Thursday, January 20, 2011

من وحى تظاهرة الصليب

أثناء التظاهرة كنت أقف على بعد خطوات من رافعى الصليب. أنا من بلد لا يعرف التظاهرات. أنتمى لمجتمع لم يعتد البوح عن المكنونات إلا سراً وبالجلسات الخاصة. شاهدت عن قرب كثيراً من مظاهرات أوروبا، لكنها المصادفة التى لم تجمعنى بأى مظاهرة عربية سوى تلك التى خرجت ذلك اليوم تلوح لأجل الصليب. كأنى لمحتها تلوح لى وتدفعنى للتساؤل: لم لا يحق لى التظاهر وإعلان رفضى أو تأييدى مثلهم؟

لأن المفترض والمتوقع منى سياسياً، كمواطنة صالحة، مبادرتى باتخاذ موقف التأييد على الدوام. تأييد كل شىء. فإذا ما قررت أن أكون غير صالحة أعلنت رفضى سرا لا جهراً. تلك ردود أفعالنا عادة. منذ بدأت الكتابة اعتدت تلقى رسائل من رجال مختلفى الجنسيات العربية، يعيدون فيها كتابة عبارة تتردد على مسمعى: «أنت قلت ما لم يقله الرجال»، «عجز الرجال عن مجاراة جرأتك».. إلى آخر تلك العبارات المتكلة التى تستفزنى. فى الحقيقة لا أعلم عن أى جرأة يتحدثون، فكل ما أفعله أنى ألحظ حدثاً يغيظنى فأكتب عنه. أما الجرأة فشأن آخر لا علاقة له بالتعبير عن الرأى والمجازفة بإعلان الرفض. لكن سؤالى المطروح هو: إن كانت الكتابة عن الأمر عملاً جريئاً فلم لم يكتبه الرجال ولم لم يقله الرجال؟ أليست الجرأة سمة الرجال لا النساء؟

يعتقد البعض أن الرجال تعلموا من وزراء الداخلية العرب (يمشوا ع العجين مايلخبطهوش)، ويعتقدون أن الرجال لم يعد بمقدرتهم خسارة ما خسروه فى الماضى لأجل قضايا مستقبلية خاسرة بدورها. الرجال خائفون، مذعورون، يقلقهم المجهول، وترعبهم الحكومات، وتقف لهم أجهزتها الأمنية بالمرصاد. مرض المحارب القديم الساكن فيهم وصار عجوزاً. أخذوا يلتفتون حولهم أينما ذهبوا بحثا عن منقذ جرىء يبعث فيهم الأمل بالشفاء، عن الشجاع، عن أى أضحية عداهم. لا يعلمون أن شفاء المحارب من آلامه المزمنة التى سببها قمع الاستخبارات يستلزم استذكار دروس الإيمان الماضية. الحقيقة أنه لم يكن محارباً جريئاً بل كان محارباً مؤمناً. الأمر برمته ليس بحاجة لجرأة أو شجاعة أو أضحيات مؤقتة ينتهى أثرها بمجرد دفنها، بل لإيمان بالمقام الأول. حين تؤمن بأنك تستحق حياة أفضل فستنفذ المستحيل وستتحدى الجيوش لأجل حلم الحياة الفضلى. وحين تؤمن بأنك مخلوق محترم يستحق أن يعامل باحترام فستتوقف ساعة الكون عن الدوران بانتظار أوامرك. حينها ستدق ساعة الصفر وطبول الإنذار. سيعلن الكون عن انتهاء الماضى وتدمير كل مجراته. سيعلن عن انفجار جديد وولادة مجرة شرطها الوحيد أنك رجل محترم. كل نجاح أساسه الإيمان. وكل تظاهرة أساسها الإيمان، كإيمان رافعى الصليب بالدفاع عنه. كإيمان التونسيين بالتغيير. ليس أصعب من التغيير. التغيير مخيف، لذلك تهابه الشعوب الراكدة فتدعو ليل نهار (الله لا يغير علينا) وهو أمر منطقى، إذ لم يعد سهلاً عليها القيام بالتغيير لأنها على موعد مع الأسوأ دائماً.

