Tuesday, September 04, 2007

د. أسامة الغزالي حرب يكتب: لماذا لا يثور المصريون؟ «١»

إذا كان هناك توافق عام بين جميع القوي السياسية والاجتماعية في مصر «فيما عدا القلة (المنتفعة) طبعا» علي أن هناك تدهوراً عاماً في أداء النظام السياسي، انعكس في تدني الظروف التي يعيش فيها ٩٠% من المصريين: بدءا من الخدمات الأساسية مثل توفير المياه النقية، ورغيف الخبز، والصرف الصحي، والبيئة النظيفة، وحتي التعليم، والرعاية الصحية، والعمل المناسب والسكن الملائم.... الخ.
وإذا كان هناك وعي عام بما تنطوي عليه تلك الظروف من ضغوط هائلة، مادية ومعنوية، علي ملايين المصريين، فقد كان من المنطقي أن يثور تساؤل بدهي وبسيط، هو:
لماذا لا نثور نحن المصريين، ولا نتحرك احتجاجاً علي تلك الأوضاع الظالمة؟
حقاً، إن هناك الآن، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة تقريباً، تحركات واحتجاجات لا يمكن التقليل من شأنها: بدءا من حركة كفاية وغيرها من التجمعات والتحركات الساعية إلي «التغيير»، مروراً باحتجاجات ومظاهرات العديد من التجمعات المهنية، والعمالية، بل والفلاحية..
وصولا إلي الموقف الصامد لقضاة مصر، دفاعاً عن نزاهتهم وتأكيد استقلاليتهم! وهناك العديد من مظاهر السخط وعدم الرضا برزت - لأول مرة - من خلال الصحف المستقلة، والفضائيات التليفزيونية البعيدة - نسبياً - عن قبضة الدولة،
فضلاً عن مواقع الإنترنت ومدوناتها! غير أن هذا كله لم يترجم أبداً في حركة احتجاجية عامة، في شكل هبّة جماهيرية شاملة «مثلما حدث مثلاً في ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧» أو في شكل مظاهرات حاشدة «مثل مظاهرات فبراير ١٩٦٨».. أو في شكل عصيان مدني شامل، يدعو الآن إليه - أو ربما يتنبأ به - العديد من القوي والشخصيات المعارضة!
والواقع أن هذا التساؤل: «لماذا لا يثور المصريون؟» لا يشغل فقط المصريين، بل يشغل أيضاً غيرهم من القوي الخارجية المهتمة بمصر، القريبة منها والبعيدة، لأن ما يحدث في مصر - وسواء أردنا أم لم نرد - يؤثر بقوة علي محيطها الإقليمي، بل علي الساحة الدولية كلها. وبعبارة أخري، فإن ضعف مصر - تماماً مثل قوتها - هو قضية إقليمية ودولية، مثلما هو قضية داخلية
.
إجابات متعددة
وغير أنه لا توجد إجابة واحدة عن ذلك التساؤل، فهناك من يري أن المصريين - بطبيعتهم وثقافتهم وتاريخهم - شعب مسالم، قلما يثور، وصبره علي الظلم والقهر هو بلا حدود! ولكن هذا التفسير - التاريخي الثقافي - يقابله تفسير ثان، اقتصادي اجتماعي، وهو أن المصريين لا يثورون لأن أوضاعهم الاجتماعية - الاقتصادية، ومشكلات حياتهم اليومية تشغلهم، وتستنفد طاقاتهم إلي أقصي حد، بحيث لا تتبقي لديهم طاقة للتحرك والثورة! غير أن هناك تفسيرا ثالثاً سياسياً يفسر عزوف المصريين عن الاحتجاج والثورة، بما تعرضوا - ويتعرضون له - من بطش السلطة وإرهابها، إلي حد يجعل أغلبهم يفكر ألف مرة قبل أن يتحرك ويثور!
والواقع أن فهم واستيعاب كل من تلك الإجابات الثلاث، ليس مجرد تعبير عن ترف ذهني أو فكري، ولكن في الحقيقة خطوة مهمة للتعرف علي عيوبنا القومية ونواحي ضعفنا وقصورنا كشعب، باعتبار أن المعرفة الصحيحة بالمرض هي أولي خطوات العلاج السليم! وسوف أقتصر - في هذا المقال - علي التفسير الأول، تاركاً التفسيرين الآخرين لمقالين تاليين!
التفسير الأول لسلبية المصريين، وعدم ميلهم إلي الثورة والاحتجاج، ينتمي إلي ما يعرف في دراسات الأنثروبولوجي وعلم الاجتماع السياسي بدراسات الطابع القومي للشخصية (وقد عالج بعض جوانبه د. إبراهيم البحراوي في مقالات حديثة سابقة له في «المصري اليوم») وتعني أن لكل شعب خصائص قومية، تميزه عن غيره من الشعوب، وتفسر الكثير من سلوكياته وتصرفاته. وإذا نحينا جانباً الانتقادات العلمية والأكاديمية لهذا النوع من الدراسات، وكذلك لتأثر الكثير منها بالعواطف والتحيزات الشخصية والوطنية،
فسوف نلاحظ - وتلك مسألة لابد أن نعترف بها - أن هناك ما يشبه الإجماع علي سمات سلبية عديدة للمصريين، وللشخصية المصرية، خاصة فيما يتعلق بالموقف من الحاكم أو من السلطة السياسية، منذ القدم، ولن نوغل هنا في التاريخ المصري القديم، ودلالة الحقبة الفرعونية، التي انطوت علي تأليه للحاكم «الفرعون» بشكل تتضاءل وتنسحق أمامه هوية وشخصية المواطن المصري الفرد، بحيث يختزل تاريخ مصر الفرعوني كله في تاريخ الفراعنة والأسر الفرعونية الحاكمة!
أما في إطار التاريخ المصري الحي، فيما بعد الحقبة الفرعونية - خاصة مع مصر الإسلامية - فقد تحدث أعلام ومفكرون وشعراء عن مصر، وعن شعب مصر بصفات عديدة لا شك أن أكثرها سلبية هي ما يتعلق بموقف المصريين من الحاكم أو السلطة السياسية. فقد تحدث ابن خلدون - وكما ذكر ذلك جمال حمدان - عن الطاعة التي لا تدعو إلي التمرد أو الثورة، والدعة والصبر، والسلبية الشديدة، والخضوع والشعور بالتبعية والقهر والمحسوبية والنفاق، كما أشار حمدان أيضاً إلي ما ذكره المقريزي عن الدعة والجبن وسرعة الخوف والنميمة، والسعي لدي السلطان!
وهل نتجاهل - في هذا السياق - ما ذكره المتنبي عن مصر في سياق عدائه وهجائه لحاكمها كافور:
اكلما اغتال عبد السوء سيده
أو خانه فله في مصر تمجيد
صار الخصي أمام الآبقين بها
فالحر مستعبد والعبد معبود
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فقد بشمن وما تفني العناقيد
أو بيته الشهير الآخر:
وماذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا

العصر الحديث:
ومع قدوم العصر الحديث، لم يختلف المفكرون والباحثون، حول هذا التقييم للشخصية المصرية. فذكر «أرنولد توينبي» في كتابه الشهير «دراسة للتاريخ» أن الفلاح المصري، علي مر التاريخ، كان ينظر إلي ممثلي السلطة - وعلي رأسهم حاكم الدولة - نظرة إجلال بلغت في معظم الأحيان حد التأليه والتقديس،
ولذلك كان يذعن لأوامرهم بصورة شبه مطلقة، وأصبحت طاعة الحاكم وكل من يمثله واحدة من أبرز الصفات السلوكية للفلاح المصري. وفي تقرير عن مصر في عهد محمد علي تحدث الباحث البريطاني «جون بورنج» عما سماه «عادة الخضوع عند الفلاح المصري» وزعم أن هذه العادة عميقة الجذور حتي إن الفلاح المصري يفضل الموت علي أن يثور! وتحدث الأب «هنري عيروط» عن سكينة الفلاح المصري، وقال إنها تصل إلي حد المهانة والتدني اللذين يفرضهما الفقر عليه بقدر ما فرضهما القهر المتواصل من سيده ومجتمعه.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين اهتم مفكرون وباحثون مصريون كبار بموضوع «الشخصية المصرية» بدءا من عباس العقاد وحسين فوزي وسيد عويس ونعمات أحمد فؤاد، حتي غالي شكري وطاهر عبدالحكيم وجلال أمين وكمال المنوفي، كما وفدت لنفس الميدان وجوه جديدة مثل عزة عزت، فضلا عن خصائص الشخصية المصرية كما جسدتها أعمال نجيب محفوظ، غير أن أفضل من عالج هذا الموضوع علي الإطلاق في تلك الحقبة الزمنية كان الباحث والمفكر العظيم د. جمال حمدان،
في كتابه الأشهر «شخصية مصر»، الذي حدد فيه خمسة أركان للشخصية المصرية، وهي: «التدين والمحافظة والاعتدال والواقعية والسلبية». ومع أن حمدان ـ مدفوعا بشعوره الوطني الجارف ـ مال إلي تقدير أن «الاعتدال» هو الخاصية المركزية بين تلك الخصائص، إلا أنه لم ينكر ما تنطوي عليه خصائص: «المحافظة، والواقعية، والسلبية» من آثار ونتائج سيئة علي علاقة المصريين بالسلطة السياسية، فالمحافظة تعني أن المصري تقليدي ومقلد، وغير ثوري وغير مجدد.
والواقعية تعني أن المصري مطيع بالضرورة أكثر مما هو متمرد بالطبع، وإذا ما عجز عن تغيير الواقع فإنه يخضع له، ويرضخ للأمر الواقع، إلا أنه حينئذ قد يسخر منه للتعويض أو التنفيس، وهنا يستشهد حمدان بقول الجبرتي: «والمصري يكره الحكام في كل صورة حتي أدناها»، وبإشارة العقاد إلي أن علاقة المصري بالحكومة علاقة «عداوة مريبة»، لكنه مع ذلك يقبل بها بل قد يتملقها، إلا أنه حتما يسخر منها، ويتندر بها سرا أو علنا، ويستنتج حمدان أن المصري العادي أو المتوسط يتجنب الصدام ويتحاشاه، لاسيما في المواقف العدائية، وبالتالي يؤثر السلامة عن المواجهة، والسلام عن الصراع.
ويخلص حمدان ـ علي مضض ـ إلي أن سمة الاعتدال تجعل الشعب المصري تلقائيا شعبا غير ثوري بالطبع، ويري أن «تلك بالدقة هي نقطة الضعف الكبري في كل كيان مصر، والنقطة السوداء للأسف في كل تاريخها، ومصدر الخطر علي مستقبلها»، ثم يلفت النظر ـ بعد ذلك كله ـ ما يقوله جمال حمدان بالنص: «إن ما تحتاجه مصر أساسا إنما هو ثورة نفسية، بمعني ثورة علي نفسها أولا، وعلي نفسيتها ثانيا، أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها.. ثورة في الشخصية المصرية، وعلي الشخصية المصرية.. ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر، وكيان مصر، ومستقبل مصر»
وتلك هي الخلاصة التي ينبغي الوصول إليها هنا، وهي أنه أيا كان الطابع القومي للشخصية المصرية، وميلها للخضوع والاستكانة وعزوفها عن التمرد والثورة، فإن تلك الصفات ليست قدرا مكتوبا، أو صفات أبدية يستحيل تغييرها، وإذا كان بعض الكتاب والمفكرين قد رصدوا تغييرات مهمة علي الشخصية المصرية، بفعل عوامل معينة، داخلية وخارجية،
أفلا يعني هذا إمكانية إحداث تغيير مخطط ومدروس لتلك الشخصية، والخلاص بها من حالة السلبية والخضوع، إلي الإيجابية والتمرد؟
المصرى اليوم 3/9/2007

No comments: