Showing posts with label المواطنة. Show all posts
Showing posts with label المواطنة. Show all posts

Monday, May 30, 2011

هويدا طه تكتب: الإخوان والمجلس والطريق إلى يوليو 2011

جمعة الغضب الثانية يوم 27 مايو كانت نقطة فاصلة بين مرحلتين في مسار ثورة 25 يناير، فقبلها كانت هناك "مسلمات".. تنتقل بالتواتر وليس بقياس علمي دقيق، وبعدها وُضعت تلك المسلمات في حيز التساؤل والاختبار.. إذن لم تعد "مسلمات"بل (مسائل)،على رأسها: سلطة المجلس العسكري، ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين

أولا: المجلس العسكري

في رسالته يوم الخميس رفع المجلس يده عن (حماية المتظاهرين) بانسحابه من ميدان التحرير وميادين المدن الأخرى، الرسالة حملت- بصراحة- تهديدا للمتظاهرين وتفويضا للمجرمين! لكن الثوار الرائعين الذين واجهوا جبروت مبارك والعادلي يوم 25 يناير ردوا عليه في صفحته الرسمية برسالة على شاكلة رسالته قالوا فيها بخفة ظل وثقة وتحد ووعي (الحامي ربنا يارجالة)! وقد كان!..

** نظم شبابنا الصغار سناً الكبار همةً يومهم.. قد لا يدركون الآن حجم الخدمة الجليلة التي قدموها لمصر بهذا اليوم.. فقد كشفوا العديد من أقنعة الزيف في مصر، أولها بطرح سؤال واضح وبسيط: لماذا يناقض المجلس العسكري نفسه؟ ألم يعلن منذ انضمامه للشعب في ثورته أنه ملتزم (بواجبه في حماية حق المصريين المشروع في التعبير عن رأيهم)؟ لماذا الآن يقول لهم (مليش دعوة؟!) أي مصريين كان يقصد ياترى بهذا الوعد؟! لماذا هدد المجلس شبابنا بل الشعب كله بأنه سيلقي بهم (فريسة) لهجوم (توهمه أو أوحى به) تخويفا وترهيبا؟ ففي الأيام السابقة مباشرة ليوم الجمعة ظلت الأخبار تتوالى بعضها من المجلس مباشرة وبعضها تخديما على رسالته (غير المقبولة).. عن هجوم محتمل لآلاف البلطجية على الميدان.. وعشرات من سيارات الإسعاف تستعد.. وتركيز لحماية المنشآت.. وغيرها من (إيحاءات) بمجزرة وفوضى عارمة ستحدث إن.. إن ماذا؟ إن (تمردتم) على (انفراد) المجلس بالحكم والقرار! هل يفهم من هذا التكثيف ضد شباب جمعة الغضب الثانية غير هذا؟ حسنا.. جاء اليوم بأشد ما تكون الأيام تحضرا ورقيا ونظاما.. أو بتعبير الكاتب الجميل وائل قنديل (غاب الإخوان والعسكر وحضر ضمير مصر).. لم ينفع إذن تهديد المجلس للشباب ومن خلفه الشعب.. فكانت نقطة تقدم للشباب ونقطة تراجع للمجلس.. الذي يصر على الانفراد بالقرار واستبدال وعده (تنفيذ مطالب الشعب) بفعل آخر هو (الوصاية على الشعب)،

** هذه الوصاية من المجلس عبر عنها اللواء ممدوح شاهين في مكالمته الشهيرة لتليفزيون (أون تي في) حين غضب من وصف المظاهرة بكلمة (حاشدة) وقال إن الاستفتاء كان استفتاءً على شرعية المجلس! وقال نحن لا نستجيب للضغط! إذن على الشعب أن يفهم من رسالة سيادة اللواء أن المجلس بعدم استجابته للضغط سوف (ينفذ اللي في دماغه)! فماذا يا ترى في دماغ المجلس؟!

** لا قراءة للنوايا هنا إنما قراءة للظاهر من السلوك.. أولا: المجلس رأى أن من حقه الالتفاف على نتيجة الاستفتاء فأسقطه واستبدله بإعلان دستوري لم يستفت عليه..ثم أنكر على أي قوة أخرى الحق في أن ترفض هذا الالتفاف وتطالب بإعادة النظر! إعادة النظر إما في الاستفتاء نفسه وقد شابه ما شابه من نواقص أو إعادة النظر في التفاف المجلس ومناصريه على الاستفتاء المعيب! المطلوب هو الخرس التام إذن وليفعل المجلس (الوصي على العرش) ما يشاء! هذه ليست إلا.. وصاية!

ثانيا: المجلس يصر على إصدار قوانين تصب كلها في غير صالح (عموم الشعب) ولا يستفيد منها إلا فئة وحيدة لا تعبر عن كل الشعب ولا عن مصر التي عرفها التاريخ.. من تلك القوانين التي لم يؤخذ فيها رأي أي قوة سياسية في البلاد ولم تعرض لنقاش مجتمعي بشأنها.. قوانين مباشرة الحقوق السياسية والانتخابات وتصويت المصريين في الخارج وتجريم الاعتصام والتظاهر وقانون مصالحة رجال الأعمال (أو تدليلهم) وغيرها كثير من قوانين يؤسفنا حقا أنها كلها- وهذا باد للعيان- ضد عموم الشعب! ومع هذا يغضب المجلس عندما يعبر أحد عن استنكاره لهذا الإهمال المتعمد لمطالب الشعب.. بل ويحاكم بعض المنتقدين عسكريا ويلقي بهم في السجون.. بينما هو- المجلس- وكذلك الجميع يعرف بداهة أن انتقاد سلوك المجلس لا يعني انتقادا للجيش الذي يحبه المصريون ويحترمونه! الخلط المتعسف بين الجيش والمجلس هو بصراحة إرهاب لمن ينتقد المجلس، وتلك وصاية.. غير مقبولة!

** ولعل غضب المجلس من جمعة الغضب الثانية جاء لسبب آخر كذلك إضافة إلى استنكاره أن (يتمرد) الشباب على سلوكه المنفرد بالقرار، غضب المجلس بسبب(فشل توقعاته) وتوقعات أعوانه! فقد توقعوا أن إرهابهم للشعب بالحديث عن مجازر سوف تقع في الميدان أو عن كفار سوف يتظاهرون بالميدان.. سوف يقلل حجم المظاهرات إلى الدرجة التي تقر لهم إلى غير رجعة (الانفراد) بتخطيط المستقبل.. فإذا بحشود الشعب في معظم المدن تفاجئهم.. وتفاجئ أعوانهم! فغضبوا!

** أصبحت تلك الحشود إذن قوة ذات وزن تواجه المجلس بأهم تساؤل بينه وبينهم: لماذا كل تلك الحماية للمخلوع وأسرته ورجاله؟ لماذا كل هذا التباطؤ المستفز؟ لماذا يتعالى المجلس على الرد على اتهامات من هنا وهناك تقول- وأحيانا بمستندات كما ذكر بلال فضل في أحد مقالاته-إن تجميد أموال مبارك وعائلته لم يتم على خلاف ما أعلن، بل وفي الميدان تساءلت الناس هل مبارك فعلا موجود في مصر؟! هل العادلي وجمال وعلاء محبوسون فعلا؟ وكيف نتأكد؟.. نحن لم نر ولا صورة واحدة لأي منهم في محبس أو في قفص! لماذا لا يسمحون بتصوير هؤلاء الناس في المحاكم؟ هل مازال هناك درجة ما من الولاء لهم؟ إذا كان هناك درجة من الولاء أو الحماية لهم فهذا ببساطة.. خطر على الشعب وحقوقه!

** ثم هذا التآلف والود الواضح بين المجلس وفئة واحدة من الشعب هي جماعة "الإخوان المسلمون".. لماذا يأتي دائما على حساب (عموم الشعب المصري)؟!.. بل ما نوع ذلك (التوافق) بينهما؟ يحق للمصريين السؤال ويجب على المجلس بحكم وجود السلطة بين يديه أن يجيب.. المجلس ليس أعلى من الشعب.. بل الشعب هو من وضع المجلس هناك.. مجرد تذكير.. ذكر لعل الذكرى تنفع!

** السؤال الأكثر الحاحا الآن.. هل استمع المجلس لهذه التساؤلات؟ هل وصلته؟ إذا وصلته ولم يهتم ولم يبادر ليثبت العكس فهو إذن مازال محل تساؤل.. وإذا لم تصله.. فالحشود التي أغضبته يوم جمعة الغضب الثانية سوف تتضاعف في المرات القادمة! والأيام بيننا!

ثانيا: الإخوان المسلمون

** الحديث عن الجماعة هنا هو حديث باعتبارها قوة سياسية، أما دورها الثقافي فمجاله مقال آخر، أبرز ما يلاحظ عن علاقة الجماعة بالمجلس العسكري هو ذلك التحالف ضد رغبات (عموم الشعب المصري)! تحالف يستدعي في ذاكرة المصريين العودة إلى الوراء تسع وخمسين سنة! إلى عام 1952 حين قام تنظيم الضباط الأحرار بانقلاب عسكري.. وكان ضمن الضباط الأحرار بعض الإخوان المسلمين إلى جانب آخرين شيوعيين وليبراليين وغيرهم من تيارات سياسية في ذلك الزمان، بدأت العلاقة حميمة بين الإخوان و(مجلس) قيادة الثورة! ثم جاء حادث المنشية الذي انقلب فيه الإخوان على المجلس فقلب المجلس عليهم طاولة الحكم وبدأ العداء المبين بين الإخوان وثورة يوليو والذي استمر حتى 24 يناير! نعود الآن إلى الحاضر..

** في رأي الكثيرين لا يريد الإخوان قلب الطاولة عليهم ولا يريد المجلس حادث منشية جديدا! وكلاهما على الأقل كما استشعر كثير من المصريين يريد (تطويع الثورة) لصالحه.. لكن كل منهما لا يستطيع ذلك منفردا ويريد معينا على ذلك.. أمام شعب قام بثورة ثبت منها بما لا يدع مجالا للشك أنه في عمومه شعب واعٍ يصعب على قوة منفردة.. خداعه! المجلس اعتقد منذ اللحظة الأولى أن الجماعة (تمتلك ناصية الشارع) وهذا هو الوهم الذي (عاشت عليه) الجماعة سنينا! حتى صدقها خصومها وصدقها كذلك.. المجلس! والجماعة اعتقدت أنها لن تلدغ من ذات الجحر مرتين وبالتالي لن تعادي المجلس حتى تجني كل ما تستطيعه من مكاسب! فبدأ (الغزل) بينهما على عينك ياتاجر وعلى مرأى من الشعب وسمعه! أول مظاهر (الغزل) بين المجلس والإخوان كانت لجنة التعديلات الدستورية! التي كانت سلطة اختيارها بيد المجلس فاختار لجنة جاءت إخوانية بامتياز! تلك كانت البينة الأولى! ثم صمت الإخوان على التفاف المجلس على نتيجة الاستفتاء عندما اسقطه فعليا بإصداره إعلانا دستوريا لا يمت بصلة للاستفتاء! ثم سموا الأشياء بنقيضها وإياكم والاعتراض.. فسموا (تجاهلهم) لإرادة الشعب (خضوعا) لإرادة الشعب! ويستمر التحالف بينهما.. فيصدر المجلس قوانين لا يستفيد منها إلا الإخوان أو الأثرياء! فيروج لها الإخوان.. الأثرياء! بينما هي قوانين لا تقابل ولو في منتصف الطريق المطالب الاجتماعية لشعب قام بثورة من أجل العدالة الاجتماعيةوليس من أجل تحسين وضع جماعة الإخوان! قوانين تمهد الطريق لتقاسم السلطة بينهماإلا إذا.. إلا إذا طمع أحدهما في أكثر مما يعنيه منطق التقاسم! وحينها لا قدر الله ربما نشهد نسخة 2011 من.. حادث المنشية!

** جاءت جمعة الغضب الثانية فاصلة بحق حيث عبرت عن (حرب إثبات القوة في الشارع) بين الإخوان الذين ظلوا يتحدثون عقودا وبغطرسة متناهية عن (ملكيتهم التامة للشارع).. وبين القوى السياسية الليبرالية واليسارية الأخرى التي كانت حتى دعوتها الشجاعة لذلك اليوم خائفة من وهم ملكية الجماعة للشارع.. قامرت تلك القوى وقاطرتها شباب يرفض (الدخول في بيت طاعة المرشد واللواء) وحشدت ليوم الجمعة، وأذكركم أنه حتى منتصف الليل يوم الخميس كانت قيادات الإخوان تظهر في القنوات المختلفة مبدية سخرية من الشباب بل وأحدهم قال (لنرى من سيؤازركم)! ووزعت الجماعة بيانا بعنوان (جمعة الوقيعة) ظهر فيه النفاق للمجلس بأقصى ما يكون النفاق! وحذرت وتوعدت بتكفير وتخوين من يشارك في تلك الجمعة.. كانوا جميعا على يقين حتى ذلك اليوم أن الشعب المصري هو (قطيع) عصا قيادته في أيديهم! ثم جاءت الجمعة الفاصلة، وفي الإسكندرية(معقل الإخوان!) كانت الناس تردد في هدير بالغ هتاف:"لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة إنسان"، كم كانوا بلغاء في هتافهم هؤلاء الشباب! وبعد ذلك اليوم الذي أعاد الثقة بالنفس إلى شباب رفض أن يكون قطيعا يسوقه المرشد واللواء.. حتما ستكون هناك إعادة تقسيم للقوى.. لكن المدهش حقا كان موقف الإخوان الغاضب إلى درجة الهيجان من نجاح الشباب بدون قوتهم المزعومة.. كان يشبه تماما موقف الحزب الوطني المقبور وذيوله! إنكارٌ فإنكارٌ فإنكار!

** ولم يكن يوم الجمعة الفاصلة تلك كاشفا فقط لقوة الإخوان السياسية في الشارع.. بل كشف أمام المجتمع المصري مدى فاشية تلك الجماعة.. والحق يقال أنهم هم بأنفسهم قدموا لمصر خدمة جليلة بالعمل على كشف عنجهيتهم وعقليتهم المستبدة الإقصائية.. فجندوا خير من يمثلهم (ويمثل بهم!) في ذلك المجال.. الأستاذ صبحي صالح! فمهما حاول المناوئون للجماعة كشف سلبيات تلك الجماعة أمام المجتمع لم يكن لينجح أحدهم بمثلما نجح ممثلهم العظيم في هذا! فهذا الرجل تطاول على فتيات مصر ونساءها (غير الأخوانيات أو الأخوات) ووصفهن بأنهن في (مرتبة أدنى) من الإخوانيات اللاتي رباهن سيادته في حظيرة الجماعة! ثم حاول التخفيف فاعتذر، ثم حاول التراجع عن الاعتذار فقال إنه كان (بيهزر!) ثم توج فعلته في برنامج العاشرة مساء حين وصف فتيات ونساء مصر غير الإخوانيات بأنهن.. بنات رصيف! هذا الرجل كان ضمن من اختارهم المجلس للجنة التعديلات الدستورية! وهو ما جعل البعض بعد ان استمع إليه يقول ضاحكا (يافضيحتك يا مجلس!)، وغير تلك الحادثة أظهر نفاق الجماعة للمجلس العسكري (عمال على بطال) أمام عموم الناس- حتى من كانوا يتعاطفون معهم أيام (ذريعة الاضطهاد)- كم هم منافقون وانتهازيون يخططون للاستحواذ على مصر عن بكرة أبيها!

** لكن المجتمع المصري ليس غبيا! هل سمع أحدكم عن قيام الإخوان بتنظيم إضراب عمالي واحد مثلا على مدار ثمانين عاما هي عمر الجماعة؟! هل سمع أحدكم أياً من قادة الإخوان الأثرياء يتحدث عن (عدالة اجتماعية) أو (إنصاف الفقراء) أو حقوق المرأة أو حقوق الإنسان أيا كان؟! لطالما كان هؤلاء الناس يتحدثون عن جماعتهم وحقوق جماعتهم واضطهاد جماعتهم وكأنهم دولة داخل الدولة.. كذلك لا يُعرف الكثير عن مصادر تمويل هذه الجماعة التي تنفق الملايين، إنهم لا يختلفون عن الحزب الوطني المقبور في شيء سوى أنهم أشد بأسا وقسوة على الفقراء في برنامجهم ورؤيتهم للدولة القادمة! الفقير حقه عندهم (الإحسان من الأغنياء) وليس (تعديل ميزان الثروة) بين المواطنين! قد يثور سؤال إذن لماذا يتبعهم آلاف المصريين ويتعاطفون معهم وخاصة الفقراء؟! ذلك أنهم أيها السادة يشهرون سيف الدين في وجه كل مُطالب بدولة للجميع! ذلك أنهم أيها السادة يتسلحون بأداة استحلاب العواطف الدينية لدى الناس! ذلك أنهم كانوا يتاجرون باضطهاد خصمهم القديم لهم الذي كانوا يصارعونه على السلطة! ولعلكم شاهدتم الأستاذ صبحي صالح وهو يصرخ محمر الوجه منتفخ الأوداج في مؤتمر العباسية الشهير قائلا:"لن نسمح لأي قوة أن تحرمنا من (ثمرة الثورة) نحن الذين اضطهدنا لن نسمح لن نسمح"! لكن هل يستمر تعاطف المصريين معهم بعد أن (تكالبوا) على الثورة والمجلس بهذا الشكل المكشوف؟ أحد الشباب علق على افتتاحهم لمقرهم الفخم في المقطم قائلا: هذا المبنى سيحرقه المصريون في ثورتهم القادمة! المصريون إن آجلا أو عاجلا وأظنه قريبا سوف ينحازون لمن يطالب لهم بالعدالة والكرامة والإنصاف والنصيب العادل في ثروات البلاد في الدنيا.. وإلا لماذا احتشدوا يوم جمعة الغضب الثانية رغم ضغط الإخوان في اتجاه تكفير كل من يشارك فيها؟!

** تذكروا أن ثورة 25 يناير عندما نودي إليها فإن الإخوان لم يكتفوا بإعلان رفضهم المشاركة فيها بل عرضوا على نظام مبارك المساعدة حتى لا تقوم الثورة! وهذا كله موثق والإخوان وُدهم لو أخفوا تلك الوثائق الآن لكن أنى لهم أن يستطيعوا ذلك! وعندما بدأت تباشير النجاح للثورة قفز عليها الإخوان قفزا وصوليا إلى أقصى درجة.. حتى أن الدكتور عصام العريان وفي استخفاف بعقول الناس قال إن الإخوان كانوا يجهزون للثورة منذ عام 2004! مع أنه هو نفسه صاحب التصريح الشهير يوم 24 يناير بقرارهم عدم المشاركة! وبالطبع كل قادة الإخوان الذين فتحت لهم كل أبواق الإعلام المنافق بدوره كذلك راحوا يشهرون على الملأ ملكيتهم للثورة وهم على يقين مغرور بأن ذلك لن يستفز أحدا وأن (الوضع مستتب لهم)! لكن ورغم رفض موقف الجماعة وقادتها لا ينبغي أن ننكر دور شباب الإخوان في تلك الثورة.. فهم شباب مصريون وطنيون ورائعون رفضوا الانصياع لأوامر المرشد واجبة الطاعة في عرفهم.. وشاركوا في الثورة بأحلامهم لمستقبل أفضل وشاركوا مع الآخرين بالدم حتى تنجح تلك الثورة، هؤلاء الشباب من حقهم أن يكونوا متدينينوهذا جق بديهي ولكن من حقهم ايضا الحلم (بتطهير الجماعة) من قادة لا يهمهم الوطن بقدر ما يهمهم دولة الجماعة! نفس هؤلاء الشباب حينما استجابوا لنداء الوطن وشاركوا في جمعة الغضب الثانية.. رغم أنف قادة الجماعة الذين حذروهم بل حذروا الشعب كله من المشاركة ورفعوا في وجهه سيف التكفير.. هؤلاء الشباب حنق عليهم القادة ففصلوا بعضهم من جنة الجماعة وأعلنوا أن الجماعة ليس لها ممثلون في الائتلاف الذي نظم تلك الجمعة! بدا ذلك (عينة) مما يمكن أن يفعلوه مع (المواطن) إذا كانت سلطة حكم البلاد في أيديهم! فتلك الجماعة كما أن مصطلح العدالة الإجتماعية (مكروه) في قاموسهم كذلك مصطلح الثورة لا يروقهم! لأن الثورة تعني أن هناك مطالب تطالب بها (جموع الشعب) وهم لا يريدون تحقيق مطالب تلك الجموع إنما يريدون تحقيق مطالبهم هم مطالب الجماعة ولو على حساب تلك الجموع!

** ما الخلاصة إذن من هذا الاستعراض لجزء من مسلسل (انكشاف الجماعة) وسقوط قناع تقواها أمام المجتمع؟ الخلاصة أن هناك الآن قوتين تسلبان حق الشعب المصري في التعبير عن رأيه وحقه في الاختيار وحقه في العدالة.. إحداهما قوة انتهازية كما هو معلوم من تاريخها ولا رجاء فيها هي قوة جماعة الإخوان والأخرى هي قوة المجلس العسكري.. وتلك الأخيرة قوة فيها الكثير من الرجاء رغم كل ما بدر منها! فإذا التمسنا للمجلس العذر في تخبطه في المرحلة الأولى فإننا وبعد جمعة الغضب الثانية.. نأمل منه أن يدرك أن هناك داخل حدود مصر شعب كامل عريق يعيش هنا وليس جماعة! وأنه مازال بيده استثمار حب الشعب للجيش من أجل صالح (عموم الشعب) والتراجع عن ميله الذي لا تخطئه عين لجماعة لا تمثل عموم الشعب المصري.. ونقترح عليه إعادة النظر في كل ما اتخذ من تدابير سابقة والاستماع إلى صوت الشعب.. صوت الشعب يا مجلس مازال يقول (الجيش والشعب إيد واحدة) وليس المجلس والجماعة إيد واحدة! أما تهديد الجماعة بأنها (لن تسمح بحرمانها من ثمرة الثورة) فهو تهديد نمر من ورق! الشعب ببساطة سيقف وراء من يحمي مصالحه وليس وراء من يحمي مصالح جماعته! والشعب يريد العدالة! يريد مساندتك يا مجلس ضد خصومه من الانتهازيين ومصاصي الدماء وليس تحالفك معهم!

** نقترح على المجلس إذن ومن واقع ما نسمع من (عموم الشعب) فك هذا الارتباط! والتعامل مع جماعة الإخوان باعتبارها إحدى القوى السياسية الموجودة في الشارع المصري، والإعلان عن تكوين جمعية تضم (كافة) القوى السياسية الصغيرة منها والكبيرة لوضع دستور جديد للبلاد.. تضم الجمعية ممثلين ليس عن القوى السياسية فقط ولكن عن النقابات والهيئات والاتحاداتوالأدباء والمثقفين والإعلاميين والمهنيين وحتى الأزهر والكنيسة.. ويرأسها كبار فقهاء الدستور الذين تشرف بهم بلادنا.. ويوضع دستور جديد أو تناقش الدساتير التي وضعت أصلا ولم يعرها النظام السابق أي اهتمام.. تناقش كل مادة فيه على حدة أمام الشعب وفي جميع وسائل الإعلام، ثم يطرح الدستور الجديد لاستفتاء عام بعد أن يهضمه جيدا الرأي العام بمختلف مستوياته الثقافية، تليه انتخابات برلمانية ثم رئاسية حسب القواعد التي أقرها الدستور الجديد.. وليس عيبا أن يتراجع المجلس فهذا هو الخضوع الحقيقي لإرادة الشعب.. إن كان هناك أصلا ثمة اكتراث بها..

الجماعة

** بهذا يستجيب المجلس لرغبات عموم الشعب بدون إقصاء لأي من قواه بما فيها الإخوان وغيرهم من التيارات الدينية والسياسية.. وتتحقق العدالة لهذا الشعب الذي مازال يتطلع بأمل إلى مجلسه الأعلى حتى وهو يكظم غيظه من استعلاءه المستفز..وكتمهيد لهذا التغيير في أسلوب المجلس عليه أن يتودد إلى الشعب بالسماح بتصوير جلسات المحاكمة لكل مجرمي النظام السابق بمن فيهم ال

مخلوع وأسرته.. مبارك ليس أغلى من الشعب المصري.. هذا فقط للتذكير..

** أما إذا استمر المجلس لا يرى إلا تلك على حساب الشعب المصري فإن المستقبل لا يبشر بخير.. فإما الشعب ينفذ صبره ويغضب غضبا أشد في الأيام المقبلة بسبب هذا الغياب العمدي للعدالة.. وإما توغل الجماعة في غيها وتطمع في المزيد فيفيق المجلس على عدم قدرته مسايرة اطماعها فتجد مصر نفسها أمام سيناريو قديم يتجدد ببلاهة! مع الفارق.. كان في يوليو 1954 رجل مثل عبد الناصر! وفي جميع الأحوال ستدفع مصر الثمن غاليا! فلماذا يا مجلس نعرض مصر وشبابها الرائع لهذا المصير؟ لديك مازال الوقت.. فاسمع للشعب.. وتذكر هتاف الشباب في ساحات المدن المصرية.. فهو رسالة إليك بأكثر منه هتاف في مظاهرة.. "لاسلفية ولا إخوان.. ثورتنا ثورة إنسان

الدستور الأصلى

Wednesday, May 18, 2011

أم كلثوم والجماعة


لحظة الإفراج عن المهندس خيرت الشاطر كانت لحظة خاصة جدا عندى، ولقد جلست أمام التليفزيون فى حالة وجدانية شفيفة وأنا أتابع خطوات الإفراج عن محمد حتى وصوله إلى بيته وأولاده، فهو بالنسبة لى محمد، محمد خيرت سعد الشاطر، زميل مدرسة الناصرية الثانوية خلال السنتين اللتين قضيتهما فيها. ومحمد ظل فى ذاكرتى شابا فى السابعة عشرة، نحيفا رقيقا يوشك أن يكون شفافا، مهندما مجتهدا وعضوا ملتزما فى منظمة الشباب، وله ضحكة مميزة ونبرة صوت بها صهلة لطيفة.


برغم أننى كنت مختلفا عنه تماما من حيث المشاغبة الفكرية وغير الفكرية والاهتمام بالرياضة التى كنت بطلا فيها، كان محمد يحمل لى ودَّا فيما أتذكر، ففى فسحة اليوم الدراسى التى كنت أستغلها فى التمرين، كان محمد يقترب منى باسما ويشير لى بيديه اللتين يديرهما حول بعضهما، فقد كان يروق له أن يرانى أؤدى «لفة فى الهوا» (باك ثمرثولت) التى أطير فيها فى الهواء وأدور حول نفسى ثم أهبط واقفا على الأرض. كنت أتذكر ذلك كله، وأبحث عن محمد فى الرجل الشهير الضخم الذى خرج لتوه من السجن، متعبا، يسعل، وتحوط عينيه هالتان داكنتان من تعب السنين وأرق السجن السياسى الذى ذقت بعضه.برغم تغير هيئة محمد كثيرا، لم يكن صعبا علىَّ أن أتعرف عليه حتى لو لم أكن أعرف أنه هو، صهلة الصوت العابرة، حركة اليد، لحظ العين، والإحساس بشخص يمثل جزءا من صباك، ومع حضوره ينهمر على روحك مطر من ذكريات عذبة عذوبة ذلك العمر العزيز، عمر الصبا. كان كل ذلك يشتملنى وأنا أتابع خطوات محمد الحرة إلى بيته، وكان مؤثرا جدا رؤية بناته وهن يلُذن بدفء حضور الأب فيه، لكن شيئا كان يخدش صفاء اللحظة، ولم يكن هذا الشىء إلا ركاكة «الأناشيد» التى كان بعض الإخوان يستقبلون بها محمد ويزفونه عريسا للحرية التى هى أسمى قيمة إنسانية فطر الله الناس عليها. كانت أناشيد مسطحة الصياغة، رتيبة اللحن، فقيرة الإيقاع، بأصوات مزنوقة بشكل ما. ولم تكن هذه أول مرة تزعج سمعى فيها مثل هذه الأناشيد، فقد حدث ذلك من قبل، وفى المنصورة التى ينتمى إليها كلانا..كانت نقابة أطباء الدقهلية فى العيد القومى للمحافظة قد دعتنى لتكريم شملنى مع كوكبة من أطباء المنصورة وبعض البارزين فى مجال الخدمة العامة والإعلام، ولم أتردد فى قبول الدعوة برغم عدم تواؤمى مع الاحتفاءات والاحتفالات عموما، لكننى رحبت بالدعوة فقد كان نقيب أطباء الدقهلية هو الدكتور عبدالمنعم عيد، وهو رجل فاضل وخيِّر وبشوش وكان إخصائيا فى جراحة الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى المنصورة العام عندما كنت نائبا للأمراض النفسية فى المستشفى نفسه، ثم إن الدكتور عماد شمس الذى وجه لى الدعوة عبر الهاتف، لمست فيه تسامحا جميلا وتقديرا وفهما عميقين للثقافة. حضرت الاحتفال ومضيت وكتبت من واقع اليومين اللذين قضيتهما فى المنصورة آنذاك، ولم آت على ذكر حفل النقابة، وقد لاحظ ذلك الدكتور عماد الذى عاتبنى بلطف، فأكدت له أنه لو عرف لماذا لم أكتب عن حفل النقابة، لتيقن أننى أكنُّ له وللدكتور عبدالمنعم مودَّة كبيرة منعتنى من ذكر ما نغص علىَّ اعتزازى بهذا التكريم حتى لا أجرح مشاعرهما بما لا يُسألان عنه، فقد لاحظت أن اللافتات التى تزين جدران النقابة أحادية النبرة بشكل صارخ يكاد يعلن أن هذه نقابة أطباء الإخوان لا نقابة كل أطباء الدقهلية بأطيافهم المتعددة والغنية، ثم توقفت أمام لوحة باسم «أعلام الدقهلية» رُسِمت فيها بفنية مضعضعة وجوه عشرات هؤلاء الأعلام والمشاهير، ولم أعثر فى هذه اللوحة عن أثر لأم كلثوم ورياض السنباطى، فاستغربت ودخلت مستغربا قاعة الاحتفال، لأشعر بالانقباض، ويخدش سمعى ذلك الفن الركيك لنوع من «الأناشيد» بأصوات مزنوقة، وعلى إيقاع دفوف رتيبة، وكأن تراث الفن المصرى كان خاليا من ألحان عظيمة ورصينة تليق بالتسامى فى حفل للأطباء فى محافظة شيدت تاريخها العريق بسعة الأفق وجمال التسامح وقبول التعددية وتخريج موجات تلو موجات من رموز السياسة والفكر والأدب والفن الذى حلَّقت فى ذُراه بنت المنصورة، معجزة الهبة الربانية التى استودعها الله فى حنجرتها ورهافة حسها، سيدة الغناء العربى، أم كلثوم.أم كلثوم التى لم يرها بعض الإخوان جديرة بأن تكون علما من أعلام محافظتها، فغيبوا وجهها وذِكرها، وأضافوا للغياب وجه الموسيقار العبقرى الدقهلاوى رياض السنباطى. كنت متيقنا من أن الدكتور عيد والدكتور شمس لم يكونا مسئولين عن هذا التغييب، لكنها القاعدة الفائزة بالانتخابات والتى حولت النقابة إلى نقابة فصيل له ذوق مغلق فى الفن لا نقابة مهنة تضم أطيافا عديدة بأذواق عديدة، وهذه ليست مصادفة بدليل فرض اختيار تلك الأناشيد ركيكة اللحن والكلمات ومزنوقة أصوات الجوقة والتى كانت بمثابة «دى جيه إخوانجى» عجيب تقصف به مكبرات صوت عملاقة الضجيج والنشاز فى قاعة الاحتفال بنادى الأطباء على نيل المنصورة الجميل!هذا الإقصاء المُتعمَّد لأم كلثوم ومن يماثلها فى مفهوم الفن الإخوانى، شىء لا يطمئن مثلى وملايين غيرى، من عموم الناس العاديين الذين يعبدون ربهم بلا إعلان ولا استثمار سياسى، ويسبحون بحمده فى كل النعم التى حباهم بها فى هذا الوجود، ومنها نعمة الفن الراقى والجميل الذى يروِّح عن النفوس ويُرهف الأحاسيس والمشاعر، والغناء الطيب الجميل بأصوات عذبة وموهوبة هو قلب هذا الفن الإنسانى، وأم كلثوم علامة عليه ونجمة متألقة فى سمائه.أم كلثوم هذه لم نسمع قطبا إخوانيا ممن يقودون مسيرة الزحف الإقصائى الآن يوليها ولو لمحة تدل على إنسانيته لا إنسانيتها فهى ليست فى حاجة لمثل هذا الإدلال، وعلى العكس منهم كان الصادق المحترم ورحيب الأفق الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، الذى أخرجوه من مكتب الإرشاد ربما لإصراره أن يطور نفسه، ويستفتى قلبه ويكون إنسانا لا حجرا أصمَّ فى قلعة تنظيم أو جماعة، وهو أى الدكتور أبوالفتوح، ما عبَّر مرَّة عن خلجة انفتاح وتسامح إلا وأنكروها عليه، من زيارته الحضارية لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، حتى حديثه عن حقوق المواطنة. بل إنه لم ينجُ من وعيد زميل مدرستى ونسمة الصبا البعيد، محمد الشاطر نفسه، الذى تبدَّى بُعيد أيام من الإفراج عنه مجرد قائد حديدى غايته قوة جماعته وطموحه «سيادة العالم»، فكان هينا عليه تهديد أبو الفتوح رفيق رحلته بالحرمان من رحمة الجماعة إن هو أصر على ترشيح نفسه للرئاسة برغم تحمس كثيرين من شباب الإخوان وغير الإخوان له! لقد طرت فرحا يوم الإفراج عن محمد عندما سمعته فى أول تصريحاته يتكلم عن النهضة وضرورة البدء فى مشروع النهضة المصرى، وقلت بزهو داخلى: ها هو ابن مدرستى وذكرى صبانا العزيز. لكن مشروع النهضة لم يصمد كثيرا أمام تكتيكات الجماعة لقطف ثمرة السلطة التى بدت دانية، وتحول جل الحديث الإخوانى إلى تلويح بالقوة والنفوذ، ومن لا يعجبه حديث هذا القطب الإخوانى أو ذاك فليُرشق بما هو قريب من التكفير على اعتبار أن لديه مشكلة لا مع منهج إخوانى، بل مع كتاب الله نفسه، وهو ما أفلت من تصريحات «الخبير الدستورى» الممتلئ بالزهو والاغترار بما لديه وغير المتواضع أبدا، صبحى صالح، صاحب حديث قطع الأيادى، والذى لا أعرف من أين أتى بشهادات «الفقيه» و«الخبير» الدستورى هذه! ربما من لجنة التعديلات الدستورية التى تجاهلت خبراء دستوريين مصريين عظاما واختارته دونهم بينما هو محام مثل آلاف المحامين فى بلادنا.أما فى دائرة الدنيا فيقول المرشد الحالى: «إن بستان الإخوان أخرج حزب الحرية والعدالة وقناة 25 يناير، وفى طريقه لإقامة الأندية الرياضية، متعهدا بالمنافسة على الدورى والكأس المصريين، وإقامة فرق مسرحية وأغنيات وأناشيد بعيدة عن الإسفاف».كلام يبدو مشروعا، لكنه لا يؤسس إلا لبستان استئصالى، بستان للإخوان وحدهم، وأندية إخوانية، ومسرحيات وأغنيات وأناشيد إخوانية، وكأن مصر لم تعش آلاف الأعوام، وتُراكِم طبقات من الأدب والفن الإنسانيين الراقيين! وبدون هذه اللمسة الإنسانية التى يَسعَد بها عموم البشر، والتى تُعَدُّ مؤشر انفتاح إنسانى وتسامح حميد مع الطبيعة البشرية الحميدة، لا أعتقد أن الإخوان إن حكموا سينجزون نهضة علمية واقتصادية وسياسية كنهضة حزب العدالة التركى التى لاحت لى ممكنة فى أول تصريحات محمد خيرت فور خروجه من السجن. ويا محمد. يا محمد خيرت سعد الشاطر، تذكر أن من فك أسرك وأخرجك من سجن ظالميك، بعد إرادة الله، لم يكن هو الإخوان وحدهم، بل شباب هذه الأمة بكل أطيافها الذين شاء الله أن يكونوا سببا فى انتصار ثورة يناير وإسقاط ظالميك وظالمى أمتنا، وهؤلاء الشباب يحبون غناء وموسيقى ومسرحا ورياضة غير ما يمكن أن يثمرها بستان الإخوان المغلق على ذاته، وبغير هؤلاء جميعا لا أصدق قدرة الجماعة على قيادة أى نهضة حقيقية فى مصر، لا جماعة الإخوان، ولا أى جماعة تستغنى بنفسها، وتستعلى وتستقوى على كل أطياف الأمة لمجرد أن لاحت لها ثمرة السلطة أو التسلط دانية!لقد شاء رب العالمين أن يكون ثقل مصر السكانى الذى هو مأزقها التاريخى، سببا لنجاتها فى أضخم عملية لإزاحة نظام إجرامى متشعب ومتغلغل وجسيم، وفى وقت قياسى عالمى قدره ثمانية عشر يوما فقط، ولسبب بسيط فى رأيى، هو أن هذه الكتلة السكانية المحبوسة فى حيز الوادى الضيق، كانت قادرة على الدفع بملايين لا قبل لأى سلطة قمعية مدججة بالسلاح أن تهزمها، حتى وهذه الملايين عزلاء ومجردة الأيادى وعارية الصدور. وهذه الكثرة السلمية الغنية بالتعددية والتى هزمت الفظاعة القمعية المسلحة للعصابة التى كانت حاكمة، ينبغى أن تكون درسا لأى فصيل يتصور أنه وحده قادر على حكم مصر والتحكم فيها وفرض نماذجه الخاصة عليها، سواء فى أمور الدين أو الدنيا. وأنا أزعم أن الكثرة من هذه الملايين التى صنعت الثورة، وبينها شباب فى الإخوان، تحب أم كلثوم وأناشيد وابتهالات وألحان غير تلك التى يعتمدها القسم الفنى فى الجماعة ويبشرنا بها «المرشد العام»، فنجزع من زمن ستُفرَض علينا فيه تلك الأناشيد الركيكة، ويُغيَّب عن أسماعنا شدو أم كلثوم!


د. محمد المخزنجى - الشروق

Monday, May 09, 2011

نشكر السلفيين

لا أجد من الكلمات ما يمكن أن أعبر به عن شكرى للسادة السلفيين على كبير مساهمتهم فى إدراكى وإدراك غالبية المصريين بحتمية أن تفضى ثورة مصر فى النهاية إلى دولة مدنية يحكمها دستور وقانون مدنيان ومؤسسات متحضرة متقدمة تساير العصر وتتطلع إلى المستقبل بقوة وثبات.. صحيح أنهم لم يكن لهم دور يذكر على المستوى السياسى أو الخدمى قبل الثورة، ولم يدخلوا فى صدام أو تحد أو مواجهة مع النظام السابق، مثلما فعل الإخوان المسلمون، ثم فوجئ بهم، المصريون يعتلون المنصة ويتصدرون المشهد دون سابق معرفة بهم وتساءل الملايين فى دهشة وعجب: من هم؟ ومن أين أتوا؟ وأين كانوا؟..

وتذكر البعض أننا كنا نسمع عن بعضهم ينسّق مع أمن الدولة فى عملهم الدعوى.. وتذكر البعض أنه شاهد شعارات لسلفيين وسمع وشاهد منهم من يقول إن الخروج على الحاكم معصية وكفر وفتنة.. صحيح أن هذا كان وضع بعضهم أو معظمهم قبل الثورة.. بل وفى أيامها الأولى، ولكنهم، على أى الأحوال، قد «لحقوا» أنفسهم ودخلوا فى الثورة بقوة.. حتى يكاد يتسلل إلينا الشك الآن أن ثورة ٢٥ يناير بدأها الشباب ثم انخرط فيها كل المصريين.. ويقترب منا اليقين بأن الثورة بدأها السلفيون ويأخذونها الآن بقوة.. ومن خلفهم الإخوان.

دعك من هذه الإشكالية التى تلتف حول رقابنا، وتذكر معى بكل العرفان والتقدير موقف السلفيين الذين لم يهتموا بتلك القضايا التافهة والسفاسف التى تهتم بها القوى السياسية والاجتماعية الأخرى مثل مستقبل ومصير مصر بعد الثورة وكيفية إعداد وإقرار دستور يليق بشعب مصر الذى أسقط الفساد والاستبداد.. لم يهتموا بمثل هذه التفاهات وركزوا جهودهم فى مصير كاميليا ووفاء ثم أخيراً «عبير ــ إمبابة» وهم فى سبيل هذه القضية المصيرية لا مانع لديهم من بذل الغالى والنفيس ولو كان الدم.. ولا مانع من إشعالها فتنة لا تبقى ولا تذر، ولو كان البلد والوطن والأهل، لأن إسلام كاميليا ووفاء وعبير هو الأهم!

ثم دعك من محاكمة ومحاسبة النظام الذى استباح ثروة مصر على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، واترك الآن قضية بناء مؤسسات سياسية واقتصادية وقانونية وشعبية ديمقراطية وشفافة ومستقلة ونزيهة، ولا تلتفت لما يثيره البعض عن استرداد المليارات التى استولى عليها مبارك ورجاله.. واهتم الآن بما هو أهم: هدم الأضرحة القائمة منذ عشرات ومئات السنين.. واسترداد مسجد النور من وزارة «الأعداء» الشهيرة بوزارة الأوقاف.. دعاة السلفيين يحتاجون هذا المنبر بالذات القريب من الكاتدرائية ليكون إشعال الفتنة سهلاً.. ولن يسأل أحدهم نفسه: ماذا لو تظاهر فى المقابل بضعة آلاف من المسيحيين أمام مسجد النور مثلما فعل السلفيون، فى الجمعة قبل الماضى، أمام الكاتدرائية وهدد بعضهم باقتحامها بحثاً عن «كاميليا شحاتة»؟!

أما أم القضايا التى يولونها كل الاهتمام الآن فهى التظاهر ضد مقتل «شيخ المجاهدين وشهيد الأمة الإسلامية بن لادن».. الذى دبر عمليات قتل آلاف المدنيين الآمنين فى نيويورك ولندن ومدريد، وإن كنتم ترون خلافاً شرعياً حول هذا القتل.. فإنه من وحى أفكاره التكفيرية والإرهابية قتل عشرات الآلاف فى العراق والأردن وغيرها من الدول الإسلامية.

تصورت وأنا أشاهد مظاهراتهم شجباً لقتل بن لادن أنه مفجر الثورات العربية ضد الظلم والفساد.. ولو عاش قليلاً لهاجم الثورات وأدان الثوار لأنهم بالتأكيد جعلوا وجوده وأفكاره وتنظيماته دون قيمة أو جدوى وفاقدة لكل أسباب الاستمرار.

سيروا على ما أنتم عليه، الإخوة السلفيين، فإنكم تثبتون للجميع يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة أن مصر تختلف عنكم ولن تسير فى طريقكم ولن تكون سوى دولة مدنية ديمقراطية لكل الأطياف والأديان والتيارات على السواء

محمد رضوان - المصرى اليوم

بروفة (اللبننة) فى إمبابة


كم نحتاج من حوادث مصنوعة بمنتهى الخسة والوضاعة مثل ذلك الذى جرى فى إمبابة مساء أمس الأول لكى نستقر فى قاع الجحيم؟

كم يكفى لكى نمارس جنون «اللبننة» فى مصر؟ اللبننة التى أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة على لسان أحد أعضائه وهو اللواء مختار الملا خوفه منها الأسبوع الماضى فى ندوة عقدها المجلس تحت عنوان «الأمن وآلية تحقيقه فى ظل الظروف الحالية».

كلمات الملا نشرت على أوسع نطاق صباح الأربعاء الماضى، وبعدها بساعات كانت بروفة صغيرة لتلك اللبننة البائسة تدور على أرض شارع عبدالعزيز بوسط القاهرة، حتى كان الكابوس المخيف الذى شهدته إمبابة أمس الأول، الذى تؤكد كل الوقائع على الأرض أنه مصنوع بدقة شيطانية متناهية.

وما يقال عن أن أحد ذيول الحزب الوطنى فى المنطقة كان وراء إطلاق شائعة احتجاز فتاة أشهرت إسلامها فى الكنيسة، يعنى أن النظام السابق يلعب بالورقة الأخيرة والأخطر على الإطلاق لمقاومة الثورة المصرية وإحراقها فى جحيم الفتنة الطائفية، غير أنه لابد من التمعن قليلا فى السياق الذى اندلعت به الفاجعة الأخيرة، ومن المهم هنا العودة إلى ما قاله اللواء الملا عن الأخطار المحدقة بمصر الثورة وفيه «إن أخطر ما يواجه المرحلة المقبلة، والمتمثل فى أعمال الترويع والبلطجة التى ينظمها ويحركها قيادات داخلية فقدت مكاسبها غير الشرعية، وجهات خارجية تسعى لانهيار مصر».

وعند «الجهات الخارجية» يجب أن نتوقف ونفكر ألف مرة فى تصاعد حالة الانفلات بالشارع المصرى بالتزامن مع حدثين مهمين وقعا فى الأيام الماضية، الأول هو إنجاز عملية المصالحة الفلسطينية فى مصر، وما تلا ذلك من حالة سعار انتابت الإسرائيليين فور توقيع الاتفاق.. والثانى هو الحكم بسجن وزير الداخلية المخلوع حبيب العادلى 12 عاما فى قضية الفساد المالى، وأزعم أن قراءة المشهد الراهن بعيدا عن هذين المتغيرين هى قراءة منقوصة.

لكنه من السذاجة أن نكتفى بالنظر إلى ما جرى على ضوء هذين المتغيرين فقط، فهناك عوامل أخرى لابد من وضعها فى الاعتبار، وفى مقدمتها حالة الحشد الطائفى التى تصاعدت بشكل مخيف بعد فتنة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وما أعقبها من عبث فى أزمة كنيسة أطفيح، واستدعاء شرير لقضايا وملفات «أرشيفية» ومنها مشكلة كاميليا شحاتة التى تنفسنا الصعداء بعد الإعلان عن انتقالها إلى النيابة العامة.

وعلى الرغم من التسليم بأن ما يحدث هو سيناريو محبوك ينتمى إلى دراما النظام السابق، لكى ينشغل المصريون عن ثورتهم، إلا أنه يكشف أيضا عن هشاشة وهزال فى النسيج الاجتماعى، بما يجعل مصر معرضة للإصابة بسعال طائفى حاد مع تعرضها لأى لفحة هواء تأتى من هنا أو هناك، وهو ما يضع المؤسسات الدينية على الجانبين فى دائرة الاتهام بممارسة الشحن وصناعة الاحتقان.

إن جحيم الحرب الأهلية اللبنانية اندلع عقب انتصار مذهل حققته مصر والعرب على العدو الصهيونى، والآن نحن نعيش أفراح الانتصار بالثورة فى مصر وتونس.. انتبهوا أيها السادة

بقلم:وائل قنديل - الشروق
غادة نبيل تكتب: "بارك بلادي"

ماذا يريد السلفيون من مصر ؟

لا يعنينى هنا السلفى " المعتدل " المؤمن بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فهذا هو الطبيعى ونحن نكتب عن غير الطبيعى والواضح أن هذا يسود . وأنا كمصرية معنية بذلك الرعب اليومى الذى يتهدد الوطن .

الكثير من المسلمين والأقباط يعرفون بأن السلفيين يريدون حكم مصر , فإن لم يكن منهم فمن قِبل تيار إسلامى داعم لهم يؤسس لدولة دينية .

ومن الواضح على نحو متزايد لكافة المواطنين أن هذا الهدف – حكم مصر – هو هدف يسعون إليه بأى ثمن ولوكان حرباً طائفية , هدف لن يتنازلوا عنه شاملاً التكلفة والدم الذى سيفرضونه على شعبنا المصرى المسالم بطبعه .

لعل السيناريو العراقى الأشد كآبة من السيناريو اللبنانى لا يخيف أحداً فى بلادنا عدا أعدائهم أو من يختلف معهم من المواطنين العاديين غير المسيسين الذين يريدون لحياتهم العادية أن تمضى فحسب أو تتغير للأفضل اقتصاديا ًواجتماعياً وعدم فقدان ما يحوزونه من حريات ضئيلة جاءت ثورة بشهداء ليعظموا مساحتها ونوعها . كذلك يخيف ذلك الاحتمال الشديد الإيلام – أى الحرب الأهلية – كل من يريد سلامة الوطن وحريته من العلمانيين والليبراليين والاشتراكيين . أما أتباع السلفية فلا يبدو لدى اغلبهم أدنى تخوف من تحول الاحتمال إلى حقيقة يكونون هم صنّاعها وربما يرحبون بها كحراك يتوهمون أنه سيعجل بفرض دولتهم الدينية بالإكراه .

أقول يتوهمون ليس لاستحالة تحول الاحتمال المرعب الكريه إلى حقيقة نعلم كم تتمناها فلول الوطنى معهم أو قبلهم ولكن التوهم الذى أقصده مرده أن الحوادث الطائفية المتتالية تُنبئنا أن الغرب لن يقف متفرجاً أمام العدوان على الكيان المسيحى فى أحد أكبر وأهم البلاد العربية التى كانت مهداً للمسيحية بعد بيت المقدس ( بلغة القدماء والتى جرّت محاولة استعادتها من المسلمين حروباً صليبية) . وخاصة أن بلادنا ترتبط باتفاقية ما يوصف بالسلام مع إسرائيل .

وأقول مرة ثانية " يتوهمون " لأن كل من يريد مصر حرة سيقاوم مشروعهم فى اختطاف الوطن وفرض التعصب والتمييز والدم عليه . وهى مفارقة أن يضطر الإنسان لدفع الدم للحيلولة دون المزيد منه لأجيال أولاده , وللحيلولة دون المزيد من القمع وإهانة كرامت الإنسانية بدعوى تكريمها أو حتى بلا دعوات.

والمثير أن فكرة مروعة – لا قدر الله – كالتقسيم لا تُخيفهم هى الأخرى , فثمة , منهم , من يؤمن برذيلة التحرش بالآخر والتفتيش فى داخلية قلبه إن كان مسلماً لا يروقهم مظهره الخارجى ( ليس مسلماً مقنعاً وجيداً بما يكفى ) أو بالعدوان عليه و " جر شكله " إن كان غير مسلم .

من الذى سيستطيع إقناع الله أو إقناعنا أن حرق كنيسة ومحاصرتها بالمواطنين العابدين داخلها أو من لجأوا إليها لحمايتها وافتدائها بأرواحهم , أن العدوان عليها ذاك فعل خير ينال صاحبه ثواباً من الخالق ؟ .. حتى لو صحت إشاعة ما عن زواج مسلم بمسيحية أو إسلامها واختطاف الكنيسة أو أهلها لها , ما يجعلها حقيقة وليس إشاعة وقتها , لكن كيف يكون حصار وحرق الكنائس تقرباً من الله ؟ .

هل سنقدر دائماً على إقناع المسيحيين بأن من يهاجمون كنائسهم هم من فلول الوطنى المأجورة الهادفة إلى " لبننة " مصر أو مسخها إلى حال كالذى ابتُلى به العراق ؟ .

حتى لو صدقنا نحن ( الأغلبية المسلمة ) هذا لفترة , المسيحيون لن يستمروا فى تصديقه , وحين يبلغ المعتدلون فى الطرفين المنطقة الفاصلة سيفترقا , عند إسالة الدم الكثير المتبادل . وقتها لن تعود هناك قيمة لاعتدالهما . سيكون هناك سخرية واستفزاز لكل طرف معتدل من جانب " طائفته " وسيكون الاعتدال مرشحاً لأحد أمرين : الخرس أو الانضمام للجانب الذى يمارس القتل .

سينسى كل معتدل ومعتدلة كل ذكرياتهما الحلوة الطبيعية مع المعتدلين والأسوياء فى الجانب الآخر . قد أتناسى أن خيرة الجيران وأصدقاء العمر لم يكونوا مسلمين . وقد أتناسى صديقا وزميلاًً قبطياً أحبنى ولم يعترف إلا بعد زواجه ليحفظ الأشياء فى أماكنها , وقد تمر صديقة لى بمحنة مضاعفة فوالدها كان مسيحياً ثم أسلم , بينما الصديقة الأخرى مسلمة على الورق كما اعترفت لى وتنحدر من أسرة أسلمت بعض عناصرها ولم يُسلم بقية الأخوال .

إذن مذبحة ؟؟ .

أرتعب . مصر التى فى خاطرنا ليست نقيضاً للإسلام , كما أنها ليست ملكية خاصة لأحد , ومعنى الوطن يهتز تماماً حين لا أكون آمنة فيه على حياتى ودينى وقناعاتى . ما أشذها من لحظة : أن يكون علىّ الاختيار بين وطنى من جهة وحريتى وكرامتى من جهة ثانية . أو وطنى ودينى !

هل حقاً ستكون الحكاية المرة القادمة حكاية شاب وفتاة من دينين مختلفين اختارا الحب الذى تجاوزا به كل محظوراتناوراجماتنا الاجتماعية ليعيشا بلا زيف وبشكل رسمى ما بشر به دينيهما ؟ أم ستنفجر المأساة عبر إشاعة عن تغيير مواطنة لدينها لينبرى السلفيون فى مهاجمة الكنائس ؟, وهل سينتظروا الإشاعة القادمة قبل الهجوم على ما يرونه كفراً من وجهة نظر ألبسوها للإسلام عنوة ليقوموا بهدم الصور والتماثيل وإلقاء الصلبان والكتاب المقدس على الأرض ؟ .

محزن أن نضطر للتفكير فى عودة اللجان الشعبية لحماية الأنفس والمقدسات بلا بديل أمنى آخر .

الرعب هو حرق مصر . والأفدح أن يكون حرقها تحت وهم أن دينها الرسمى مُهدَد .

أتضرع إلى الله بدعاء تجنيبنا الفتنة . أرتعب من دهم كنائس مصر وتدنيسها , من الهجوم الحتمى وقتها , كرد فعل , على مساجدها وآثارها الدينية للجميع , من مهاجمة الأديرة ومقار إقامة الراهبات , من حرق منازل ومحلات غير المسلمين والمسيحيين الذين هم مصر , ونحن – بالصمت وتمرير كل عدوان دون محاسبة كبيرة رادعة وعقاب قانونى قاطع ضد المعتدين – نصبح متواطئين مع الجريمة والوحشية والكراهية .

نحن , إن لم نخض حربنا – مواطنين ومسئولين – ضد الإرهاب والترهيب سنكون مسئولين عن كل من بدأ يعود , للتفكير فى الهجرة كما لو لم تحدث ثورتنا .

سنكون مسئولين عن إضاعة دم الشهداء , عن السقوط فى هوة القرون الوسطى وسيادة الرعب والأذى والتكفير ثم القتل على الهوية أو بمجرد النظر إلى وشم أو علامة فى معصم مواطن أو بعد توقيفه لمعرفة اسمه . سنكون مسئولين عن حملة التفتيش فى الضمائر والقلوب ومنع الموسيقى فى المدارس والتليفزيون ومنع النساء من الوقوف فى شرفات بيوتهن بدون نقاب وعدم خروجهن للعمل أو السفر دون محرم . سنكون مسئولين عن انتشار فرق إهانة الإنسان وتذبيحه والتحقيق معه فى عرض الطريق سلوكاً وملبساً . سنكون مسئولين عن إلغاء الأفلام والسينما والرسم وقاعات الفن التشكيلى وإزالة التماثيل والمنحوتات من الميادين العامة والقاعات وربما إلغاء كلية الفنون الجميلة والمسرح واختفاء الكتب أو حرقها لتبقى فى ذاكرتنا بالحفظ أو على أجهزة كمبيوتر تتعرض بدورها للمصادرة . لن نرى دواوين الشعر والروايات وبعض الكتب الدينية والعلمية والتاريخية .

لن نجد فى الشوارع غير اللون الأسود , وفى القلوب الصمت الأسود الداكن دليلاً على الموت والقتامة والقهر والغلِظة والبعد عن الله والطبيعة والرحمة .

سنكون مسئولين عن كل قطرة دم تسقط فى سجن كهذا , مسيحية كانت أو مسلمة أو بهائية . الدم دم . لا دين له .هناك فقط دمٌ برئ ودم فاسد آثم . هناك نقطة دم وروح من ينقذها كمن أنقذ الناس جميعاً , ومن يهرقها ويهدرها كمن قتل الناس جميعاً .

لن يعجب كلامى السلفى الدموى , وأعرف أنه ليس الجميع منهم هكذا , لأن ما نتحدث عنه هنا هو الإجرام الذى يتزيا ويتخفى بالدين ليكون مباحاً أو ليحصل على مشروعية . وهذا مصدر وهم آخر .

أقول ما نعرفه : الفتنة أشد من القتل . فإن أسلمت مسيحية أو صار أحد المسلمين بهائياً , فلكم فى القائل لمن أذوه بعدما تمكن منهم " اذهبوا فأنتم الطلقاء " – لكم فيه أفضل أسوة.

المسيحيون وغيرهم من الأقليات فى مصر مواطنون مصريون . لم يؤذونا وحتى الآن يبدو الطرف المسلم هو الحامل لخطيئة المبادرة بالعدوان . وحين تقوم أسرة لا تستطيع تقبل فكرة تغيير ابنتها لدينها وزواجها من دين الآخرين وتختطف تلك الابنة أو تقتلها فهذه وحشية ضد الشرائع وحقوق الإنسان ومحاولة إكراه فى الدين لا يرضاها الخالق الذى خلقنا أحراراً , لكن نصرة ومؤازرة مسلمة حديثاً ليست أهم ولا أخطر من حماية أمن البلد كله ومستويات الضرر معروفة فى الإسلام . قبل كل شئ حماية حرية العقيدة وغيرها من حريات وحقوق هى مسئولية أجهزة الدولة العقابية , بالقانون وليست مسئولية شخصية يقررها كل منا .

كان أن حكى لى شاعر عراقى ولاجئ فى مصر عن أهوال الإبادة الطائفية فى العراق وكيف يقوم العراقيون أحياناً بتزوير بطاقات الهوية ليكون معهم العديد منها بحسب اضطرارهم للمرور فى مناطق نفوذ وسيطرة طوائف غيرهم . حكى لى بحزن العاجزين كيف يؤدى ذلك إلى قمة المهازل حين يقتل الشيعة مثلاً شيعياً لأنهم صدقوا بطاقته المزورة التى يوقعها سوء الحظ فى أيديهم ولا يعودوا يصدقون أنه شيعى منهم . والأشد شذوذاً وإجراماً حين يعلم القائم على حاجز أو منطقة للتفتيش والذبح أن من أمامهم ينتمى لطائفتهم , حينها أيضاً يقتلونه " عقاباً " على التبرؤ والتنصل من هويته الدينية ولو كان دافعه تأمين حياته وحياة أفراد عائلته . أمرٌ فاجع لكن المثير للسخرية المطلقة هنا هو أن القتل " عقاب " لولا أنه لا يترك فرصة لعدم تكرار الفعل الذى يقيمه غيرك أصلاً بكونه جريمة . الضحية لا تتعلم شيئاً والقاتل ينجو .

أحزن كل مرة يُراق فيها دم إنسان ثابت على مبدأ ولا يبادر بالعنف .

الحق أقول لكم : لستم ولا أحد منا وكلاء الله على الأرض . لم يفوضكم أحد للدفاع عن الإسلام والمسلمين . لستم مسئولين عن كفر أو إيمان أو ارتداد أو سلوك أحد .

لكنكم مسئولون كل المسئولية – حين تبادرون بفرض ما ترونه الحق الوحيد - أمام الله وأمامنا عن الدم

الدستور

Friday, May 06, 2011

المواطنة المهددة


من غير المقبول أن نصمت اليوم عن الممارسات الخطيرة التى تتورط بها جماعات منظمة ومجموعات من الأفراد وتهدد بإشعال فتن طائفية على امتداد الوطن.

من غير المقبول أن تصمت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى عن إشاعة مناخ من الخوف والقلق فى مصر، بمظاهرات أمام الكنائس وحديث غير منضبط عن التمكين للإسلام فى البلاد وتطبيق الشريعة وإقامة الحدود، يشعر معه المواطنون المسيحيون بأن حقوقهم وحرياتهم المدنية والدينية باتت موضع تهديد أو أن ضمان أمنهم وأمانهم قد يتحول إلى فضيلة مجتمعية نادرة.

يسىء لنا جميعا أن تشغل قضايا إثارة ذات أبعاد طائفية كقضية كاميليا شحاتة مساحة إعلامية واسعة، بينما تنزوى المعالجات الجادة لملفاتنا الاقتصادية والأمنية الضاغطة على كل المواطنين. هل يعقل أن تخصص برامج حوارية متعددة لقضايا الإثارة الطائفية ولمظاهرات بعض الجماعات أمام الكنائس، فى حين لا يستمع لخبراء الاقتصاد ولرؤيتهم عن كيفية تجاوز الأزمة الخانقة الراهنة ولا تفرد مساحة كافية لتناول تفاصيل الوضع الأمنى. فليس فى هذا، وبغض النظر عن أن بعض البرامج الحوارية قدم معالجة رصينة لقضية كاميليا شحاتة، إلا دليل فقر إعلامى بين وسوء تقدير لما تقتضيه مصلحة الوطن فى اللحظة الراهنة.

من غير المقبول أيضا أن نترك بدايات الفتن الطائفية دون مواجهة قانونية ومجتمعية جادة. قطع أذن مواطن، ترويع مواطنين فى دور عباداتهم، تهديدهم نفسيا بتصريحات علنية غير مسئولة هى جميعا أمور لابد إزاءها من تفعيل أدوات وإجراءات دولة القانون بمساءلة ومحاسبة المتورطين بها، كما يبنغى مواجهتها علنا بخطاب سياسى وإعلامى ينتصر لمواطنة الحقوق المتساوية لكل المصريات والمصريين.

وأكثر ما أخشاه، ومع كامل احترامى للمؤسسات الدينية الرسمية الإسلامية والمسيحية، أن يوكل لهذه المؤسسات وحدها مهمة احتواء بدايات الفتن الطائفية. فنهج الزيارات المتبادلة بين الشيوخ والقساوسة وحديث العموميات عن النسيج الوطنى المتماسك وتسامح الأديان لم يعدا لهما فاعلية حقيقية فى احتواء الفتن. الأهم أن ننشط جميعا، قوى سياسية وائتلافات وجبهات للشباب وشخصيات عامة ونقابات ومجتمع مدنى، ونتوافق علنا على رفضنا أى تمييز ضد مواطنات أو مواطنين بسبب الانتماء الدينى أو أى انتقاص من أمنهم أو حرياتهم.

هذه مسئوليتنا جميعا وعلينا أن نتحملها وأن لا ندع أجندتنا الوطنية تختزل إلى كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين

بقلم:عمرو حمزاوي - الشروق

Friday, April 29, 2011

عن ضرورة الدولة العصرية


كثر الحديث فى الآونة الأخيرة عن المفاضلة بين الدولة المدنية والدولة الدينية، وكانت الأغلبية تفضل الدولة المدنية، وإن كان البعض قد فضل أن يؤكد أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية، ولا يدعو إليها، وأن المطلوب هو دولة مدنية ولكن بمرجعية إسلامية.

قلت لنفسى: هل نحن فى حاجة حقا إلى الانشغال بجدل من هذا النوع، خاصة ونحن لم نكد نخرج من ثورة عظيمة، ولم نكد نتخلص من عهد طويل سيئ مشرق، ونفتح صفحة جديدة تماما عسى أن نبدأ فيها بناء نهضة نعوض بها ما فاتنا، وما أضعناه من وقت ثمين؟

هذه أمة عظيمة مُنيت بحظ سيئ للغاية طوال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية (وقد يفضل البعض أن يقول «بل الخمسين أو الستين عاما الماضية»)، انقطعت خلالها عن مسايرة العالم، حتى كاد يصح عليها ما وصفه بها البعض بأنها «خرجت من التاريخ».

فتفوقت علينا أمم كانت أقل منا شأنا، وليس لها مثل تاريخنا وحضارتنا وتراثنا. تفوقت علينا فى الاقتصاد والقوة العسكرية والتعليم والإنتاج الثقافى، بينما خبنا نحن اقتصاديا وعسكريا وعلميا وثقافيا.

فنجحت تلك الدول فى أن تحقق لشعوبها مستوى معيشيا أفضل، وحظيت باحترام العالم من حولها، وتصدت بنجاح لمن أراد النيل من كرامتها وحقوقها، وساهمت فى تقدم العلم والتكنولوجيا.

بينما جلسنا نحن قانعين بما يلقيه إلينا العالم من فتات موائده، نستجدى الصدقات من هذا الجزء من العالم أو ذاك، ونستعطف دولا صغيرة، راجين ألا تحرمنا من مياه الشرب والرى، ولم يعد لنا حولا ولا قوة نقدم بها النجدة لأصدقائنا وأشقائنا، وننفق ما بقى لنا من مال أو ما نحصل عليه من صدقة على استيراد سلع الاستهلاك الترفى لكى تنعم قلة صغيرة جدا بالرفاهية التى هى أقرب إلى الانحلال الخلقى منها إلى الاستمتاع بالحياة.

يحدث لنا كل هذا ومازلنا نفاضل بين الدولة المدنية والدولة الدينية، دون أن يتطرق الحوار إلى قضية واقعية مهمة، بل يتطرق إلى قضايا من نوع ما إذا كان الاحتفال بشم النسيم حلالا أم حراما.

●●●

إننى أكتب هذا الكلام الآن لأننى ألاحظ تطورا فى حياتنا السياسية والاجتماعية ينحو هذا المنحى الخطير والضار جدا فى رأيى، وهو رفض التعامل مع العالم الحديث، بحجة أفضليتنا الثقافية والأخلاقية.

إننى لا أريد ولا أدعو للتنكر لثقافتنا أو خيانة هويتنا، وقد كتبت كثيرا من قبل فى الدفاع عن هذه الثقافة وهذه الهوية، وفى رفض ترتيب الثقافات بعضها فوق بعضها، ورفض اعتبار الثقافة الغربية أفضل من ثقافتنا العربية والإسلامية أو أى ثقافة أخرى لمجرد تفوقها التكنولوجى.

فالتكنولوجيا الحديثة هى جانب واحد من جوانب الحياة، مهمة حقا ولكنها لا تلغى أهمية نوع العلاقات الاجتماعية والقيم الإنسانية.

ومع ذلك فإننى أعترض بشدة على أن تقتصر مهمتنا على الصراخ بأن ثقافتنا أفضل، دون أن نحاول أن ننتج شيئا يستوحى هذه الثقافة، وأن نكتفى بإعلان أن قيمنا أفضل من قيمهم ثم نستمر فى استيراد واستهلاك السلع والخدمات التى ينتجونها هم، والمشحونة بهذه القيم التى نعلن رفضنا لها.

كذلك علينا أن نكف عن التصرف والكلام وكأن من الممكن أن نعيش بمعزل عنهم.

إن علاج مشاكلنا لا يكون بإغلاق الأبواب والانعزال عن العالم، وإنما بالأخذ بكل أساليب القوة والتكنولوجيا الحديثة، رغم كل عيوبها، هى من أهم أساليب اكتساب القوة. وتعلم العلم الحديث هو أيضا من الشروط الأساسية لاكتساب هذه القوة.

والتظاهر بأننا نستطيع أن نفرض إرادتنا عليهم ونحن بهذه الدرجة من الضعف اقتصاديا وسياسيا، هذا التظاهر ليس إلا نوعا من الانتحار.

وأنا لا أجد موجبا بعد للاقدام على الانتحار،
بل مازال لدينا أمل رغم كل ما أصابنا من تدهور.

نحن لا نريد أن نكون مقلدين أغبياء «للحداثة»، ولكننا نريد أن نشب عن الطوق، ولا نعيد ونزيد فى الجدل عما يصح وما لا يصح فى أمور عفى عليها الزمن. نحن لا نريد أن نكون مثل الشاب الأهوج الذى ينفق أمواله فى تقليد أقرانه فى كل ما يبددون أموالهم فيه مهما كان غبيا وسخيفا، ولكننا لا يمكن أيضا أن نظل خائفين من مخاطر التقدم فى العمر فنظل متشبثين بما تعودنا عليه فى الطفولة والصبا.

لا مفر لنا من ولوج العصر الذى نعيش فيه بكل مخاطره، لأنه أيضا حافل بكل ما تعد به الحياة من طيبات ومسرات. ولا أمل فى الحصول على طيبات الحياة إلا ببعض المخاطر. بل إن الظن بأن التشبث بالماضى هو أفضل طريق للحفاظ على الهوية وتميز الشخصية، هو ظن خاطئ فى رأيى، لأن الإثبات الحقيقى للهوية وتميز الشخصية ليس باجترار الماضى وإعادة تكراره بلا نهاية، بل بالقدرة على مواجهة الجديد وعلى الإبداع فى مواجهة التحديات.

نعم، فى العالم الحديث أشياء كثيرة كريهة: النهم الاستهلاكى، المادية المفرطة، الإباحية الجنسية، استغلال الجنس فى الدعاية التجارية، تفكك العائلة والافراط فى الفردية، الخداع المستمر فى الدعاية التجارية السياسية.. إلخ. كل هذا سيئ، ولكن لا مفر لنا مع ذلك من التعامل مع هذا العالم الحديث. وإذا لم يكن لنا مفر من التعامل مع هذا العالم فلا جدوى من التظاهر بعكس ذلك.

لا يمكن لأحد أن ينكر أن فى ثقافتنا أشياء كثيرة أفضل من ثقافتهم، ولدينا من القيم الكثير مما هو أفضل أخلاقيا من قيمهم، ولكن يجب أن نعترف أيضا أن العكس كذلك صحيح، أى أن فى ثقافتهم أشياء أفضل مما يقابلها عندنا، وبعض قيمهم أفضل مما يقابلها فى قيمنا، وعلى أى حال فالمجال ليس مجال التفاخر والتباهى، بل الموضوع هو كيف تستطيع المحافظة على ما هو أفضل لديك، واقتباس ما هو أفضل عندهم، مع استمرار تعاملك معهم، إذ ليس أمامك فى الحقيقة أى اختيار آخر.

لابد أن ينصرف جهدنا إذن إلى كيفية بناء «المجتمع العصرى» أى مجتمع يعرف كيف يتعامل مع العالم الحديث، ويبنى خلال ذلك قوته حتى يصبح ندا للمجتمعات الأخرى التى سبقتنا، وتصبح له القدرة على أن يفعل ما يتفق مع قيمه وتقاليده، وليس فقط القدرة على التغنى بهذه القيم والتقاليد.

●●●

عندما وقعت الهزيمة العسكرية المشئومة فى 1967، تعددت ردود الفعل من المفكرين العرب فى محاولة تفسير ما حدث، والنصح بما يجب عمله للخروج من المأزق الذى وضعتنا فيه الهزيمة.

وكان من أفضل ما كتب فى هذا الصدد، سلسلة مقالات كتبها الأستاذ أحمد بهاء الدين، لخص فيها الأمر كله بفشلنا فى إقامة «الدولة العصرية». وكان يقصد بذلك بناء دولة تستطيع التعامل ندا بند مع العالم الحديث، بدلا من أن تظل فى موقف التابع الذليل، وما يتطلبه ذلك من بناء المؤسسات الديمقراطية الحديثة، والاعتراف بحرية التعبير وسائر حقوق الإنسان، وإرساء الأسس فى مؤسساتنا التعليمية والثقافية اللازمة لتقدم العلم وممارسة التفكير العلمى، وتحقيق التقدم الاقتصادى اللازم لكل ذلك، ولبناء قوة عسكرية قادرة على التصدى لمخططات المعادين لنا.

ولكن ها قد مر أكثر من أربعين عاما على هذه الهزيمة وهذا التنبيه، فإذا بحالنا الآن، فى كل هذه الأمور، أسوأ مما كان، واسوأ مما كنا عليه منذ مائة عام، عندما كتب الشيخ محمد عبده كلاما له نفس المعنى، ومنبها إلى أن العقيدة الإسلامية الصحيحة لا تتعارض مع كل هذا بل تتطلبه وتدعو إليه.

أخذت بعض الدول الإسلامية بعد طول تردد، مثل ماليزيا وتركيا، بنصيحة محمد عبده وأحمد بهاء الدين، ولم نأخذ بها نحن، بل فضلنا أن نصرف جهدنا إلى فرض النقاب على النساء، ظنا منا أن مراعاة الفضيلة تتطلب الاختفاء من الوجود، وإلى تركيب ميكروفونات على المساجد، ظنا منا أن الإسلام يزداد رفعة كلما زاد ارتفاع صوت المؤذن، وإلى الترويج لتفسيرات تنسب نفسها إلى الدين، وتزعم أن نظريات نيوتن وأينشتاين مذكورة فى الكتب المقدسة، واعتدينا على الأقباط وهم خارجون من كنائسهم فى أيام عيدهم، وكأن السماح لهم بالاحتفال بأعيادهم ينطوى على اعتداء على حقوقنا كمسلمين، ثم هتف البعض ضد محافظ جديد ملخصا اعتراضه عليه بأنه غير مسلم، وتفتقت أذهان آخرين عن القول بأن من بين أسباب ضعفنا الاحتفال بشم النسيم..إلخ

إننى أظن أننى أعرف السبب فى هذا التقهقر وهذا الفشل، فقد سلمنا مقاليدنا لرؤساء فعلوا كل شىء ومن شأنه إحداث هذا التقهقر، بعضهم عن وعى تام بما يفعلونه، وبعضهم عن غباء تام، وكلهم مدفوعون بقوى خارجية من ناحية وبنهم لا يمكن إشباعه لتكديس الأموال.

الآن تخلصنا من هؤلاء الرؤساء، فماذا نحن فاعلون؟ هل نعود إلى ما كنا عليه، فنسلم أمورنا إلى نفس النوع من الرؤساء الذين يعملون، بوعى أو بغير وعى، لتكريس نفس الفشل والتقهقر؟

قلم:جلال أمين - الشروق

Thursday, April 28, 2011

اختبار الإخوان


نجحت الثورة وظهر على السطح كثير منالجماعات التى اضطهدها النظام السابق، ومنها الإخوان المسلمين. صحيح أنها كانت موجودة طوال العهد السابق ولم يسفر اضطهادها إلا عن تعطيل عملية الانتقال الديمقراطى وإبقاء الجماعة على أفكارها القديمة نفسها دون أى تغيرات عميقة.

والمؤكد أن العودة الصارخة لكثير من التيارات الإسلامية، ومنها الجماعات السلفية المختلفة التى لم تكن لها علاقة بالسياسة، وبعضها وُظف فى معارك الأمن ضد الإخوان فدعمها وترك لها مساحة من التحرك طالما لا تتحدث فى السياسة إلا فيما يتعلق بطاعة أولى الأمر، فى حين حافظ آخرون على «النقاء العقيدى» ولم يُوظفوا فى معارك النظام السابق، وإن ظلوا أيضا بعيدين عن العمل السياسى.

ولذا جاءت تدخلاتهم طوال الفترة السابقة تنم عن عدم معرفة ليس فقط بأبسط القواعد السياسية، إنما أيضا بالعناوين المطروحة للنقاش العام، فنعم على الاستفتاء تحولت إلى «واجب شرعى» حول موضوع لا علاقة له بالدين، والعيد الديمقراطى بالتصويت بشكل محترم وراق على الاستفتاء تحول إلى غزوة الصناديق، وهكذا.

أما الجماعة الإسلامية فعادت مرة أخرى إلى الساحة السياسية بعد فترة اعتقال وحصار طويلين، وفترة الاعتقال الطويلة التى قضاها قادتها خلف القضبان.

ورغم المراجعة الفكرية العميقة التى قدمتها الجماعة وأعلنت فيها بصدق التخلى عن العنف، فإن التحدى الكبير أمامها يكمن فى امتلاك خبرة مدنية تتيح لها أو تسهل عليها مهمة الانتقال للعمل السياسى والحزبى، فتراثهم السابق لم يخرج كثيرا إلا عن كونها جماعة عنف تخلت عنه وقدمت مراجعة فكرية شجاعة لوقفه، وبعد ذلك لا شىء، نتيجة تعرضها لضغوط صارمة طوال العهد السابق لم تسمح لها بالمشاركة بأى شكل فى النشاط العام.

وبالنسبة لجماعة الإخوان فقد امتلكت خبرة مدنية بدأت منذ السبعينيات وامتدت لأكثر من 40 عاما مارست خلالها نشاطا طلابيا ونقابيا وبرلمانيا، وهى خبرة مهمة لم تعرفها الجماعة على نفس المستوى قبل ثورة يوليو، «فالإخوان المؤسسون» لم يكن لهم نائب فى البرلمان ولم يكن لهم تمثيل نقابى يذكر، وكانت الجماعة منتشرة وسط الطلاب ومؤثرة بالمعنى الاجتماعى والدينى كواحدة من كبرى الجماعات المنظمة فى ذلك الوقت دون أن يعكس ذلك تمثيل سياسى يذكر.

والحقيقة أن التحدى الذى واجهه الإخوان طوال الثلاثين عاما الماضية تَمَثل فى احتفاظهم بالبناء القديم الذى أسسه الإمام الراحل حسن البنا منذ عام 1928 (وسميناه التأسيس الأول للجماعة) ويقوم على المزج بين الدعوى السياسى، وقيام الجماعة بجميع المهام الاجتماعية والرياضية والدعوية والسياسية فى الوقت نفسه، وهو الأمر الذى جعلها تتعامل مع السياسة باعتبارها مجرد قسم من أقسام الجماعة.

وجاء قرار الإخوان بتشكيل حزب سياسى ليمثل خطوة فى اتجاه الفصل بين الدعوى والسياسى، والبدء فيما سبق أن سميناه «التأسيس الثانى للجماعة»، وإن ظل الحديث عن أن الحزب سيبقى أشبه بقسم من أقسام الجماعة بما يعنى إحكام السيطرة التنظيمية عليه واعتباره مجرد ذراع سياسية للجماعة.

ومع ذلك سيؤدى تأسيس حزب سياسى للجماعة إلى دخولها فى تحول تاريخى يتعلق بعضويتها، فلأول مرة سيدخل حزب الجماعة فى عضوية على البرنامج السياسى وليس البرنامج الدعوى، كما كان يجرى مع الجماعة، بما يعنى أننا سنكون أمام أعضاء من عموم المصريين قادرين على التأثير فى مسار الحزب وتحديد شكل علاقته بالجماعة.

إن التحدى الأول الذى سيواجهه حزب الإخوان سيتمثل فى كيفية أن يصبح جزءاً من قيم الجماعة لا مشروعها التنظيمى، أو بالأحرى جزءاً من القيم والمبادئ الإسلامية (التى من حق الجماعة أن تعتبرها أنها أحد تجلياتها وليس التجلى الوحيد)، كما جرى مع كثير من الأحزاب فى أمريكا وتركيا وباقى الدول الديمقراطية حين كانت تتأثر هذه الأحزاب بخطاب قوى وجماعات دينية أو سياسية أو اقتصادية، أما أن يصبح الحزب ذراعاً لجماعة فهو لم يحدث فى أى تجربة ناجحة، وفى حال تكراره فى مصر سيمثل امتداداً لتجارب الفشل فى السودان وأفغانستان لا تجارب النجاح فى تركيا وماليزيا.

أما التحدى الثانى فهو الفرصة التاريخية التى قد تكون الأخيرة لبناء تيار إسلامى مدنى وديمقراطى فى مصر لديه مرجعيته الإسلامية، ويخضع فى الوقت نفسه لكل القواعد المدنية والديمقراطية التى تحكم العملية السياسية، بعد عقود طويلة من الفشل والتعثر تتحمل مسؤوليتهما النظم المتعاقبة والتيارات الإسلامية.

والحقيقة أن أمام الإخوان المسلمين فرصة لم تتح للتيارات الأيديولوجية والعقائدية الأخرى مثل التيار القومى واليسارى من زاوية عودته فى ظل موجة ديمقراطية غير مسبوقة على المنطقة العربية، فقد قاد التيار القومى العالم العربى فى الخمسينيات والستينيات فى ظل غياب للديمقراطية كأولوية سياسية لدى النخبة والجماهير التى كان التحرر من الاستعمار مشروعها الأول، على عكس المرحلة الحالية التى أصبحت فيها الديمقراطية والكرامة والعدالة مطالب الشعوب العربية، ومنها الشعب المصرى، وأصبحت هناك فرصة تاريخية لإحداث دمج آمن للتيارات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان، فى هذه المبادئ، بشرط الالتزام بقواعد الديمقراطية واستحقاقات الدولة المدنية ومعرفة الأولويات الحقيقية التى يطالب بها الشعب المصرى وما إذا كانت «امتلاك الأرض» أم امتلاك القوت والكرامة والحرية والاستقلال الوطنى.

نعم يمكن لأى حزب ذى مرجعية إسلامية أن ينجح فى المساهمة فى نهضة هذا البلد، بشرط أن يحترم القواعد الديمقراطية والمدنية الحاكمة، وأن يعرف أن مرجعيته الدينية لا تعطيه، تلقائيا، وضعاً أفضل من الآخرين، إنما الرؤى والأدوات السياسية والممارسة المدنية هى التى تعطيه هذا الوضع، وأن الإخوان، كباقى القوى، فى مفترق طريق إما أن يساهموا فى نهضة هذا البلد أو يقعوا فى عراك أيديولوجى وفكرى يعيدهم إلى مربع ما قبل الثورة، وينسوا أن مبارك ترك بلدا مأزوما اقتصاديا وسياسيا منهارة فيه الخدمات والصحة والتعليم، وأن القادر على مواجهة هذه التحديات، بالفعل لا بالشعارات، هو الذى سيفوز بثقة الشعب المصرى

بقلم: د. عمرو الشوبكى

مصراوى