Sunday, September 05, 2010

حادث 4 فبراير 1942

( فيما يلى نص حرفى لما سجله السير ( مايلز لامبسون )

عن وقائع 4 فبراير 1942 فى يومياته السرية عن انذاره للملك فاروق )


لاثنين 2 فبراير صباحا :

بدأت المسائل تتحرك بسرعة ، فى البداية تلقيت تليفونا من ( حسين سرى باشا رئيس الوزراء ) يبلغنى انه اصبح مضطرا لتقديم استقالته ، وسوف يذهب الى القصر الساعة 12.30 اليوم لتقديمها ، اتصلت تليفونيا بأحمد حسنين باشا ( رئيس الديوان ) لأطلب منه مقابلة مع الملك لاتزيد على نصف ساعة ، بدا حسنين مراوغا ، ولذلك كلمته بخشونة ، وعاد حسنين فأتصل بى وحاول ان يعاتبنى على الطريقة التى تكلمت بها معه ، ولم اتجاوب وتركته يفهم اننى اعنى ماقلت له ، ثم كررت عليه اننى اريد مقابلة عاجلة مع الملك اليوم وفى اسرع وقت ، وسوف اكون فى القصر بنفسى فى الساعة الواحدة بعد الظهر بالضبط .

وعلى الفور اتصلت بأوكنليك ( القائد العام للقوات البريطانية فى الشرق الاوسط ) وكان مع هيئة قيادته فى اجتماع عندما اتصلت به ، وعندما علمت انهم جميعا هناك ، قلت له اننى سوف انضم اليهم على الفور ، واخذت معى سمارت ( المستشار الشرقى للسفارة ) وتيرنس شون ( الوزير المفوض ) ، وطرحت عليهم ماانوى ان افعله ، وابدى ( اوكنليك ) شيئا من التردد ، وسيطرت على مشاعرى حتى لااقول له ان العسكريين لايستطيعون التصرف فى الامور السياسية وحدهم ، ومن حسن الحظ ان الجنرال ( ستون ) ايد موقفى معتقدا بأن الوقت قد جاء لنكون حازمين .

وتم الاتفاق فى النهاية على اننى عندما اقابل الملك فى الساعة الواحدة بعد الظهر سوف اضع امامه النقاط التالية :

  1. اننا نريد حكومة موالية لنا ، قادرة على تنفيذ المعاهدة بنصوصها وروحها ، وبالتحديد المادة الخامسة من المعاهدة ( الخاصة بالاتصالات مع قوى خارجية معادية ) .

  2. اننا نريد حكومة قوية تستطيع ان تحكم معتمدة على تأييد شعبى كاف .

  3. هذا يعنى ان عليه ان يستدعى ( مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد ) وهو زعيم الاغلبية فى البلاد وان يتشاور معه فى شأن تأليف حكومة .

  4. اننى اطلب ان يتم ذلك فى موعد اقصاه ظهر غد .

  5. انه هو شخصيا سوف يكون مسئولا عن وقوع اى اضطرابات او اخلال بالامن فى هذه الفترة .

2 فبراير بعد الظهر :

استقبلنى الملك الساعة الواحدة كما طلبت ، وحاول ان يكون وديا فوق ماهو ضرورى ، وشرحت له لماذا طلبت ان اراه بهذه السرعة ، فقد علمت ان ( سرى باشا ) قدم استقالته وكممثل للحلفاء فى مصر ( وليس بريطانيا وحدها ) ، فقد وجدت من الضرورى ان اعرف من هو رئيس الوزارة الذى سوف يخلفه ، واتأكد من انه يملك المؤهلات الكافية لتنفيذ امين لنصوص وروح معاهدة 1936 .

سلمت للملك البنود الاربعة من مقترحاتى التى ارسلتها الى وزارة الخارجية ، واما بالنسبة للبند الخامس ( اى مسئولية الملك عن حفظ الامن والنظام ) فقد قرأت عليه النص شفويا ، وكان قصدى من ذلك ان يفهم ماأتحدث عنه وبدون ادنى شك .

قبل الملك بدون تردد النقطتين (1) و (2) فى مطالبى ، وقال انها طلبات معقولة ومفيدة ، واما فيما يتعلق بالبند الثالث ( استدعاء النحاس ) فقد دخل بشأنه فى شرح طويل ، وقال انه كان يعمل من اجل تأليف حكومة وحدة وطنية ، وقال انه يسلم بأنه ليس هناك شخص اخر غير ( النحاس ) يمكن ان يرأس هذه الحكومة ، وانه يظن ان علاقته تحسنت مع ( النحاس ) وهو فى الواقع لايرى مرشحا اخر غيره ، واذا استعرضنا المرشحين غير ( النحاس ) فسنجد انهم جميعا لايصلحون الان .

اضاف الملك ان ( احمد ماهر باشا رئيس حزب السعديين ) لديه الحكمة ليدرك انها ليست ساعته .

انتقل الملك من هذه النقطة الى ابداء تردده بشأن استدعاء النحاس باشا ضمن المهلة التى حددتها له ، لم يقل انه لن يستدعى النحاس باشا للتشاور معه ، انما حاول ان يعطينى الانطباع ان خلافه معى هو فى المهلة الزمنية ، فهو يخشى ان العجلة فى استدعاء النحاس باشا قد تعطى انطباعا خاطئا ، كررت عليه بوضوح مرة اخرى اننى اريده ان يخطرنى فى ظرف ساعة واحدة من الان انه استدعى النحاس باشا ، لم استعمل كلمة تهديد مباشرة او غير مباشرة ، ولكننى كنت حازما ، اضفت اننى لن اقبل اى عذر لأية اضطرابات او اخلال بالامن يحدث فى البلد الى حين استدعاء ( النحاس ) .

رد على الملك بأنه لن تكون هناك ايه اضطرابات فقد ارسل هذا الصباح الى طلبة الازهر الذين جاءوا فى مظاهرات الى القصر ، وابلغهم ان عليهم التزام الهدوء ، وتركت مكتب الملك ، وقبل ان اغادر القصر طلبت ( حسنين ) رئيس الديوان الملكى ، ورويت له ماقلته للملك وطلبت منه ان يتأكد من استجابة الملك لما طلبت بحيث يستدعى ( النحاس ) قبل ظهر غد .

حاول ( حسنين ) ان يناقش الموضوع وحاول اقناعى بأنهم كانوا يرتبون لحكومة ائتلافية يرأسها ( النحاس ) لكن تفكيرهم كان يتجه الى ان تكون البداية وزارة محايدة تقوم بأجراء انتخابات حرة تمهد لوزارة وفدية ، وخشيته انه اذا جرى استدعاء ( النحاس ) وتكليفه بتشكيل الوزارة فى خطوة واحدة ، فأن ذلك سوف يؤدى الى اكتساح وفدى يعم كل الدوائر الانتخابية ، ويؤدى الى تهميش الاحزاب السياسية الاخرى وبالذات السعديين والاحرار الدستوريين ، وحين لمح عدم تقبلى لما يقول اكد ان البداية بوزارة محايدة تجرى انتخابات يمكن ان يكون فيه نوع من الفرملة يكفل سلامة الحكم فيما بعد .

قالى لى ( حسنين ) ايضا انه اذا كنت اخشى ان ( على ماهر ) او بعض انصاره ربما ينتهزون فرصة التغييرات السياسية المقترحة ويلعبون ، فهو يستطيع ان يؤكد لى ان ( على ماهر ) واصدقائه سوف يتم استبعادهم بالكامل من الوزارة المستقلة ، قلت له اننى اعرف ان ( النحاس ) لن يقبل بحكومة مستقلة الان ولا بحكومة ائتلافية فيما بعد ، وان مايقوله ( حسنين ) مضيعة للوقت ، ومازلت مصرا على ماطلبته ، وارجو ملحا ان اسمع ان ( النحاس ) دعى لمقابلة الملك والتشاور معه قبل ظهر غد .

2 فبراير مساء" :

فكرت بعد الظهر ان ابعث ( سمارت ) ليقابل ( حسنين ) ويضغط عليه بضرورة العمل وفق ماطلبت منه ظهر اليوم وان يخذره من عواقب التراخى او التأخير ، لكنى من سوء الحظ اكتشفت ان ( سمارت ) اوى الى فراشه مصابا بنوبة برد مفاجىء ، وهكذا طلبت من ( تيرنس شون ) الوزير المفوض ان يبعث الى ( حسنين ) بوصفه صديقا له له رسالة شخصية وعاجلة تؤكد اهمية الاستجابة لما طلبت فى الموعد الذى حددته .

2 فبراير ليلا :

ذهبت للعشاء فى احتفال الهلال الاحمر وبحضور الملكتين ( نازلى وفريدة ) كان الاحتفال فى استوديو مصر ، وكان احتفالا كبيرا ، خصوصا مع حضور عدد كبير من وصيفات الشرف للملكتين فقد كان منظر الوصيفات انيقا ، وعندما عدت الى السفاره بعد منتصف الليل بقليل وجدت برقية من وزارة الخارجية ، وبدا لى انهم هناك لايعرفون ان ( سرى ) استقال ولذلك كتبت اليهم قبل ان انام عن اخر التطورات ، كذلك حرصت على كتابة مذكرة شخصية وخاصة لأنتونى ايدن ( وزير الخارجية ) اضعه فى الصورة لأنى اريد ان تكون وزارة الحرب على بينه من تراخى ( اوكنليك ) القائد العام لقوات الشرق الاوسط .

لم استطع النوم بسرعة لأن عينى كانت ملتهبة وكان لابد ان اضع لها كمادات لمدة نصف ساعة .

الثلاثاء 3 فبراير :

طلب ( امين عثمان ) شغل من قبل منصب وكيل وزارة المالية واصبح حلقة الاتصال بين ( النحاس ) باشا وبين السفير البريطانى مقابلتى ، شرحت له تفاصيل الموقف ، قال لى بصراحة انه جاء بأسم ( النحاس ) لكى يؤكد لى ان ( النحاس ) على اتم استعداد prepared perfectly لكى يلعب دوره معنا مادمنا سوف نمضى فيه الى النهاية ، قلت له اننى اريد ان يعرف ( النحاس ) بعض المسائل المهمة التى طرحتها على وزارة الخارجية فى لندن وهى نقاط سوف اثيرها معه ( النحاس ) مؤخرا عندما يصبح رئيسا للوزارة وهو مااتوقعه ، وابديت اننى اذكر له هذه النقاط الأن لكى يكون ( النحاس ) مستعدا عندما اطلبها رسميا منه .

ابدى ( امين عثمان ) انه واثق من ان ( النحاس ) لن يثير اية مشاكل على اى مسألة يمكن ان نطرحها عليه ، سألنى ( امين ) ما هى نصيحتى ( للنحاس ) وكيف يتصرف بعد ظهر غد ( عندما يدعوه الملك للمشاورات ) قلت لأمين ان ( النحاس ) يستطيع اكثر من غيره ان يكيف موقفه ، ولكن رأيى ان عليه ان يرفض فكرة الحكومة الانتقالية ، فهى مجرد حيلة من القصر تعطيهم فرصه للمناورة وترتيب المؤامرات وتدعيم موقفهم فى البلاد ، قلت ايضا ان ( النحاس ) يستطيع اذا اراد ان يقبل رئاسة وزارة ائتلافية ولو انى اعرف ان هذه المسألة صعبة ، وقال ( امين ) انه سوف يعود الان الى ( النحاس ) ليرى ماعنده .

لابد ان استدرك لأسجل اننى قبل ان يدخل ( امين ) عندى تلقيت اتصالا تليفونيا من ( سرى ) ليبدى لى ملاحظة سمتعتها منى زوجته ( السيدة ناهد سرى ، وهى فى ذلك الوقت رئيسة الهلال الاحمر ) اثناء حضورى لأحتفال امس فى ستوديو مصر ، قلت له اننى بسبب تسارع الحوادث لم استطع الاتصال به امس لأخطره بما جرى ، ووافقنى ( سرى ) باشا على ان فكرة وزارة محايدة مضيعة للوقت ، وان فكرة حكومة ائتلافية حتى لو كانت برئاسة ( النحاس ) سوف تؤدى الى مشاكل كثيرة ، وان الحل الوحيد الحقيقى هو مارأيته من افضلية مجىء وزارة وفدية بالكامل .

3 فبراير بعد الظهر :

الموقف هادىء حتى الساعة 2.15 .

جاء ( امين ) برسالة من ( النحاس ) ، الرسالة كما يلى :

" فى ظروف سابقة كان ( النحاس ) دائما ينادى بحكومة محايدة تجرى انتخابات ، الان غير رأيه لأن الظروف لاتحتمل ، واما عن فكرة وزارة ائتلافية فرأيه انها لن تنجح لأسباب كثيرة ، بينها انه يعرف ان ( احمد ماهر ) رئيس الحزب السعدى مريض ، اصابته نوبة قلبية خفيفة ، ومعنى هذا ان عضوا اخر من حزبه ( السعديين ) سوف يدخل الوزارة الائتلافية فى حالة تشكيلها وذلك غير مقبول منه ( من النحاس ) ، وفى كل الاحوال فأنه يرى ان الاوضاع فى البلد غاية فى السوء ، والقصر يتأمر ضد وزارة ( سرى ) رغم انه قريب الملك ، واذا كان على ( النحاس ) ان يقدم لنا المطلوب ، فلا مفر ان تكون الوزارة القادمة وفدية ، ونحن نعرف ان ( النحاس ) تعاون معنا بكل جهده من قبل ، وعلينا ان نثق انه حتى لو لم تكن هناك معاهدة فأنه سوف يتعاون معنا كما فعل فى كل الظروف .

وفيما نقله ( امين عثمان ) ايضا ان ( النحاس ) يريدنا ان نعرف ان روح المعاهده تقتضى تعاونا بين الطرفين بكل مايعنيه التعاون من ابعاد ، وانه اذا كان ( حسين سرى ) نافعا لنا ، فأن ( النحاس ) سوف يكون اكثر نفعا لنا ، وأن ( النحاس ) تعاون معنا فى زمن السلم وسوف يكون تعاونه معنا اكثر عشر مرات فى زمن الحرب .

لكنه لكى يتحقق من ذلك ، فلابد ان تكون يده مطلقة بالكامل فى التعامل مع القصر فما يريده هو الديمقراطية والتعاون معنا ، والملك يعارض الهدفين ، واذا ايدناه ازاء الملك فأنه سوف يتكفل بكل شىء ، وفى نفس الوقت فهو لايريد ان يبدو منتقما من الملك ( بسبب اقالة وزارته الاخيرة ) وقد يكون لصالح الملك ان يرى قوة العلاقة بيننا ( الوفد والسفارة ) ويلزم حدوده .

وقال لى ( امين عثمان ) ان ( النحاس ) مستعد لقبول حكومة محايدة اذا كنت انا اريد ذلك ، وحكومة ائتلافية اذا كانت تلك نصيحتى ، لكنه يريد تذكيرى بأن الحكومات الائتلافيه لاتنجح .

قلت لأمين اننى سأملى عليه النقاط التى اريد منه ابلاغها للنحاس ( ان النحاس عليه ان يقول للملك ان الموقف فى غاية السوء ، وانه لايستطيع الثقه فى ولاء الاحزاب الاخرى التى يمكن ان تشارك فى حكومة ائتلافية اذا اصر الملك على ذلك ، وان الحل الوحيد لتفادى المشكلات والمؤامرات هو تأليف وزارة وفدية خالصه حتى تستطيع ان تتحمل المسئولية ، ويستطيع ( النحاس ) ان يطرح على الملك اقتراحين :

1- تخصيص بعض الدوائر الانتخابية للاحزاب الاخرى .

2- امكانية انشاء مجلس استشارى من زعماء الاحزاب ويكون بديلا لفكرة الائتلاف .

لم يكد ( امين ) يخرج من عندى حتى اتصل بى يبلغنى انه حين وصل الى بيت ( النحاس ) عرف انه استدعى الى القصر .

3 فبراير مساء" :

فى الساعة السادسة مساء اتصل بى ( امين ) ليبلغنى بلقائه مع ( النحاس ) وبما رواه له عما حدث فى القصر ، املانى ( امين ) محضرا كتبه ( النحاس ) للمقابلة مع الملك ، ولم يعجبنى ماسمعته منسوبا للملك ، وملخصه ان ( فاروق ) طلب من ( النحاس ) تأليف وزارة ائتلافية ، وان ( النحاس ) رفض مبديا استعداده تأليف وزارة وفدية تتحمل المسئولية .

بناء على ذلك وفى الساعه السابعة ، استدعيت ( حسنين ) ، قلت له اننى عرفت بما حدث مع ( النحاس ) باشا ، وانا اريد ان اطلب من الملك ( فاروق ) ان يستدعى ( النحاس ) فى اسرع وقت ، وان يكلفه بتشكيل الوزاره ، ابلغت ( حسنين ) ايضا اننى سوف التقى بالمجلس الحربى فى مصر الساعة العاشرة من صباح غد ، وتركته يفهم ماذا يعنى ذلك ، حاول ( حسنين ) كعادته ان يتلوى ، ولكنى ابلغته بوضوح اننى اعنى مااقول وان عليه ان يعرف اننى اريد من الملك ان يستدعى ( النحاس ) لتأليف الوزارة .

بعد خروج ( حسنين ) بقليل اتصل بى ( امين عثمان ) وابلغته بما قلته لحسنين ، وذهبت الى العشاء والسهرة وعدت الى البيت الساعة 12.15 ، اتصل بى ( امين ) ليسأل ان كان هناك جديد واجبته بالنفى .

الاربعاء 4 فبراير صباحا :

كنت مازلت مشغولا بالكمادات على عينى فى الصباح الباكر عندما سمعت ان ( هنرى هوبكنسون ) ( ضابط الاتصال السياسى بالسفارة البريطانيه فى القاهره وقتها ) جاء يحمل رسالة عاجلة ، طلب ان يصعد الى فى غرفة النوم ، ابلغنى ان ( حسنين ) اتصل تليفونيا وطلب ان يرانى بأسرع مايمكن ، لأن لديه رسالة يريد ابلاغها لى ، وحين عرف اننى مازلت فى غرفة النوم ابدى رغبته فى ان يذهب ( هوبكنسون ) اليه فى مكتبه ليتلقى منه الرسالة ، وقد رد عليه ( هوبكنسون ) بأنه سيصعد الى غرفتى ويعود الى فى هذا الشأن ، ثم يرد عليه ، قلت لهوبكنسون ( اننى لا اوافق لأن الوقت تأخر وهم يحاولون المماطلة ) .

فى الساعة العاشرة كان على ان احضر اجتماع لجنة الحرب ( فى مقر وزير الدولة البريطانى المقيم ومكتبه فى ذلك الوقت 10 شارع الطلمبات – جاردن سيتى ) ، فى السيارة كان معى الملحق العسكرى بالسفارة ، فى الطريق قلت له ( ان هناك وسيلتين للتصرف فى ازمة من هذا النوع ، اما ان تعالج الامور سياسيا بحزم وهذا ماافعله ، واما ان تتولى جماعته اى العسكريون حل العقده ، وهذا مااحاول تجنبة ) .

عندما وصلت الى الاجتماع كان الكل حول المائده ، شرحت للكل ولأوليفر ( اوليفر ليتلتون الوزير البريطانى المقيم فى الشرق الاوسط ) تطورات الاحداث حتى هذه اللحظه ، وقلت اننى اريد ان اعرف منهم تصورهم للمهلة التى يجب ان اعطيها للملك نهائيا حتى يستدعى ( النحاس ) لتشكيل الوزارة ، كانت المناقشة مفيدة واتفقنا على ان ابلغ ( حسنين ) رسالة بالموعد ، ولم اجد مبررا لكى اذهب اليه او يجىء لى ، فأتصل به ( حسنين ) تليفونيا وامليت عليه نصا مكتوبا وافق عليه الجميع وكان النص كما يلى :

" اذا لم اسمع قبل السادسة مساء اليوم ان ( النحاس ) دعى لتشكيل حكومة ، فأن صاحب الجلالة الملك ( فاروق ) عليه ان يتحمل العواقب " ، ولم اترك لحسنين فرصة لمناقشة ماتلقاه منى ، واكملنا اجتماع لجنة الحرب ، فقد كانت امامنا ترتيبات كثيرة عند الساعة السادسة مساء فى حالة ما اذا تأخر الملك فى الاستجابة لطلباتنا .

واستدعينا الجنرال ( ستون ) ( رئيس البعثه العسكرية البريطانية فى الجيش المصرى ) كان ( ستون ) يطلب وقتا ، وكذلك اتفقنا على ان نبدأ التحرك الساعة الثامنة مساء ، فى ذلك الوقت على ان اذهب انا يرافقنى الجنرال ( ستون ) الى قصر عابدين لأبلاغ الملك ان عليه ان يتنازل عن العرش ، ولكى نحول دون حدوث اى قلاقل كان لابد ان تسبقنا قوة عسكرية مسلحة تحيط بالقصر قبل ان نصل اليه انا والجنرال ( ستون ) وكنا جميعا على اتفاق بأنه لايجب ان اخرج من القصر الا وفى جيبى ورقة من اثنتين كلتاهما بأمضاء ( فاروق ) " واحدة عليها تنازله عن العرش اذا عاند ، والثانية عليها تكليفه للنحاس اذا قرر ان يطيع " .

وناقشنا اين يذهب فى حالة مااذا تنازل عن العرش واستقر رأينا فى البداية على انه يمكن نقله الى احدى سفن اسطولنا فى الاسكندرية ( وبعدها كان الترتيب ارساله الى المنفى فى كندا ) وكان القصد من كندا اعطائه فرصه لقطع الوقت بالتزلج على الجليد لان تلك كانت رياضته المفضلة ) .

تركت قاعة الاجتماع الى مكتب اخر مجاور ، واستدعيت ( فيتز باتريك ) ( قائد بوليس القاهرة ) ، وطلبت منه ان ينسق على الفور مع الجنرال ( ستون ) ، كذلك اتصلت بوالتر مونكتون ( مساعد وزير الدولة المقيم وهو خبير مرموق فى الشئون الدستورية ) ، وقد اعتبرت ان وجود ( مونكتون ) مصادفة سعيده فى مصر فى ذلك الوقت ، لأنه هو الرجل الذى كتب وثيقة تنازل ( ادوارد الثامن ) عن العرش لكى يتزوج من عشيقته ( واليس سمبسون ) ( التى اصبحت فيما بعد دوقة وندسور بعد ان تنازل ( ادوارد ) عن العرش مفضلا الغرام على الملك ) .

عدت الى السفارة الساعة 12.30 بعد الظهر ، استدعيت ( حسنين ) لمقابلة قصيرة جدا ، اعدت عليه مرة اخرى نصر ما سبق وابلغته به ، وكتبه مرة اخرى ، وقلت له انه ليس عندى مااضيفة الى هذا النص الذى ارجو ان يقنع الملك ( فاروق ) بأنه الضوء الاحمر هذه المرة ، واننى بكل مالدى من وسائل الاقناع اريد ان احذر الملك فأنا اتوقع ان اتلقى منه ردا يستجيب لما طلبت فى الموعد المحدد ولا فسوف تحدث اشياء things will happen .

رأيت مناسبا ان اتأكد من موقف النحاس ، ولانى افهم انه يصعب العثور عليه فى بعض الاوقات ، فقد اردت ان اعرف اين سيكون فى حالة ما اذا دعاه الملك او احتجت انا اليه ، ابلغت ( امين عثمان ) بما حدث مع (حسنين ) وانه من المهم ان يكون ( النحاس ) موجودا حيث يمكن الاتصال به ، ابلغته ايضا اننى اتمنى ان يكون ( النحاس ) عند موقفه ، قال لى امين ان ( النحاس ) نفسه قال له قبل قليل ( انه يتمنى ان لانغير نحن رأينا ) .

وقال امين انه لم ير ( النحاس ) مصمما كما يراه الان ، قال لى ( امين ) ان ( مكرم ) ( مكرم عبيد سكرتير الوفد فى ذلك الوقت ) دعى للقصر .

قلت لأمين اننى ارجو ان لايكون مكرم تراوده امكانية التخاذل الان ، وقد اقتربنا من ساعة الصفر ، قال ( امين ) انه سوف يبقى مع ( النحاس ) بنفسه طوال بعد الظهر .

لكى اكمل السجل فى هذه اليوميات اضيف اننى تلقيت برقية من وزارة الخارجية تصدق على كل الترتيبات التى اتخذتها .

4 فبراير بعد الظهر :

على الغذاء تلقيت معلومات بأن طلبة جامعة الازهر خرجوا فى مظاهرة تنادى ( يحيا روميل ويسقط الانجليز ) وتلك بالتأكيد من نتائج تحريض ( المراغى ) ( الشيخ مصطفى المراغى شيخ الازهر ، وكانت السفارة تتهمه بأنه احد الاعمده الكبيرة التى يستند عليها القصر ) ، تلقيت ايضا معلومات بأن هناك اضطرابات فى الزقازيق ، كان معى على الغذاء عدد من الضيوف بينهم الجنرال السير ( كلود اوكنليك ) ( القائد العام للقوات البريطانية فى مصر ) وقد ناولته ورقة المعلومات التى وصلت الى عبر المائدة ، بعد الغذاء ابلغنى ( امين ) ان ( النحاس ) وصلته معلومات مؤكده بأن الملك يحزم حقائبه ، ثم عاد ( امين ) فأبلغنى ان ( النحاس ) دعى الى مقابلة الملك بعد الظهر .

تأكدت من جميع الترتيبات العسكرية لانى لااستطيع ان استبعد اقدام الملك على حماقة ,

4 فبراير بعد الظهر :

الساعة 5.45 لم تصلنى اية اشارة من القصر ، وارسلت الى وزارة الخارجية ابلغهم اننى الان ماض فى تنفيذ خطتى .

الساعة 6 مساء جائتنى رسالة تليفونية من ( تيمور بك ) ( اسماعيل تيمور بك التشريفاتى الاول فى قصر عابدين ) الذى ابلغنى ان ( حسنين ) فى طريقة الى ، ووصل ( حسنين ) فعلا الساعة 6.15 ومعه رسالة من الملك نصها كما يلى :

" عندما تلقى الملك الانذار البريطانى دعا الى القصر فورا الساسه المرفقة اسماؤهم بهذه الرسالة وهم قادة كل الاحزاب السياسية ، وبينهم ( النحاس ) وعرض عليهم خطورة الموقف ، واتفق رأيهم جميعا على صيغة رد طلبوا ابلاغها لى ، وكان نص الرد يقول :

" ان الانذار البريطانى الموجه الى جلالة ملك مصر يمثل خرقا لمعاهدة الصداقة والتحالف بين البلدين ، ولهذا السبب وبناء على نصيحة الزعماء السياسيين ، فأن جلالة ملك مصر لايستطيع قبول هذا الخرق لأستقلال بلاده " .

نظرت الى ( حسنين ) وقلت له هذا كلام بالغ الخطورة ، وسوف اجىء الى القصر لأبلغ الملك ردى عليه بنفسى فى الساعة التاسعة مساء ، وبدا الذهول على وجه ( حسنين ) وسألنى " الا يمكن سير مايلز لك ولى ان نجد حلا لهذه المشكلة ؟ " ثم استطرد ولم اقاطعه عامدا حتى اسمع مالديه قائلا : " اننا نحتاج الان الى حل لأنقاذ ماء الوجه ، واذا ماوافقت على تشكيل حكومة محايده فهو ( حسنين ) على استعداد ان يقسم لى بشرفه انه فى اقل من شهرين سوف تكون فى البلد حكومة وفدية " .

قلت لحسنين : " اننى حاولت مرات من قبل ان اتعاون معه ، لكنى اخشى ان يكون مايقترحه الان مستحيلا بالنسبة لى " .

دعوت لجنة الطوارىء للاجتماع ، وبينما نحن مجتمعون وصل ( امين عثمان ) للسفارة ، ذهبت لمقابلته فى غرفة مجاورة ، سألته على الفور : " هل وضع ( النحاس ) توقيعه حقا على رد الزعماء السياسيين الذى جاء به ( حسنين ) ؟ ، واذا كان ذلك فكيف يمكن تفسير تصرفه ؟ " اكد لى ( امين ) اننى لايجب ان اهتم بأى شىء الا بتأكيداته هو لى بأسم ( النحاس ) .

اضاف ( امين عثمان ) انه يستطيع ان يراهن الى اخر دولار عنده ( ! ) بأن ( النحاس ) متمسك بما اتفق عليه معى ، وكذلك عدت الى غرفة الاجتماع وطلبت اعداد نص بالكلام الذى اوجهه الى الملك ( فاروق ) عندما التقيه فى المساء ، واتفقنا على نصين :

  • النص الاول فيه مااقوله للملك .

  • والنص الثانى وثيقة تنازل الملك عن العرش .

النص الاول يقول :

( خلال السنوات الاخيرة تأكد لنا انكم تحت تأثير بعض مستشاريكم ، لم تكونوا مخلصين للحلف ولبريطانيا العظمى ، وانما على العكس من ذلك عرقلتم جهودهم بما يساعد خصومهم .

ان الاتجاه العام ومايصاحبه من ظواهر تؤكد لنا قيامكم بخرق معاهدة التحالف مع بريطانيا بمقتضى المادة الخامسة التى تفرض عليكم الا تقوموا بأيه اتصالات مع اى بلد معاد للحلفاء .

ان جلالتكم فوق ذلك وعن تعمد وبدون داع طلبتم من الحكومة السابقة الرجوع عن قرار اتخذته بمقتضى البند الخامس من المعاهدة ( بطرد المسيو " بوتزى " الوزير المفوض الفرنسى فى القاهرة ) .

واخيرا فأنكم فشلتم فى تأمين قيام حكومة وحدة وطنية ورفضتم ان تعهدوا بالسلطة الى رئيس الحزب الذى يحظى بالاغلبية الشعبيه فى البلد والذى يستطيع وحده تأمين التنفيذ الدقيق للمعاهدة بالروح التى وضعت بها النصوص ، ومثل هذه التصرفات الطائشه وغير المسئولة من جانبكم تعرض امن مصر وامن القوات الحليفة فيها للخطر ، وهنا فأنهم يعلنون لكم انكم لم تعودوا جديرين بالجلوس على العرش ) .

واما النص الثانى ( وثيقة التنازل عن العرش ) فقد كان على النحو التالى :

" نحن ( فاروق ) الاول ملك مصر تقديرا منا لمصالح بلدنا فأننا هنا نتنازل عن العرش ونتخلى عن اى حق فيه لأنفسنا ولذريتنا ، ونتنازل عن كل الحقوق والامتيازات والصلاحيات التى كانت عندنا بحكم الجلوس على العرش ، ونحن هنا ايضا نحل رعايانا من يمين الولاء لشخصنا "

صدر فى قصر عابدين فى هذا اليوم الرابع من فبراير 1942 .

توقيع " فاروق "

طلبت من وزير الدولة ( اوليفر ليتلتون ) ان يبقى على العشاء ومعه قرينته الليدى ( مويرا ) ، رحنا نناقش مانحن مقبلون عليه ، وكان يرى انه حتى ( النحاس ) رجل مذبذب فى موقفه ، والدليل على ذلك توقيعه على عريضة الزعماء التى ايدوا فيها الملك واتهمونا بالتدخل فى شئون مصر عدوانا على المعاهدة ، وهنا كان رأيه ( وزير الدولة اوليفر ليتلتون ) بعد نقاش طويل ( انه اذا تراجع الولد "the boy " واستسلم للانذار فلا داعى لوضع وثيقة التنازل امامه ) .

قبل ان اخرج من السفاره استدعيت ( امين ) لمقابلة اخيرة اريد ان اتأكد فيها من ان كل شىء يسير على نحو مااريد ، قلت له اننى اتوقع مايلى :

1- ان ( النحاس ) سوف يؤلف وزارة وفدية اذا دعاه الملك ( فاروق ) وطلب منه .

2- انه اذا تنازل الملك عن العرش فأن ( النحاس ) سوف يؤلف الوزاره وينهض بالمسئوليه بطلب منا .

تحركت من السفارة الساعة 8.40 متوجها نحو قصر عابدين ، كان معى الجنرال ( ستون ) وكنت اعرف ان هناك قوة من المدرعات سبقتنا الى حصار القصر ، وكان معنا عدد من السيارات مشت خلفنا ومجموعة من الضباط يمثلون كل اسلحة الجيش البريطانى وفروعه ترافقنا .

فى الطريق رويت للجنرال ( ستون ) مااقترحه وزير الدولة ( اوليفر ليتلتون ) على العشاء ، وابدى الجنرال ( ستون ) انه يوافق بلا تردد على انه ( اذا تراجع الولد فليس لنا ان نجبره على التنازل عن العرش والا وضعنا انفسنا فى مربع الخطأ ) .

وهكذا وصلنا الى القصر ، ولان هذه المقابلة مهمه فأنى اخصص لها فى هذه اليوميات صفحات مستقلة .

ملحق اضافى :

" لأن ماحدث فى قصر عابدين مساء يوم 4 فبراير 1942 موضوع مهم من وجهة نظر تاريخية وانسانية ، فقد رأيت ان اودع فى هذه اليوميات صورة كاملة من التقرير الذى بعثت به الى ( انتونى ايدن ) ( وزير الخارجية ) وهذا نصه :

1- صاحب السعاده قد يهمك ان تعرف صورة كاملة لوقائع هذا المساء التى اعتبرها جديرة بالتسجيل .

2- فى الساعة التاسعة مساء وصلت الى قصر عابدين مصحوبا بالجنرال ( ستون ) ومعنا مجموعة منتقاه من الضباط الذين يمثلون كل اسلحة القوات ، وكانوا مسلحين حتى الاسنان ، فى طريقنا للقصر مررنا ببقية قواتنا التى كانت تتقدم فى الظلام متجهه الى القصر لأستكمال حصاره ، وعندما وصلنا كان فى وسعى ان ارى نظرة ذهول فى عيون تشريفاتية القصر الذين وقفوا فى استقبالنا عند مدخله ، وكانت نظراتهم الذاهلة اول اشارة لى بأن المظاهرة التى قمنا بها حققت اثارها المبدئية .

صعدنا الى الطابق الثانى وانتظرنا قليلا ونحن نسمع اصوات الدبابات وهى تتخذ مواقعها حول القصر ، وكان مشهد دخول وخروج تشريفاتية القصر والياوران من ناحية مكتب الملك وهو يهرولون فى ذعر لمسة مضافة الى جو توقعات الشؤم التى ينتظرها اهل القصر .

3- بعد قرابة خمس دقائق من التأخير دعيت الى مكتب الملك فى نفس اللحظه التى كنت فيها على وشك ان ابلغ رئيس الامناء اننى لست مستعدا للانتظار ثانية اضافية واحدة ، وتوجهت فى الممر المؤدى الى مكتب الملك ومعى الجنرال ( ستون ) ولكن كبير الامناء ( سعيد ذو الفقار ) حاول ان يمنع الجنرال ( ستون ) من مرافقتى ، وقد ازحته جانبا بذراعى ودخلت والجنرال ( ستون ) معى الى مكتب الملك .

4- بدا الملك ( فاروق ) مأخوذا ، وسألنى اذا كان يمكن ان يستبقى ( حسنين ) معنا اثناء المقابلة ، ووافقت على طلبه .

5- مضيت مباشرة الى مهمتى وقلت للملك اننى كنت اتوقع منه ردا بلا او نعم فى الساعة السادسة على الرسالة التى بعثت بها الى القصر صباح اليوم ، وبدلا من ذلك جائنى ( حسنين ) فى الساعة السادسة والربع برسالة اعتبرتها ردا ( بلا ) ، وانا الان اريد ان اعرف وبدون مراوغة هل هى نعم ام هى لا ؟ ، وبدا الملك يفكر ولم اترك له فرصة ، وانما اكملت كلامى على الفور مبديا له بأذدراء شديد ان الامور وصلت الى نقطة خطيرة اعتبرها بوضوح اجابة بلا ، وبناء عليه فأنى بمقتضى السلطات المخولة لى اطلب منه توقيع وثيقة بالتنازل عن العرش ، وليس امامه غير ان يوقع عليها فورا ، والا فأننى سوف اتخذ اجراءات اخرى للتصرف معه قد لاتكون مرضية له ، وناولته ورقة التنازل عن العرش .

6- تردد الملك ( فاروق ) لثوان واحسست للحظة انه سوف يأخذ القلم ويوقع ، لكن ( حسنين ) تدخل باللغة العربية وقال شيئا للملك الذى توقف وبدا عليه نوع من الهلع ، وقد نظر الى وسألنى بطريقة محزنة وبدون اية ادعاءات مما كان يتظاهر به من قبل ( اذا كان فى الامكان اعطاؤه فرصه اخرى واخيرة ) ، وقلت له ( اننى لابد ان اعرف فورا وبدون مراوغة ماالذى ينوى عمله ؟ ) ، واجاب بأنه سوف يستدعى ( النحاس ) على الفور ، وزاد فأقترح ان يدعو ( النحاس ) فى وجودى اذا اردت ، وان يكلفه على مسمع منى بتشكيل وزارة جديدة .

سألته ( هل يفهم بوضوح انها يجب ان تكون وزارة من اختيار ( النحاس ) وحده ؟ ، وقال ( انه يفهم ) ، وقلت له " اننى الان على استعداد لأن اعطيه فرصة اخيرة لأنى اريد ان اجنب بلاده تعقيدات قد لاتكون سهلة فى هذه الظروف ، ولكن عليه ان يدرك ان تصرفه يجب ان يكون فوريا " ، وقال مرة اخرى وبصوت متأثر بالانفعال ( انه يستوعب ان ضرورات محافظته على شرفه وعلى مصلحة بلاده تقتضى أن يستدعى ( النحاس ) فورا ) .

7- على هذا الاساس وافقت .

8- حاول الملك ( فاروق ) بعدها وبجهد يثير الرثاء ان يتلطف وان يجعل من نفسه شخصا ودودا ، واكثر من ذلك فأنه وجه لى شخصيا شكره العميق لأننى ساعدته فى اجتياز ازمة بهذه الحده .

9- تركت مكتبه وخرجت مارا بالبهو الطويل المؤدى الى مكتبه ، وكان البهو مزدحما على الاخر بعدد من الضباط البريطانيين ومن تشريفاتية القصر ، كما انه عند اخر الممر من الناحية الاخرى ، كان هناك عدد من السيدات ظهرن لى وكأنهن قطعان من الدجاج المذعور .

وعندما نزلنا الى بهم القصر كان هناك حشد من الضباط البريطانيين ، كما انه من مدخل القصر بدا لى صلب الخوذات والمسدسات ومدافع التومى ، وكلها على استعداد لحالة الانذار .

وبينما نحن نخرج من مدخل القصر ظهرت امامى ساحته الواسعة بأضوائها الخافتة ، كأنها غابة مغطاه بالدبابات والعربات المصفحة والمدافع المصوبة نحو القصر استعدادا للعمل ، وكان المشهد قويا مثيرا للاعجاب بكفاءة الترتبيات العسكرية التى مهدت وساعدت على انجاح مهمتى بهذه السرعة .

10- فور ان وصلت الى السفارة وجدت ( حسنين ) على التليفون ينتظرنى بلهفة ويسألنى ( متى تنسحب القوات المحيطه بالقصر ؟ ، وداعى لهفته ان وجود القوات يعرقل وصول زوار القصر الان واولهم ( النحاس ) وهو لايريد ان نتصور ان هناك تأخيرا ليسوا هم المتسببين فيه ) ، ووعدت ( حسنين ) اننى سوف انظر فى الامر .

وبعد نصف ساعة من هذه المحادثة وصل ( النحاس ) الى مقر السفارة ، قال لى انه قادم من مقابلة الملك الذى استقبله مع عدد اخر من الزعماء السياسيين وان الملك كلفه امامهم جميعا بتشكيل الوزارة على الفور وكما يريد ، كما كلفه بأن يجىء على الفور لأبلاغى بأن كل شىء قد تم كما طلبت ، وان الملك تصرف حسب ماوعدنى وبسرعة .

بقى ( النحاس ) معى وطلبت ان ينضم الينا وزير الدولة ، وابلغت ( النحاس ) بحضوره اننى سوف اتراجع من الان الى خلفية المسرح واترك له ان يقف فى الواجهه ويتصرف ويقوم بتأليف وزارته ، كان ( النحاس ) متحمسا وان عبر عن وساوس لاتزال تراوده حول شرور بعض عناصر القصر ، وكان رايه ان هذه العناصر وعناصر اخرى من خارج القصر لابد من استبعادها فورا ، وقلت له اننى افضل ان اكون الان بعيدا ، وعليه هو ان يتخذ الاجراءات التى يراها ضرورية .

11- لابد ان اقول اننى استمتعت لأبعد مدى بوقائع هذه الليلة ، ولقد راودنى الاغراء فى بعض اللحظات بأن اصر على تنازل الملك ( فاروق ) ولكن راجعت نفسى لأن مقتضيات الحذر اقول ذلك مترددا جعلتنى اترك له الفرصه لأستدعاء ( النحاس ) ، والحقيقة انه لم يكن فى وسعى ان ارغمه على التنازل عن العرش لأنه تأخر فى استدعاء ( النحاس ) وفق ماطلبت منه فى انذارى مدة ثلاث ساعات اى من الساعة السادسة كما طلبت الى التاسعة كما حدث فعلا .

ولم يكن فى وسعنا ان نبرر سياسيا طرده على هذا الاساس امام الرأى العام المصرى او الاجنبى ، زيادة على ذلك فقد كان فى اعتبارى عندما ذهبت الى القصر انه من واجب الجانب المدنى للسلطة البريطانية فى مصر ، ان لاتتسبب فى اى حرج للقيادة العسكرية التى تعاونت معى بطريقة نبيلة طول الوقت ، وعلى اى حال فقد كان مسليا ان ارى نزول الملك على طلباتنا الاصلية دون قيد او شرط وهو مااعتبره نصرا كاملا .

12- فى الختام لابد ان اسجل تقديرى الشديد للصلاحيات التى اعطيتموها لى بالتصرف ، كما اشيد بحكمة وقوة التأييد الذى اعطاه لى وزير الدولة طول الوقت .

4 فبراير مساء" عندما وصلت الى السفارة كان فى انتظارى كثيرون ينتظرون معرفة النتيجة والتفاصيل ، وكان بينهم وزير الدولة ( اوليفر ليتلتون ) الذى اعرب عن سعادته بما توصلنا اليه رغم انه اثناء غيابى فى المهمة التى ذهبت اليها سأل نفسه عما اذا كان قد جعلنى اتردد فى عزل الملك عندما ابدى بعض التحفظ بسبب تشككه فى ( النحاس باشا ) ، وقلت له اننى لم اسف طوال حياتى حتى الان الا لأن الملك استسلم بهذه السرعة ، فقد كنت اتمنى ان يعاند وان نتخلص منه ، وعلى اى حال فأعتقادى اننى تصرفت بحكمة فى الظروف الراهنة ، ( ان الولد مازال فى مكانه ، لكنه اخذ صدمة عمره بمجىء النحاس الى الحكم بهذه الطريقة ، واعتقادى اننا قصقصنا اجنحته ولن يستطيع ان يطير لمدى طويل ) .

انضم الينا ( والتر مونكتون ) ( مساعد وزير الدولة القانونى الذى كتب وثيقة التنازل ) ، وواصلنا الكلام لبعض الوقت ثم انصرف الجميع راضيين ، لكنه كان على ان اسهر الى ساعة متأخرة من الليل لأكتب تقريرى الى وزارة الخارجية .

الخميس 5 فبراير 1942 :

اتصل بى ( حسين سرى ) تليفونيا قبل الساعة التاسعة صباحا وسألته عن ردود فعل ماوقع بالامس ، قال انه يخشى انه لم يكن هناك سبيل اخر ، وروى لى انه وصل الى القصر فى الساعة التاسعة والنصف مع عدد اخر من الزعماء الذين دخلوا وسط طوابير القوات البريطانية التى كانت تحاصره ، وهو يقدر ( ان الولد افلت بمعجزة ) لكنه يعتقد ان ماجرى كان الحل الافضل ، رأيه ( ان الملك سعى وراء المشاكل ونال نصيبه منها ) ، وسألته اذا كان الملك قال شيئا اخر ، واجاب بالنفى ، وقلت اننى سوف احكى له التفاصيل فيما بعد ، نزلت من الطابق الاعلى الى المكتب واستدعيت ( امين عثمان ) لحديث عام ضغطت خلاله على فكرتين طلبت منه ان يزرعهما فى عقل ( النحاس من البداية ) .

الفكره الاولى : ان يقنع ( النحاس ) بالعمل على تعيين ( حسين سرى ) رئيسا للديوان بدلا من حسنين .

والفكره الثانية : العمل على نقل ( حسنين ) ليصبح رئيسا للتشريفات وهو مؤهل لهذه الوظيفة اكثر من رئاسة الديوان

وقال ( امين ) انه سوف يعمل وفق ماطلبت ، ولكنه سوف يوحى للنحاس بأن هذه الافكار من عنده هو وليس من عندى ، ووافقت ، وقلت لأمين بعد ذلك ان المهمة الاولى امام ( النحاس ) ان يعمل على نقل ( عبد الوهاب طلعت ) وكيل الديوان الملكى من القصر ، وكذلك اقصاء كل الايطاليين العاملين فى خدمة الملك ، وابلغته اهمية افهام ( النحاس ) ان هذه تعليمات لندن ولاينبغى ان تكون موضع مناقشة .

الخميس 5 فبراير ظهرا تلقيت البرقية التالية من ( انتونى ايدن وزير الخارجية ) وقد سعدت بها ، نصها :

( اهنئك بحرارة ، النتائج تشهد لك بالحزم وتؤكد ثقتنا فيك ) ، انتونى شىء جميل .

تقارير " مايلز لامبسون " ( لورد كيلرن ) محفوظة فى دار المحفوظات ب " كيو " قرب لندن فأن يومياته مودعة بناء على وصيته فى كلية " سان انتونى " ب ( جامعة اوكسفورد ) ، وهى الكلية المهتمه بدراسات الشرق الاوسط ، ومحفوظات هذه الكلية من مجموعات الاوراق الخاصه مهوله وذات قيمة يصعب تقديرها

==============================

الانذار البريطانى للملك :

1- اننا نريد حكومة موالية لنا ، قادرة على تنفيذ المعاهدة بنصوصها وروحها ، وبالتحديد المادة الخامسة من المعاهدة ( الخاصة بالاتصالات مع قوى خارجية معادية ) .

2- اننا نريد حكومة قوية تستطيع ان تحكم معتمدة على تأييد شعبى كاف .

3- هذا يعنى ان عليه ان يستدعى ( مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد ) وهو زعيم الاغلبية فى البلاد وان يتشاور معه فى شأن تأليف حكومة .

4- اننى اطلب ان يتم ذلك فى موعد اقصاه ظهر غد .

5- انه هو شخصيا سوف يكون مسئولا عن وقوع اى اضطرابات او اخلال بالامن فى هذه الفترة .

مذكرة الزعماء للسفير البريطانى :

" ان الانذار البريطانى الموجه الى جلالة ملك مصر يمثل خرقا لمعاهدة الصداقة والتحالف بين البلدين ، ولهذا السبب وبناء على نصيحة الزعماء السياسيين ، فأن جلالة ملك مصر لايستطيع قبول هذا الخرق لأستقلال بلاده " .

وثيقة التنازل عن العرش :

" نحن ( فاروق ) الاول ملك مصر تقديرا منا لمصالح بلدنا فأننا هنا نتنازل عن العرش ونتخلى عن اى حق فيه لأنفسنا ولذريتنا ، ونتنازل عن كل الحقوق والامتيازات والصلاحيات التى كانت عندنا بحكم الجلوس على العرش ، ونحن هنا ايضا نحل رعايانا من يمين الولاء لشخصنا "

صدر فى قصر عابدين فى هذا اليوم الرابع من فبراير 1942 .

توقيع " فاروق "


عن موقع الملك فاروق http://www.faroukmisr.net/

مفيد شهاب نائباً بالبرلمان

الدكتور مفيد شهاب له تاريخ سياسى معروف بدأه بالالتحاق بمنظمة الشباب وهى جناح سياسى مهم ومؤثر للاتحاد الاشتراكى وأصبح الرجل الثانى فى المنظمة، وبالرغم من أن هذه المنظمة ضمت عدداً كبيراً من الشباب الوطنى المتحمس لمستقبل أفضل لمصر به قدر كبير من العدالة الاجتماعية فإنها ضمت أيضاً مجموعة من أعظم الانتهازيين الذين لم يكن انتماؤهم للوطن بقدر ما كان لمن يضعهم فى وظيفة سياسية أو تنفيذية كبرى بغض النظر عن المثل والمبادئ، وقد التحق هؤلاء بالمنظمة لأنها كانت الطريق الذى يؤدى إلى الحصول على النفوذ السياسى والوظائف القيادية الكبرى فى مصر وبعد هزيمة ١٩٦٧ ضُرب النظام السياسى لعبدالناصر فى مقتل وانتهت التنظيمات السياسية التى أسسها بوفاته.

واستمرت مجموعة الوطنيين من منظمة الشباب فى الدفاع عن الوطن ومستقبله فى المعارضة أو حتى فى وظائف إدارية عليا، بينما استمرت المجموعة الانتهازية فى محاولة القفز إلى السلطة، وكانت قد قامت بتبديل جلدها وأفكارها فى ثوان معدودة وبساطة شديدة، واضطر بعضها لأن يختفى عن الأنظار فى الداخل وذلك بالعمل الأكاديمى أو العمل الخاص بعيداً عن السياسة أو خارج البلاد بالهجرة إلى الولايات المتحدة وهو ما حدث مع قيادات مهمة أو بالعمل فى بلد عربى حتى تسمح الظروف بقفزة جديدة إلى عالم السياسة فى عصر مختلف له توجهات عكس ما نادى بها نفس الرجال فى الماضى القريب.

وهذا ما حدث مع الدكتور مفيد شهاب الذى عاد بعد ذلك إلى كلية الحقوق، وتقدم لأول مرة للحصول على وظيفة فى انتخابات حرة حقيقية، وهى وظيفة عميد كلية الحقوق، وكانت النتيجة الشهيرة بأنه حصل فقط على صوته الوحيد. وأكدت هذه النتيجة للدكتور شهاب أن مستقبله السياسى مرتبط بالولاء لأى قيادة بغض النظر عن توجهاتها السياسية أو الاقتصادية، وأن مستقبله فى التعيين وليس الانتخاب لأنه تأكد أن لا شعبية له فى أى مكان أو أى وقت. وفعلاً أصبح رئيساً لجامعة القاهرة بالتعيين، وقد علمت من مصادر عديدة أنه فى حضور الكبار كان يجلس صامتاً ويتكلم فقط ليؤيد كل ما يقال من الكبار، أما بالنسبة لزملائه ومرؤوسيه فالأمر كان مختلفاً، وأذكر أنه أثناء رئاسته الجامعة وفى اجتماع مع أساتذة الطب لمناقشة مستقبل إدارة «قصر العينى الفرنساوى» بعد إتمام إنشائه كان يرفض الاستماع بطريقة متعجرفة وسخيفة إلى أى رأى، ولا يقدر مقام الحاضرين ورأيته فى هذا اليوم حين همس مدير مكتبه فى أذنه فانطلق يعدو تاركاً كرسى أحمد لطفى السيد الذى كان بالتأكيد واسعاً عليه ليتحدث فى التليفون فى غرفة مجاورة، وكاد ينكفئ على وجهه من السرعة للحاق بالتليفون بدون أى اعتذار للحضور أنه سوف يغيب بضع دقائق. بالتأكيد كان المتحدث القصر الجمهورى وليس بالضرورة الرئيس، ولكن هذا التليفون أتى من مصدر الإلهام والقوة وشريان الحياة بالنسبة لمستقبله السياسى.

و بعد ذلك أصبح الدكتور شهاب وزيراً للتعليم العالى، وشهدت الجامعات انهيارات شديدة فى العلم والبحث العلمى فى عهده وتقدماً ملحوظاً فى السيطرة الأمنية وانهيار الحريات الأكاديمية، وقد اعتبر ذلك نجاحاً من وجهة نظر النظام ممثلاً فى وزارة الداخلية، وقام بتعيين عدد كبير من المستشارين والملحقين الثقافيين فى السفارات المصرية من محدودى الكفاءة والموهبة من رجاله تلبية لوساطات من جهات عليا، ثم ترك الوزارة إلى مجلس الشعب حيث كان ملكياً أكثر من الملك، إذا طلب تعديلاً دستورياً لتقييد الحرية تفنن فى تعديل يقتل كل حرية ممكنة، وهو الذى شارك بهمة ونشاط فى صياغة كل التعديلات المعيبة فى الدستور المصرى التى سوف يذكر التاريخ بالعار كل من شارك فى صياغتها، والدكتور شهاب كان المؤيد الكبير فى تمديد قانون الطوارئ إلى الأبد، وعندما فكرت الدولة تحت الضغوط الداخلية والخارجية فى صياغة قانون الإرهاب شارك فى وضع مواده التى قال لى فقيه دستورى كبير إنها معيبة جميعاً وسوف تلغى المحكمة الدستورية العليا كل كلمة فى هذا القانون المشبوه.

وقد قام الدكتور شهاب بترشيح نفسه فى دائرة محرم بك بالإسكندرية، وكما نعلم جميعاً بأن شهاب تقدم بالترشيح بأمر سام من لجنة السياسات وهو طبعاً عبد المأمور ويعلم شهاب جيداً أنه دون تزوير كامل وصريح سوف يأخذ صفراً كبيراً فى هذه الانتخابات لدائرة لا أحد يعرفه فيها أو يؤيده. وبالفعل دخلت جامعة الإسكندرية على الخط بإعلان يطلب بطاقات أعضاء هيئة التدريس والعاملين فى الجامعة وقيل إن ذلك لعمل بطاقات انتخابية لهم فى محرم بك.

الأمر فى تقديرى يرجع إلى أن هناك فعلاً خلافاً بين الحرس القديم الملتف حول الرئيس مبارك والحرس الجديد بقيادة أحمد عز الذين يبدو أنهم يريدون رئيساً جديداً لمجلس الشعب ولم يجدوا شخصية فى الوقت الحالى من فريق الناشئين تصلح للوظيفة فقاموا بالتفكير فى مفيد شهاب، صحيح أنه من الحرس القديم، ولكنهم يعرفون قدرته الفائقة على التحول من الحرس القديم إلى الحرس الجديد أو الحرس المتوسط أو أى حرس مادام فى السلطة. فإذا نجحت الخطة فيمكن لأحمد عز أن يعتمد عليه فى فترة انتقالية حتى يجدوا الرجل المناسب، وبالطبع فإن الدكتور شهاب مع السلطة سواء كانت فى الحرس القديم أو الجديد. هل سوف ينجحون فى إزاحة سرور؟ وهل سوف يغفر له الحرس القديم فعلته؟ لا أحد يدرى.

ولكن كل هذا التخطيط يتم على اعتبار أن الشعب المصرى ليس له وجود ولا اعتبار أو رأى فى أى اختيار. أرى أمام عينى انهياراً فى كل شىء فى مصر وأرى إرهاصات تغييرات جذرية وأعتقد أن مصر- على الرغم من كل شىء- لن تموت.

قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك.

د. محمد أبوالغار - Almasry Alyoum

د. أسامة الغزالى حرب يكتب: أرض الإهمال

أكتب هذا المقال بمناسبة سرقة لوحة الفنان العالمى «فان جوخ» «زهرة الخشخاش» من متحف محمد محمود خليل بالقاهرة (التى نبهنا الأستاذ محمد سلماوى إلى أن اسمها الصحيح هو «آنية وزهور»! فى مقاله بأهرام ١ سبتمبر ٢٠١٠)، ولكن موضوعى ليس هو على الإطلاق سرقة تلك اللوحة بالذات، ولكن ما أريد أن أتناوله هنا هو ظاهرة مصرية بامتياز، ليست سرقة اللوحة المذكورة إلا إحدى علاماتها البسيطة! إنها ظاهرة الإهمال أو التسيب أو اللامبالاة التى تكاد تكون سمة قومية ترتبط بمصر والمصريين.

ويقينى – ابتداء - أنه لا أمل ولا مجال لإحداث إصلاح حقيقى فى بلدنا ومجتمعنا إلا إذا بدأنا بنقد أنفسنا، وكشف عيوبنا، التى يقع داء الإهمال بالقطع ضمن أبرزها! ولنستعد هنا بعض الحقائق التى كشف عنها اختفاء لوحة «فان جوخ». فوفقا لما صرح به النائب العام ونشر فى الصحف فى الأسبوع الماضى فقد اكتشف سيادته أن «جميع» أجهزة الإنذار معطلة، وأن كاميرات المراقبة الـ٤٣ التى يحتويها المتحف لا يعمل منها إلا ٧ فقط! (وبالطبع لن نسأل هنا ماذا كانت تكلفة توريد وتركيب وصيانة تلك الأجهزة والكاميرات). وقال النائب العام أيضا إن عدد أفراد الحراسة غير كاف، فضلا عن أن الحراسة أيضا شكلية ولا تسمح للحراس بأى سيطرة فعلية على المتحف، سواء فى الداخل أو من الخارج! والأدهى من ذلك أن نفس الملاحظات اكتشفتها النيابة العامة فى حادث سرقة ٩ لوحات من متحف آخر هو «متحف محمد على» فى العام السابق ٢٠٠٩، فضلا عن أن اللوحة المعنية نفسها سبق أن سُرقت عام ١٩٧٧ وتمت استعادتها!

وعندما تفجر الخلاف بين وزير الثقافة والسيد محسن شعلان، المسؤول عن قطاع الفنون التشكيلية بالوزارة، ظهرت مفاجآت أخرى مخزية ومخجلة. فالمسؤول الكبير بالوزارة قال إن المتاحف المصرية فى حالة متردية، ونبهنا إلى حقائق مفزعة تتعلق بمتاحف أخرى فى مصر، وأشار بالذات إلى متحفى «الجزيرة بالقاهرة»، و«حسين صبحى بالإسكندرية»، أما متحف الجزيرة الذى يضم فى مخازنه ما يقدر بأربعة آلاف قطعة من أفضل الأعمال الفنية فى العالم، التى قدرت قيمتها منذ أكثر من ٢٠ عاما بـ ٣٠ مليار دولار (؟!)،

فلن أضيف بشأنه جديدا أكثر مما ذكرته الصحفية حنان حجاج فى تحقيقها المتميز الذى نشرته بالأهرام فى ٣١ أغسطس الماضى، وذكّرتنا فيه بأن مقتنيات ذلك المتحف جُلبت أساسا من قصور العائلة المالكة وأثرياء مصر ما قبل الثورة (أى أثرياء العهد البائد وفقا للتسمية التى أطلقها رجال ثورة يوليو المجيدة!) وذكّرتنا أيضا بأن المتحف نفسه كان قد بناه أصلا المهندس المصرى الشهير مصطفى بك فهمى «على طراز شديد التميز ونفذته شركة إيطالية وافتتحه الملك فاروق تحت اسم (متحف الحضارة) باعتبار أنه يؤرخ لتطور الحضارة الإنسانية فى عصورها المختلفة»!

أما الآن – كما تقول حنان حجاج - فـ«لا أحد يعلم ماذا فعل سجن المخازن بتلك الكنوز، وهل لا تزال كما هى أم امتدت إليها يد العابثين طوال سنوات كانت مكدسة خلف حجرات لا تستعصى على الفتح، وحوائط خشبية لا تستعصى على الكسر» (؟!) وتصيبنا الزميلة بالهلع والجزع عندما تسأل د. نوار باعتباره فنانا تشكيليا معروفا عن إمكانية أن تؤثر الطريقة المزرية التى تخزن بها مقتنيات المتحف عليها فيقول لها: «نعم تؤثر مليون فى المائة! بل ويمكن أن تفسد تماما التحف، سواء لوحات أو مقتنيات أخرى»!

غير أن الأدهى والأمر (وهناك دائما أدى وأمر) هو ما جاء فى جريدة الشروق أول سبتمبر الماضى على لسان د. على محمد على، أستاذ الفنون بجامعة قناة السويس، من أن هناك تكتما من جانب وزارة الثقافة على عمليات «نهب وإهمال كاملة يتعرض لها ليس فقط متحف الجزيرة وإنما أيضا قصر عائشة فهمى بالزمالك..»! وقال د. على: «إن جميع من يعمل بقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة وخارجها يعلمون جيدا أن ما تم نهبه وتم الصمت عليه طوال الأعوام الماضية ثروات من الفنون لا حصر لها ضاعت ولم يحاسب عليها أحد!».

أما متحف حسين صبحى أو متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية الذى اكتمل بناؤه عام ١٩٥٤ على أرض أهداها لبلدية الإسكندرية البارون «دى منشا»، أحد الاثرياء الأجانب الذين كانوا يعيشون فى المدينة، ليكون متحفا فنيا بالإسكندرية، يعرض فيه مقتنياته من الأعمال الفنية العالمية الثمينة خاصة للفنان «إدوارد فريدهايم» التى بلغت ٢١٠ أعمال، وكان يقام فيه بينالى الإسكندرية بشكل منتظم ـ فهل أصبح هو أيضا ضحية الإهمال والتقصير؟!

غير أن ما يصيب الإنسان بمزيد من الدهشة والفزع أيضا ما أعلن بشأن متحف النوبة فالمتحف حديث جدا (تم إنشاؤه فى عام ١٩٩٧ أى منذ ١٣ عاما فقط) ومبنى المتحف فى ذاته يعكس العبقرية الإبداعية لمصممه المهندس المصرى محمود الحكيم، والتناغم مع البيئة المحيطة به من صخور وتلال وشمس حارقة! والمتحف، فضلا عن أنه يحكى التاريخ الطويل والمثير للنوبة وحضارتها وأهلها، فإنه يضم حديقة رائعة، وقطعا أثرية منذ عصور مختلفة تعود إلى ما قبل التاريخ!

هذا المتحف أعلن مسؤولو المجلس الأعلى للأثار – عقب حادثة سرقة زهرة الخشخاش- إغلاقه بسبب تعطل كاميراته وأجهزة الإنذار فيه، بعد انتهاء عمرها الافتراضى! هنا أطرح تساؤلا بسيطا: هل عملية تجديد الكاميرات وأجهزة الإنذار تحتم بالضرورة منع زيارة المتحف أمام آلاف السياح الذين يفدون من بلادهم البعيدة لمشاهدة آثار مصر وتأمل تاريخها، خاصة أن كثيرا منهم يأتى مسلحا بالخرائط والكتب بل بدليل المتحف نفسه للاطلاع المباشر على مقتنياته؟ وهل كان لابد أن تسرق زهرة الخشخاش حتى يتنبه المسؤولون إلى تدهور أنظمة أمان وحماية متحف النوبة؟

على أى حال، يبدو أن حكاية متاحف مصر مسألة يطول شرحها، ولكنى فقط سوف أضيف مثالا أخيرا أصادفه شخصيا بشكل يكاد يكون يوميا ويثير لدىّ - فى كل مرة - تعجبا وتساؤلا! ففى شارع ٢٦ يوليو فى القاهرة، ناحية مسجد السلطان أبوالعلا وخلف مبنى وزارة الخارجية مباشرة، توجد «خرابة كبيرة» عليها لافتة «متحف المركبات الملكية» ألاحظ منذ سنوات طويلة أن جدرانها الخارجية أحيانا تجدد وترمم بالجبس الأبيض ثم يقف الأمر عند ذلك، وتبدأ القذارة والتلوث والعنكبوت تعشش عليها، وتظهر مرة أخرى عمليات ترميم وتنظيف محدودة ثم تختفى.. وهكذا. وعندما رجعت للمراجع المتخصصة وجدت عجبا!

فتلك الخرابة كانت فى الأصل مبنى فاخرا أنشأه الخديو إسماعيل عام ١٨٦٣ أى منذ ما يقرب من «١٦٠» عاما ليكون مبنى للمركبات الخديوية والخيول، وأطلق عليه وقتها اسم «مصلحة الركائب الخديوية» ثم «متحف الركائب»، ثم أضاف إليه الملك فؤاد بعض التعديلات عام ١٩١٧ وكان بمثابة إسطبل للخيول لحفظ العربات الملكية! وكان يفترض أن المتحف يحتوى على ٦٧ عربة ملكية من أشهرها عربة الآلاى الكبرى التى أهداها نابليون الثالث والملكة أوجينى للخديو إسماعيل عند افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩، وقام الملك فاروق بتجديدها واستخدامها فى أثناء افتتاح البرلمان وفى زفافه! وغيرها من المركبات الفاخرة والفريدة وأنا هنا أتساءل: أين يا ترى هذه المركبات الآن وما حالها؟!

غير أن الأدهى من ذلك أننى اطلعت على موضوع نشر فى جريدة وطنى (يوم ١٠ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة إيمان حنا) يتحدث عن قرب الانتهاء من تطوير متحف المركبات الملكية الموجود فى منطقة بولاق بتكلفة قدرت بنحو ٢٥ مليون جنيه واستغرق ترميمه وتطويره حوالى العامين؟!! و«يفتتح قريبا وسيتم إدراجه على الخريطة السياحية»، وبالمناسبة فإن المبنى قريب جدا من وزارة الخارجية ويمكن أن يكون أحد المواقع الجاذبة لزوار الوزارة من الدبلوماسيين الأجانب. ولكن سؤالى البسيط هو: أين ذهبت الـ ٢٥ مليون جنيه؟ أين هذا التطوير؟ بل أين العربات الملكية ذاتها؟!! إننى أدعو كل من يقرأ هذا المقال إلى أن يمر على المتحف المذكور ربما يساعدنى فى العثور على إجابة عن تساؤلاتى.

ماذا أقصد من هذا كله؟

أقصد أن القضية ليست سرقة زهرة الخشخاش ولا قضية متحف محمد محمود خليل ولا قضية متاحف مصر كلها، بل ليست قضية الوزير فاروق حسنى، فالرجل قضى فى منصبه وقتا أطول بكثير جدا من اللازم، ويستحيل عليه – حتى من الناحية الإنسانية البحتة - أن يضيف أى جديد إلى عمله بعد قضاء ما يقرب من ٢٣ عاماً فى نفس المكان؟!! القضية هى ذلك الداء أو المرض الذى يخيم بظله الثقيل على مصر كلها.. ليس فقط متاحفها وإنما جميع مبانيها: مساكنها وفى قراها ومدنها ومؤسساتها الحكومية والخاصة.

إن نظرة واحدة، لا أقول خارج العاصمة فى الصعيد أو الدلتا أو سيناء، وإنما فى قلب القاهرة، وفى وسط المدينة.. وفى أهم شوارعها الرئيسية: الطرق والمبانى والمركبات ووسائل المواصلات (بما فيها تاكسى لندن الجديد؟!) والبشر الهائمين على وجوههم... إلخ، تكشف بجلاء (وهو ما يلاحظه القادم الأجنبى غير المعتاد على المنظر) كيف أن الإهمال أضحى ظاهرة مصرية قومية تطرح علينا فى كل لحظة التساؤل: لماذا هذا؟ وكيف وصلنا إلى ذلك الحضيض؟ ذلك هو جوهر السؤال!

Almasry Alyoum

هل يمكن إجهاض مخطط التوريث؟

التوريث بالدم ليس هو الشكل الوحيد لتوريث السلطة، فقد عرفت النظم السياسية أشكالا مختلفة للتوريث. وإذا كان توريث السلطة بالدم يعد أمراً طبيعياً فى النظم الملكية فإن الملكيات الدستورية تورث الملك وليس الحكم الذى يتولى مسؤوليته رئيس وزراء منتخب. ومن المفارقات أن نظماً «جمهورية» حديثة، كنظام كوريا الشمالية، عرفت أشكالا شاذة من توريث السلطة بالدم. وهناك أنواع أخرى من توريث السلطة عرفته نظم جمهورية لا تسمح بالتعددية الحزبية ويسيطر على السلطة فيها حزب واحد ينفرد بها أو يهيمن عليها فى وجود أحزاب صغيرة أو هامشية. وفى هذه الحالة تنتقل السلطة بالوراثة داخل الحزب المهيمن من خلال آليات يحددها الحزب نفسه أو قيادته.

وقد عرف النظام المصرى فى طبعته «الجمهورية» شكلا فريدا من أشكال توريث السلطة «بالاختيار»، حيث كان رئيس الجمهورية يختار نائبا له فيصبح النائب، بحكم الأمر الواقع، هو رئيس الجمهورية التالى. وقد استمر الحال على هذا المنوال، رغم ما شهده النظام من تطور فى عهد السادات بانتقاله من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددى، لكنه بقى فى جوهره أحاديا ويسيطر عليه حزب مهيمن أنشأه رئيس الدولة أثناء وجوده فى السلطة.

ولأن الرئيس مبارك رفض تعيين نائب له فقد أصبحت السلطة من بعده غير قابلة «للتوريث بالاختيار». ومع ذلك فإن إحجامه عن تطوير الحياة الحزبية جعل من الحزب الذى يقوده الرئيس محورا للحياة السياسية فى مصر، ومن ثم بدت السلطة غير قابلة للتوريث «بالاختيار» لكنها محصورة داخل حزب محدد هو حزب الرئيس. ولو كان الأمر قد انتهى عند هذا الحد لشهد النظام السياسى المصرى فى عهد الرئيس مبارك نقلة جديدة فى اتجاه الإقرار بتداول محدود للسلطة أو «تدوير» لها داخل نطاق الحزب المهيمن، وهو ما لم يحدث لأن الرئيس مبارك كان يعد العدة لتطور من نوع مختلف ومذهل.

لقد أقدم الرئيس مبارك، تحت تأثير تحالف وثيق ومتعاظم بين الأسرة الحاكمة وجماعات نافذة من رجال أعمال ترتبط مصالحهم عضويا بالنظام، على اتخاذ خطوتين شكلتا ردة للوراء. الأولى: عندما سمح لابنه جمال بالنزول إلى ساحة العمل السياسى المباشر وأتاح له الفرصة للهيمنة على «الحزب الحاكم» من داخله بتعيينه أمينا للسياسات. والثانية: حين سمح بالموافقة على تعديل المادة ٧٦ من الدستور بطريقة تفتح أمام نجله طربق الوصول إلى المقعد الرئاسى فى الوقت المناسب، ثم على تعديلات دستورية أخرى تفتح الطريق واسعا أمام تزوير نتائج الانتخابات. وهكذا أصبح الطريق مفتوحا على مصراعيه لتوريث بالدم، بنقل السلطة من الأب إلى الابن عبر انتخابات شكلية قابلة للتزوير فى نظام جمهورى!.

كان من الطبيعى، فى سياق كهذا، أن يتطور المشهد السياسى فى مصر ليصبح على ما هو عليه الآن، حيث بات اختيار رئيس الدولة القادم محصورا، من الناحية العملية، بين مبارك الأب، فى حالة ما إذا قرر إعادة ترشيح نفسه لفترة ولاية سادسة، وهو احتمال ضعيف بالنظر إلى كبر سنه وظروفه الصحية، ومبارك الابن، فى حال ما إذا قررت الهيئة العليا للحزب الحاكم ترشيحه، سواء فى وجود الأب أو بعد رحيله، وهو الاحتمال الأرجح، اللهم إلا إذا اعترضت على ترشيحه صراحة أو ضمنا مؤسسات سيادية، ورأت فيه تهديدا محتملا للاستقرار. فى هذه الحالة فقط يمكن تصور إمكانية البحث عن سيناريو ثالث من داخل النظام. غير أن هذا السيناريو البديل لن يخرج عن واحد من خيارين، الأول: ترشيح أحد أعضاء الهيئة العليا للحزب الوطنى غير جمال، وهو أمر يبدو مستبعدا إلى حد كبير نظرا لعدم وجود شخصية قيادية تحظى بالإجماع داخل الحزب، وبثقة المؤسسات السيادية فى الوقت نفسه، والثانى: البحث عن شخصية من داخل المؤسسات السيادية نفسها، مما يتطلب تحركا سريعا من الرئيس مبارك لضمها إلى الهيئة العليا للحزب الحاكم قبل نوفمبر من هذا العام كى تنطبق عليه شروط الترشيح، وإلا دخل النظام فى متاهة قد تفرض عليه تعديلات دستورية لا يريدها فى هذه اللحظة. والسؤال: أين تقف القوى المطالبة بالتغيير من كل هذا الذى يجري؟

يقتضى الإنصاف أن نقول إن الجمعية الوطنية للتغيير بذلت خلال الشهرين الماضيين جهدا ضخما أثمر عن:

١- تنشيط حملة التوقيعات على مطالب الجمعية، والتى تقترب الآن بسرعة من حاجز المليون، وهو رقم لا ينبغى التقليل من أهميته حتى فى بلد يبلغ تعداده أكثر من ٨٠ مليون نسمة، إذا أخذنا فى الحسبان استمرار حالة الطوارئ المقيدة لحركة المعارضة، والتى تتيح للنظام الأمنى القائم حرية البطش بكل من يجرؤ على تحديه.

٢- تنظيم مؤتمرات جماهيرية خارج العاصمة شملت معظم عواصم المحافظات، جرت خلالها حوارات مهمة أسهمت بدورها فى تنشيط حملة التوقيعات، من ناحية، وشرح وتوضيح استراتيجية الجمعية للمرحلة المقبلة، من ناحية أخرى، خاصة موقفها من انتخابات مجلس الشعب المقبلة. وكانت هذه المؤتمرات فرصة أيضا لتأكيد الإصرار على المضى قدما فى مشروع التغيير مهما كانت التضحيات.

تجدر الإشارة إلى أن الجمعية الوطنية للتغيير أصدرت بيانا ناشدت فيه القوى المطالبة بالتغيير توحيد صفوفها حول: ١- مقاطعة انتخابات مجلس الشعب المقبلة فى حال عدم الاستجابة لضمانات النزاهة والشفافية. ٢- الضغط على النظام بكل الوسائل السلمية المتاحة، بدءًا بممارسة حق الاحتجاج والتظاهر وانتهاءً بمطالبة الشعب بالعصيان المدنى، لإجباره على تقديم الضمانات المطلوبة. ٣- تشكيل لجنة على أعلى مستوى يشارك فيها الجميع لتنسيق الجهود الرامية للضغط على النظام، ولبحث إمكانية خوض الانتخابات بقائمة موحدة فى حال الاستجابة للضمانات. وأكدت الجمعية فى بيانها أن المشاركة فى الانتخابات بدون ضمانات لا تعد قبولا بالتزوير فقط وإنما مشاركة فيه أيضا، ومن ثم أهابت بجميع القوى الراغبة فى التغيير بذل كل ما فى وسعها لبناء إجماع وطنى مطلوب بإلحاح فى هذا المنعطف التاريخى، وعبرت عن قناعتها بأن الشعب لن يتسامح مع أى قوة سياسية تتواطأ مع النظام وتقوم بعقد صفقات رخيصة معه لإجهاض الحراك الراهن وتمرير مشروع التوريث.

غير أن الأمانة تقتضى أيضا الاعتراف بوجود مصاعب جمة لاتزال تواجه الجمعية، ربما كان أهمها عدم وضوح موقف كل القوى المنخرطة فيها من قضية المشاركة فى انتخابات مجلس الشعب. ورغم تأكيد جماعة الإخوان المسلمين الالتزام بقرار المقاطعة فإنه من الواضح أنها تربطه بإجماع كل القوى السياسية، وهو شرط يبدو متعذر التحقق بالنظر إلى اتجاه حزبى الوفد والتجمع للمشاركة سواء استجابت الحكومة لضمانات النزاهة المطلوبة أم لم تستجب. وتوجد، لحسن الحظ، تيارات مهمة داخل حزبى التجمع والوفد تضغط فى اتجاه المقاطعة، نأمل أن تتمكن من إقناع قيادتها بأن المشاركة فى انتخابات تعلم يقينا أنها مزورة سلفا ستلحق بها ضررا كبيرا فى نهاية المطاف.

فى سياق كهذا، من الطبيعى أن تركز الجمعية جهودها فى المرحلة المقبلة على: ١- توحيد الجهود الرامية للضغط على النظام بكل الوسائل السلمية الممكنة، من خلال تحريك الشارع وإقناع حزبى الوفد والتجمع بالمشاركة فيها. ٢- تشكيل لجنة لبحث إمكانية النزول بقائمة موحدة ضد الحزب الوطنى فى جميع الدوائر، وإقناع أفضل الشخصيات الوطنية المستعدة للمشاركة فى العمل العام لخوض الانتخابات على «قائمة التغيير» فى حال توافر ضمانات بعدم تزويرها. ولا نريد أن نفقد الأمل رغم ضخامة التحديات وتغلغل الفساد فى أوساط النخبة السياسية.

لو امتلك النظام قدرا، ولو ضئيلا، من الحكمة أو الحساسية تجاه مشاعر مواطنيه، لتصرف بطريقة مختلفة، ولأقدم على إجراء تعديلات دستورية تمكّن الشعب من انتخاب رئيسه بحرية. غير أن تصرفات هذا النظام تشير إلى أنه ماض فى الطريق الذى رسمه لنفسه غير عابئ بأى شىء سوى وضع اللمسات الأخيرة على مشروع نقل السلطة من الأب إلى الابن، معتمدا فى ذلك على قوة وسطوة أجهزة الدولة المركزية، من ناحية، وانقسام المعارضة وتشرذمها، من ناحية أخرى.

وفى تقديرى، أنه لن يكون بوسع أجهزة الدولة، مهما بلغت درجة المركزية فيها، أن تفعل شيئا إزاء إصرار شعبها على التغيير إن تمكنت قواه الوطنية من توحيد صفوفها. لذا تبدو الكرة فى ملعب قوى المعارضة، بل فى ملعب النخبة تحديدا، والتى لم تستطع بعد أن ترتفع إلى مستوى المسؤولية التى تمليها اللحظة التاريخية

د. حسن نافعة - Almasry Alyoum

Saturday, September 04, 2010

مثقفون مصريون يطالبون "برحيل" وزير الثقافة ومحاكمته

القاهرة (رويترز) - طالب أكثر من 100 مثقف وسياسي مصري يوم السبت باقالة وزير الثقافة المصري فاروق حسني "ومحاكمته على اهدار المال العام واضراره بالمصالح الوطنية" وتعدد مظاهر ما سموه بالفساد ومنها سرقة لوحة (زهرة الخشخاش) لفان جوخ قبل أسبوعين من متحف (محمد محمود خليل وحرمه) بالقاهرة وتقدر قيمتها بنحو 55 مليون دولار.

وقال الموقعون على البيان ان سياسات وزارة الثقافة التي يتولاها حسني منذ عام 1987 عبارة عن "تخبط وارتباك وعماء لم تشهد مصر لها مثيلا في تاريخها الثقافي الحديث... أثار ( الوزير) على نحو غير مسبوق سخط الوسط الثقافى المصري وتساؤلاته عن السر من وراء بقاء هذا الوزير وبطانته كل هذه الفترة فى ظل هذه الفضائح."

وعدد البيان ما اعتبره "فضائح" أو اخفاقات للوزارة ومنها حريق المسافرخانة وهي بيت أثري بالقاهرة عام 1998 وحريق شب عام 2005 في مسرح اقليمي جنوبي القاهرة أدى الى مقتل أكثر من 50 مسرحيا وتعرض بعض مساعدي الوزير للمحاكمة ومنهم مسؤول يقضي عقوبة السجن لمدة عشر سنوات بعد اتهامه بالفساد واستغلال النفوذ اضافة الى سرقة تسع لوحات أثرية ترجع لعصر أسرة محمد على (1805-1952) في مارس اذار 2009 من قصر محمد علي في منطقة شبرا الخيمة بشمال القاهرة.

والبيان الذي حمل عنوان "فلترحل منظومة الفساد" اتهم وزير الثقافة بأنه منذ بداية توليه منصبه وهو يهدف الى "وضع المثقفين في الحظيرة -على حد تعبيره- متوجها بذلك الى تدجين المثقفين لا الى بناء الثقافة."

ودعا الموقعون على هذا البيان الى "وجوب رحيل وزير الثقافة عن موقعه ومحاكمته على اهدار المال العام واضراره بالمصالح الوطنية."

ومن الموقعين على البيان صافي ناز كاظم وصنع الله ابراهيم وعلاء الاسواني ومحمد حافظ دياب وشوقي جلال والطاهر مكي وعبد العزيز مخيون وبلال فضل وعلاء عبد الهادي وأبو العلا ماضي وأبو العز الحريري وعبد المنعم أبو الفتوح ومحمود قرني وسيد البحراوي وأمينة رشيد وعاصم الدسوقي وأحمد بهاء الدين شعبان وحمدين الصباحي وأمين اسكندر وجورج اسحق وعبد الغفار شكر وشاهندة مقلد

اختفاء ترك يعيد فتح ملف "الاختفاء القسري" في مصر

ألقت قضية اختفاء شاب مصري بصورة غامضة منذ أكثر من عام، الضوء مجدداً على ممارسات "الاختفاء القسري"، التي تقول منظمات حقوقية دولية، إن أجهزة الأمن المصرية تنتهجها بشكل متعمد.

وفيما ذكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" المعنية برصد انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم، أن هناك مؤشرات تدل على أن الطالب محمد سعد ترك، الذي اختفى في يوليو/ تموز من العام الماضي، محتجز في مكان "غير معلوم" لدى الجهات الأمنية، فقد أكد مصدر مسؤول بوزارة الداخلية لـCNN بالعربية، أن الوزارة ليس لديها أية معلومات بشأن هذه القضية.

من جانبه، قال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة الدولية، إن "ممارسة إخفاء الأفراد الوحشية، مشكلة كبرى يعاني منها سجل مصر الحقوقي"، ودعا السلطات المصرية إلى أن "تكشف فوراً عن مكان ومصير محمد ترك، وأن تقاضي المسؤولين عن اختفائه."

وبحسب بيان صدر عن المنظمة، تلقته CNN بالعربية السبت، فإن ترك، وهو طالب بكلية طب الأسنان بجامعة الإسكندرية، ويبلغ من العمر 23 عاماً، قد قال لأسرته في 26 يوليو/ تموز 2009 إنه سيخرج يتمشى، وعندما مرت 48 ساعة دون أن يظهر، قدمت أسرته بلاغاً في قسم شرطة "رشيد" بمحافظة البحيرة.

وبعد خمسة أيام، تلقى والده استدعاءً من رئيس وحدة المباحث الجنائية بقسم الشرطة، وقال: "ذهبت إلى القسم وسألني الضابط إذا كان محمد بخير أو يعاني من مشاكل صحية، شرحت له أنه مصاب باكتئاب ويتعاطى دواءً.. سأل الضابط أي دواء يأخذ، وما جرعته ومن طبيبه، ثم نقل هذه المعلومات على الهاتف إلى شخص آخر."

وتابع الأب سعد ترك قائلاً: "بعد أسبوع ذهبت إلى مقر أمن الدولة في دمنهور، وقال لي الحراس إن محمد قد أحيل إلى رشيد.. وعندما ذهبت إلى وحدة الأمن في رشيد، قالوا لي إنهم لا يعرفون عنه شيئاً وأمروني بألا أعود إليهم"، بحسب التقرير.

وأفادت HRW بأن الأسرة أرسلت العديد من الشكاوى إلى وزارة الداخلية والنائب لعام وهيئات حكومية أخرى، وبعد مرور عام دون أي رد، وفي يوليو/ تموز 2010، قررت الأسرة إبلاغ منظمات حقوق الإنسان بما حدث وإعلانه لوسائل الإعلام.

كما أشار التقرير إلى أن كل من جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، والشبكة العربية لحقوق الإنسان تقدمتا بشكوى إلى مكتب النائب العام في 8 أغسطس/آب الماضي، عن اختفاء الطالب محمد سعد ترك، الذي ترجح أسرته أنه تعرض للاعتقال من قبل جهاز مباحث أمن الدولة.

وذكر المحامي جمال عيد، الذي قدّم الشكوى، أن النائب العام قال إن الشكوى ما زالت قيد التحقيق، واستعلم من مباحث أمن الدولة، وهو فرع الأمن الداخلي بوزارة الداخلية.

من جانب آخر، نقلت صحيفة "الدستور" أن عضو مجلس الشعب عن دائرة رشيد، عبد الحميد زغلول، يعتزم التقدم بسؤال عاجل إلي وزير الداخلية، حول واقعة "اختفاء طالب من الدائرة، قبيل زيارة الرئيس (حسني) مبارك لمدينة رشيد، منذ ما يزيد علي سنة."

ونقلت الصحيفة، في وقت سابق من الشهر الجاري، عن النائب قوله إنه تقدم مع بداية قضية الطالب محمد سعد ترك بطلب للبرلمان لمناقشة واقعة اختطافه، فضلاً عن أنه قابل اللواء أحمد شاكر، مساعد وزير الداخلية، عدة مرات حول قضية الطالب، لكنه لم يجب عليه، وقال له: "لا نعرف مكانه."

وقالت أسرة ترك إن مسؤولي جهاز أمن الدولة في فرع رشيد، استدعوا محمد ترك في أبريل/نيسان من العام الماضي، حيث خضع للاستجواب بشأن أنشطته الجامعية، خاصة مشاركته في مظاهرة بالجامعة فترة "حرب غزة"، وأفرجوا عنه بعد ساعة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الصمت الطويل المحيط بمصير ترك، يثير عدة تساؤلات حول سلامته، مشيرةً إلى أنه كثيراً ما يكون الاحتجاز طرف أمن الدولة بمعزل عن العالم الخارجي، ويستغرق عادة قرابة الشهرين.

وذكرت أن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي طرف أمن الدولة، الذي قد يرقى لكونه اختفاءً قسرياً، مألوف في أوساط المعتقلين السياسيين، وكثيراً ما تحتجز مباحث أمن الدولة المشتبهين في القضايا الهامة، قبل أن تحيلهم إلى نيابة أمن الدولة لتوجيه الاتهامات إليهم.

ففي عام 2009 قامت مباحث أمن الدولة باحتجاز نحو 25 رجلاً بمعزل عن العالم الخارجي، متهمين بالانتماء بالعضوية إلى منظمة إرهابية، على صلة بحادث سرقة في حي الزيتون بالقاهرة، وعلى خلفية الادعاء بوجود مخططات لمهاجمة قناة السويس.

وفي فبراير/ شباط، اعتقلت مباحث أمن الدولة المدوّن ضياء الدين جاد لمدة خمسين يوماً، قبل الإفراج عنه دون توجيه اتهامات إليه، وكان جاد من بين عدّة مدوّنين ونشطاء تعرضوا للاعتقال على صلة باحتجاجات حرب غزة، في ديسمبر/ كانون الأول 2008 ويناير/ كانون الثاني 2009

ومؤخراً، في 25 مارس/آذار، اعتقلت أمن الدولة طارق خضر، العضو بحركة شباب 6 أبريل، لمدة 80 يوماً.

وشددت المنظمة على أن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والاختفاء القسري غير قانونيان بموجب القوانين المصرية، التي تنص على أن على الشرطة إحالة المقبوض عليهم إلى النيابة في ظرف 24 ساعة

CNN

الفساد فى وأد العقل

فى الساعة الرابعة بعد ظهر السبت الموافق ٢١ أغسطس من هذا العام، أعلن الوزير الفنان فاروق حسنى أن مجهولين سرقوا لوحة «زهرة الخشخاش» للفنان العالمى فان جوخ من متحف محمود خليل. وفى صباح اليوم التالى، وصل النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود إلى المتحف، فاكتشف أن جميع أجهزة الإنذار معطلة و٤٣ كاميرا للمراقبة معطلة ماعدا سبع كاميرات، وأن اللوحة المسروقة قيمتها ٥٥ مليون دولار. وأنا أضيف إلى هذا الحادث المأساوى أحداثاً أخرى مأساوية جرت فى مؤسسات الدولة وأتساءل:

هل ثمة قانون يحكم هذه الأحداث المأساوية؟

وأجيب بسؤال:

ما القانون؟

صياغة علمية تكشف عن علاقة ضرورية بين ظاهرتين.

والسؤال إذن:

ما هما الظاهرتان اللتان تتحكمان فى تلك الأحداث المأساوية وتقوم بينهما علاقة ضرورية؟

أجيب بسرد القصة التالية:

فى ٢٥ أبريل ١٩٨٤، عقدت ندوة فى القاهرة دعوت إليها نفراً من المفكرين المصريين لإجراء حوار حول العلاقة بين الاقتصاد والثقافة على ضوء قضية محددة هى ما اصطلح على تسميتها فى السبعينيات من القرن الماضى بـ«الانفتاح الاقتصادى» ومدى تأثيره على النظام الاجتماعى، وفى بداية الحوار، أثرت ما كان قد دار فى ذهنى تبريراً لعقد هذه الندوة.

قلت: مع عودة أمريكا ومعونتها المالية إلى مصر إثر طرد الاتحاد السوفيتى فى يوليو ١٩٧٢، بزغت ظاهرتان متلازمتان: الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية، وعلى الرغم مما يبدو من تناقض بينهما، فإنهما متحدتان فى الغاية وهى تدمير حضارة العصر والتكنولوجيا. ثم أثرت السؤال التالى:

هل أنا محق فى هذا التوصيف وما لازمه من تأويل؟

دار الحوار حول هذا السؤال. وفى نهاية الندوة، اختزلت ما قيل فى عبارة واحدة:

«لا أحد يستطيع أن يفلت من الفساد».

والمقصود بالفساد، فى هذه العبارة، هو الفساد الذى تفرزه العلاقة العضوية بين الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية.

والسؤال بعد ذلك:

ما طبيعة هذا النوع من الفساد؟

الأصولية الدينية تعنى إبطال إعمال العقل فى النص الدينى والرأسمالية الطفيلية تعنى المتاجرة فى غير المشروع، أى فى المخدرات وما يلازمها من شركات توظيف أموال وغسل أموال وجرائم قتل فى غياب العقل. وإذا كان ذلك كذلك فالنتيجة الحتمية فساد العقل أو بالأدق، فساد يصيب العقل. وإذا فسد العقل فسدت الثقافة.

والسؤال بعد ذلك:

كيف يمكن تحرير العقل من هذا الفساد؟

بالتنوير ليس إلا.

ولكن ما التنوير؟

هو الجرأة فى إعمال العقل بحيث لا يكون لدينا سوى سلطان العقل، ومن ثم يمتنع وأد العقل.

وماذا بعد؟

اقتحام المحرمات الثقافية التى تكبل العقل فتسلبه الجرأة.

ومَنْ هو القادر على ذلك الاقتحام؟

هو المثقف ليس إلا.

وأين يقيم هذا المثقف؟

فى المجلس الأعلى للثقافة لأنه مسؤول عن بث روح التنوير بحكم القرار الجمهورى الصادر بتأسيسه فى عام ١٩٨٨، وفى الجامعات المصرية بحكم تأسيسها على العقل والعلم.

والسؤال بعد ذلك:

ماذا جرى لهذا المثقف؟ ولماذا امتنع عن إحداث التنوير؟

هل بتأثير الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية معاً؟

وهل هما بلا منافس؟

جوابى بالإيجاب بحكم كونى عضواً بالمجلس الأعلى للثقافة، وبحكم كونى أستاذاً للفلسفة بجامعة عين شمس

د.مراد وهبة - Almasry Almasry

الفراعنة والحج

يقول سونيرون فى كتابه: «كهان مصر القديمة ١٦٠»: (وإلى جانب الجغرافيا العملية، كانت لقدماء المصريين جغرافيا دينية، وكان كهنة مصر يهتمون بها أكثر من غيرها، ففيها مراكز الأماكن المقدسة، ومراكز الحج).

كان أجدادنا يحجون إلى قبر أوزيريس فى جنوب سوهاج، كما كانوا يحجون إلى الكعبة!

يقول الدكتور لويس عوض فى كتابه «مقدمة فى فقه اللغة العربية» ص١٥: إن كلمة كعبة جاءت من كلمة مصرية قديمة وهى كابا، انتقلت إلى العربية كعبة، وإلى الإنجليزية CUBE.

كما يذكر لنا القاموس المحيط- ص ١٩٧- أن كلمة آمين (آمون) (بالمد أو القصر) اسم من أسماء الله، كما يذكر لنا د. نديم السيار أن كلمة حج مصرية قديمة: (المصريون القدماء أول الحنفاء- ص ٤٦٦).

عرف السبئيون (حضارة سبأ جنوب اليمن) هذه الكلمة المقدسة (حج)، كما عرفها العرب نقلاً عن اليهود.. (جورجى زيدان، د. فؤاد حسنين على ص ٢٩٤).. كما عرف اليهود هذه الكلمة نقلاً عن مصر القديمة (عباس محمود العقاد.. الله- ص٧٢).

سؤال: ما معنى كلمة حج فى اللغة المصرية القديمة؟

الإجابة: معناها.. النور أو الضياء (د. بدوى وكيس- ١٧١).

وقد ورد فى الصحيح أن النبى، صلى الله عليه وسلم، جعل الحج ضياء، بل نجد فى كتاب مرجريت مرى- ص ٤٥٢: «مصر ومجدها الغابر»، أنشودة كتبها حور محب صاحب أول قانون لحقوق الإنسان.. تقول: التحية لك أيها القمر الذى يتفحص الحجيج...إلخ، وهذا يوضح لنا الارتباط الشديد بين القمر وشعيرة الحج. كانت الكعبة موجودة قبل إبراهيم عليه السلام، (ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم) (سورة إبراهيم- ٣٧)، فإذن إبراهيم جدد البيت الذى كان مبنياً من قبل (د. عبدالحليم محمود). يقول عبدالله السيوطى: كان الأنبياء من بعد آدم إلى زمان إبراهيم.. يعظمون البيت (الكعبة) ويحجونه ويطوفون به...إلخ وطبعاً من هؤلاء الأنبياء إدريس، نوح...إلخ.

كما كان الصابئة المندائيون، وصابئة حران، وهم من مصر.. يعظمون الكعبة، ويحجون إليها (عبدالحميد جودة السحار).

أما كلمة (حج از) أى (حجاز) فهى من حج المصرية، والزاى المصرية (آز) بمعنى توجه أو ارتحل، وتوضع بجوارها علامة تفسيرية على شكل: ساقان تمشيان.. فيكون المعنى: توجه إلى، أو سعى إلى الضياء.. (المصريون القدماء أول الحنفاء ٤٧٤). أما مكة فقد وصفها الله بـ(أم القرى)، (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربياً لتنذر أم القرى) (الشورى-٧)، ولكن ما أصل كلمة قرية، نجد فى اللغة المصرية القديمة «ق» معناها قمة جبل، (قر) معناها كهف أو مغارة، ويقول د. لويس عوض: ومن جذر (قر) المصرية.. جاءت قرار، استقرار، مقر، فكلمة (قر) معناها جبل.. يستقر فيه الناس، انتقلت هذه الكلمة، للسومرية (كر) بمعنى جبل أو بلد، كما انتقلت للأكادية «قر» بنفس المعنى السابق، ثم أضيفت (الياء) المصرية (ياء النسب)، (والهاء) أو التاء.. وهى تاء التأنيث.. فتصبح قرى هـ أى قرية (المصدر السابق ٤٧٩، مقدمة فى فقه اللغة العربية ٥٦٩).

يقول القفطى فى إخبار العلماء ص٣: إن النبى إدريس بنى ١٤٠ مدينة خارج مصر فى رحلته إلى المشرق، وطبعاً الذى يهمنا من كل هذه المدن.. مكة.. أم القرى.. لأنها أول قرية بناها المصريون خارج بلادهم فى أرض الجزيرة. مصر القديمة أيها الأصدقاء.. حرَّمت الميتة والدم ولحم الخنزير منذ آلاف السنين، كذلك التقويم القمرى من مصر، الصيام من مصر، بناء الكعبة من مصر، تأسيس مكة من مصر، ليلة القدر من مصر، نشأة التسبيح من مصر، الختان - ختان الذكور لا الإناث- من مصر، ألفاظ.. دين، ملة، حنيف، ختان، صوم، حج، ماعون (زكاة) كعبة.. قرية.. كوراب (أصبحت براق)- (الحصان المجنح) كلها كلمات مصرية قديمة.. مازالت حية تعيش فينا، ويأتى رجل فى قامة مطران خليل مطران يهاجم هؤلاء العظماء مدعياً ظلمهم.. وهم الذين عرفونا بماعت ربة العدالة، فيرد عليه أمير الشعراء:

زعموا أنها دعائم شيدت، بيد البغىَّ ملؤها ظلماء

أين كان القضاء والعدل والحكمة، والرأى والنهى والذكاء؟!

إذا كان غير ما أتوه فخار، فأنا منك يا فخار براء

د. وسيم السيسى - Almasry Alyoum

waseem-elseesy@hotmail.com

مصر تفرض رقابة على حملة لدعم عمر سليمان للرئاسة رغم عدم ترشحه

القاهرة (رويترز) - أطلق ناشطون هذا الاسبوع حملة ملصقات تعرب عن الدعم لرئيس المخابرات المصرية عمر سليمان للترشح للرئاسة العام القادم فيما يبدو انها خطوة للتصدي لما يعتبرونه حملة مستمرة لنجل الرئيس حسني مبارك ليكون الزعيم القادم للبلاد.

ولكن خلال ساعات من وضع الملصقات على جسور وجدران في شوارع القاهرة سرعان ما تم وقف تغطية الحملة على الانترنت بدون تفسير وهو تحرك ارجعه خبير نشر الى جهود رسمية لمنع انتشار الحملة.

واكتسب الحديث عن تولي جمال مبارك (46 عاما) الرئاسة خلفا لوالده قوة دفع منذ ان اجريت للرئيس جراحة في مارس اذار الماضي في ألمانيا وبسبب حملة ملصقات تدعمه في انتخابات الرئاسة عام 2011.

وينفي المسؤولون أي دور لهم في حملة التأييد لجمال مبارك.

وفي بيان صدر على الانترنت ولكن سحب في وقت لاحق ناشد ناشطون مجهولون مؤيدون لسليمان "جيش مصر الشريف" انقاذ البلاد من "عار ومهانة مشروع التوريث الذي يسعى الى تحقيقه نجل الرئيس." وقالوا ان السبيل الوحيد للتعامل مع مشروع التوريث لجمال مبارك وأعوانه من رجال الاعمال هو ان يتولى عمر سليمان حكومة انتقالية.

ويعتقد محللون منذ فترة طويلة ان سليمان المعروف بانه صديق مقرب لعائلة مبارك مرشح محتمل للرئاسة لكنه لم يعبر قط عن اي رغبة للترشح للمنصب.

ولم يقل مبارك (82 عاما) والذي يتولى السلطة منذ عام 1981 ما اذا كان سيسعى للفوز بفترة ولاية سادسة عام 2011 أم لا. لكنه ينفي هو ونجله اي خطط للتوريث.

وكسا الناشطون وسط القاهرة وحي المعادي الراقي بملصقات مؤيدة لعمر سليمان وهو يرتدي نظارة ويوجه التحية بيده اليمنى.

وكتب على الملصقات شعار "البديل الحقيقي عمر سليمان رئيسا للجمهورية".

وأطلقت الحملة في الشوارع يوم الخميس بينما كان الرئيس ونجله وسليمان في واشنطن لحضور اطلاق محادثات السلام المباشرة بين الاسرائيليين والفلسطينيين.

وقال المحلل السياسي ضياء رشوان ان توقيت وضع هذه الملصقات له مغزى للدلالة على توجه جديد من الرأي العام بينما يكون مبارك خارج مصر مضيفا ان من المرجح ان تلفت الحملة انتباه واشنطن اثناء وجود سليمان هناك.

وخدم سليمان وهو من مواليد 1936 في الجيش قبل ان يصبح رئيسا لجهاز المخابرات المصري عام 1993 ويتمتع سليمان بتأثير كبير في الشؤون الداخلية للبلاد.

ونشرت صحيفة المصري اليوم المستقلة تقريرا بموقعها على الانترنت عن حملة سليمان لكن التقرير رفع بعد ذلك من الموقع بدون تفسير.

وقال هشام قاسم الناشر السابق للمصري اليوم متحدثا لرويترز "فيه حظر نشر على كل الجرائد لمنع نشر اي شيء عن الحملة لعمر سليمان.

"المصري اليوم طبعت 30 الف نسخة واعدموهم.. والجرائد الاخرى ممنوعة ايضا من النشر." ولم يصدر تعليق من جهات امنية.

وقال قاسم ان عمر سليمان هو الرئيس القادم لمصر في جميع الاحتمالات. وأضاف انه الشخصية المناسبة للحكم من الجيش.

وسليمان الذي يعد واحدا من اكثر رجال المخابرات نفوذا في العالم نادرا ما يظهر في وسائل الاعلام ويقول المحللون ان الرقابة تهدف الى منع الحملة في اشارة الى ولائه لمبارك وعائلته.

وقال الكاتب فهمي هويدي انه لا يوجد تنافس بين سليمان ونجل مبارك. وقال ان سليمان سيتولى السلطة فقط نزولا على رغبة مبارك مضيفا ان سليمان ينظر اليه على انه واحد من اكثر المسؤولين الذين يحظون بثقة الرئيس.

وسليمان ليس عضوا بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. وينسب اليه الفضل في انقاذ حياة مبارك من محاولة اغتيال نفذها اسلاميون عام 1995 في اديس ابابا.

من مروة عوض

Friday, September 03, 2010

(الاخوان المصريون).. شباب يحاربون الطائفية على الفيس بوك


كام واحد إنتماؤه لمصر بس، كام واحد بيحب اللى جنبه لانه مصري بس، فى يوم من اوائل القرن اللى فات قال المندوب السامي البريطانى عن مصر "نحن لا نستطيع التفريق بين المسلم والمسيحي فى مصر الا عند ذهاب كلا منهم للصلاة".. دلوقتى كل واحد فينا رافع راية دينى كذا يا كافر يا معتوه.. كل حاجة فينا اتغيرت حتى سلامنا".

بتلك الكلمات دشن ثلاثة شباب مصريون منذ ساعات صفحة جديدة على الفيس بوك تحت إسم "الإخوان المصريون"، والتى توهمك بمجرد قراءة عنوانها انها تابعة للإخوان المسلمون، او ربما جماعة تتبعهم، او حتى مجموعة من الشباب تهدف للدفاع عن الجماعة ضد تهمة العصبية الدينية او لردع إساءات مسلسل الجماعة، بينما الحقيقة هى ان سبب تأسيس تلك الصفحة كما يقول "إسلام جاويش" احد المؤسسين انها جائت للحد من فقد روح الانتماء الوطنى داخل غالبية الشعب.

ويضيف إسلام، "من اهم الاسباب التى دعت لتأسيس الصفحة، بداية دخول مصر فى نفق الفتنة الطائفية المظلم من جديد، لذلك قررنا إقامة حركة شعبية سياسية إجتماعية، خاصة وان جبهتنا (جبهة المواطن المصرى)، تحاول قدر المستطاع تقدير حقوق المواطن المصري العمل عليها، بالإضافة لتوفير أساليب المساعدة، ومحاولة إعادة تأهيله ليكون عضو متفاعل فى مجتمع نعتبره خامل جداً".

وعن اهداف الحملة تحدث إسلام، "الاطاحة بأى حملة هدفها الاساءة لاى دين فى مصر، او اى حملة تعمل على إشعال الفتنة الطائفية، هدفنا الاسمى هو إعادة روح الاخوة بين المصريين، والإنتماء والتعاون فى جميع المجالات، والاحتفال المشترك فى المناسبات المختلفة.. نحن نريد العمل على بناء وطن من جديد، تحب فيه الناس بعضها، وحينها سيصبح هؤلاء بمثابة الوقود لتطوير حياتنا".

اما مؤسسى الجروب فهم ثلاثة، "إسلام جاويش، شمعي أسعد، ميرفت يوسف"، يتحدث جاويش بالنيابة عنهم قائلاً، "نحن ثلاثة مصريين، مسيحيين ومسلمين، والاسماء لا تهم كثيراً، فالاهم هو كوننا حقاً اخوه، نرفض اى إساءة موجهه لاى فرد منا".

وعلى ارض الواقع يقول جاويش انه ستكون هناك الكثير من الاحتفالات التى تجمع الطرفين، والحملات المضادة للطائفية، واخرى ضد العنف، والكثير من النشاطات، الا ان كل هذا لن يبدأ الا بعد وجود الدعم من جميع طوائف الشعب، خاصة وان حملاتهم ستكون مسموعة ومرئية، من خلال موقع سيتم إفتتاحه خلال ايام.

الصفحة رغم انها لم تتعد ساعاتها الاولى الا ان عدد مشتركيها وصل ما يقارب 80 فرد، وضعت فيها الاغانى الوطنية كأغانى الشيخ إمام، عمار الشريعى وغيرهم، بالاضافة للكثير من الصور الخاصة بمشاهير مصر، والكثير من اثارها ورجال دينها على اختلاف مذاهبهم.

بسنت صلاح - مصراوى

صورة خالد سعيد تطوف شوارع واشنطن.. والمنظمات المصرية بأمريكا تناقش (مستقبل مصر بعد مبارك)

أكد نشطاء مصريون بالعاصمة الأمريكية واشنطن أن دعوة الرئيس أوباما للرئيس مبارك للمشاركة في محادثات السلام لا تستقيم مع الأوضاع المتدهورة في مصر، داعين الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى استغلال زيارة الرئيس مبارك من أجل التأكيد على إجراء انتخابات رئاسية نزيهة وشفافة.

وحذر المشاركون في المؤتمر الصحفي الذي دعا إليه تحالف المنظمات المصرية بالولايات المتحدة والجمعية المصرية للتغيير أمس الأول، وأقيم بمبنى الصحافة الوطني بالعاصمة الأمريكية بعنوان "مستقبل مصر بعد مبارك"، من أن يؤدي تجاهل مطالب إحلال الديمقراطية في مصر إلى حالة من عدم الاستقرار التي تقوض حل إقامة دولتين، فلسطينية وإسرائيلية.

وقالت المنظمات في بيان: "إذ لم يقم النظام المصري بإجراء الإصلاحات الضرورية لضمان إجراء انتخابات نزيهة، فمن الممكن أن يؤدى ذلك إلى انفجار اضطرابات في مصر والمنطقة المحيطة بها، وهو ما سيؤدي إلى إعاقة أكبر لحل إقامة الدولتين". وأوضح د. أمين محمود، القيادي في "المنظمة المصرية للتغيير" وأحد منسقي المؤتمر، في تصريحات خاصة لـ"الشروق" من أمريكا: "نسعى من خلال المؤتمر الصحفي إلى إيصال رسالة للرأي العام ووسائل الإعلام الأمريكية بوجود نظام غير ديمقراطي بالقاهرة، لا بد أن ينتهي بتغيير سلمي للديمقراطية، كما طالبنا بالعدالة الاجتماعية لجميع المصريين، والتأكيد على رفضنا لصفقة توريث الحكم لنجل الرئيس مبارك"، على حد تعبيره.

وجابت سيارة تحمل لافتة كبيرة شوارع العاصمة الأمريكية موقعة من تحالف المنظمات المصرية والجمعية المصرية للتغيير، كتب عليها "أمريكا.. كوني صادقة مع قيمك، وإلا فلا تسألي لماذا يكرهوننا"، وبجوار ذلك وضعت صورا لضحية التعذيب بالإسكندرية خالد سعيد.
وتحمل اللافتة أيضا تنديدا بالتعذيب في مصر، وتأكيدا على ضرورة وجود ضمانات لنزاهة العملية الانتخابية. وغاب عن المؤتمر الدكتور سعد الدين إبراهيم، رئيس مجلس أمناء مركز ابن خلدون، الذي قام بتأسيس التحالف وقاد المؤتمرات السابقة له.

الشروقمجدي سمعان وأحمد فتحي

حكاية ريتشارد ماربورجر

بروفيسور ريتشارد ماربورجر Richard Marburger أستاذ هندسة ميكانيكية غير متفرغ بكلية الهندسة -جامعة لورانس التكنولوجية- بولاية ميتشجان الأمريكية، شغل وظيفة رئيس للجامعة لفترة ١٦ عاماً (١٩٧٧-١٩٩٣)، وكان قد التحق أستاذاً بالجامعة عام ١٩٦٥، وبعد عام ١٩٩٣ صار أستاذاً متفرغاً بالجامعة.

قبل التحاقه بالجامعة عمل بمعامل أبحاث شركة جنرال موتورز للسيارات بديترويت، كما عمل أيضا بمجال الدفاع الجوى، لذلك فهو يتمتع بخبرة عملية وأيضا أكاديمية.

فى عام ١٩٩٣ شاركته زوجته مارى ماربورج فى إنشاء جائزة اسم ماربورج تمنح لأحسن أستاذ بالجامعة فى الناحية التدريسية ولأحسن طالب يحصل على أعلى الدرجات. فى مارس سنة ٢٠١٠ توفيت زوجته الفاضلة، التى كانت عوناً له فى حياته، وفور ذلك لكى يتغلب بروفيسور ماربورج على وحدته طلب من عميد الكلية الهندسية - وهو فى نفس الوقت أحد الأساتذة المصريين المتميزين فى مجال الهندسة الإنشائية وخريج هندسة القاهرة الأستاذ الدكتور نبيل فؤاد فانوس جريس- أن يوافق على قبوله أن يعمل متطوعاً بالجامعة فى وظيفة مرشد للطلبة الذين يدرسون فى مجال الهندسة بالجامعة..

على الفور رحب السيد العميد ومجلس الكلية بالطلب، وأخذ بروفيسور ماربورجر يحضر يومياً إلى مكتبه فى نشاط زائد من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة عصراً، ولم يقتصر دوره على الإرشاد الأكاديمى للطلاب فقط، بل صار مكتبه محجاً لأساتذة الأقسام الهندسية المختلفة ينهلون من خبراته المتعددة فى جميع المجالات.

فى تلك الأثناء حضرت إلى كلية الهندسة كباحث زائر لعدة أسابيع، فكنت أتابع نشاطه اليومى وبساطته الفائقة، وحكمته فى الأحاديث، فهو قليل الكلام، كثير العمل، لا يتطلع إلى أى نواح مادية بل بالعكس فور أن وافقت كلية الهندسة على قبول طلبه للعمل التطوعى بها، قام بتخصيص جائزة أخرى لتشجيع النشاط البحثى فى مجال الهندسة!!

هذا هو مفهوم الخدمة التطوعية التى لا تتطلع إلى مناصب رئاسية ولا مكاسب مادية كما يحدث عندنا.

د. مينا بديع عبدالملك- أستاذ الرياضيات بهندسة الإسكندرية

minab@aucegypt.edu - Almasry Alyoum

«المصري اليوم» تحاول الإجابة عن السؤال الصعب: أين ذهبت لوحة «زهرة الخشخاش» بعد اختفائها من متحف محمود خليل؟

فى «عز ظُهر» السبت ٢١ أغسطس الماضى، اختفت لوحة «زهرة الخشخاش» من داخل متحف محمد محمود خليل فى قلب القاهرة، وترك اللص، أو اللصوص، إطار اللوحة التى يقدر الخبراء ثمنها بنحو ٥٥ مليون دولار، فارغا، لتبدأ بعد ذلك التحقيقات واتهامات بالإهمال وعدم تقدير المسؤولية بين وزير الثقافة المسؤول عن المتحف، ومساعديه حيث يقبع أحدهم الآن فى الحبس على ذمة القضية.

هذه السرقة، التى يمكن اعتبارها واحدة من أسهل سرقات اللوحات الفنية فى التاريخ نتيجة غياب جميع عناصر التأمين تقريبا، فتحت باب الجدل حول مدى اهتمام مصر بالأعمال الفنية وسُبل تأمينها، ولكن الأهم من ذلك كله أن السرقة تطرح سؤالاً يبحث عن إجابة: أين ذهبت لوحة «زهرة الخشخاش» بعد خروجها من متحف محمود خليل؟

المعروف أن الأعمال الفنية المشهورة التى تتم سرقتها لا تذهب مطلقا إلى السوق المفتوحة، بمعنى آخر أن اللوحة التى تبلغ قيمتها التقديرية ٥٥ مليون دولار لن تظهر فى صالة مزادات، وبالتالى لن يتمكن السارق من الحصول على أموال مباشرة من سرقته، ولذا تبقى الأسئلة معلقة حول الغرض من سرقة مثل هذه، ومن يتكبد هذا العناء، وما هى سيناريوهات تهريب اللوحة، وما هو بدقة «العالم السفلى» للأعمال الفنية، وهو عالم شاسع ومترامى الأطراف؟

أثناء إعداد هذا التقرير، وفى محاولة جمع المعلومات اللازمة، توصلنا إلى خبير عالمى فى هذا المجال، شخص يوصف بـ«التاجر التائب» كما أطلقت عليه مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية المرموقة عندما حاورته حول هذه القضايا، يطلق التاجر التائب على نفسه اسما مستعارا وهو «توربو بول»، وهو يحرر عدة مدونات تختص بالقطع الفنية المسروقة، وآخر شائعات العالم السفلى للمسروقات، وأحدث أخبار سوق الفن، التى ينشرها بهدف مساعدة جهات تنفيذ القانون على استعادة المسروقات، خاصة بعد أن عمل وسيطا فى عدد من القضايا الشبيهة، وأشهر مدوناته تحمل اسم Art Hostage.

كتب «توربو بول» على مدونته متابعات لحادث سرقة «زهرة الخشخاش» مصحوبة بالعديد من تعليقاته الشخصية حول السرقة وتصوراته حول كيفية حدوثها، ولأنه مصدر خبير قمنا بالاتصال به عبر البريد الإلكترونى ،للحصول على بعض الأفكار الخارجية عن سرقات القطع الفنية عموما، وحادث سرقة «زهرة الخشخاش» على وجه الخصوص، وكانت الإجابات صادمة، يمكنها تغيير الصورة المتداولة حول لصوص الفن.

أكد «بول» –وهو اسم مستعار كما سبق التأكيد- أن سرقة قطع فنية معروفة ومشهورة تحدث غالبا بغرض آخر لا علاقة له بالحصول على أموال مباشرة، ولكن الغرض يكون فى أغلب الأحيان هو وضع هذه اللوحة كضمانة لدى العصابات المنظمة فى صفقات المخدرات والأسلحة، وفى أحيان أخرى فإن سرقة هذه اللوحات تكون بغرض مساومة سارقها لتخفيض بعض الأحكام الجنائية الأخرى، أو الإفلات من عقوبات جنائية أخرى!

تلك الرؤية التى طرحها «بول» فى حوارنا معه، تحدث عنها بطريقة أكثر استفاضة فى حواره مع مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية المتخصصة فى الشؤون السياسية، فى عدد ٢٠ فبراير ٢٠٠٨، حيث رصد بعض الآليات التى تحكم العالم السفلى لمسروقات الأعمال الفنية، قائلا: «ربما يمنح اللصوص القطع المسروقة لمن يمكن أن نطلق عليه (المستثمر الرأسمالى الإجرامى)، مثلا يمكن أن يبيع اللص المسروقات بمليون دولار، ويحتفظ بها المشترى لفترة ما ثم يستبدلها مثلا بجائزة مرصودة لاستعادة الأعمال وليكن ٥ ملايين دولار، أو يمكن بيع اللوحات مقابل شحنة من شحنات المخدرات، وهكذا».

ويحكى «بول» للمجلة الأمريكية تجربته الشخصية فى هذه السوق قائلا: «كانت هناك لوحة مسروقة قيمتها تقدر بنحو ٥ ملايين دولار، دفعت فيها ٢٠ ألف دولار، وبعتها خلال يومين بمبلغ ١٠٠ ألف دولار، وهو ما يعنى ربح ٨٠ ألف دولار فى يومين، لم يعننى على الإطلاق فكرة أنها تساوى ٥ ملايين، والحقيقة أن اللوحات المشهورة يمكن وصفها بأنها مثيرة (للصداع)، وأنا أفضل التعامل مع قطع أقل شهرة».

ولكن، ماذا بالتحديد عن «زهرة الخشخاش»؟، يطرح «بول» فى حواره معنا بعض التصورات التى تبدو بعيدة تماما عن التصديق للوهلة الأولى، منها مثلا أن إيران تعتبر مركزا رئيسيا فى الوقت الحالى للعمليات السفلية، مؤكدا: «الحقيقة أن هناك سوقا سوداء مزدهرة للقطع الفنية المسروقة، والحيوانات المهددة بالانقراض، والمخدرات والسلاح، فى إيران، أو على الأقل فإن الشخص أو المنظمة التى تدير هذه السوق تتواجد داخل إيران»، وهكذا فهو يرصد تصوره لسيناريو خروج اللوحة من مصر فى اتجاهها نحو مركز السوق السوداء: «إذا كان اللصوص أعضاء منظمة إجرامية، فالمتوقع هو حركتهم من القاهرة إلى غزة، فبيروت، ثم سوريا، ومنها إلى إيران لتبقى هناك كضمانة فى صفقات أخرى».

ولكن حتى إذا كانت اللوحة قد سُرقت على يد لصوص هواة، فإن «بول» يؤكد أنها ستصبح فى يد منظمات أقوى بعد فترة قصيرة للغاية كما يحدث دائما، «الوضع الأمثل للصوص الصغار هو إعادة اللوحة فى سرية والرحيل عن المشهد بأكمله، ولكن إذا استمروا فى العملية، فما سيحدث هو أنه بمجرد نقل اللوحة إلى آخرين فى «العالم السفلى» فسوف تنتقل حيازة اللوحة إلى منظمات الجريمة القوية أو حتى منظمات إرهابية لتعمل أيضا كضمانة فى صفقات المخدرات والسلاح».

خبراء الجريمة يرصدون أيضا أحد أسباب ازدهار سرقة اللوحات الفنية، وهو المطالبة بالفدية لإعادة الأعمال المسروقة، كما يؤكد «جان بيير جوانى» الخبير فى قسم العناصر الفنية المسروقة بالإنتربول لموقع BBC: «أنا أعمل فى هذا المجال منذ ٢٥ عاما وغالبا ما كنا نتلقى طلبات لدفع الأموال فى مقابل استعادة اللوحات»، وبالنسبة لتلك الأعمال التى لا تقدر بثمن، فإن المتاحف وشركات التأمين تكون على استعداد لدفع الكثير من أجل استعادة المفقودات، حتى إذا ذهب اللصوص بلا عقاب، وتختلف الفدية بين عرض جائزة مالية لمن يدلى بمعلومات عن القطعة المسروقة، أو قيام اللصوص بطلب مبلغ للفدية، وبخصوص الجوائز فقد عرض متحف «بوسطن» الذى سُرقت منه أعمال تقدر قيمتها بنحو ٢٥٠ مليون دولار مكافأة ٥ ملايين دولار، وذكر تقرير لموقع CNN أن جهة غير معروفة عرضت جائزة قيمتها ٩٠ ألف دولار لمن يدلى بمعلومات حول سرقة لوحتين من متحف زيورخ عام ٢٠٠٨.

بشكل أو بآخر، اتبع رجل الأعمال «نجيب ساويرس» نفس المنطق وعرض مكافأة مليون جنيه لمن يدلى بمعلومات تؤدى للعثور على «زهرة الخشخاش»، قيمة هذه الجائزة «التطوعية» ضئيلة للغاية ولا تشجع اللصوص على أى مخاطرة، وكما يرصد لنا «تربو بول» المطلع على أحوال «العالم السفلى»: «ترتبط المكافأة التى تعرض لاستعادة اللوحات بالظروف فى كل حالة، ولكن بشكل عام إذا عُرضت مكافأة قيمتها تتراوح بين ١٠-٢٠% من قيمة اللوحة الأصلية، أو بعبارة أخرى، رقم يتراوح بين ٥.٥ – ١١ مليون دولار فى حالة «زهرة الخشخاش»، فربما يغري ذلك حائزى اللوحة بإعادتها»، فى الوقت نفسه يسخر «بول» على مدونته من قيمة المكافأة المصرية المرصودة، ويرى أنها لن تساعد مطلقا فى استعادة اللوحة.

وتأكيد لهذا الأسلوب، نشرت مجلة «نيوزويك» فى شهر مايو الماضى تحقيقا ضخما حول سرقات القطع الفنية، أكد فيه المحرر أن أهداف غالبية السرقات الفنية ليست هى بيع القطع على الإطلاق، ولكن الهدف هو طلب الفدية، لدرجة أن بعض المتاحف تؤمن على مقتنياتها ضد هذا الاحتمال، وفى مثل هذه الحالات فإن تفاصيل التبادل نادرا ما تجد طريقها إلى وسائل الإعلام، وغالبا ما يتداخل فى العمل عدة مستويات من الوسطاء، واللصوص الذين يرتبطون فى بعض الأحيان بالجريمة المنظمة- يكونون على درجة عالية من الصبر والانتظار. وترصد المجلة شهادة خبير فى أمن المتاحف الذى يذكر أن أمريكا الشمالية شهدت عدة حالات فى السنوات الأخيرة كان هدف السرقة هو «إخراج بعض المحكومين من السجون».

أشهر القصص المتداولة عالميا حول عمليات التبادل الغامضة، هى ما حدث مع لوحة ليوناردو دافنشى «العذراء والمغزل» Madonna with a Yarnwinder ففى ٢٧ أغسطس عام ٢٠٠٣، انتزع اللصوص اللوحة التى تقدر قيمتها بنحو ٤٥ مليون دولار من فوق جدران قلعة درملانرج فى سكتلندا، الأمر الذى دعا الناقد الفنى «بريان سويل» للقول إن اسم ليوناردو دافنشى المنقوش على إطار اللوحة كاف لإغراء «أى لص أحمق»، ولكنه مع ذلك يؤكد أنه لا توجد سوق لمثل هذه الأعمال، فأى شخص سيذهب إلى محل بيع الأنتيكات أو صالة المزادات ومعه هذه اللوحة سيتم القبض عليه فى موقعه، كما أن أى جامع تحف خاصة عاقل سيفكر كثيرا قبل أن يقدم على هذه المخاطرة»، بعض نقاد الفن التشكيلى، يعتقدون أن سرقة مثل هذه اللوحات الشهيرة هى فى الحقيقة «سرقات فاشلة»، «أوسيان وارد» الناقد بمجلة آرت ريفيو يقول: «ربما يرى البعض لوحة تحمل اسم ليوناردو، ويعتقدون أن بإمكانهم سرقتها، دون أن يعرفوا أنهم لن يتمكنوا من بيعها أبدا»، وغالبا ما يتورط اللصوص مع مثل هذه القطع لأن جميع من يتعامل فى سوق الفن يعلم أنها لوحة مسروقة.

وعن هذه اللوحة يكتب «بول» التاجر التائب فى مدونته: «سُرقت اللوحة فى اسكتلندا، ولكنها ذهبت فى رحلة عبر أيرلندا وصولا إلى إيران، وتم الاحتفاظ بها هناك كضمان لصفقات سلاح أو مخدرات. وعندما انطلقت جهود لاستعادة لوحة دافنشى، عادت هذه اللوحة من إيران إلى أيرلندا وليفربول ثم إلى جلاسكو باسكتلندا حيث تمت استعادتها من داخل مكتب محام فى أكتوبر ٢٠٠٧». اللوحة تم استعادتها من داخل مكتب محام فى جلاسكو بأسكتلندا بعد مطاردة شاركت فيها أربع هيئات أمنية مختلفة، انتهت بمداهمة المكتب الذى اجتمع فيه خمسة أشخاص لإبرام اتفاق لنقل ملكيتها!

والمثير فى مثل هذه القضايا، أن عمليات استعادة الأعمال المسروقة تبقى أكثر غموضا من عمليات السرقة نفسها، فعندما تمت سرقة لوحة الرسام إدوارد مونك «الصرخة» من متحف النرويج الوطنى عام ١٩٩٤، تلقى المسؤولون عدة طلبات للفدية، ولكن الشرطة لم تتمكن من التأكد من أى منها، وبعد ذلك -وبغرابة شديدة- ظهرت اللوحة فى غرفة فندق بجوار المتحف بعدها بثلاثة أشهر. وفى حادث آخر بباريس عام ١٩٨٥، انتزعت عصابة مسلحة سبع لوحات شهيرة منها واحدة لمونيه، ولم تتم استعادتها جميعا إلا فى عام ١٩٩٠، بما فى ذلك الحصول على بعض اللوحات من اليابان، وبقيت الظروف التى أعيدت بها اللوحات غير معلنة على الإطلاق.

إحدى الوسائل الأخرى للتعامل مع اللوحات الفنية المسروقة تعرف باسم «غسيل اللوحات» خاصة إذا كانت اللوحة أقل شهرة، حيث يحتفظ اللصوص بالغنيمة لفترة ما وعندما يتوقف العالم عن البحث عن هذه اللوحات، تبدأ عملية من عمليات «غسيل اللوحات»، حيث يبيع اللص تلك القطعة المسروقة بسعر منخفض للحصول على مكسب سريع دون أن يلفت الانتباه، وإذا تم تبادل هذه القطعة بعد ذلك بين الأيدى عدة مرات فى صفقات خارج الأضواء فربما ينتهى بها الأمر فى مزاد علنى دون أى تحذيرات حول مصدرها خاصة أن حائزها الحالى حصل عليها بطريقة شرعية، وإذا لم تقم دار المزادات بالمزيد من الأبحاث، فربما تمر اللوحة من بين الشقوق.

وأشهر قصص غسل اللوحات ما نقلته وكالة «أسوشيتدبرس» الإخبارية منذ ثلاثة أعوام، حول شراء المخرج الشهير «ستيفن سبيلبرج» لوحة للفنان «نورمان روكويل» بمبلغ ٢٠٠ ألف دولار، ليكتشف بعدها أن اللوحة مسروقة من متحف فى ميسورى عام ١٩٧٣ وأن قيمتها الحقيقية تتجاوز ٧٠٠ ألف دولار، أبلغ المخرج السلطات على الفور لتبدأ المباحث الفيدرالية تحقيقاتها حول هذه الواقعة وتكتشف أن القطعة الفنية تم بيعها مرتين على الأقل «شرعيا» قبل أن تصل إلى سبيلبرج فى عملية «غسيل لوحات» تقليدية.

عملية «غسيل اللوحات» هى عملية معقدة حيث يفضل التجار غالبا عدم كشف أسماء عملائهم، بينما يفضل جامعو التحف التعامل بسرية كاملة، وفوق ذلك كله فإن الأعمال الفنية المسروقة تغادر بلادها بعد فترة قصيرة من السرقة، ولا تظهر غالبا إلا بعدها بسنوات طويلة وعندما تظهر تكون غالبا فى يد شخص حصل عليها بطريقة شرعية، ويعانى المحققون كثيرا فى التحقيقات العكسية للبحث وسط سلسلة الحائزين. إلى جانب أن المجرمين يستفيدون غالبا من اختلاف القوانين فى المناطق المختلفة، حيث إن لكل دولة قانوناً لسقوط القضايا بالتقادم، فى هولندا مثلا يصبح اللص هو حائز القطعة رسميا بعد مرور ٢١ عاما على السرقة، وفى إيطاليا تصبح القطعة ملك صاحبها إذا قام بشرائها فى مزاد علنى.

وسيلة أخرى على قدر كبير من الغرابة ترصدها المباحث الفيدرالية الأمريكية FBI فى أسلوب يستخدم مع اللوحات المسروقة، حيث تقول وكالة تنفيذ القانون إن أسهل وسيلة يتخلص بها اللصوص من اللوحات المسروقة هى بيع اللوحات الأصلية باعتبارها لوحات مقلدة على مستوى عال، وبهذه الطريقة يتمكن اللصوص من البيع فى السوق المفتوحة، بطبيعة الحال يكون ما يحصلون عليه من أموال أقل كثيرا من السعر الأصلى، ولكن عندما تساوى اللوحة الأصلية ١٠ أو ٢٠ مليون دولار، يمكن أن يحصل اللصوص على ربح معقول عند بيع اللوحة باعتبارها مقلدة، وتعتقد FBI أن الكثير من القطع الفنية المسروقة والمفقودة حتى الآن تستقر بين مجموعات جامعى التحف الذين اشتروها بطريقة شرعية وهم يعتقدون أنها عمل مقلد.

بطبيعة الحال، يمكن استخدام الأسلوب العكسى، أى إعادة لوحة مقلدة بشكل متقن باعتبارها اللوحة الأصلية، وهو الأمر الذى كان مثار جدل كبير مع لوحة «زهرة الخشخاش» المنكوبة، التى سرقت من نفس المتحف للمرة الأولى عام ١٩٧٨ ثم أعيدت بعدها بقليل إلى المتحف بطريقة أكثر غموضاً، وهو ما جعل البعض يردد أن الغرض من السرقة كان نسخ اللوحة وأن الموجودة فى المتحف هى النسخة المقلدة، بينما اللوحة الأصلية هربت إلى الخارج. وأثيرت حول «زهرة الخشخاش» ضجة كبيرة عام ١٩٨٨ حين أعلن الكاتب الراحل يوسف إدريس فى صحيفة «الأهرام» شبه الرسمية أن اللوحة الموجودة بالمتحف نسخة مزيفة وأن الأصلية بيعت فى إحدى أكبر صالات المزادات بلندن بمبلغ ٤٣ مليون دولار.

فى بعض الأحيان النادرة، يكون اللص نفسه من عشاق الفن، ويرغب فى الاحتفاظ باللوحات المسروقة، مثل «ستيفانى بريتويسر» كان عمره ٣٢ عاماً عندما قام بسرقة المئات من الأعمال الفنية، التى قدرت قيمتها مجتمعة بنحو بليون جنيه إسترلينى، وذلك من معارض فى فرنسا وألمانيا وسويسرا، وكان هدفه أن يعلق هذه الأعمال على الحوائط فى منزله، ولكن والدته التى كانت تعيش معه بالمنزل خشيت من توصل الشرطة إليه فقامت بتدمير هذه الأعمال جميعها.

وربما يعتقد الكثيرون أن سرقة الأعمال الفنية هى مجرد حوادث متفرقة لا يجمعها رابط واحد، ولكن الأرقام تقول عكس ذلك تماماً، فطبقا لوكالة التحقيقات الفيدرالية FBI، فإن سرقة الأعمال الفنية، بما فى ذلك «الاحتيال، النهب، ونقل المسروقات عبر الدول» يصل إلى ٦ بلايين دولار فى العام، وهو الرقم الذى يعنى أن سرقة الأعمال الفنية تجارة ضخمة ومتشعبة.

بينما تؤكد جمعية أبحاث فى الجرائم ضد الفن ARCA، أن سرقات الأعمال الفنية هى ثالث أكبر الأعمال الإجرامية ربحا بعد تجارة المخدرات وتجارة الأسلحة، وفى حين ربما يعتقد الناس أن مثل هؤلاء اللصوص منعزلون ومجانين فنون، فإن الحقيقة تقول إن الغالبية العظمى من الأعمال الفنية المسروقة تسيطر عليها عصابات الجريمة المنظمة لاستخدامها فى أغراض الفدية، والمفاوضات أو لتمويل أنشطة جرائم أخرى مثل الإرهاب، وتحتل إيطاليا المركز الأول عالميا فى السرقات الفنية، حيث يسرق فيها ما يقرب من ٢٥ ألف قطعة فنية سنوياً، بينما تحتل روسيا المركز الثانى بفارق كبير بحوالى ٢٠٠٠ سرقة فى العام.

بينما تؤكد أجهزة الأمن الإنجليزية، أن هناك سرقات فنية تتراوح قيمتها بين ٤٥٠ و٧٧٠ مليون دولار كل عام، وأن معظم هذه السرقات ينفذها «لصوص عاديون»، ولكن حجم سوق الفن العالمية يغرى العصابات المنظمة، كما أن العناصر المسروقة يمكن نقلها حول العالم «بأقل قدر من المخاطرة»، ويقول أحد خبراء الأمن الإنجليز، «نحن نعلم أن الجريمة المنظمة تعمل على سرقة القطع الفنية والأنتيكات لتمويل جرائمهم الأخرى»، وإذا لم تأت القطع الفنية المسروقة بالمال فإن هذه العصابات تشتهر باستخدام اللوحات الفنية فى الاتفاقات المتعلقة بالأسلحة والمخدرات.

وتبدو فرصة استعادة الأعمال الفنية المسروقة ضئيلة للغاية، حيث ترصد «بونى مانجس جاردنيير» مدير برنامج السرقات الفنية بالمباحث الفيدرالية FBI لموقع CNN الوضع قائلة: «تقل نسبة استعادة هذه الأعمال عن ٥% من الحالات»، والأسوأ من ذلك أنها تقر بحقيقة يعرفها خبراء الأمن، وهى أن لصوص الفن نادراً ما يقعون تحت طائلة القانون مؤكدة: «تظهر القطع المسروقة بعد سنوات، وأحيانا عقود بعد السرقة، ولأن الأعمال الفنية لا تتطلب توثيقا ضخما قبل انتقالها من مالك إلى آخر، فإن الكثير من العناصر المسروقة تدخل بسهولة تيار التجارة الشرعى، ويكون من المستحيل تقريبا تتبع سلسلة الملاك حتى الوصول إلى اللص الأصلى فى معظم الأحيان، وحتى إذا تم تحديد اللص الأصلى فهناك دائما إمكانية لسقوط التهمة بالتقادم ضده».

وبينما يسهل مطاردة الأعمال الشهيرة، فإن المئات من الأعمال المسروقة الأقل شهرة يمكن أن تجد طريقها للسوق، والحل الوحيد لمنع ذلك هو توثيق جميع القطع التى تتم سرقتها لتقليل فرصة مرورها إلى السوق، وهناك العديد من الجهات التى تعمل على هذا التوثيق، ولكن أشهرها فى عالم القطع الفنية «سجل الأعمال الفنية المسروقة» Art Loss register وهو أكبر قاعدة بيانات خاصة لتسجيل الأعمال الفنية الضائعة والمفقودة، الذى يسجل أكثر من ٣٠ ألف عمل فنى مسروق على مستوى العالم، وهو يقدم خدماته عبر الإنترنت لجامعى التحف والتجار وشركات التأمين وحتى جهات تنفيذ القانون، وهذا الأرشيف لعب دوراً محورياً فى استعادة عدد من اللوحات المهمة بما فى ذلك لوحة «بيكاسو» امرأة ترتدى الأبيض وتقرأ كتاباً والتى سُرقت عام ١٩٤٠ وتمت استعادتها فى ٢٠٠٥، كما ساهم فى استعادة لوحة بول سيزان «طبيعة صامتة: فاكهة ودورق» والتى سُرقت عام ١٩٧٨ وتمت استعادتها عام ١٩٩٩، وأيضا لوحة مانيه «طبيعة صامتة: خوخ» التى سُرقت عام ١٩٧٧ وتمت استعادتها عام ١٩٩٧.

جون رادكليف، مؤسس « سجل الأعمال الفنية المسروقة»، يتفق مع الرأي القائل أنه لا توجد عقول إجرامية تخطط لسرقة القطع الفنية للاستمتاع بها كما يحدث فى الأفلام السينمائية، لأن «الغالبية العظمى من جامعى التحف ترغب فى عرض مقتنياتها على الآخرين، ومع ذلك فإن بيع لوحات شهيرة ليس مستحيلاً بشكل دائم، ويحدث هذا بعد فترة طويلة من سرقة الأعمال الفنية، وعندما يظن اللصوص أن القضية قد هدأت وأن هناك من يمكنه المخاطرة بالدفع مقابل اللوحات».

ويحتفظ الإنتربول أيضا بقاعدة بيانات ضخمة تتعلق بالتحف والأعمال الفنية المسروقة، التى يبلغ عددها حاليا ٣٤ ألف قطعة، وفى محاولة لإحكام السيطرة على «سوق المسروقات» قرر الإنتربول، كما ذكر تقرير إخبارى لوكالة AFP، أن يتيح الوصول لهذه البيانات لأى مستخدم لشبكة الإنترنت، حيث سيكون بوسع كل مستخدم يتقدم بطلب عبر الإنترنت أن يحظى بكلمة مرور تسمح له بالوصول إلى موقع إلكترونى مراقب يعرض قوائم الأعمال الفنية المسروقة فى العالم بأسره، والمسجلة فى بيانات الإنتربول ومقره فى ليون، وسوف تتيح قاعدة البيانات الخاصة بالإنتربول مراجعة أوصاف وصور الأعمال الفنية المسروقة، وقال كارل-هاينز كيند، منسق قسم الإنتربول المسؤول عن الأعمال الفنية، أن من شأن هذه الخطوة، فضلاً عن الزيادة المتوقع تسجيلها فى البلاغات عن الممتلكات الفنية المسروقة: «أن تعوق بشكل جدى حركة التجارة غير الشرعية بالمسروقات»، إذ إن بيع أى عمل فنى مسروق سيصبح أكثر صعوبة.

ومع ذلك يبقى الأمل فى استعادة أى لوحة مسروقة نتيجة يأس اللصوص من قدرتهم على الاستفادة منها، وهناك حادث شهير فى هذا الشأن يرتبط بلوحة للرسام سيزان والتى أعادها اللصوص بعد أن احتفظوا بها لمدة ٢٠ عاما فى خزانة أحد البنوك، ولكنهم توصلوا لقناعة أخيرة بضرورة التخلص منها، ويقول «جون ريدكليف»: «إن نسبة إعادة اللصوص للأعمال الفنية المسروقة تتجاوز ٢٠%، ولكن عليك أن تنتظر ٣٠ عاما».

أما آخر الآمال فى استعادة اللوحة فهى عن طريق الحظ المطلق، فقد سرق اللصوص أعمالا تتجاوز قيمتها ١٠٠ مليون دولار من متحف «فان جوخ» فى أمستردام عام ١٩٩١، ولكنهم أصيبوا بالفزع بعد السرقة الناجحة، وتركوا الغنيمة بأكملها داخل السيارة التى أقلتهم لمحطة القطارات، وربما يكون ذلك هو الأمل الأخير لـ«زهرة الخشخاش».

إيهاب الزلاقى- Almasry Alyoum

حياتى كعازبة

هناك تحليل يفسر انخفاض حالات الزواج وارتفاع معدلات العزوبية فى البلدان العربية، فيرجعه إلى أن الرجل العصرى قد فقد حاجته لوجود الزوجة بسبب ظهور ما يعوض عنها فى الأسواق، فهناك المطاعم وهناك المغاسل والأفران ومحال الملابس الجاهزة والخادمات وهناك الفتيات اللواتى لا يمانعن مرافقته دون زواج، أما امرأة اليوم فقد أشبعت بدورها الحاجة التى كانت تتزوج لأجلها سابقاً وهى الحماية والستر المادى عبر شهادتها ومهنتها ومناصبها الحديثة.

ويبرز هذا التحليل نمط العلاقة التجارية، التى تتشكل عبر الزواج بشكله التقليدى القديم: تغسلين هدمتى، فأشترى لك الفساتين، تطبخين فأهبك مكانا تبيتين فيه. وما إن ظهرت البدائل حتى انتهى شغف الزواج وتحول لقرار عقلانى يحتاج لتروٍ وتأن من قِبَل الرجال، أما من زاوية النساء، فصرخات الفتيات المستميتة الحالمة بالزواج تدفع للتساؤل: لماذا استعاض الرجل بالمدنية عن الزوجة الطباخة والغسالة ولم تستعض المرأة بمهنتها المتقدمة وموقعها المتساوى مع الرجل عن ظله وأمواله، أو فلنقل لم تعد تشكيل نظرتها للزواج بصفته خياراً لا فرضاً؟!

بحسب الأمثال والطرائف المجتمعية المتوارثة، هناك عداوة ذكورية للزواج، مقابل عشق نسوى أبدى له. مشاعرهما لم تتغير بغض النظر عن المنجزات ورياح العصرنة وظروفها. فقد يتعذر الرجل المنتمى للطبقات متدنية الدخل بتكاليف الزواج، الرجل فقير ولا حيلة له. لكن ذات الرجل فى المجتمعات الغنية يتداول النكات حول أن الزواج حبس والزواج إنهاء للحريات.. فى المقابل تبقى المرأة، سواء الثرية أو الفقيرة تحلم فى نومها ويقظتها بليلة الزفاف.

لا شىء يضاهى رفاهية حياة العزوبية بالنسبة له، ولا شىء يعادل مسؤولية الحياة الزوجية بالنسبة لها.. لماذا تغيرت نظرة الرجل نحو الزواج ولم تتغير نظرتها؟!

إن كانت أشبعت حاجاتها المادية والاستقلالية فماذا بقى؟! إن تحدثنا عن الإشباع الجسدى سنجد أن العازب مشبع دون خسائر، أما العازبة فأن تشبع حاجتها الجسدية يعنى أن تنفق تكاليف باهظة من سمعتها وشرفها وقدرتها على الارتباط من جديد.. هل هذا هو سبب هوسها بالزواج؟

أصبحت عالمة، أصبحت طبيبة، أستاذة جامعية وصاحبة منصب رفيع، ولايزال قلق العزوبية يأكل عافيتها ويبعد النوم عنها. ليست مسألة جنس وإنجاب فقط، فكثيرات يعتقدن أن الزواج يكمل مظهرهن المجتمعى ويدلل على أنوثتهن ويعيد لهن الكرامة والعزة أمام الشامتين والحاقدين. هل كان وهماً أمر التسابق مع الرجل والنضال لدخول مضماره؟! هى جسدت شخصية المرأة العصرية ظاهرياً فقط، فيما بقيت روح الجدة القديمة ساكنة فى مخيلتها، الجدة التى تؤمن بأن الزواج هو غاية وجود النساء، مهما ترفعن. وما انهماك تلك الفتاة الندابة (التى تندب الزواج) بالتعليم والعمل والنضال النسوى سوى انغماس فى تظاهرة متمردة قد تدر عليها عريساً لقطة يعيدها للجلباب ولسيرة جدتها الأولى. وبدلاً من أن تخلق صوتاً جديداً يلائم مكانتها الثقافية، تترك الماضى يجذبه إليها ونساء زمان يتحكمن فى حياتها، متعذرة بضغط المجتمع عليها، رغم قدرتها على بلورته من جديد.

يستمتع الشاب بالعزوبية وتصنفها ذاكرته فى خانة أجمل اللحظات، أما المرأة فتعيش أتعس أوقاتها عازبة، بل تجلد نفسها فتطلق على حالها (عانس) والعانس هى التى فاتها قطار الزواج أو التى تعدت الثلاثين، وفق منظومة السابقين، التى حددت عمرا أقصى للزواج. بحسب ذلك لابد من أن تجد رفيق دربك، الذى ترتاح له ويرتاح إليك وتعلم أنه الوحيد الذى تتمنى مشاركته الدهر قبل بلوغك الثلاثين، أى فى الفترة العمرية الواقعة ما بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين وهى فترة تفتقد نضج الثلاثينيات والأربعينيات. أصعب قرار فى حياتنا نضطر لاتخاذه قبل أن ننضج بعد.

عليك أن تصادف من يهواه قلبك فى فترة عمرية معينة لأنك محدد بقوانين المجتمع ونظامه، الذى يتحكم بهواك وهيامك. ماذا لو أنى تزوجت فى الحادى والعشرين لأرضى وقتها العائلة والمجتمع وأبعد لقب عانس عن وجهى، ثم التقيت رفيق روحى فى الواحد والثلاثين! ماذا سأفعل؟

أندب حظى أو أخون.. أهذا ما يحدث للمتزوجين والمتزوجات على السواء: ندب الحظ أو الخيانة أو الطلاق؟

وقتها كان عمرى عشرين عاماً.. أمى تستغرب كيف يتطاول بعض الشبان ويتجرأون على التقدم لخطبتى فأنا فى نظرها أساوى الكثير، والعريس الذى يمكن أن تتنازل فتمنحه إياى يجب أن يكون خارقا للعادة ويحمل رتبا لا آخر لها، أقلها رتبة وزير.

عمرى خمسة وعشرون.. دخل أبى على الخط، ولسبب أجهله كان يرانى خليفة لبى نظير بوتو وتاتشر ومجاواتى، ابنة سوكارنو، لذا أعتقد أن العرسان، مهما بلغ مستواهم فهم دون المستوى المطلوب، نسى أن المرأة تصنع مجد الرجل أحياناً.

وأخيراً، تقدم المناسب، الذى زغرد له الجميع، أخبرتهم بالتوقف عن الزغردة لأنى لم أرد الزواج. تفاجأوا. اعتقدوا أنى أقف منتظرة موافقتهم لأجرى فورا لحضن اختيارهم المزعوم.

لماذا يا مجنونة؟!

هناك أمور تدور برأسى وعلىّ إنهاؤها. أولها الخلاص من حكم العسكر التابع لكم.

كيف يمكن أن أتزوج ولم أحقق بعد حاجاتى المهمة فى تحقيق الذات، وكيف أغامر فأنتقل لعش رجل لا أحبه ولا أعلم ماهيته وما إذا كان سيسمح لى بالتفكير أم سيمنعنى عنه. صحيح أنى أعشق المغامرات وأخوضها لكنى أبتعد عن المخاطرة كلياً. ثم هكذا تقررون لى الزواج فأوافق فوراً؟! ماذا عن إرادتى؟ أنا لم أشبع بعد من حياة العزوبية، والأهم من العزوبية أنى لم ألتق حبيبى بعد. طبعا، كنت أول فتاة تغامر فتجاهر بالحديث عن الحب والعزوبية وسط عائلتنا، التى تزوج كل فتياتها صغيرات. لكنى لم أكن أهتم بكلام الناس قدر اهتمامى براحتى ومتعتى الحياتية ورغبتى فى البقاء وحيدة فترة من الزمن أعرف بها من أكون، وأكسب التجارب والأحكام باستقلالية دون تأثير أو تدخل من أحد متغاضية عن مسألة العمر.

عمرك ثلاثون؟

حددى هدفك من الزواج: مصروف شهرى؟ أمان؟ عضلات؟ حب وحنان؟ عندها، ستعلمين مدى استعدادك للارتباط. تمييز الشريك فى نظرى هو مؤشر الاستعداد.

عمرك ثلاثون؟ عمرك أربعون؟

لا تنسى الاستمتاع بالعزوبية. استمتعى بممارسة ما لا تستطيع المتزوجات القيام به. استمتعى. مؤكد أنك تهوين أمورا أخرى إلى جانب الزواج والإنجاب، وأن بداخلك بركاناً من الهوايات والرغبات، فهل عزوبيتك مشكلة؟! تصالحى مع نفسك فالحقيقة أنها مشكلة بنظر المجتمع، ليخجل منها المجتمع وليلطم لأجلها الخدود وليبكى عُقده النفسية. أما أنتِ فاعملى وتنزهى واسعدى واعشقى كما تريدين واجعلى القدر يسوقه إليك، رفيقا لروحك لا زوجاً واجباً عليك.

أخيراً، ضعى فروقا بينك كعازبة وبين متأخرة ترتضى لنفسها لقب عانس، قبل أن تشيخى وتتحسرى على أجمل دقائق شبابك التى أمضيتها فى الولولة ومتابعة هيجان المستميتات وحكايات العانسات المملات.

نادين البدير - Almasry Alyoum

Albdairnadine@hotmail.com