يحزننى ما وصل إليه بدوى الصحراء الذى امتاز بتغييره الدائم لكل نمط حياة. اليوم يدعو الله بدوام الاستقرار ودوام الحال. كيف حدث ذلك؟

البدوى كان من أشد الناس مراساً وأصعبهم تكيفاً فكيف تم تطويعه وتحويله لحياة الخمول والخضوع؟

كيف توصف معيشته بعد انتقالها من حرية الصحراء إلى كنف المدنية والسياسة الخانقة؟

هل صار البدوى جباناً؟

أذكر أنه أيام الجامعة كنا كلما تذمرنا من سوء معاملة إحدى الأستاذات نجمع على إبلاغ العميدة أو رئيس الجامعة بالأمر من خلال شكوى كتابية أو لفظية.

مرة، مثل كل مرة، كنت أسير بين مجموعة من الطالبات، أُحضر برأسى مجموعة من العبارات لأقولها أمام العميدة لإقناعها بشكوانا، وحين وصلنا لمكتبها نظرت خلفى فلم أجد أحداً، بقى منا خمس طالبات فقط من أصل خمس وعشرين أو يزيد. ما سبب ذلك بين فئات الشعب العمرية المتفق (عالمياً) أنها الأكثر جرأة وجنوناً وإقداماً دون تفكير؟.. ما سبب ذلك بين بنات الصحراء اللواتى عرفن بالجرأة والقوة وفصاحة اللسان؟

ثم إن هذه الفئة الصغيرة تفكر وتحسب الحساب وتخاف وتسكت فى النهاية، فيما الوضع الطبيعى لأى مراهقة المجازفة والتحدى ودخول المخاطر. أهو الخوف من المجهول؟ أم العقاب؟ أم أنها الثقافة التى لا تعرف الشكوى واعتادت الصمت؟!.. فى الامتناع عن الشكوى عزة نفس. هذا جزء من ثقافتنا.

ثقافة الديمقراطية مغيبة لأن المشرع يرفض الرأى الآخر. فى المنزل والمدرسة والمصنع والشركة وصولاً للسلطة السياسية تكون طاعة الكرسى واجبة دينياً.

أنا لم أعرف معنى الاتحاد الطلابى. لم أعش فترات انتخابية فى حياتى. لم أتعرف على البطاقة الانتخابية.

وحين جاءت أحداث الحادى عشر من سبتمبر ورفعت الولايات المتحدة شعارات عديدة لإنقاذ الشرق الأوسط ونساء الشرق الأوسط، كنت آمل أن يحدث التغيير سواء كان مصدره الداخل أو الخارج. ضغطت أمريكا كثيرا فى البداية لكنها لم تعد تضغط ولم نعد نسمع كثيراً عن ضغوطاتها بشأن إصلاح أوضاع العربيات. حتى وزيرات الخارجية النساء من كوندوليزا رايس إلى هيلارى كلينتون مؤخراً لم تترددن عن طمأنة المجتمعات أنهن تؤيدن الفكر المنتشر وأنهن معجبات بحياة العربيات.. إلخ. كانت النساء ضمن لعبة السياسة.

المهم من يكون أو من تكون أضحية اليوم؟ وهل قررت أن أكون كائنة مستقلة أم لا؟ هل قررت بدورك أن تكون كائناً محترماً ومستقلاً فى بلدك؟

اليوم أعرف أنه لن يتغير ما بى إن لم أعلن لنفسى، قبل نزولى للساحة العامة بالبلد وإعلانى للدولة أنى أستحق الحياة الأفضل وأنى مواطنة تتمتع بحقوق ديمقراطية. أنى أنتظر مساعدة الآخرين يعنى ألاَّ أراوح المكان، فى النهاية لن يشعر بألم الداخل غير أهل الداخل. آخر البطولات هى أكبر الدلائل. لم تتدخل أمريكا. لم تقصف تونس بالقنابل ولم تحم فوقها الطائرات. البيوت فى أماكنها. المدارس فى أماكنها. المصانع فى أماكنها. المتاحف. الآثار. القبائل. الكتب. الأفكار.. كل شىء فى مكانه، وحده انخلع الرئيس. لم يحتج الأمر إلى قرار من الأمم المتحدة تجمع عليه الدول الأعضاء. لم تدر الخلافات بين دول الناتو حول غزو تونس أم تركها وشأنها لمصيرها. وحده الشعب اتخذ القرار.

بوعزيزى حرق نفسه وتوالت الأجساد المحترقة لتنير الساحات العربية بشعلات التغيير البشرية، فليشتعل معها الفكر المتعفن وليتقد فكر نير جديد ليتم التغيير. وسيتم. سترون. هو الإيمان.

نادين البدير - Almasry Alyoum

nadinealbdear@gmail.com

No comments: