Monday, April 18, 2011

بعد حل الحزب الوطنى.. خريطة طريق للانتخابات المقبلة


بعد الكوارث الكبرى التى سببها الحزب الوطنى الديمقراطى الذى حكم مصر لنحو ثلاثة وثلاثين عاما، صدر أخيرا حكم دائرة شئون الأحزاب بالمحكمة الإدارية العليا بحله وتسليم أمواله ومقاره إلى الدولة، بما يعنى أن الحزب قد عاد إلى ما بدأ به بعد كل هذه السنوات الطويلة من الاستبداد والفساد اللذين هيمنا فيه على كل شىء فى مصر.

فالحزب فى حقيقته لم يكن له وجود فكرى أو سياسى قبل أن تأتى الفكرة للرئيس الراحل أنور السادات عام 1978 بإنشاء حزب جديد يحمل اسم حزب الزعيم مصطفى كامل «الحزب الوطنى» مع إضافة كلمة ديمقراطى إليه، وذلك بعد أن جرب رئاسة حزب مصر العربى الاشتراكى لمدة عامين تقريبا. وفى ليلة واحدة كان حزب الرئيس القديم قد انهار تماما بعد أن «هرول» كل أعضائه تقريبا، بتعبير الكاتب الراحل الكبير مصطفى أمين، إلى حزب الرئيس الجديد حيث سلطة الدولة وحضنها الدافئ الذى يبحثون عنه أينما وجد. وفى خلال هذه العقود الثلاثة من وجود الحزب الوطنى وهيمنته على مصر لم يعرف عنه أى تميز فكرى أو سياسى ولم يفعل شيئا فى البلاد سوى إدارتها عبر أداتى الاستبداد والفساد، مستوليا فى طريقه على مقار تملكها الدولة وعلى أموال تأتى من خزاناتها العامة.

من هنا فإن حكم حل الحزب وتسليم أمواله ومقاره للدولة ليس إلا إعادة للأمور إلى أوضاعها الطبيعية وحالتها الأولى حيث لم يكن هناك من كيان حزبى حقيقى يسمى الحزب الوطنى، بل كان هناك تجمع لحلف من أصحاب المصالح حول جهاز الدولة كانت حصيلته الأخيرة هى خراب مصر وكانت نتيجته المنطقية هى ثورة شعبها العظيمة فى الخامس والعشرين من يناير.

إلا أن حل الحزب الحاكم السابق وانتهاء هيمنته السياسية على إدارة البلاد لا يجب أن يفهم منها أن خطره على الثورة ومساراتها المستقبلية قد انتهى تماما، فالحلف الذى قام عليه لا يزال فى معظمه متماسكا سواء كان من جناحه السياسى الذى تمثله القيادات البرلمانية والحزبية والمحلية التى لا يزال للعديد منها نفوذها فى مناطقها، أو سواء من جناحه المالى والاقتصادى الذى تمثله طبقة الرأسمالية الطفيلية والفاسدة التى لا تزال محتفظة بإمكانياتها وقدراتها التى راكمتها طوال سنوات الفساد الثلاثين، أو سواء من جناحه الإدارى الذى تمثله قيادات جهاز الدولة الإدارية التى تم اختيارها طوال هذه السنوات من جانب الحزب، أو سواء من جناحه الأمنى الذى تمثله بعض قيادات الأمن الحالية والسابقة والتى تدين بالولاء الكامل والمصلحة التامة لعهد الاستبداد والفساد السابق، أو سواء من جناحه العنيف الذى تمثله العصابات والأفراد الخارجين على القانون والذين اعتاد الحزب استخدامهم لمواجهة معارضيه وبخاصة فى المواسم الانتخابية.

هذا الحلف بعد قرار حل الحزب الوطنى لن يكون أمامه اليوم سوى معركة واحدة أخيرة سيحاول عبرها أن يسترد مواقعه فى إدارة البلاد مستفيدا من المناخ الديمقراطى الذى حققته الثورة، وهى انتخابات مجلسى البرلمان المقررة بعد شهور قليلة. فهى الانتخابات التى ستمكنه إذا ما حقق فيها مرشحوه، المتفرقون فى أثنائها والمتجمعون مرة أخرى بعدها تحت راية الفساد والاستبداد مرة أخرى، نسبة كبيرة من أن يتدخل بقوة فى تشكيل الحكومة القادمة وفى اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الجديد بما يعنى مساهمته المباشرة فى صياغة مستقبل مصر بعد الثورة بطريقته الفاسدة المستبدة التى قامت الثورة من أجل الخلاص منها.

ويحيلنا هذا السيناريو الخطير الأسود مباشرة إلى ما يجب على قوى الثورة القيام به ليس فقط لمواجهته بل والأهم من أجل توحيد صفوفها فى المرحلة الانتقالية التى ستمهد لبناء نظام الثورة الجديد وإعادة بناء كل هياكل المجتمع والدولة فى مصر بما يحقق الطموحات والآمال التى طال شوق المصريين لها. والحقيقة أن خطوات ثلاث رئيسية يجب القيام بها بصورة سريعة لضمان تحقيق الأهداف المشار إليها.

أولى هذه الخطوات هى المسارعة بعقد المجلس الوطنى الانتقالى الذى يقوم على الدعوة إليه عدد من الشخصيات العامة حتى ينتهى بانتخاب هيئة قيادية للثورة تمثل جميع مكوناتها السياسية والاجتماعية والجغرافية وتكون هى المسئولة عن إدارة وتنفيذ الخطوتين التاليتين. والحقيقة أن التوصل لهذا التشكيل يستلزم شعورا عاليا بالمسئولية من جانب جميع القوى السياسية والاجتماعية فى البلاد بما يتناسب مع أهمية المرحلة التى تمر بها بما يوجب عليهم أجمعين تقديم المصلحة الوطنية العامة على أية مصالح أقل أهمية سواء كانت تنظيمية أو حزبية أو سياسية، وبالتالى الاستعداد لتقديم أى تنازلات مرحلية صغيرة فى سبيل المصالح الوطنية الأكثر اتساعا وأهمية.

وهذه الخطوة الأولى المحورية يمكن أن تترتب عليها خطوتان متوازيتان تشرف على تنفيذهما الهيئة القيادية المنتخبة للثورة. الخطوة الأولى هى صياغة برنامج مرحلى لحكم البلاد وإدارتها خلال فترة محددة تالية لانتهاء انتخابات مجلس الشعب، ويمكن أن تكون عامين، لكى تقوم الحكومة التى سيتم تشكيلها عقبها بتنفيذه وتطبيقه خلال هذه الفترة. وأهمية التوافق على برنامج للحكم هى مسألة محورية لأن الحكومة القادمة بعد الانتخابات لن تكون حكومة فنية بل ستكون سياسية تعكس تشكيل مجلس الشعب القادم، الأمر الذى يوجب التوافق على برنامجها منذ اليوم حتى يتاح لوزرائها القادمين من تيارات سياسية وفكرية مختلفة أن يديروا البلاد على أساسه دون اختلافات بينهم فى الرؤية العامة أو التفاصيل المطلوبة للمرحلة الانتقالية. ومن أجل تحقيق هذه الخطوة فمن الوارد أن تخصص لجان محددة فى المؤتمر الوطنى المشار إليه تكون وظيفتها هى وضع ملامح وتفاصيل برنامج الحكم المشترك الذى سيكون هو نفسه بعد ذلك البرنامج الانتخابى لقوى الثورة فى الانتخابات البرلمانية القادمة.

وينقلنا هذا إلى الخطوة الثالثة الرئيسية وهى إعداد قائمة موحدة لمرشحى مجلسى الشعب والشورى من جميع القوى المشكلة للثورة المصرية وتحت شعار واحد وبرنامج موحد هو المشار إليه سابقا. ولكى يمكن تشكيل هذه القائمة بصورة توافقية يجب أولا على جميع القوى الإقرار بأنها السبيل الوحيد لاستكمال مهام الثورة الأساسية وفى مقدمتها بناء نظامها السياسى الجديد. أما عن تفاصيل تشكيل القائمة فمن الممكن أولا أن توضع قاعدة لتقسيم المرشحين بين مختلف القوى السياسية والفكرية فى البلاد، بأن يتم تخصيص 25% من عدد المرشحين لكل من التيارات الرئيسية الأكبر فى البلاد، وهى التيار الإسلامى والليبرالى والقومى واليسارى، على أن يقوم أبناء كل تيار منها وتنظيماتهم وجماعاتهم الفرعية بتوزيع هذه النسبة فيمن بينهم بالصورة التى يرتضونها ويرون تعبيرها عن توازناتهم الداخلية. ويتم تطبيق هذا التقسيم فى الدوائر الانتخابية عبر لجان الثورة الموحدة فيها والتى يجب أن تشكل على غرار الهيئة القومية القيادية لها من جميع الأطياف والتيارات، حيث تقوم بتحديد مرشحى قائمة الثورة فى كل منها بحسب قوتهم الانتخابية بما يمكن بعد ذلك من تسكينهم عبر الهيئة القومية القيادية فى النسب المحددة لكل تيار رئيسى. وحتى يمكن تحقيق خطوة أكبر للأمام فى تمثيل فئات الشعب المصرى، فمن الوارد أن يتم إلزام كل تيار رئيسى من الأربعة المشار إليها بأن تتضمن قائمة مرشحيه المقترحة 30% منها مقسمة على فئات الشباب والمرأة والأقباط لكل منها 10% منها، بما يزيد من أواصر الالتحام بين قوى الشعب المصرى السياسية والاجتماعية.

بقلم:ضياء رشوان - الشروق

No comments: