Thursday, March 17, 2011

وحيد حامد يكتب: هل القادم هو الأسوأ..؟

ما يجرى على الساحة المصرية الآن غامض ومحيّر..!!

انتهت أيام الثورة بكل زخمها وحرارتها وحيويتها، انتهت الأيام القصيرة والرائعة التى وحّدت أهل مصر جميعاً وساقتهم إلى هدف واحد ومحدد سرعان ما تم تحقيقه، وهو الخلاص من حكم ضلَّ طريقه وفقد صوابه فصار ظالماً فاسداً مستبداً.. وقيمة الثورة الفعلية ليست فى الخلاص من هذا النظام الباغى ومؤسساته وإنما فى الصحوة الإنسانية والحرارة التى بُثت من جديد فى الأجساد الرطبة والتى عاشت مع الهوان سنوات وسنوات، كنت أشاهد الحشود الهائلة فى ميدان التحرير وأهتف فى داخلى «الله أكبر.. لقد عاد أهل مصر إلى فطرتهم التى خلقهم عليها المولى عز وجل»، ولكن سرعان ما تبدلت الأحوال حيث توقف دور الثوار الأصليين قناعة منهم بأنهم قاموا بتحقيق النصر، إلا أن أصحاب الأنياب والأظافر قفزوا على الثورة قفزة بهلوانية فصارت لهم وصاروا هم الذين يحددون المسارات والاتجاهات سراً وعلانية.. واحتلوا الساحات الإعلامية الغافلة وكأنهم أصحاب الثورة وأصحاب البلد ذاته وأنهم الدولة الجديدة القادمة..!

كانت الثورة المصرية بالنسبة للإعلام هى الصيد الثمين الذى تتسابق عليه الكواسر، والكل ينهش قدر ما يستطيع ودون رؤية، كانت الثورة وجبة دسمة وهى المادة الخصبة والمطلوبة لتحقيق الجماهيرية والشعبية، وكلما ظهرت على الساحة شخصية تفوح منها رائحة الأهمية التفوا حولها وطاردوها، هذا بالإضافة إلى الخبراء وعشرات المحللين الذين كانوا يتنقلون بين القنوات فى مهارة الباعة الجائلين.. وكان الواحد منهم يقول نفس الكلام دون أن يحس بالملل، ودون أن يدرك أن المشاهد قد أصابه الملل واليأس وهجم الصداع النصفى على رأسه..

كما انساق الإعلام وبتركيز شديد إلى ما نطلق عليه بالعامية «الرايجة» فعمل على دعم تيارات سياسية ودينية وشخصيات تسعى إلى الزعامة لمجرد ظهورهم على سطح الأحداث، فمثلاً جماعة الإخوان تحظى بالأفضلية منذ خطبة الشيخ القرضاوى فى ميدان التحرير، وإلى وجود الأستاذ البلتاجى ملاصقاً للدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء، فى أول ظهور له بعد توليه المنصب، ولما كان الأستاذ فرحاً ومبتهجاً ومنظماً فقد زرع الانطباع بأنها حكومة إخوان أو أنهم أصحاب السيادة المؤكدة، وعليه صار الرجل وغيره من قادة الإخوان ضيوفاً على كل برنامج، ومتحدثين فى كل لقاء، وهذا أمر يحسب للإخوان لا عليهم فهى مهارة وشطارة منهم، وكان يجب على الإعلام أن يدرك حقيقة الأمر، مصر ليست الإخوان فقط، إلا أن الإعلام جعلها للإخوان دون أن يطلعنا على الأسباب، حتى إن السائد الآن والطاغى على مسامع الناس أن الإخوان هم الذين يحركون الحكومة حسب إرادتهم، وحتى المجلس العسكرى نفسه..

ولا يخفى على أحد أن حالة من القلق والخوف تسيطر على غالبية الناس من الوضع غير المفهوم والغامض والمسيطر على البلاد.. فإذا كان من فى أيديهم أمور الدولة الآن يحاولون إرضاء جميع الأطراف فعليهم أن يدركوا أن من يفعل ذلك لا يمكن أن يرضى أحداً منهم، وإنما يزرع الفرقة والانشقاق ويدعو إلى التناحر، ولا أحد ينكر أننا نعيش فى حالة الجرى فى نفس المكان «محلك سر»، نجرى دون أن نقطع أى مسافة، وتتقلص الساعات الفاصلة بين الصمود والانهيار فى ظل هذا التراخى القاتل والناتج عن حكمة مزعومة وبائسة.. وها هى الأشياء تفرض علينا دون حتى مناقشة ودون الاستماع إلى الرأى المعارض.. التعديلات الدستورية التى سيتم الاستفتاء عليها يوم السبت القادم قامت بها لجنة لا تحظى بالرضا الشعبى الكامل لأنها لا تعبر عن كل طوائف المجتمع بل إن تشكيلها به انحياز واضح لتيار الإسلام السياسى، كما أن التعديلات خرجت بما لا يرضى به كل الناس ولا يقبل به فقهاء القانون الدستورى مع السبب الأهم والأشمل وهو سقوط الدستور مع سقوط النظام، أما وقد صار أمر الاستفتاء حتمياً فقد صار لعبة انتخابية يفوز بها من لديه القدرة على الحشد إلى جانب الميل الفطرى للناخب العادى وهو القول بـ«نعم»..

والقراءة الواعية للمجتمع المصرى الآن تدفعنا إلى حالة من التأمل والحذر مما هو قادم إلينا، فلم تعد جماعة الإخوان وحدها هى التى لديها القدرة على الحشد.. هناك جماعات الشباب المختلفة التى عندما توحدت وانطلقت صنعت الثورة، بعض الأحزاب المصرية لديها القدرة على الحشد.. أيضاً الشعب القبطى الذى خرج عن صمته وسكونه فجأة وانفجر غاضباً ومازال الحشد مستمراً أمام مبنى التليفزيون، وهو حشد هائل ومؤثر ويعمل له ألف حساب.. أيضاً التيار السلفى والجماعات الإسلامية إلى جانب الفرق الأخرى، والخوف كل الخوف أن يخرج كل حشد فى مواجهة الحشد الآخر، ولن يحدث هذا إلا فى حالة استسهال الدولة وارتخاء قبضتها أو انحيازها إلى تيار سياسى معين ومحاولة فرضه على الناس..

وأكرر أن هناك فريقاً من الناس يلتزم الصمت ويكتم رأيه خوفاً من التيار الذى يفرض سطوته، وهناك فريق آخر وهو الفريق الأسوأ، ذاك الذى يجارى وينافق ويرفع الراية مستسلماً، وأعتقد أن الأحداث التى جرت فى قرية «صول» قد بشرتنا بما لا نحب ولا نقبل، وأخبرتنا بأن هناك عقولاً جامدة ومتحجرة لا تريد التصدى بحسم وجدية لإنهاء المشكلة من جذورها، هذه المشكلة التى تكونت وتضخمت على مدى سنوات وسنوات مع انتشار التيارات الدينية المتشددة والجاهلة بالدين الإسلامى، والتى زرعت الكراهية بين المسلم والمسيحى، خاصة بين البسطاء من الطرفين دون أى تدخل من الدولة لحماية كيانها ومنع شعبها من الانقسام، كثر العناق وتبادل القبل والأحضان، وتنشط أجهزة الإعلام فى بث لقاءات المحبة والترابط، التى تنتهى بانتهاء بثها نظراً لهشاشتها وعدم مصداقيتها وتظل النار تحت الرماد.. حل المشكلة يكمن فى إعمال القانون وتطبيقه على أى طرف يعتدى على مقدسات الطرف الآخر بكل شدة وحزم ودون إبطاء.. والعدوان على المقدسات يشمل الفعل والقول والتحريض، أما ترك القضية شديدة الخطورة هذه للمؤتمرات المشتركة والوساطات وجلسات المصاطب فهذا هو الهزل ذاته.

وقد عجبت أشد العجب عندما رأيت الذين أشعلوا الحرائق هم الذين هبوا لإطفائها!! ألم يكن الشيخ محمد حسان وغيره من الذين لهم شرائط وتسجيلات فيها الكثير من الغلظة تجاه كل من لا يدين بالإسلام؟!.. يغيب شيخ الأزهر ويغيب مفتى الديار وكبار علماء الأزهر، وتترك الساحة للشيخ حسان لإقامة صلح إعلامى هش.. الثابت تاريخياً أن الموعظة لا تقضى على الفتنة وإنما العدالة هى التى تقضى على الفتنة.. والمهمة يتولاها القاضى وليس الواعظ مهما كانت كفاءته.

ولأن هناك من يرحب بالحلول المؤقتة فإن جذور المشاكل سرعان ما تنمو من جديد، وسرعان ما نعود إلى ما كنا عليه دون أى تعديل يذكر، لقد أصبحنا فى حالة هوس إعلامى، بحيث أصبحنا نقبل بما يفرضه علينا سواء كان حقيقياً أو زائفاً، وغالباً وفى هذه الأيام تحديداً، يفرض علينا الإعلام الوهم بكل أشكاله، تأملوا يا أهل مصر كيف تعامل الإعلام المصرى مع السيد عبود الزمر الذى أفرج عنه أخيراً.. تعامل يدل على الغفلة وعدم الإدراك، فالرجل مسؤول مسؤولية كاملة مع غيره عن مقتل أكثر من أربعمائة مواطن مصرى فى عمليات إرهابية، منهم مائة وثمانون فى مدينة أسيوط أثناء مجزرة عيد الأضحى الشهيرة، وهو ضابط الجيش الذى انسلخ عنه وانضم إلى الجماعات الإرهابية التى روعت البلاد على مدى سنوات، والتى أفرزت العديد من العناصر الإرهابية..

الرجل حُكم عليه بالمؤبد لثبوت التهمة، وهى ارتكاب جرائم قتل شملت أبرياء لا ذنب لهم ورجال شرطة، لا هو بالمناضل، ولا هو بالمظلوم.. الإعلام الغبى صنع منه بطلاً حتى إن بعض الحمقى قارن بينه وبين مانديلا، ولأن الإعلام قادر أيضاً على إصابة البعض بالهوس، فقد تم التعامل معه على أنه الزعيم القادم، والرئيس القادم، ورئيس الحزب القادم، بعد أن تسابقت برامج الـ«توك توك» فى الوصول إليه وفتحت له الجرائد صفحاتها، والسؤال الآن لهذا الإعلام المخدر والغافل: ماذا ستفعلون «بإذن الله» لو أن السيد أيمن الظواهرى عاد إلى مصر، فهل نجعل منه زعيماً وثورياً مثلما يفعل الإعلام الآن؟! أنا أعلم أن المسجون المفرج عنه يستقبل بزفة وطبل وزمر من قبل الأهل والأصدقاء والبلديات،

ولكن هذه الزفة الإعلامية لرجل ثبتت عليه تهمة الإرهاب وقتل الأبرياء، أمر لا يقبل به أصحاب العقول السوية، وكأننا نرحب بالإرهاب وقتل الأبرياء، وربما ظن البعض أنه كان من خصوم حسنى مبارك، أو أنه كان ضد النظام، ولأن الإعلام أصبح «هبلة ومسّكوها طبلة»، فعلينا أن نتوقع كل شىء، نتوقع أن يصنع لنا من الأفاكين زعماء، ومن الجهلة حكماء، ومن الدجالين مشايخ ودعاة، ومن اللصوص رجال أعمال، طالما أن لديهم القدرة على الخداع والتلون، وهناك حقيقة يعلمها الجميع أن هذا الإعلام من عمل على فساده هو النظام السابق، حيث استخدمه فى الكذب والتضليل، كما تفرغ بعض الإعلاميين لتلبية رغبات وزراء ومسؤولين ورجال أعمال حتى صاروا خدماً وعبيداً لديهم، وكانت دقائق الظهور على الشاشة تُباع وتُشترى، وكذلك التحقيقات الصحفية والمقالات والشرفاء فى هذه المهنة يدركون هذا وربما يعرفون أكثر مما أعرف..لا يمكن للإعلام أن يحول القتلة إلى زعماء، خاصة لدى الذين لم يعاصروا سنوات الجمر والنار التى عاشتها مصر، ولا يمكن تحويلهم إلى ثوار وهم مازالوا على أفكارهم الإرهابية، وعقائدهم المتشددة، ورؤيتهم الأحادية، لا يمكن للإعلام أن يسحبنا كالمواشى، وكأننا بلا عقول تفهم وتدرك وتعى.. وعلى الله قصد السبيل.

السطور الأخيرة

■ استقر الحزب الوطنى على التصويت بالموافقة على التعديلات الدستورية، وأيضاً استقرت جماعة الإخوان على التصويت بالموافقة على التعديلات الدستورية، وبالطبع كل منهما يعرف أنها لصالحه، مما يعنى أنها ليست فى صالح الشعب المصرى الذى أصابته النكبات من الحزب ومن الجماعة، وعليه فإن على المواطن الذى يسعى إلى ديمقراطية حقيقية ومستقبل أفضل لهذا البلد أن يذهب إلى لجنة الاستفتاء ويقول «لا» لهذه التعديلات التى من شأنها أن تعيدنا إلى ما كنا عليه، وإن تغيرت الوجوه.

■ يسألنى كثير من الناس نفس السؤال دون تغيير يذكر: «إنت فاهم حاجة من اللى بيحصل؟» وتكون الإجابة بأننى غير فاهم فيكون السؤال الإضافى: «طيب إحنا رايحين على فين؟» فتكون الإجابة: «الله أعلم».

■ أعلم أن الإخوة الأقباط يحيط بهم الخوف مما هو آت، وأنا لا أخشى عليهم مما هو آت رغم عدم عقلانيته، ولكنى أخاف عليهم حقاً وصدقاً من سلبيتهم المفرطة فى الحياة السياسية

المصرى اليوم


No comments: