Wednesday, July 21, 2010

بأمر «الرحبانية»: فيروز «صار لازم تودعنا


هل يحاكم القمر على إرساله الضى لينير لنا ليالى السمر، وهل يحاكم العصفور على طيرانه وسط موسيقى تصويرية صادرة من حنجرته تعلمنا لغة الطبيعة، وهل يسأل البحر عن زرقته وتتابع أمواجه يتقدمها ريم يتلاشى تحت أقدامنا فننتشى، وهل يجب على الورد أن يشرح عبيره لنا، وهل منا من يجرؤ على اتهامه بسرقة العبير؟ لو صح كل ما فات، لصحت محاكمة فيروز الصوت الذى يدخلنا الجنة بمجرد سماعه، نقطف من ثمارها، ونشرب من جداولها، ونسكر من خمرها الحلال، لو صح ما فات، لصح اتهامها بسرقة ألحان وكلمات الأخوين رحبانى التى لولا صوتها ما «سحرتنا البسمات من فيه»،

ولأصبح حقا على كل مفردات الطبيعة أن تدافع عن سحرها وتناسقها ونظامها الذى خلقه الله بقدر، مثلما خلق «جارة الوادى» بصوتها الحريرى الذى نخشى أن نفكر فى أى شىء غيره أثناء استماعنا له حتى لا نجرح رقته، أو نعكر عذوبته، أو نخدش بللوريته الصافية، لكن جرؤ أبناء الرحبانية على محاكمتها، لم يشفع لها عندهم تاريخ ولا ثورة أحدثتها «البنت الشلبية»، لم يفكروا للحظة فى هذا الصوت الملائكى الذى علمنا الثورة ضد الظلم أضعاف ما علمتنا أصوات غليظة قوية، بل تجرأوا على مقاضاتها، وإنذارها، وطلبوا منعها من الغناء، وهل تحتاج البلابل لإذن بالغناء؟

فيروز، أجمل أصوات الأرض الآدمية، مطلوب منها أن تكف عن الغناء، أن تكف عن النفخ فى أرواحنا المتعبة من وطن تائه مشتت، ضاقت بناسه أرضه فلجأ إلى فضاء ورحابة صوتها، تارة دفاعا عن قدس بعناها واشتراها صوتها «لأجلك يا مدينة الصلاة أصلى.. لأجلك يا بهية المساكن.. يا زهرة المدائن»،

وتارة عن لبنانين عادا يوما ما إلى لبنان واحد فى صوتها «لبيروت من قلبى سلامى لبيروت»، وتارة ثالثة عن أنظمة لم تعد تصلح لقيادة وطن «هالسيارة مش عم تمشى.. بدنا حدا يدفشها دفشه.. ويحكوا عن ورشة تصليح.. وما عرفنا وين هى الورشة»، يريدون أن نفقد آخر ما نملك من دروع المقاومة،

آخر ما يحمينا من برد الإهمال، وحر الظلم، وأمطار السرقات، يريدون قتل تفاصيل عواطفنا، وترانيم صلواتنا، وهتافات أحلامنا وسط أرض خراب لم يعد فيها «حور عتيق» نستظل به، ولا «كرم اللولو» نتسامر حوله. بدأت القصة فى ٢ أبريل ٢٠٠٨ ،

وكان صانعها، مع الأسف، ضلع من مثلث الرحبانية، هو منصور رحبانى شقيق زوج فيروز عاصى رحبانى، عندما طلب من المحكمة الابتدائية فى لبنان إحضار السيدة «نهاد حداد» الشهيرة بفيروز ودفعها له تعويضا قدره ١٠٠ ألف دولار أمريكى لأنها قدمت مسرحية «صح النوم» مرات عديدة،

كما أنها تقدم إنتاج الأخوين رحبانى دون الحصول على إذن منه (نظرا لوفاة أخيه عاصى) أو المحافظة على حقوقه المشروعة، رغم أن الأخوين رحبانى مسجلان فى «جمعية المؤلفين والملحنين وناشرى الموسيقى» «ساسم» فى فرنسا فى عام ١٩٦٣، والتى تنص لائحة الانضمام إليها على أن «للجمعية وحدها الحق فى إجازة أو منع الأداء العلنى للأعمال الفنية المختلفة».

وأرسل منصور إنذارات لجهات فى دمشق فى سوريا، والشارقة فى الإمارات، والمنامة فى البحرين نظمت حفلات لمسرحيات فيروز، وحذرها من استضافتها لأنها لم تحصل على ترخيص منه بتقديم هذه الأعمال، وهذه الجهات لم تستجب له، لكن يجب التوقف عند ما حدث فى حفل الشارقة،

فقد أرسل عبر مكتب محاماة إماراتى إنذارا لفيروز جاء فيه «لا يحق للسيدة فيروز إطلاقا الانفراد فى التصرف بهذه الملكية الفكرية دون مراجعة منصور رحبانى، وفعلها هذا يشكل خرقا لقانون اتحادى صادر فى دولة الإمارات العربية، ويعرضها لعقوبتى الحبس والغرامة، لذلك ننذركم بضرورة الامتناع عن عرض مسرحية «صح النوم» فى إمارة الشارقة وفى أى دولة أخرى،

واتخاذ جميع الإجراءات القانونية والتدابير اللازمة أمام الشرطة وسلطات الموانئ والمطارات ومنعها من دخول أراضى دولة الإمارات العربية المتحدة»، هل يعقل أن تدخل فيروز السجن لأنها تغنى؟ هل يوجد شخص يمنع صوت فيروز من الوصول إلى كل أرجاء الوطن العربى حتى لو كانت ادعاءات منصور، رحمه الله، حقيقية؟

التصرف الطبيعى والموجع أيضا هو ما فعله حاكم الشارقة الذى عندما علم بالموضوع، حذر من التعرض للضيفة العزيزة من قبل الشرطة الإماراتية، وأمَّن لها الحماية الخاصة من باب الطائرة فى المطار إلى مكان إقامتها وأثناء العروض وحتى انتهاء الزيارة. هكذا غنت فيروز، تحت حماية أمنية، هكذا أرسلت صوتها إلى الناس فى الإمارات وسط حراسة مشددة، وهل تحتاج سفيرتنا إلى النجوم إلى حماية لتغنى؟

فى صيف ٢٠٠٨ أيضا، وقع منصور على تصريح بإصدار «دى فى دى» يضم تسجيلات حية من عدة حفلات أحيتها فيروز فى دبى، وبعد طرحه فى الأسواق، طلب منصور سحبه من الأسواق، وقال إنه طرح دون إذن منه، وعندما قدمت فيروز التصريح بتوقيعه للجهات المختصة، أنكر منصور صحة التوقيع،

وانتقلت القضية إلى المحكمة التى حكمت بصحة توقيعه، وإعادة طرح الـ«دى فى دى» فى الأسواق. وحتى الآن، لا يوجد مبرر منطقى لتصرفات منصور هذا المؤلف العبقرى الذى نقل الأغنية العربية إلى أفق بلا حدود، وتعامل مع مفردات الطبيعة كأنها أصدقاؤه أو أقاربه، وأعاد اكتشاف القمر والشوارع والعصافير والسماء، بل وكشف أنظمة الحكم العربية.

توفى منصور، لكن أبناءه استكملوا المسيرة وساروا على دربه، ففى ١٤ يوليو٢٠٠٩، رضخت إدارة كازينو لبنان لإنذار الورثة ورفضت تقديم فيروز مسرحية للأخوين رحبانى على مسارحها، ولأول مرة ترد السيدة فيروز عبر محاميها بخطاب ذكرت فيه القوانين التى تتعلق بالموضوع، وقالت فيه إنه لا حق لمنصور وورثته فى منعها من تقديم أعمال الأخوين رحبانى بحسب قانون «ساسم»،

كما ذكرت أن كازينو لبنان لديه ترخيص سنوى لاستغلال جميع الأعمال الفنية بما فيها أعمال الأخوين رحبانى، وأرسلت من الخطاب نسخا إلى وزارتى الثقافة والاقتصاد والتجارة اللبنانيتين، لتعود فيروز مرة أخرى فى ١٧ مارس ٢٠١٠ وتعترض لدى وزير الثقافة على أداء «ساسم» فيما يخص منح التراخيص، وتحصيل الحقوق والعائدات وتوزيعها على الفنانين المنتسبين إليها، كما شرحت تفاصيل المشكلة مع كازينو لبنان، لكنها لم تتلق أى رد.

هكذا تعاملت فيروز، آخر ما تبقى لنا من مجد، تشحذ حفلا لتغنى «أغنياتها»، فهل اعتدنا على اكتشاف قيمة جواهرنا بعد فقدها، أطال الله عمرها، وهل وجب على فيروز أن تقول لنا بأمر الرحبانية: «أنا صار لازم ودعكن خبركن عنى..أنا كل القصة لو منكن ما كنت بغنى.. غنينا أغانى ع أوراق.. غنية لواحد مشتاق.. ودايما بالآخر فيه آخر.. فيه وقت فراق

إسلام حامد-المصرى اليوم

No comments: