إليه فى تونس، حتى إذا اقترن هذا التناقض بتشظى المجتمع وتشرذمه وتفتت المصالح فيه كما هى الحال فى مصر، فهذا التفتت يحول دون نشوب انتفاضة اجتماعية يجمع المشاركين فيها هدفُ واحد ومصالح منسجمة ، ولكنه لا يمنع انفجار هبَّات متزامنة لأهداف متنوعة يمكن أن يربط بينها غضب عام ذو طابع عشوائى.

وليس صعبا الاستدلال على هذا الغضب فى أوساط عدة فى المجتمع المصرى، ويمكن أن يؤدى انتشاره إلى إضعاف «المناعة» وتقليل القدرة على مقاومة عدوى النزول إلى الشارع، حين تنتقل من مصدرها وتنتشر فى المنطقة، ففى هذه الحالة، يمكن لعدد من الاحتجاجات الاجتماعية الصغيرة التى صارت معتادة فى مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة أن تتحول إلى هبَّات تحمل هى العدوى داخلياً وتنشرها، ولكن دون أن تنتهى بالضرورة إلى النتائج التى أسفرت عنها الانتفاضة التونسية.

وتدلنا التجارب عبر التاريخ الحديث على أن الهبَّات المتزامنة التى لا يجمعها إلا الغضب المتراكم فى الصدور تكون أخطر من الانتفاضة التى يجمع المشاركين فيها هدف محدد أو أكثر، وحتى هذه الانتفاضة التى بدأت سلمية راقية فى تونس، انتهت إلى انفلات وأعمال للسلب والنهب لا يتمنى أحد حدوث مثلها فى بلاده.

وهذا هو ما ينبغى أن يعرفه النائمون على حرير والمطمئنون إلى أن تفتت المجتمع يجعله عاجزا عن الانتفاض، والمراهنون على أن تشوه وعيه يجعل الدين هو العامل الرئيسى بل الوحيد الذى يمكن أن يحركه.

وليتهم يعرفون أيضا أن إمكانات تسكين بعض الآلام الاجتماعية الناتجة عن سياستهم تتناقص، وأن الحذر من إجراءات صادمة للناس قد لا يمنع «القدر» فى حالة تقلص هذه الإمكانات، فالآثار المالية السلبية الناجمة عن العلاوات الاجتماعية التى أصبحت سنوية ودعم السلع والخدمات تتراكم وتتفاقم عجزا متزايدا فى الموازنة العامة وزيادة مخيفة فى الدين العام المحلى تقترب من تريليون جنيه (نحو ثمانمائة مليار الآن).

فإذا اضطرت الحكومة، تحت ضغط هذه الآثار المالية، إلى تقليل المسكنات الاجتماعية، قد يصبح الجسد الاجتماعى المصرى مهيأ لتلقى أى عدوى تونسية أو غيرها، إذا لم يستيقظ النائمون على حرير بعيداً عن قلب المجتمع

د. وحيد عبدالمجيد-Almasryu Alyoum

نعشق "فجر تونس الجديد"..يرعبكم ويلهمنا

كانت مواقف المسئولين العرب من ثورة تونس المجيدة التي زلزلت سبات العرب، مثيرة للشفقة وللسخرية أحيانا. فذاك قرر أن يعبر عن تأيده لرغبة الشعب التونسي في التغير وحقه بتقرير مصيره ، وانبرى أحدهم بالتغزل في شجاعة الشعب التونسي، أما "قائد ثورة الفاتح من سبتمبر" فقد هاجم "ثورة الياسمين".


عجيب أمر المتحدثين باسم أوطاننا.. رغم أننا موقنون أنهم ينطقون بما لا يعلمون، إلا إننا نذكر السادة رعاة ما تبقى من هذه الأوطان.. أليس كل زقاق ومدن العرب كسواد "تونس بن على"؟ أليس في شوارعنا كل يوم مناحة جوع وفقر وقمع وفساد؟ أليس لديكم "بوليس" ومخابرات وأمن دولة ومباحث ومتلصصين ومخبرين وإعلام يرقص في أحضانكم؟ ألستم تجيشون مئات الآلاف من المدججين بـ"القمع" لإرهاب شعوبكم تحت مسميات مكافحة الشغب والإرهاب، لأنهم يطالبون بالعيش الكريم؟

هل كان وحده زين الفارين وحرمه المصون من نهب الأرض وما تحت الأرض وقوت الشعب؟؟

هل كان نظام "المخلوع" الوحيد الذي "يحتقر لشعبه ولا يعتقد انه يستحق الحرية"؟، لأنه كان يؤمن بأن هذا الشعب "خانع ذليل ولن يواجه نظامه وساديته".

يا سادة، زين العابدين بن علي وحتى قبل لحظات من خلعه مقتنع بأن شعبه "جبان وخانع"، ولكن هذا الشعب قرر أن ينفجر ليس على طريقة "الفزعة" العربية بل على بطريقته الخاصة: "ثورة حتى الخلاص"، بمعنى يكفي "قَرَفْ".

صحيح أن ثورتهم بدأت شرارتها من شوارع سيدي بوزيد بعد أن أقدم محمد البوعزيزي على حرق نفسه، وامتدت الى كل بقعة من تونس، لكنها بالتأكيد تفجير لـ"كبت قاتل"، وأصبحت الحياة لا تُحتمل في ظل ديكتاتورية لا مثيل لها في القرن الحادي والعشرين، سوى في وطننا العربي الكبير، مع فرقٍِ بحجم "الخوازيق".

الثورة التونسية لم تكن من أجل لقمة العيش وضد البطالة وارتفاع الأسعار وضياع الأجيال فحسب، لأن التونسيين عاشوا هذه الأوضاع أثناء حكم الحبيب بورقيبة ولم يسقطوه، وسبق أن وعد بن علي في أيامه الأخيرة بتوفير الوظائف وتخفيف الأسعار لكن التونسيين أصروا على تحرير أنفسهم من الاستبداد والعبودية والذل، فقرروا العيش بكرامة وأمن وسلام، لأن الإنسان لا يحي بفتات الخبز وحده يا سادة.

التونسيون أرادوها "ثورة" وليس "انتفاضة"، ثورة ضد نظام احتل تونس وعاث فيها فسادا وتنكيلا وتكميما، وليس تجويعا فقط.

التونسيون ثاروا على الديكتاتورية التي لم تتسامح مع الإعلام وحرية التعبير وشددت الرقابة على الانترنت وقلمت المعارضة وحولتها الى "ديكور" في قصور النظام، وعزلت الشعب عن العالم وهمشته على أرضه.

يا سادة أخطر ما أقدم عليه بن علي أنه أهان التونسيين وجرح كرامتهم، واستخف بذكائهم وشبه نفسه بالقائد المتنور التقدمي الذي يعمل من أجل مصالح تونس، فمنع الآذان وأغلق الساجد وحارب الحجاب ورخص للموبقات والخمارات وفتح البلاد لكل غرباء الأرض حتى أصبح الشعب طريدا في وطنه.

ثورة تونس المجيدة لم تخلع الديكتاتور فقط، بل علقته بين السماء والأرض بطائرته "الحرام"، لا صديق ولا حليف يقبل به، باعه الجميع حتى حاشيته وأمنه وجيشه، وقبلته السعودية حبيسا ذليلا ، ممنوعا من الكلام، وكأن تاريخه الأسود ينقلب عليه.

المفارقة العجيبة والتي تدل على عنجهية ذلك الدكتاتور أنه لم يحفظ النشيد الوطني التونسي الذي يُعزف ويُنشد كل صباح، و يقول في بعض أبياته:

فلا عاش في تونس من خانها **ولا عاش من ليس من جندها

نموت و نحيا على عهدها **حياة الكرام و موت العظام

إضافة لبيتين شهيرين للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة **فلا بدّ أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي **ولا بد للقيد أن ينكســر

التونسيون ادخروا لهيب هذه الأبيات ليوم الجمعة 14 يناير/كانون الثاني، فطردوا من خان الوطن واستخف بالكرام ورثة البطولات والثورات ضد كل دخيل ومستعمر وخسيس.

أيها السادة، قد لا تحدث الثورة التونسية تغيرا كبيرا فيكم رغم قلقكم وخوفكم، لأن لكم قدرة عجيبة على البقاء، ولنا "صبر جميل ...". لكن درس تونس الذي يجب أن تفهموه جيدا هو أن صمت الشعوب الظاهر قد يكون خادعا.

فأنتم مطالبون بثورة بيضاء على أنفسكم وسياساتكم وأنظمتك التي تحكمون بها قبل أن يصفع رجل أمن شابا عربيا آخر فيتحول جسده لفتيل ثورة شعبية لا تبقي ولا تذر.

التونسيون يا سادة يحبون الأرض والخبز، لكنهم يعشقون الياسمين والحرية أكثر، ونحن كذلك


رائد العابد -

رئيس تحرير شبكة الإعلام العربية محيط

المياه والإرادة الشعبية

من وحى تونس أكتب هذه المرة، وأعترف من البداية بفرحتى وتعاطفى مع الشعب التونسى، ليس فقط لأنه شعب عربى أشعر بدرجة غير قليلة من قرابتى منه، وإنما لأنه شعب.. شعب له إرادة جماعية يعبر عنها بالطريقة التى يحددها وحده، بعيداً عن حسابات الآخرين وتقييمهم لما يفعل.

لست معنياً كثيراً بأن يكون ما يجرى سليماً تماماً أو تشوبه بعض الأخطاء، لا يهم، المهم فى هذه المرحلة هو تحقق الإرادة الشعبية. أخذت أتابع الأخبار وأتأمل الأحداث محاولاً العودة - كل حين - إلى الحكمة التى أضعها فى مقدمة أولوياتى، أو هكذا أحاول، وأتصور أننى أفعل.

عدت إلى الحكمة، وتركتها تعلمنى أن إرادة الشعوب لها قوة جارفة كقوة المياه الفياضة التى نشاهد ثورتها فى نفس نشرات الأخبار التى تعرض أحداث ثورة تونس.. وأين الحكمة فى ذلك؟

الحكمة تكمن فى أهمية استيعاب الدرس، الذى يؤكده التشابه بين الفيضانات الكاسحة وثورات الشعوب، لا يستطيع أحد أن يمنع هطول الأمطار لتملأ الأنهار، وتغرق الوديان، وتقتلع المدن والجسور، كما أنه لم يُخْلَقْ بعدُ - وأظنه لن يُخْلَقَ أبدًا - من يستطيع أن يقف فى وجه ثورة شعبية حقيقية.. ثورة تقتلع الفساد من جذوره، وتطيح بأعداء الشعب، الذين نجحوا فى استغلاله أو استعباده أو خيانته بتسهيل مهمة من يتربصون به وبمصالحه.

الانقلابات العسكرية قد تفشل، وينجح أصحاب السلطة فى السيطرة عليها، تمامًا كما تنجح البلدية وشركة المياه فى السيطرة على المياه المندفعة من ماسورة مكسورة نتيجة لأعمال حفر فى مترو الأنفاق.

العدوان العسكرى الخارجى يمكن التصدى له والقضاء عليه مثلما يحدث فى حالة المياه التى تتجمع على السطح عند انسداد المزراب الذى يُصَرِّف المياه أولاً بأول... أما الثورة الشعبية التى تعبر عن إرادة جماعية متحدة، فهى تسير فى طريقها حتى تحقق أهدافها تحطم أىَّ شىء يقف أمامها، كما تفعل الفيضانات التى تحاصرنا من أقصى الشرق فى أستراليا، وأقصى الغرب فى البرازيل.

المياه والإرادة الشعبية لا يجوز لأحد أن يتحداهما ويحاول منعهما منذ بضع سنوات أخطأنا بالبناء فى مخرات أو ممرات السيول، فجاءت فى موعدها لتقتلع كل بناء أحمق غرس أساساته فى طريقها، كما تغرس الناموسة شوكتها فى ذراعى، فيسهل علىَّ اصطيادها.

يخطئ بعض الحكام بتجاهل الإرادة الشعبية والتعالى عليها.. يعميهم غرورهم الأمنى عن إدراك الخطر المتنامى حتى يفلت الزمام. لهؤلاء نقول: أَنْصِتُوا للشعب، وتعرفوا على رغباته وآماله وطموحاته لتنفذوها، فما أنتم فى مواقعكم إلا للسهر على راحة شعوبكم وتحقيق أهدافها التى يحددونها هم. توقفوا عن لعب دور الأب أو الأخ الأكبر فى تعاملكم مع الشعب، فمن غير المقبول أن يقول حاكم لشعبه: أنا أكبر منك، وأعرف مصلحتك. هذه الوصاية التى يفرضها بعض الحكام على شعوبهم هى الوقود المثالى لإشعال الثورات.

الطريف أن هذا كله يحدث على الرغم من عدم تعارض المصالح بين الشعب وحكامه، فالكل ينشد أن يعيش فى أمان وكرامة، وينعم برزق عادل يتناسب مع موارد الدولة أو المملكة، وهى موارد قابلة للزيادة دائمًا لو أحسن الحكام تجميع وتوحيد الطاقات الفكرية والإبداعية، وتحفيز أبناء الأمة على إتقان عملهم والتفانى فيه، فيعم الرخاء على الجميع حكامًا ومحكومين.

الشعوب لا تهوى الثورات، فلا يوجد من يلجأ إلى الصدام والقتال والتعرض للمخاطر المختلفة إلا عندما تُسَدّ كل الأبواب فى وجهه، وحتى عندها لا يثور إلا إذا تأكد له أنه يعيش فى وادٍ من المعاناة والألم، بينما يستمتع الحكام وحاشيتهم بحياة ألف ليلة وليلة.

لو وعى الحكام الدرس تسعد الشعوب، ويسعد الحكام، أما من يقف فى وجه الطوفان فمصيره كمصير قوم سيدنا نوح -عليه السلام- الذين سخروا منه.

هنيئًا لتونس، وكل الشعوب التى يدرك حكامها حكمة «المياه والإرادة الشعبية» قبل فوات الأوان.

ليست مصادفة أن تتزامن الفيضانات مع ثورة تونس.

محمد عبدالمنعم الصاوى-المصرى اليوم

sawy@culturewheel.com

يحدث فى قصور الرئاسة الآن

لا تصدق أن أحداً منهم غير مشغول.. ولا تصدق أن تونس غير أى دولة أخرى.. ولا تصدق أكاذيب الحاشية.. كان زين العابدين يصدقهم، وهذا مصيره.. كلهم زين العابدين.. صحيفة ليبراسيون الفرنسية جمعت ستة رؤساء منهم.. وقالت: «الدور على مين؟».. لذلك يتابعون ما يحدث عن كثب.. وهذا ما حدث فى أحد قصور الرئاسة:

المشهد الأول

الرئيس: إيه الجديد النهارده فى تونس؟

.. رئيس الديوان: يا فندم التوانسة مسَّخوا حبتين..

الرئيس: ليه؟..

رئيس الديوان: طلبوا من «المبزع» و«الغنوشى» تقديم استقالتيهما من حزب التجمع الدستورى الديمقراطى..

الرئيس: وهمَّه عملوا إيه؟..

رئيس الديوان: استقالوا يا فندم طبعاً.

. الرئيس: طيب وإيه يعنى ما همَّه برضه ولاؤهم للتجمع الدستورى..

رئيس الديوان: تحايل سياسى لامتصاص الغضب.

. الرئيس: بس أنا عرفت أن «الغنوشى» هو اللى أعلن فصل الدولة عن الأحزاب..

رئيس الديوان: ابن لئيمة..

الرئيس: جهز لى قرار جمهورى.

. رئيس الديوان: ده يبقى قرار تاريخى يا فندم!

المشهد الثانى

الرئيس: إيه رأيك فى حكاية زين العابدين من أولها لآخرها؟

.. رئيس الديوان: الصراحة يا فندم ما عرفش يدير الأزمة صح..

الرئيس: تفتكر كان يعمل إيه؟

.. رئيس الديوان: كان يضحى بوزير الداخلية بدرى بدرى.. إن جالك الطوفان لا قدر الله..

الرئيس: كانوا هيطمعوا فيه برضه..

رئيس الديوان: كان يقدر يجتمع بقادة اتحاد الشغل والمحامين، وتخلص الحكاية..

الرئيس: على فكرة أخبار اتحاد العمال إيه؟

.. رئيس الديوان: كله تحت السيطرة.. الخصخصة خلّصت على الموضوع.. العمال تبع رجال الأعمال.. الرئيس: كانت الخصخصة دى فكرة هايلة.. خليهم يدوروا فى الساقية ليل نهار!

المشهد الثالث

الرئيس: اسمع.. عايزين نوسع رقعة المشاركة فى الحكم..

رئيس الديوان: تبقى خطوة تاريخية..

الرئيس : إيه حكاية «تاريخية» معاك

؟.. رئيس الديوان: هيَّه فعلاً قرارات تاريخية وإصلاحية.. نخلى الإعلام يغنى بيها..

الرئيس: فكر معايا نعملها إزاى؟.. أنا شايف ندِّى الأحزاب فرصة..

رئيس الديوان: بتفكر فى وزارة جديدة يا ريس..

الرئيس: وليه لأ..

رئيس الديوان: حكومة ائتلافية.. وبالمرة تشرف على انتخابات الرئاسة المقبلة..

الرئيس: والعالم كله هيسقف.

. رئيس الديوان: رااائع.. ضربة معلم!

المشهد الرابع

رئيس الديوان: عندنا مشكلتان يا ريس.. الأولى: بخروج سيادتك من الحزب الحاكم سينهار فوراً.. الثانية: هنشرك مين ولاّ مين من أحزاب المعارضة فى الوزارة الجديدة؟

.. الرئيس: مين ولّا مين يعنى إيه؟

.. رئيس الديوان: دول ٢٥ حزب غير الإخوان..

الرئيس: إخوان.. مالهم؟.. همَّه مش جماعة محظورة؟..

رئيس الديوان: والله احنا بنعمل مصالحة مع كل الأطراف!..

الرئيس: تفتكر ناخد منهم حد؟

.. رئيس الديوان: فيه ناس معتدلة ومحسوبة عليهم.. ناخد منهم واسمهم إخوان!..

الرئيس: فكرة.. بس كفاية واحد فقط..

رئيس الديوان: همة كانوا فين؟!..

الرئيس: طيب وانهيار الحزب الحاكم.. مش مهم.. كفاية كده!

المشهد الخامس

الرئيس: إيه موضة الانتحار دى؟

.. رئيس الديوان: كله تحت السيطرة.

. الرئيس: بلاش حكاية السيطرة دى.. كانوا بيقولوا كده لزين العابدين.

. رئيس الديوان: يا فندم أطلب لك وزير الداخلية.

. الرئيس : صحيح هوَّه عمل إيه فى المصيبة؟.

. رئيس الديوان: لسه ما بعتش تقريره النهائى حتى الآن؟.

. الرئيس: فات عشرين يوم دلوقت.. اطلبه لى؟..

رئيس الديوان: آدى واحد..

الرئيس: بالمناسبة شوف لى كمان وزراء الصحة والتعليم والإعلام والعمل.

. رئيس الديوان: كده الوزارة هتبقى جديدة لانج..

الرئيس: لازم حزمة إجراءات.. الشعب بينتحر..

رئيس الديوان: العنابر جاهزة، وأدوية الحروق جاهزة.

. الرئيس: عال عال!

المشهد الأخير

رئيس الديوان: دى يا فندم أجرأ قرارات تصدر من رئاسة الجمهورية.

. الرئيس: ناخدها بمزاجنا وتبقى برضه سياسة.

. رئيس الديوان: كله إلا فصل الحزب عن الدولة.. هيبقى مفاجأة.

. الرئيس: لأ.. ولسه..

رئيس الديوان: مفاجآت تانى سيادتك؟.

. الرئيس: الوزارة الجديدة، ودخول زعماء المعارضة..

رئيس الديوان: وجماعة الإخوان.. دى بقى حدوتة!

.. الرئيس: لسه هنعمل تغيير للدستور..

رئيس الديوان: مش كله مرة واحدة.. خليها بعد انتخابات الرئاسة..

الرئيس: هيه دى المفاجأة الأخيرة..

رئيس الديوان: لأ.. ما تقولهاش يا فندم..

الرئيس: بالعكس دى المفاجأة التاريخية فعلاً.. لا رئاسة مدى الحياة!..

رئيس الديوان: هتتنحى يا ريس؟

محمد أمين-المصرى اليوم

تونس.. الآن فَهِمكم العالم

يوم أن قال الجنرال «شارل ديجول» للشعب الجزائرى: «الآن فَهِمتكم».. كانت الجملة إيذانا برحيله مع الاستعمار الفرنسى، وإعلان الاستقلال فى بلد المليون ونصف المليون شهيد.. ويوم أن قال الديكتاتور «زين العابدين بن على» للشعب التونسى: «الآن فهمتكم».. كان يدرك من أعماقه أن عليه الرحيل.. شتان الفارق بين المستعمر الأجنبى، والمستعمر من أبناء الوطن!!

لكنهما يتشابهان، فالجنرال «ديجول» اعتمد على ما يعرفه التاريخ باسم «الحركيين» لتنفيذ سياسة الأرض المحروقة فى الجزائر.. وكذلك اعتمد «بن على» على «حركيين»، أملا فى تقليد ما فات زمانه.. فالأقوياء يمكن التأكيد على أنهم أغبياء فى كثير من الأحيان.. أقصد هنا تلك القوة المفرطة، وهى تتجلى حين يأخذ العقل إجازة!!

علمَنا شباب «ثورة الياسمين» فى تونس أن التاريخ يجدد نفسه ولا يكرره، أو بالمعنى، الذى يقوله «جنرالات الثقافة العربية» عن التاريخ إنه يكرر نفسه.. فهؤلاء الشباب المتهمون من النخبة المتهاكلة، بأنهم سذج وسطحيون لا أمل فيهم.. خرجوا ليؤكدوا من تونس أنهم الأمل كله.. الوعى كله.. الفهم كله للحياة فى معناها المعاصر.. طرحوا من عقلهم وحساباتهم النخبة- سلطة ومعارضة- انطلقوا خلف «الثائر البسيط» محمد بوعزيزى، الذى رفض إهانة الصفع على الوجه بعد إهانة مؤهله العلمى، وقبلهما إهانة مواطنته على أرض بلاده..

ومن خارج العاصمة جاءت «الثورة»، رفضا للبطالة ومصدرها الظلم، لغياب ما تقول عنه النخبة إنه العدالة الاجتماعية.. خرج الشباب وخلفهم البسطاء يعلنون الاحتجاج والرفض- فقط- انضم إليهم أقرانهم فى الولايات والمدن المجاورة.. استهان بهم الحاكم.. وترقب «جنرالات الثقافة العربية» معارضين وموالسين نتيجة فعلهم.. مضى أبطال «ثورة الياسمين» تفوح منهم رائحة شىء جديد.. رائحة أمل غريب.. أربكوا العالم بنعومة عنفهم.. أذهلوا شعبهم بقوة وصرامة بساطتهم.. وشيئا فشيئا تحول الحلم إلى خاطر ثم احتمال..

ولحظة أن أدرك القوى- الغبى- المسألة تتحول إلى حقيقة، لا خيال.. أراد أن يكذب فى ثوب من يحاول أن يتجمل.. قرر أن يزوِّر الثائر لحظة مغادرته الحياة.. انحنى قليلا، فذهب إلى مخاطبة الشعب التونسى بما يملك من فائض قوة.. فكان الحديث الغبى فى الوقت الغبى وبالأسلوب الغبى.. وتلك نعمة من الله- سبحانه وتعالى- على الشعوب.. أشعل بكبريائه المرتعش النار فى نفوس شباب «ثورة الياسمين» فهم فقط يفهمونه بقوتهم الطاغية.. وهو يشعر بضعفه العنيف!!

الرسائل كانت متبادلة بين «ساكن الدور الستين» الذى لا يرى الشعب.. وبين الشعب، الذى تمسك بتجاهل هذا الذى يعيش لأعلى فى الفراغ.. المفارقة أن وسائل الاتصال بينهما مقطوعة تماما.. فلا تليفزيون، ولا صحافة ولا أحزاب ولا برلمان ولا مجلس دستورى..

ثم إنترنت تمارس عليه الرقابة.. لكنه لا يعرف ما يجرى فى عالم هذا الإنترنت.. هم كانوا يعرفون، فاستثمروا قوتهم وعلمهم.. نشروا الفضيحة فى العالم.. حركوا ضمائر شعبهم قبل الدنيا من خارج الوطن.. فى اللحظة ذاتها كان «ساكن الدور الستين» يتعالى على حقائق الدنيا الجديدة.. يزين له محيطوه الذين يمثلون «الأغلبية الكاسحة» أفكاره وقراراته ومواقفه النابعة من امتلاكه لفائض القوة.. بينما الأرض تطرح زهورا جديدة تتفتح.. كلهم تجاهلوها وأكدوا له أنها غير موجودة.

الخطان متوازيان.. فالذى «يسكن الدور الستين» يفعل ما يرى وما يريد وما يشاء.. وأبطال «ثورة الياسمين» ماضون فى طريق يرونه بوضوح، ويريدونه بصدق، وشاءوا أن يصلوا إلى خط النهاية بإخلاص.. ثم امتدت الثورة فأشعلت الوطن، فخرج القوى- الضعيف- معلنا إذعانه لكل ما يطلبه من لم يرهم منذ سنوات.. ليقول قولته الغبية على طريقة الجنرال «شارل ديجول»: «الآن فهمتكم».. كأنه يفضح نفسه ليعلن أنه كان مستعمرا فى زى المواطن التونسى!!

فجأة.. اختلطت كل الأوراق.. فلا الولايات المتحدة الأمريكية تفهم شيئا- تلك حقيقة-، ولا فرنسا باعتبارها المستعمر القديم تفهم شيئا.. بل حتى الكبار فى الإقليم لا يفهمون شيئا.. فقط يفهم شباب «ثورة الياسمين» أنهم ماضون فى طريق جديد تماما على الدنيا.. فتلك هى البساطة.. وتلك هى قمة الاستغراق فى المحلية.. فكانت ثورة سيؤرخ بها أنها نموذج للعالمية أو طلقة رصاص ضد ما صدّعوا به رؤوسنا.. «العولمة»!!

ثم كانت الأحداث تجرى بأسرع من قدرة الإعلام على متابعتها.. الرئيس التونسى قرر مغادرة البلاد.. شريكه فى ممارسة الإرهاب على الشعب تسلم الحكم.. الجيش يتحرك.. قادة الأحزاب خرجت تتكلم.. الفقهاء الدستوريون يختلفون.. عواصم الدنيا بين صامتة ومرحبة بحذر.. الرئيس المخلوع يبحث عن مأوى فى الهواء.. واشنطن تتعامل معه كأنه نكرة لا تعرفه.. باريس ترى أنها لا تحتمل استضافته.. الشعب ماض فى ثورته الناعمة.. كل الدنيا تستمهل الزمن أملا فى فهم ما يحدث.. ثم كان خبر أن حطت طائرته فى جدة.


شباب «ثورة الياسمين» لم يحتفلوا بالنجاح.. قرروا مواصلة مشوار الجدية البسيط.. هم كانوا صادقين، فأكدوا على رفضهم لأن يخلفه شريكه من سكان «الدور الستين» فى تسلم السلطة.. بل أكدوا أن شركاءه الشهود- الزور- على تلك الخلافة مرفوضون..

هنا تحرك الضمير الإنسانى والمهنى والقانونى والإلهى.. الجميع يؤكدون أن الخلافة على هذا النحو فضيحة.. ساعات قليلة ثم يتم تصحيح الأوضاع بقوة المستقبل.. فكان نقل السلطة إلى رئيس البرلمان، حسب دستور تفصيل من قماش قديم ومتهالك لا يصلح لارتدائه.. تراجع الذى كان يأمل فى أن يكون مؤقتا.. تقدم صاحب الحق فى الثياب المهلهلة.. ارتدى زيا لم يتخيل فى يوم من الأيام أن يلبسه.. نزل الجميع من «الدور الستين» كلهم أصبحوا على الأرض..

فوجئ من اعتقد أنه قوى بحالة الضعف الشديد التى يعيش عليها.. ووضح أن الضعيف هو العملاق الحقيقى فى تونس الخضراء بلون الزيتون، والحمراء بلون علمها.. والحمراء بلون الدم المتفجر فى عروق «شباب الياسمين» وليس الدم الذى حاول أن يريقه القوى «الغبى» لإرهاب كل من يخاف على دمه باعتباره عنوان حياته!!


صفارات الإنذار تدوى فى الدنيا.. سمعنا صوت كل من لم يجرؤ على الكلام.. وكل من عجز عن الكلام.. والبديع أن صمت الذين اعتقدوا أنهم يتكلمون كان هو المسموع.


نظرية «الدور الستين»، أتحدث عنها منذ فترة تمتد إلى نحو شهرين- بشهادة نفر من النخبة- كنت أعتقد أننى أقول كلاماً فيه خيال وإبداع.. لم أقصد ذلك لأننى كنت أحاول قراءة الحقيقة والواقع.. إذا بها حقيقة على أرض تونس البيضاء فهذا شعب انتصر على كل نظريات الهزيمة.. قدم أعظم إنجاز حين تم نزع كل مقومات النجاح من عروقه.. لذلك أعتقد أن الارتباك فى استيعاب ما فعله.. تترجمه أفاعيل الصغار، الذين يلتفون حول كل «زين العابدين بن على» فى العالم العربى ودول العالم الثالث.. اسألوهم.. ستجدون أن الكلمة التى لا يحبون أن يسمعوها الآن هى «تونس»!!

نصر القفاص-المصرى اليوم

nasrelkafas@yahoo.com

ثورة تونس الملهمة: تحديات الانتقال نحو الديمقراطية

الثورة ليست مجرد خروج عشوائى للجماهير للقضاء على النظام القديم، إنما هى أيضاً تأسيس لنظام جديد يعبر عن الشعب. صحيح أن الثورة لم تكن هى الأسلوب الوحيد فى معظم تجارب التحول الديمقراطى فى العالم، إنما كانت أحدها، خاصة إذا كانت تواجهه نظم استبدادية من نوعية النظام التونسى.

وقد شاهد العالم تجارب بلدان أوروبا الشرقية التى لم تعرف فى معظمها ثورات، إنما «احتجاجات ثورية» رتب فيها العالم الغربى عملية الانتقال نحو نظم ديمقراطية جديدة حلت مكان النظم الشيوعية القديمة، وأسست نظماً ساعد فى بناء مؤسساتها بشكل فاعل الولايات المتحدة وأوروبا، فى حين تفرج الاثنان بشكل مخجل ومنافق على ثورة تونس دون أن يقدما حتى نصحاً يساعد فى تأسيس النظام الجديد الذى يحتاج إلى استعادة تجارب التحول المتأخر نحو الديمقراطية، والتى جرت فى عدد من بلدان أوروبا الشرقية وكانت بولندا ونقابتها العمالية «تضامن» أحد أهم نماذجها.

والواقع أن الشعب التونسى أنجز بلا شك حدثاً استثنائياً قضى ولو جزئياً على ما عرف بـ«الاستثناء العربى» من الديمقراطية والثورة بعد أن سقطت دعاوى الاستثناء الإسلامى عملياً بنجاح تركيا وماليزيا وإندونيسيا، وبقى العرب هم المتعثرين اقتصادياً والفاشلين ديمقراطياً والمستكينين تجاه الاستبداد، إلى أن جاءت ثورة تونس لتفكك هذا الخطاب وتعيد الاعتبار لهذا العالم العربى حتى للكسالى منهم.

والمؤكد أن تونس نجحت فى الإطاحة بالحاكم المستبد وهذا يمثل نصف الطريق، ووقفت قواها السياسية حائرة تجاه التعامل مع الوزير الأول محمد الغنوشى الذى كان عضواً حتى أمس الأول فى حزب التجمع الدستورى الحاكم، واستقال فى محاولة لإرضاء الشارع المحتج ضد مشاركة ٦ وزراء من حزب بن على فى الحكومة الانتقالية الجديدة. وهنا يطرح السؤال التاريخى فى مثل هذه الأحوال: ماذا ستفعل الثورة مع النظام القديم؟

بالتأكيد أن الإجابة بالإحالة لثورات القرن ١٨ (الفرنسية) والقرن ١٩ (الروسية) أو حتى الثورة الإيرانية فى ١٩٧٩ لا تنطبق على الحالة التونسية، إنما الأقرب هو فهم تجارب التحول الديمقراطى فى بعض بلدان أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وإسبانيا والبرتغال والتى كان للاحتجاجات الشعبية دور رئيسى فى نجاحها، بالإضافة لصيغة عطلت قدرة القديم على الحكم دون أن تستأصله تماماً.

إن بلدان أوروبا الشرقية التى تواءمت العضوية المليونية فى الأحزاب الحاكمة مع النظم الجديدة فيها، وغيرت الأحزاب الشيوعية من أسمائها وتحولت إلى أحزاب اشتراكية وأعلنت «التوبة» عن تاريخها القديم، قاد بعض أعضائها عملية التحول نحو الليبرالية السياسية واقتصاد السوق وكانوا زعماء النظم الجديدة.

والحقيقة أن التحدى نفسه مطروح على ثوار تونس وعلى النخبة الجديدة العائدة من المنفى أو الصاعدة من قلب الأحداث، وهو كيف ستتعامل مع حزب التجمع الدستورى الذى حكم تونس منذ ٦٠ عاماً وحتى ثورة الياسمين.

إن هذا الحزب ليس مجرد مجموعة حاكمة يجب إحالة العشرات أو المئات منهم إلى المحاكمة بتهم الفساد والتورط فى تعذيب الشعب التونسى، إنما هو «حزب دولة» ارتبط جهازاها الإدارى والقضائى ومؤسساتها التشريعية بالحزب الحاكم.

وهنا إذا استدعت تونس تجربة «اجتثاث البعث» العراقية، فستكون كارثة حقيقية ستحول البلد إلى ساحة للفوضى، وستفتح الباب أمام الجيش لحكم البلاد مباشرة، أما إذا حرصت بشكل ديمقراطى على استبعاد حزب التجمع الدستورى ودفعه لتغيير اسمه والعودة للحياة السياسية باسم ومضمون جديدين، كما جرى مع تجارب الأحزاب الشيوعية فى أوروبا الشرقية، فإن هذا سيفتح الباب أمام تطور سلمى وديمقراطى حقيقى، وهزيمة الحزب الحاكم فى الانتخابات المقبلة عن طريق تقديم بديل مقنع للجماهير التونسية، وقد يكون «الاتحاد التونسى للشغل» مرشحاً للقيام بهذا الدور أكثر من أحزاب المعارضة، ليعلن عن ميلاد حركة تضامن تونسية جديدة شبيهة بتلك التى حررت بولندا من الحكم الشيوعى وحكمتها بعد ذلك.

إن محاولة الجماهير التونسية استكمال نضالها المشروع من أجل استبعاد وزراء «الدستورى» من حكومة الإنقاذ الوطنى أمر مشروع، ولا علاقة له بفكرة استئصال القديم التى تؤدى إلى تفكيك الدولة وفشلها، كما جرى فى العراق، إنما هى محاولة مشروعة لوضع ضمانات سياسية وقانونية بألا تكون الحكومة الجديدة امتداداً للقديمة، وألا يصبح التغيير الذى حدث هو مجرد تغيير فى الوجوه وليس فى المضمون.

أما التحدى الثانى، الذى يواجهه «الجديد» فى تونس، فهو التعامل مع الإسلاميين، وتحديداً مع حركة النهضة التى حظرها الرئيس السابق، والحقيقة أن أحد أسباب نجاح الثورة التونسية يكمن فى أن الحركة الإسلامية لم تشعلها ولم تركبها، إنما صنعها المواطن العادى وفجرها مواطن عادى، وأصر على نجاحها المواطنون العاديون، وأصبحت معضلتها أنها انتقلت الآن من إلهام المواطن العادى إلى تحديات الحكم عبر حسابات النخب وقادة الأحزاب.

وقد رفعت هذه الثورة شعارات مدنية ملهمة «حرية، عدالة، كرامة، وطنية»، وغنت النشيد الرائع لأبى القاسم الشابى «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر»، ولم ترفع شعاراً دينياً أو طائفياً واحداً على طريقة «الإسلام هو الحل»، كما نشاهد فى مصر وغزة والأردن والعراق، ولو قُدّر لثوار تونس أن يرفع بعضهم المصاحف، كما يفعل الإخوان فى مصر، لكان قضى على هذه الثورة فورا بفعل التدخل الخارجى.

وقد قابلت زعيم حركة النهضة راشد الغنوشى ٣ مرات فى بريطانيا، الأولى كانت فى مؤتمر بجامعة «ويست منيستر» البريطانية عام ٢٠٠٧، والثانية كانت فى صيف العام الماضى بجامعة أكسفورد، حين شارك الرجل فى مؤتمر حول أزمة الأحزاب العربية، وتزاملنا فى الجلسة نفسها، وعقبها بعدة أيام كان لقاؤنا الثالث فى ندوة فلسطينية عقدت للتضامن مع نواب عرب فى الكنيست الإسرائيلى جاءوا إلى لندن فى أعقاب إحالتهم للتحقيق من قِبَل السلطات الإسرائيلية بسبب تضامنهم مع ضحايا حادثة سفينة الحرية التركية.

ولم أشارك الرجل بعض آرائه، واعتبرت أن نظرته لحركة «حماس» و«حزب الله» فيها قدر كبير من المثالية وربما الانحياز الأيديولوجى، وبدا محافظا فى بعض آرائه (وليس متطرفاً) عما كان عليه فى بداية تجربته السياسية حين كتب كتابات رائدة ومستنيرة فى بداية الثمانينيات حول قضايا المرأة والأقليات والعروبة والمواطنة وكان فيها متقدما وبكثير عن أطروحات الإخوان المسلمين.

والرجل فى الحقيقة يتسم بدماثة خلق ووعى سياسى حقيقى، بالإضافة لثقافة عامة عميقة لا تكتفى فقط بالعلوم الشرعية، وكان متابعاً جيداً لما يجرى فى مصر وفوجئت بأن كتابنا الذى صدر عام ٢٠٠٤ وحمل عنوان «إسلاميون وديمقراطيون..

إشكاليات بناء تيار إسلامى ديمقراطى» كان محل اهتمام ومتابعة من الرجل ومن شباب حركة النهضة، بالإضافة أيضاً لكتابات كثير من المفكرين والكتاب المصريين والعرب، وأذكر أنه قال لى ونحن فى غداء فى بهو جامعة أكسفورد العريقة إنهم ينتظرون التغيير من مصر، وأضاف كلاماً آخر انتهى زمنه عن دورها المحورى، وتحدث بحسرة عن أنه لا يستطيع الذهاب إلى مصر التى تزوجت ابنته أحد أبنائها، ولا العودة إلى تونس، بسبب نظام بن على، ولم يتوقع الرجل ولا باقى المشاركين أن تكون تونس هى التى ستبدأ التغيير فى العالم العربى.


والحقيقة أن خطاب راشد الغنوشى (بعد خروجه من التنظيم الدولى للإخوان) فى منطقة وسط بين تجارب الفشل، كما يمثلها حكم الإنقاذ فى السودان وحكم طالبان فى أفغانستان وخطاب الإخوان المسلمين، وبين تجارب النجاح، كما يمثلها حزبا العدالة والتنمية فى تركيا والمغرب، وأن النظام الديمقراطى الجديد بقواعده المدنية (التى يحسب لنظام بورقيبة إرساؤها) قادر على دمج إسلاميى النهضة فى المعادلة السياسية والديمقراطية.


إن تونس، بتقاليدها المؤسسية وثقافة شعبها ومدنية وعيه، قادرة فى ظل نظام ديمقراطى جديد على دمج تيار النهضة الإسلامى فى العملية السياسية، وبناء أول تجربة ديمقراطية مكتملة فى العالم العربى.

د. عمرو الشوبكى- المصرى اليوم

amr.elshobaki@gmail.com

Wednesday, January 19, 2011

العصابة لم تغادر

أرجو ألا نخطئ فى قراءة المشهد التونسى، فتنسينا الفرحة بما جرى أن الذى تمت الإطاحة به رئيس العصابة ولكن العصابة ذاتها مازالت موجودة ومتمكنة من مقدرات البلاد. ولا أخفى أن فى نفسى شيئا من استخدام مصطلح «العصابة»، فتلك ليست لغتى فى التعبير، لكنى سمحت لنفسى بذلك بعدما شاع الوصف فى وثائق «ويكيليكس» التى تحدثت عن «المافيا» التى ظلت قابضة على الزمام فى تونس طوال سنوات حكم الرئيس السابق بن على.

لقد قلت فى مقام آخر إن الاستبداد لا يخرب الحاضر فقط ولكنه يخرب المستقبل أيضا. ذلك أنه حين يطول به الأجل فى السلطة فإن القائمين عليه يسعون إلى تفكيك مؤسسات المجتمع وأجهزة الإدارة وإعادة تركيبها بحيث تتحول فى نهاية المطاف إلى أدوات لبسط الاستبداد والتمكين له. وفى مسعاهم ذلك فإنهم يستأصلون بدائلهم أولا بأول، بحيث ينغلق عليهم الأفق، ويظل استمرارهم هو الخيار الوحيد المطروح على الكافة.

فى وصفه لطبائع الاستبداد، ذكر عبدالرحمن الكواكبى فى كتابه الشهير الذى حمل نفس العنوان ما يلى: إن الحكومة المستبدة تكون مستبدة فى كل فروعها ومراتبها التى يقف المستبد الأعظم على رأسها. وأعوان المستبد الأعظم ورجاله لا تهمهم الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته. وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه. فيشاركهم ويشاركونه. وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته. فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه. واحتاج إلى مزيد من الدقة فى اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذِّمة. واحتاج لحفظ النسبة بينهم فى المرتبة بالطريقة المعكوسة. وهى أن يكون أسفلهم طباعا وخصالا أعلاهم وظيفة وقربا. ولهذا لابد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم فى الأمة. ثم من دونه لؤما، وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان فى لؤمهم حسب مراتبهم فى التشريفات والقربى منه ــ انتهى الاقتباس.

لسنا نضيف جديدا إذن. فقد قالها الكواكبى قبل أكثر من مائة عام منبها إلى ان المستبد الأعظم (زعيم العصابة) يختار أعوانه ممن هم على شاكلته، وهؤلاء يتوحدون معه بمضى الوقت بما يؤدى إلى مأسسة الاستبداد، بمعنى إضفاء الصبغة المؤسسية عليه، بما يحول أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة إلى أذرع له. لذلك تصبح عملية اقتلاع الاستبداد وطى صفحته أمرا بالغ الصعوبة، وربما تتحول تلك العملية إلى معركة يسقط فيها الضحايا، لأنه بعد رحيل المستبد الأعظم فإن وجود ومصير مؤسسة الاستبداد التى ارتبطت به يصبح فى خطر محقق. وهو ما يدفعها إلى خوض معركتها الأخيرة بشراسة شديدة، لأن الأمر بالنسبة لها يصبح اختيارا بين الحياة أو الموت.

الحاصل فى تونس الآن نموذج لذلك. فحزب السلطة (الدستور الحر) محتكر لها منذ أكثر من نصف قرن، فى عهد «المجاهد الأكبر» الحبيب بورقيبة، الذى اكتسب شرعيته من كونه بطل الاستقلال. وفى عهد خلفه زين العابدين بن على الذى استولى على السلطة فى عام 1987 بعدما كان وزيرا للداخلية. ومنذ اللحظة الأولى حول تونس إلى سجن كبير. وجعلها نموذجا للدولة البوليسية التى وظفت كل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع لتكريسها وتثبيت أركانها.. من ثم تحولت تلك الأجهزة والمؤسسات إلى رموز للاستبداد، وصار القائمون عليها أذرعا وعيونا للمستبد الأعظم. ورغم أن الاطاحة برأس الاستبداد تعد انجازا عظيما، إلا أن ذلك لا يعد كافيا، لأنه حين ذهب، فإن مؤسسة الاستبداد التى صنعها على يديه ظلت قائمة.

صحيح أن بعض أركان تلك المؤسسة جرى استبعادهم (وزير الداخلية ومسئول أمن الرئاسة مثلا) إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة توحد الحزب الحاكم مع أجهزة الإدارة، وكون الذين تتابعوا على إدارة البلد طوال الـ23 سنة الماضية كانوا ولا يزالون أعوانا للمستبد الأعظم. من ثم فإن استمرارهم فى مواقعهم يعنى أن العصابة مازالت قائمة وان مكتسبات الثورة فى خطر. وفى هذه الحالة ينبغى ألا نستغرب إذا وجدنا انهم يحنون إلى زمانهم ويحاولون استعادته بصورة أو أخرى.

هذا التحليل يعنى أن صفحة المستبد الأعظم لم تطو بعد، وتشكيل الحكومة التونسية الجديدة يؤكد على ذلك بمنتهى الوضوح. وهو يعنى أيضا أننا ينبغى لنا ألا نعول أو أن نطمئن طالما بقى للعصابة حضور فى الوضع المستجد. لذلك فإننى أدعو إلى الترقب والحذر، وتأجيل الفرحة الكبيرة حتى نتأكد من أنه لم يعد للعصابة دور فى إدارة البلد.

وأرجو ألا ننتظر كثيرا لكى نعيش الفرحة الأكبر التى تحل حين تختفى العصابات المماثلة فى كل بلد

بقلم:فهمي هويدي- Shorouk news

كـلهم (زيـن العابدين).. فمن هـو التالى؟

خلال شهر واحد، قيض للمواطن العربى أن يشهد ــ من موقع المتفرج ــ حدثين تاريخيين سيقدر لهما أن يبدلا فى الخريطة السياسية لعالم مترامى الأطراف ولا قلب له، كما فى صورة القيادات الأبدية للنظام العربى الذى يسجنه فى قوقعة الاستبداد والتخلف والغربة عن العصر.

ففى السودان.. وبعد مسلسل من الحروب الأهلية التى تبدت عرقية فى بعض جوانبها، ودينية فى جوانب أخرى، اضطر النظام الديكتاتورى إلى التسليم بانفصال جنوب السودان عن شماله لتصير الدولة دولتين تحت الرعاية الأمريكية ــ الإسرائيلية المباشرة.

أما فى تونس.. فقد تفجر غضب الأهالى المقموعين منذ دهور، والذين لم يعرفوا فى تاريخهم الحديث وعلى امتداد أربع وخمسين سنة من الاستقلال إلا رئيسين للدولة: أحدهما ظل على كرسيه حتى أصابه الخرف فتولت زوجته وعائلتها الوصاية على السلطة ومقدرات البلاد، أما الثانى فقد أزاح «سيده» وولى نعمته الحبيب بورقيبة الذى أتى به حارسا واغتصب الرئاسة وثروات البلاد، وأيضا بالاشتراك مع زوجته وعائلتها التى باتت الآن من أعضاء نادى الأغنياء فى الدنيا، بينما شباب بلادها من الخريجين يحرقون أنفسهم فى الشارع (حتى لا ننسى محمد بوعزيزى) لأنهم لا يملكون ما يقيم الأود من دون إهدار الكرامة.

وإذا كانت الحروب الداخلية والمنازعات السياسية فى السودان قد جعلته على الدوام حاضرا فى نشرات الأخبار عبر مؤتمرات المصالحة المتعددة، تارة داخل الشمال، وطورا مع الشرق، وغالبا مع الجنوب، وأحيانا مع غربه، ثم مع المحكمة الجنائية الدولية التى أنشئت لتطويع نظام، بحيث يسلم بانفصال الجنوب والعودة إلى بيت الطاعة الأمريكية تائبا ومستغفرا، فإن تونس الخضراء ظلت بعيدة عن اهتمام العالم، يضرب بها المثال لاستقرارها الذى تبين أنه يقارب الغيبوبة والاغتراب عن الحياة فى القرن الواحد والعشرين.

أما فى الدول الأخرى التى تهتز المقاعد تحت حكامها من أهل النظام العربى بفعل الغضب الشعبى الذى يستولده الفقر وحجز الحريات والتحكم بالمؤسسات ذات الغلالة الديمقراطية، فيتم تزوير الانتخابات جهارا نهارا، وتقمع الأحزاب ذات الشعبية وتمنع من تأكيد حضورها «السلمى» عبر إثارة النعرات الطائفية، حتى لو شكّل ذلك تهديدا لسلامة الوطن ووحدة أهله عبر تقسمهم حسب أديانهم أو طوائفهم، بما يعيدهم إلى حظيرة النظام خوفا من الحرب الأهلية.

أما فى مثل هذه الدول المحكومة بالقمع والرئاسات الوراثية، فإن انتفاضة تونس التى أطاحت بديكتاتورها زين العابدين بن على، قد فاقمت مخاوف أهل النظام العربى، وهى ستدفعهم ــ على الأرجح ــ إلى تشديد قبضتهم ريثما تمر العاصفة؛ فيباشرون سلسلة من التراجعات التى يفترضون أنها قد تنقذهم من الطوفان.

ولعلهم يستفيدون من تجربة بن على فلا يتعجلون الاستسلام، بل يأخذون بتوسيع الهامش أمام المعترضين، وقد يلجأون إلى بعض الرشاوى الاقتصادية التى من شأنها أن تخفف الضيق، كما فعل النظام الجزائرى لامتصاص النقمة الشعبية التى فجرها الغباء المطلق: أكثر من مائة وأربعين مليار دولار (من المال العام) وملايين العاطلين عن العمل يستندون إلى الحيطان فى الشوارع.

من المؤكد أن الحدث التونسى الخطير قد هز العديد من «العروش» فى الدنيا العربية، ملكية وجمهورية على وجه الخصوص. ذلك أن زين العابدين بن على كان فى بعض وجوهه «مسخا» عن أولئك الأباطرة الذين يتحكمون فى مصائر شعوب ذات تراث نضالى لا يقل عن تراث التونسيين، وذات تراث فكرى وثقافى مميز طالما أعطاها مكانة عالية ليس فى الوطن العربى فحسب وإنما فى العالم أجمع.


إنه الديكتاتور، الحاكم الفرد، الذى لا يثق إلا بأهل بيته فى الداخل والبيت الأبيض فى واشنطن مرورا بالإليزيه فى باريس فى الخارج. ولعله بحكم تجربته الشخصية لم يكن يثق بالجيش بل يفضل عليه الأمن، ومن الأمن المخابرات التى ينحدر منها والتى هيأت له الفرصة ليكون حارس النظام ثم مولاه بعد خلع من جاء به وائتمنه على حياته.

إن العديد من أهل النظام العربى كانوا يعتبرون زين العابدين بن على نموذجا ناجحا، حتى وهو يقفل بلاده على أهلها، ويمتنع عن المشاركة فى مؤتمراتهم وقممها إلا نادرا. بل إنه قد «طرد» قمة عربية من تونس لأن بعض مدبريها قد خالفوا تعليماته!

ولعل بعض أهل النظام العربى كانوا يحسدون «بن على» على «رعيته» الصابرة، الطيعة، التى خرجت من الشارع منذ أمد بعيد ولم تعد إليه إلا قبل شهر تقريبا. وفى تظاهرات تبدت فى أول الأمر أقرب إلى نداءات الاستعطاف منها إلى المجاهرة بالثورة لإسقاط النظام.

ربما لهذا لم يظهر أهل النظام العربى، القلق على «الزين» فى تونس، ولاهم قدروا ـ بالطبع ـ أن هذه الغضبة الشعبية ستتعاظم وتتمدد فى مختلف أرجاء تلك الدولة الجميلة والفقيرة، حتى إذا ما ووجهت بالقمع اتسع نظامها منتقلة من «الدواخل» إلى العاصمة مطورة شعاراتها من الحيز الاقتصادى ( الجوع، الغلاء، نقص فرص العلم) إلى الحيز السياسى بمواجهة القمع البوليسى والاعتقالات بل ورصاص الشرطة برفع شعار إسقاط النظام.

وهكذا، فإن هذه الغضبة الشعبية العارمة قد سخرت من التنازلات التى باشر بإعلانها الديكتاتور، وحولت «وعده» بألا يجدد لنفسه بعد انتهاء ولايته ( أى بعد إنهاء ربع قرن فى سدة الرئاسة) إلى نكتة، وكذلك فعلت بتعهداته بإطلاق الحريات العامة وإلغاء الأحكام العرفية والدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، وغير ذلك من الحقوق المشروعة للشعب والتى لو أنها توفرت أساسا لما تعاظمت ثورته حتى إجبار الطاغية على الهرب، متلفعا بعتمة الليل، متصلا بعواصم كثيرة كى تقبله لاجئا، حتى ارتضت السعودية أن تستضيفه إلى جانب العديد من الأباطرة المخلوعين فى بيت الصمت.

ومن حق أهل النظام العربى أن يخافوا، بعد اطمئنان طال أمده إلى خضوع شعوبهم ليأسها من التغيير. خصوصا أن أجهزة الأمن فى مختلف دول الرأس الواحد قد تم تدريبها جيدا على أيدى المخابرات المركزية الأمريكية الحريصة كل الحرص على «الاستقرار» فى الدنيا العربية.

مما يوسع المدى أمام إسرائيل لاستكمال جهدها الدائب فى مسح فلسطين عن الخريطة، واستبدال أهلها منذ فجر التاريخ وحتى اليوم بطوابير المستوطنين المستقدمين من أربع رياح المعمورة لكى تقوم «الدولة المركزية للشرق الأوسط» إسرائيل.

لقد سقط النموذج المعتمد لأهل النظام العربى: ديكتاتور يستولى على السلطة من خارج الإرادة الشعبية بل وبالتضاد معها. يصادر إرادة شعبه ومصادر دخله وثروته الوطنية التى يعتبرها إرثا شخصيا يوزعه بين أفراد عائلته.

يقرر وحده مواقف دولته، بلا الرجوع إلى أى مؤسسة، يحل الأحزاب والنقابات ويعيد تشكيلها بتنصيب أزلامه فى قيادتها، يمدد ولايته بلا نهاية، إذ يعتبر نفسه «المنقذ» الذى أوفدته السماء لإنقاذ الشعب من الضلالة.

يحارب الشيوعيين لأنهم ملحدون، والإسلاميين لأنهم مؤمنون أكثر من اللازم، والقوميين لأنهم يمدون بصرهم إلى خارج الحدود، والوطنيين لأنهم لا يسلمون بديكتاتوريته. يخاصم العروبة إذ يضعها فى وجه الإقليمية.

يفتح البلاد للنفوذ الأجنبى فى السياسة والاقتصاد، ويقرب أزلامه من النهاية فيوليهم على الاقتصاد، وتصبح السياحة أهم من الصناعة، والمشاريع الاستثمارية التى يشارك فيها أهم من الزراعة. وهكذا تروج تجارة الرقيق، ويقصد أهل النفط تونس للترويح عن النفس.
من الضرورى تسجيل مجموعة من الملاحظات على سلوك أهل النظام العربى إزاء الحدث التاريخى فى تونس، ثم إزاء الانتفاضة التى لم تكتمل فى الجزائر:

فى البداية كان الصمت المطبق. لعلهم اعتبروها «انتفاضة حرامية» تقمع فى ساعات، أو تعالج (على الطريقة الجزائرية) بالإفراج عن بضعة مليارات لتخفيض كلفة الحياة اليومية وشراء غضب الناس إلى حين.
ثم توالت الاتصالات على «الزين» لعل أهل النظام العربى يسمعون منه ما يطمئنهم على أوضاعهم. ولم يتورع بعضهم عن عرض المساعدة عليه، بل إن واحدا منهم نصح الشعب التونسى بأن يترك الزين ينهى ولايته الرئاسية لأنه الأفضل لتونس.
وفى حين دارت وزيرة الخارجية الأمريكية فى أرجاء المنطقة العربية تُطمئن أهل النظام العربى على مصيرهم وتثير عندهم المزيد من المخاوف من الخطر الإيرانى، فإن الرئيس الأمريكى لم يكلف نفسه توجيه كلمة رثاء فى صديقه «الزين» الذى فقد عرشه، وإنما توجه من فوق جثته للإشادة بالديمقراطية والمناداة بحرية الرأى والتعبير.

ضمير الشعوب العربية فى هذه اللحظة والمعبر عن آمالها، هو الشاعر التونسى العظيم الراحل أبوالقاسم الشابى. فعلى ألسنة الجميع قصيدته الخالدة التى مطلعها:

إذا الشعبُ يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر

ولا بُد لليلِ أن ينجلى ولا بُد للقيد أن ينكسـر

يمكنك أن تختار أى بلد، ففى كل دولة يحكمها ديكتاتور بقبضته الدموية ألف سبب وسبب لتفجر الشعب بانتفاضة ياسمين جديدة.

المهم أن يريد الشعب.. والباقى تفاصيل

نهاية حكم فاشل

لم يكن أحد يتوقع أن يهرب الرئيس التونسى زين العابدين بن على إلى السعودية بهذه السرعة، فى خضم الأزمة السياسية الكبرى التى نشبت فى بلاده، وفى أعقاب ساعات قليلة من خطابات اعتذارية انهزامية وجهها للشعب، تراجع فيها عن كل القرارات والسياسات التى ثار التونسيون ضدها، بحجة أن مستشاريه ضللوه بمعلومات خاطئة. ووعد بإصلاح شامل لتعقب الفساد وتحرير الصحافة ورفع الرقابة عن الإنترنت والإفراج عن المعتقلين ووقف القمع البوليسى وتخفيض أسعار الطعام.

ولكن يبدو أنه عرف أن أحدا لن يصدقه، فلم يستجب الشارع التونسى لنداءاته فى ضوء تجارب سابقة. فقد جاء زين العابدين إلى السلطة فى انقلاب أبيض ضد الرئيس بورقيبة عام 1987. ووعد بإصلاحات سياسية واسعة يسترد فيها الشعب التونسى حرياته ويقضى على الفساد. ولكن لم يمض عامان حتى تحول إلى طاغية جعل من تونس دولة بوليسية، وفرض قيودا على الأحزاب والقوى السياسية، واتخذ إجراءات لخنق الحريات الأساسية وحرية الصحافة والإعلام. ولذلك ظل بخار الغضب المكتوم تحت السطح رغم ما تتمتع به النخبة من امتيازات، ورغم القسوة التى عوملت بها المعارضة السياسية فى تونس بمساعدة ميليشيات تابعة للحزب الدستورى الحاكم.

ولكن منذ اللحظة التى تردد فيها نبأ هروب شقيق زوجة بن على، وهو أحد أباطرة الفساد والثراء غير المشروع فى تونس، حتى ساد اقتناع بأن الأسرة الحاكمة سوف تتبعه. وأن وعود بن على ليست أكثر من صرخات فى الهواء، تماما مثلما حدث بعد توليه السلطة عام 1987.

لقد أدرك بن على فى خطابيه الأخيرين ـ عندما لم تتوقف المظاهرات والاحتجاجات ـ أن المسألة أكبر وأخطر مما يظن، وأن الشعب التونسى قد ضاق ذرعا بالنظام كله وبجماعة المنافقين والمنتفعين بالسلطة وبوعود الإصلاح الزائفة.

وربما تكون تونس قد دخلت بذلك مرحلة جديدة.. تقدم فيها للشعوب العربية نموذجا للنضال من أجل الحرية والتحرر من تسلط حزب واحد أو جماعة أو حاكم مدى الحياة. بشرط أن تنجح القوى السياسية والمدنية التى حركت ثورة الشارع فى الخروج بالبلاد من المأزق الدستورى الراهن، ومن حالة الفوضى التى ترك فيها رئيس الجمهورية بلاده بدون تفويض دستورى!

والمؤسف أن معظم الحكام العرب لم يتعلموا شيئا من دروس التاريخ.. فساروا على النهج الشيوعى الذى يقوم على اتفاق صامت، يخضع فيه الشعب لحكم حزب واحد ورئيس واحد مقابل وعد بالحصول على طعام مدعوم، ومسكن رخيص، وفرصة عمل مدى الحياة. ونحن نرى الآن كيف تتعرض نظم حكم من هذا النوع حولنا للانهيار ـ كما انهار نظام شاوشيسكو فى رومانيا ـ بعد أن أخفقت الحكومة فى الوفاء بالتزاماتها وبالحدود الدنيا لتوفير المواد الغذائية والمحروقات وفرص العمل وأماكن السكن اللائق لملايين الشباب الذين يتوقون لمستقبل يحققون فيه أحلامهم. وهكذا تفجرت الاحتجاجات فى البداية، ضد البطالة والغلاء وارتفاع الأسعار فى تونس والجزائر ثم امتدت إلى السودان والأردن والمغرب!

ولكن هذه الاحتجاجات التى انطلقت فى تونس مثل عود ثقاب بمجرد أن أشعل شاب جامعى عاطل النار فى نفسه لأن البوليس رفض التصريح له ببيع الخضراوات والفواكه فى الشارع.. اتخذت أبعادا خطيرة تجاوزت البعد الاجتماعى إلى الأبعاد السياسية التى يسأل عنها نظام الحكم والتى انتهت إلى مطالبة بن على بالرحيل.. وإلى وضع حد للظلم والقمع البوليسى الذى عاش التونسيون تحت وطأته طوال 23 سنة من حكم ديكتاتورى غاشم.

لقد كانت أمريكا وفرنسا من أكثر الدول دفاعا عن نظام حكم زين العابدين بن على.. ولكن ما إن لاحت بوادر الغضب الشعبى العام ضده، حتى سارعت أمريكا إلى الاعتراف بحق الشعب فى اختيار حكامه.. ورفضت فرنسا منح بن على حق اللجوء إليها حين ضاقت به السبل.

أما وقد رحل بن على وعصابته، فقد انتقلت المسئولية إلى الشعب، على أمل أن يتم انتقال السلطة فى هدوء وبغير مزيد من الدماء.. وهذا هو التحدى

بقلم:سلامة أحمد سلامة- Shorouk news

مخاوف العدوى التونسية

السؤال الذى ألحَّ على كثيرين فى دوائر الخارج والعالم العربى، بعد أحداث تونس وسقوط حكم زين العابدين بن على، هو: هل يمكن أن تمتد أحداث تونس إلى بلدان عربية أخرى؟

لقد عرفت معظم الدول العربية هبات شعبية وحركات احتجاجية بلغت درجات من العنف والصدام هزت الحكومات بسبب غلاء المعيشة، وانتفاضات الخبز، ومطالبات فئوية لزيادة الأجور.. ولكنها لم تصل إلى حد الثورة الشعبية التى تطيح بالنظام كما حدث فى تونس. وهى كما لاحظ كثيرون، ثورة لم تقع نتيجة انقلاب عسكرى كما هو الشأن فى كثير من الانقلابات التى حكمت الشعوب العربية، ولكنها ولدت من قلب الجموع الشعبية الغاضبة، فى عفوية وتلقائية، لا يقودها حزب وليس لها رأس ولا تنتمى إلى جماعة، رغم أن جميع الظواهر كانت تدل على استسلام التونسيين التام لبطش النظام.

ولأن تونس تجسد أحوال كثير من الأنظمة العربية، التى اعتمدت فى شرعيتها على حماية الأمن وانحياز الجيش، وأقامت نظاما مستبدا معاديا للديمقراطية، يستجيب لمبادئ العولمة، وصندوق النقد الدولى، وينفذ برامج للتنمية تعمل لخدمة الطبقات النافذة على حساب الطبقات الدنيا، فقد سرت فى الأجواء العربية هواجس مقلقة.. دفعت وزير الخارجية المصرى أحمد أبوالغيط إلى التهوين من شأن التوقعات التى ذهبت إلى إمكان تكرار أحداث تونس فى دول عربية أخرى.. ولكنها فى الوقت نفسه حملت الرئيس القذافى على إبداء «ألمه» لرحيل بن على، ووجَّه اللوم للشعب التونسى لأنه تعجل الثورة ولم يمهله حتى نهاية ولايته 2014.

من الطبيعى أن يبدى الحكام العرب مخاوفهم من العدوى التونسية، خصوصا بعد أن تخلت أمريكا وفرنسا عن مساندة بن على. ولا يبدو مثيرا للدهشة أن تعوض دولة مثل تونس شرعيتها الناقصة اعتمادا على التأييد الخارجى. فقبل ساعات قليلة من مؤشرات سقوط نظام بن على كان الكونجرس الأمريكى يعتمد 12 مليون دولار لدعم الأمن التونسى، وكانت وزيرة الخارجية الفرنسية تطلب من مجلس الوزراء الفرنسى الموافقة على إرسال قوات أمن فرنسية لدعم بن على فى وجه المظاهرات العنيفة التى اجتاحت البلاد.

ولعل تشابه الوضع بين ما جرى فى تونس وما يجرى فى دول عربية أخرى، ظنت أن النجاح الاقتصادى الذى يرضى ويسترضى طبقات النخبة ورجال الأعمال، مع استبعاد النزوع القومى واستئصال الحركات الإسلامية، كفيل بإحداث الاستقرار المطلوب.. دون حاجة إلى توفير الحريات السياسية، والانفتاح الديمقراطى والمشاركة التى توفر لأجيال الشباب فرصا متكافئة، وتضمن المحاسبة والمساءلة، وتهيئ الطريق لانتقال آمن للسلطة.

إن ما يجرى فى الجزائر لا يكاد يختلف عما جرى فى تونس، وإن اختلفت تفاصيل المشهد السياسى بعض الشىء. وتكاد تكون المتاعب الاقتصادية وازدياد معدلات البطالة فى الأردن فى ظل انغلاق سياسى مزمن.. هو الذى حمل هيلارى كلينتون على تحذير وزراء الخارجية العرب فى «منتدى المستقبل» الذى عقد بالدوحة على التحذير من حالة ركود قد تؤدى بهم جميعا إلى الغرق فى الرمال. حتى بين دول النفط الغنية فى الخليج.. أما حالة التفتت التى أخذت تتفشى فى دول أخرى مثل السودان والعراق ولبنان واليمن.. فقد تحولت إلى أمراض مستعصية. ولا ينبغى لأى دولة ــ حتى مصر ــ أن تضع نفسها فى خانة الناجين من النار إزاء هذه الأخطار.

لقد أثبتت أحداث تونس أنه لم يعد من الممكن أن تنسب كل الأخطار المحدقة إلى أصابع من الخارج، وننسى أن الأخطار الحقيقية تولد فى الداخل. فقد شهدت حقبة زين العابدين بن على استئصالا كاملا للحركات الإسلامية. ولم تعرف نشاطا علنيا أو سريا لتنظيم القاعدة. بل إن الشىء الوحيد الذى نجح بن على فى تحقيقه ولقى ثناء ومساندة من الغرب كان فى التخلص من الإسلاميين، وفى خنق أحزاب المعارضة وقمعها.. ومع ذلك نشبت الثورة من حيث لا يدرى أحد رغم كل المساعدات الأمريكية والأوروبية التى جعلت من تونس نموذجا مزدهرا وناجحا للشراكة المتوسطية. وهو ما حدا بنتنياهو إلى إطلاق ادعائه العنصرى بأن جذور عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط تنبع من الدول العربية ذاتها، وليس من الصراع العربى الإسرائيلى

بقلم:سلامة أحمد سلامة- Shorouk news

فن السقوط

كان زين العابدين بن على السبب وراء منع برنامجى (مقص الرقيب) على قناة أبوظبى قبل عشر سنوات.. فقد تلقت الإمارات تهديداً من وزارة الخارجية التونسية بقطع العلاقات الدبلوماسية معها إذا أذاع تليفزيون أبوظبى حلقة من البرنامج كنت قد سجلتها حول أوضاع الحريات وحقوق الإنسان فى تونس.. ونظراً لدقة الوضع آنذاك بعد أيام من أحداث ١١ سبتمبر، فقد استجابت الإمارات، ولم تمنع بث الحلقة فقط، بل أوقفت البرنامج بالكامل.

ظل زين العابدين مصيراً محتوماً على التونسيين.. لم يتوقع أحد منهم لنظامه هذه النهاية الدرامية، ولا حتى المعارضين الذين قابلتهم فى باريس، ومنهم نساء كشفن عن اغتصابهن فى أجهزة الأمن.. لم يخطر ببال أحد أن الأمر لن يتطلب أكثر من شهر واحد من الغضب.. لو تنبأ لى أحد أبطال الحلقة الممنوعة بهذا السيناريو منذ عشر سنوات، لاتهمته بالجنون.

لكن فعلها الشعب التونسى.. وجعل ضيفى فى استوديو «بى بى سى» صبيحة هروب بن على يقول لى: تونس صارت أم الدنيا..!

سأظل أدعو لهذه الثورة المجيدة أن تكتمل، وأن تتوج مسيرتها بتوافق على السلطة يحافظ على «مدنية» تونس، ويحمى مستقبلها من الانفلات.. حركة النهضة عزمت على العودة والانخراط فى العملية السياسية، وحدود البلاد بقيت مكشوفة خلال السقوط المروع للنظام، وربما تسللت إلى الداخل عناصر أجنبية متشددة.. لتصبح تونس لأول مرة منذ عقود، عرضة لتيارات جديدة قد تسعى لجر تونس نحو حكم دينى، أو على الأقل لوضع متأزم أو غير مستقر.. وهو ما سيوفر ذريعة للأنظمة القمعية فى المنطقة كى تحذر شعوبها من ثورات مشابهة.. نريد لتونس أن تعبر هذه المرحلة بهدوء، لتبقى أملاً وإلهاماً للبائسين.

ونصيحتى للحكام الذين يلتوون على الدساتير، للبقاء فى السلطة حتى الرمق الأخير، أن يتعلموا من الدرس.. زين العابدين ظل يضغط على قروح شعبه ثلاثة وعشرين عاماً، ومع أول شرارة غضب تحول الشعب إلى «غول»، وتحول الديكتاتور إلى فأر، هرب فى جنح الظلام متسولاً الحماية.. ترك زين العابدين شعبه جامحاً فى الشوارع، وآخر ما قاله له: فهمتكوا! هذا ما سيذكره له التاريخ.. احتاج زين العابدين ثلاثة وعشرين عاماً كى يفهم ماذا يريد الشعب!

محمد سعيد محفوظ - Almasry Alyoum

m.said.mahfouz@googlemail.com

ثورة بلا خُمينى

بالتأكيد كان شكلى مُضحكا جدا وقتها، طولى نصف شبر، وأتقمّص أدوار الكبار. ابتعدت غاضبا من بابا الذى لم يقدر موهبتى، نادانى كى يصالحنى لكننى رفضتُ أن أردّ عليه.

إلا بصحيح يا شابى: هو يعنى إيه كلمة «لعوب»؟!

فتح الشعب التونسى فضاء وأفقاً جديداً للحرية وللدولة المدنية، فى المنطقة بأكملها، فمنذ ثورة الخمينى سنة ١٩٧٩، وهناك تصور أن البديل للديكتاتورية وللفساد هو الدولة الدينية، وأخذ أنصار الدولة الدينية يصعرون خدهم ويتيهون فخرا على الجميع أنهم البديل الأوحد، وتطور الأمر لديهم ليصبح أنهم أصحاب الحق فى الحكم.. وكانت التجارب فى بلاد المنطقة تعزز ذلك لديهم ولدى آخرين، وبدا الأمر وكأننا بين الخيار السيىء والأسوأ.. السافاك أو الحرس الثورى فى إيران، دحلان أو خالد مشعل فى فلسطين، الترابى أو البشير فى السودان، وحتى حين جاء التغيير فى العراق بالتدخل الأمريكى فإنه أفرز طائفية ومذهبية مقيتة، وخلق حالة من الثأرية والانتقام دمرت العراق وتسيد المشهد فى النهاية الطائفيون ودعاة الدولة الدينية، وهكذا إلى أن جاءت التجربة التونسية لتكسر بكبرياء وعزة هذه الدائرة الجهنمية، بدأ الأمر احتجاجا على البطالة وسوء المعيشة، فرد الأمن عليهم بالنار، وكانت النهاية المعروفة، رحيل الرئيس متخفياً أو هارباً.

المعنى هنا أن غياب فرص العمل وسوء الأحوال المعيشية مرتبطان بكرامة الإنسان، والانتقاص من حق العمل وحق العيش الكريم يعنى بالضرورة انتقاماً من حريته وكرامته، وكل الأمور تقود إلى بعضها، غياب الحرية يولد الاستبداد، وذلك يجر معه الفساد، ومن ثم يتربح أفراد على حساب فئات بأكملها، وفى النهاية يدفع الشعب كله الثمن، والدخول فى واحدة يقود إلى الثانية.. ذلك أن بعض المنظرين يسخرون من الاحتجاجات التى تقوم حول رغيف الخبز والطعام ويرون فيها شيئاً متدنياً، إنهم يتمنون مظاهرات من أجل الدستور أو تعديل مادة فيه، وهذا سوء تقدير وضحالة تفكير، فالذى أضعف الاتحاد السوفيتى وأسقطه هو التأزم الاقتصادى وسوء الأحوال المعيشية للمواطنين.

الحالة التونسية هى حالة نموذجية، لكنها فريدة فى عالمنا العربى، وتكشف تحضر الشعب التونسى، كان يمكن أن يحدث هناك مع زين العابدين ما حدث فى رومانيا مع شاوشيسكو، وحتى حينما قبض على مسؤول الأمن الرئاسى ووزير الداخلية تم توجيه اتهامات محددة لهما، مما يعنى أن هناك محاكمة وقانون وقضاء أى أركان الدولة الدينية ولسنا بإزاء انقلاب يتم فيه تصفية الخصوم فوراً وتحويل الشوارع والميادين إلى حمامات دم..

وقام الجيش التونسى بدور وطنى عظيم، كان يمكن أن تحدث مغامرة ويتم القفز العسكرى على السلطة وعلى مؤسسات الدولة، لكننا وجدنا جيشاً مسؤولاً ووطنياً، يحمى المواطنين وممتلكات الدولة، فضلا عن دوره الأساسى فى حماية التراب الوطنى، من البداية رفض الجيش التكليف الذى وجه إليه بقمع المتظاهرين وإطلاق الرصاص عليهم فاستحق الاحترام والتقدير، والأهم حب المواطنين.

وكان باديا فى المظاهرات غلبة العنصر الشبابى، فضلا عن الحضور المتميز للفتيات والسيدات، وكان هناك التقدميون الديمقراطيون والاشتراكيون والشيوعيون، لم يشغل المجتمع التونسى ولا مثقفوه بقضايا وأسئلة عفا عليها الزمن مثل المفاضلة بين الدولة المدنية والدولة الدينية، أو هل النقاب فريضة أم فضيلة، وهل يتم الاحتكام إلى القانون المدنى أم إلى الشريعة الإسلامية. برىء المجتمع التونسى من الاجتياح السلفى والوهابى الذى يأخذ الناس إلى مناقشات وقضايا بيزنطية، تبعدهم فى النهاية عن قضاياهم وهمومهم الحقيقية، وفى المحصلة النهائية فإن ذلك المناخ السلفى يقتضى كى يمر وينتشر بيئة استبدادية متسلطة تقيد الفكر والرأى وتحجر على التعبير وتقسم المواطنين فى الدولة إلى مؤمنين وكفار، وتصنيف المسلمين أنفسهم إلى فئات ودرجات.

رغم أن الإسلام علمنا أن نعمل للدنيا كأننا نعيش أبدا، ومن حقنا أن نتساءل: ترى لو أن المجتمع التونسى أصيب بالانشقاق السلفى وتوطنت فيه الوهابية هل كان قادرا على أن يقوم بما قام به؟!

ولأن المناخ الإعلامى السائد يقع فى الثنائية البغيضة التى تعيشها المنطقة منذ ثورة الخمينى، وجدنا عددا من الفضائيات العربية والأوروبية الناطقة بالعربية، تبارت جميعها فى إقحام الشيخ راشد الغنوشى على مشهد الأحداث فى تونس، رغم أن الرجل بعيد وبلا تأثير، وأصرت تلك الفضائيات على تقديم الرجل وكأنه الخمينى الذى سوف يعود إلى تونس ليغير كل شىء، وقد حاول الرجل أن ينفى ذلك، وأن ينسب ما تحقق إلى من قاموا به، لكنهم يلحون ويصرون، ويبدو الأمر كما لو كان هناك سعى لأن يقفز الغنوشى لجنى ثمار لم يبذل جهدا فى غرسها.. وثمة من يتحدثون عن أن زين العابدين بن على سقط بسبب علمانيته، هو سقط بسبب الاستبداد والفساد، والذين أسقطوه هم من المحسوبين على العلمانية أو التيار المدنى، فى المظاهرات الحاشدة يوم الجمعة بتونس العاصمة، كانت هناك صور مرفوعة لـ«تشى جيفارا» وشعارات وطنية وديمقراطية.

هناك حالة من النشوة الآن فى تونس وفى الشارع العربى لسقوط زين العابدين، وجاءت المفاجأة فى سقوطه السريع، ويبدو أن هناك خفايا وأسراراً فى الموضوع لم تعلن بعد، لكن هذه الحالة من النشوة مرت من قبل، حين سقط جعفر النميرى فى السودان وحين تنازل الفريق عبدالرحمن سوار الذهب عن الحكم، وحدث شىء مشابه حين أطيح بالرئيس صدام حسين، وإن كان السياق مختلفا، كما حدث فى تونس نفسها يوم ٧ نوفمبر ١٩٨٧ عندما انقلب زين العابدين نفسه على الزعيم والرئيس بورقيبة، لكن الجديد الذى تقدمه تونس هذه المرة هو أنها فتحت الأمل لتجاوز القاعدة التى أرستها ثورة خمينى وتجعل المعارضة المدنية قادرة على التحرك والإنجاز وتبقى أمام التجربة التونسية مخاطر عديدة عليها أن تواجهها، وتمثل هى مخاطر عديدة على المجتمعات المحيطة بدت مظاهرها فى اندفاع الشبان لإحراق أنفسهم مثل بوعزيزى، لكن الثورات والتجارب لا تستنسخ هكذا، وذلك حديث آخر

حلمى النمنم - المصرى اليوم

ثورة تونس الملهمة: إذا الشعب يوماً أراد الحياة

ارتبط ذكر العالم العربى طوال العقود الأربعة الأخيرة بالفشل والاستبداد ، ولم نشهد حدثاً واحداً منذ حرب أكتوبر مثّل انتصاراً لقيمة ما، حتى لو كانت المهنية فى العمل، أو الإنجاز السياسى والاقتصادى، فلم نر إلا بلاداً محتلة (فلسطين والعراق)، أو منقسمة (السودان والصومال)، أو تعانى من حروب أهلية (لبنان)، أو فشلاً للدولة (اليمن)، أو غياباً للديمقراطية واستبداداً سياسياً وهنا اتحدوا جميعاً.

والمُحزن أن كل تجارب النجاح التى شهدتها دول العالم الثالث كانت كلها خارج العالم العربى، فنتحدث عن المعجزة الاقتصادية فى ماليزيا بافتخار كبير، وعن كوريا التى كانت أسوأ منا فى الستينيات وأصبحت واحداً من أهم اقتصادات العالم، وعن ثورة الطلاب فى إندونيسيا ضد حكم الرئيس سوهارتو كنموذج مبكر لاحتجاج، ونتحدث عن رئيس البرازيل العظيم لولا دا سيلفا الذى حقق إنجازات اقتصادية وسياسية هائلة وترك الحكم بعد مدتين احتراما للدستور الذى ننتهكه فى العالم العربى، رغم أن شعبيته وصلت بين أبناء الشعب إلى ٩٠%، وحتى البلدان التى لم تصنف تماما بين دول العالم الثالث ولكنها كانت مأزومة سياسيا واقتصاديا، مثل تركيا، حققت إنجازات هائلة فى السنوات الأخيرة وأصبحت واحدة من أهم القوى المؤثرة إقليمياً وعالمياً.

كل ذلك جرى حولنا والعالم العربى بمفرده ساكن خامل لا يتحرك، بصورة دفعت الكثيرين فى الغرب والشرق للحديث عن «الاستثناء العربى» بعد أن سقط عملياً كثير من نظريات الاستثناء أو الفشل الإسلامى، وجاءت ثورة تونس وقلبت الموازين وعطلت خطاب الاستثناء العربى، وألهمت الكثيرين بإمكانية التغيير فى العالم العربى.

لقد دخلت تونس التاريخ من حيث لم يحتسب الكثيرون، وقدمت واحدة من أروع الثورات الشعبية التى فيها من سمات الشعب التونسى المسالم والمتعلم والمعتز بعروبته والمنفتح على العالم الكثير.

والحقيقة أن تونس نجحت فيما فشل فيه الكثيرون، وحوّلت أحلام كثير من الشعوب إلى حقيقة، وشعر أبى القاسم الشابى إلى واقع.

إن ثورة تونس لم تصنعها التنظيمات ولا الأحزاب السياسية التى همشها النظام، إنما جماهير الشعب التونسى، فشهيدها الأول «بوعزيزى» لم يكن عضوا فى حزب العمال الشيوعى ولا حركة النهضة الإسلامية، إنما كانت فيه براءة جيله العشرينى وإحباطاته من نظام مارس كل أنواع القهر على شعبه فكان بامتياز مفجّر الثورة.

ولعل ما سبق أن كررناه مراراً من أزمة القوى السياسية العربية، خاصة الاحتجاجية و«الثورية»، أنها ليست لها علاقة بالواقع ولا بالجماهير التى تدعى تمثيلها، وأن الدرس التونسى كان فى خروج جماهيرى عفوى وشعارات مدنية وإنسانية عظيمة، تختلف عن الطريقة المصرية التى مازال يخرج فيها الإخوان المسلمون حاملين المصاحف، والناصريون لصور عبدالناصر، حتى أصبح كل تيار يعبر عن أجندته الخاصة لا الجماهير.

وقد شارك فى الثورة شباب من كل الفئات ونشطاء من مختلف الألوان، ورفعت شعارات مدنية ملهمة «حرية، عدالة، كرامة، وطنية»، وغنوا النشيد الرائع لأبى القاسم الشابى «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر، ولابد لليل أن ينجلى ولابد للقيد أن ينكسر، ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر»، وغيرها من الشعارات التى كانت محل ترحيب من كل أحرار العالم فى الشرق والغرب.

والحقيقة أن ما جرى فى تونس جاء نتيجة مجموعة من الأسباب، أغلبها سلبى وبعضها إيجابى، وأكدت أن الثورة معادلة وليست مجرد نزول عشوائى للناس فى الشارع، فهى تأتى نتيجة أسباب معظمها موضوعى، وتكون هناك قشة - مثل الشاب بوعزيزى - تفجر كل شىء.

ولذا سنجد أن تجارب التغيير فى العالم لم تحمل صورة واحدة، فهناك التغيير من داخل النظام (انقلاب موريتانيا الديمقراطى، وانقلاب سوار الذهب فى السودان، وغيرهما)، وهناك نظم أخرى تغيرت بتوافقات بين القوى الإصلاحية الواقعة داخل النظام والأخرى التى تناضل من خارجه، مثل كثير من دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، وقبلها إسبانيا والبرتغال، وبعدهما تركيا وماليزيا وإندونيسيا.

والحقيقة أن تونس نجحت فى تقديم نموذج للتغيير الثورى نتيجة وجود نظام سلطوى هو الأسوأ فى العالم العربى، أغلق بشكل كامل المجال العام، واستبعد بالعصا (دون الجزرة) النقابات ومنظمات المجتمع المدنى، ولم يعتمد سياسة التنفيس المصرية التى سمحت بوجود هامش من حرية الرأى والتعبير ووقفات احتجاجية، على طريقة «المنحة يا ريس»، جعلت أكبر احتجاج سياسى لا يتجاوز الألف شخص، وسمحت بدعوات إسقاط النظام يقوم بها ١٠٠ شخص يكررون موعدهم كل مرة أمام الفضائيات.

إن ثورة تونس صنعها المواطن العادى، وفجرها مواطن عادى، وأصر على نجاحها المواطنون العاديون، وستصبح معضلتها (كما سنناقش فى مقال الغد) حين تنتقل من إلهام المواطن العادى إلى الحكم عبر حسابات «المواطن غير العادى» من النخب وقادة الأحزاب.

إن ثورة تونس هى ثورة الناس دون وصاية من حزب أو تنظيم، وهى بالتأكيد نتاج جوانب أخرى إيجابية أتاحها النظام التونسى بعد الاستقلال وتقع جميعها خارج المجال السياسى الذى قمعه بشدة، وتتعلق بنظام تعليم عام بالمعنى النسبى هو الأفضل فى كل البلاد العربية، ونسبة أمية محدودة (أقل من ١٠ % ) مقارنة بباقى البلاد العربية، ومجال عام مدنى لم يترك التيارات الدينية غير السياسية تعبث فيه وتغيّب وعى الناس وتقضى حتى على قيمة العقل لصالح خطاب الخرافة والجهل، كما نشاهد فى مصر.

وظلت أمراض المجتمع التونسى الثقافية والاجتماعية محدودة، بفضل نظام سياسى علمانى، قهر مواطنيه سياسيا، كما حدث فى أوروبا الشرقية، ولكنه لم يقض على القيم الأساسية التى يقوم عليها أى مجتمع إنسانى فى العالم، فى التعليم والصحة والمساواة بين الرجل والمرأة ومدنية المجال العام ودور الثقافة والعقل فى تشكيل وعى المجتمع.

وعلى عكس مجتمعات عربية أخرى أصبح الفشل فيها ليس فقط أو أساسا فى المجال السياسى، إنما فى التعليم والصحة والثقافة والخدمات العامة، وحين يصبح أداء مؤسسات الدولة نموذجا للعشوائية وغياب المهنية وعدم الكفاءة، فإن الأمر يدفع الناس إلى مصارعة مآسى الحياة اليومية لا الثورة عليها.

وقد قضت الثورة التونسية أيضا على أوهام أخرى لخطاب الثورة فى طبعته الشيوعية التى راجت فى القرن ١٩ ومازال البعض يرددها حتى الآن، وهى أن الثورات تتطلب مئات الآلاف من الضحايا ولابد أن يدفع الناس ثمناً باهظاً من الدماء لنيل حريتهم، والحقيقة أن هناك مجتمعات كثيرة تحولت نحو الديمقراطية بترتيبات سياسية لم يسقط فيها قتيل واحد، وأخرى مثل تونس نالت حريتها بعد أن قدمت ٩٠ شهيدا، وهو رقم يظل محدودا مقارنة بهذه الصورة التى روّجها البعض عن ضريبة الثورات فى العالم، خاصة أن بلداً مثل مصر قدم فى نفس شهر الثورة التونسية ١٠٠ قتيل ضحايا لحوادث الطرق.

إن فى تونس مجتمعاً صحياً (ولا نقول شعباً، لأن الأول صنيعة النظام القائم، والثانى نتاج ميراث تاريخى) ونظاماً مستبداً، والأخطر حين يكون هناك الاثنان معا.. أى نظام مستبد ومجتمع غير صحى ومصاب بالعطب، فهذا يتطلب معادلة أخرى للتغيير والإصلاح سيكون بينها الضغوط الشعبية ولكن ليس الثورة.

بالتأكيد ثورة الياسمين التونسية هبّت على العالم العربى، وإن رياح التغيير قادمة لا محالة حتى لو اختلفت الوسائل والأساليب، وإن المعادلات التى ترتب وراء الكواليس فى بلد مثل مصر لن تنجح «من حيث لا يحتسبون»، كما جاءت الثورة فى تونس من حيث لا يحتسب الكثيرون

د. عمرو الشوبكى - Almasry Alyoum