Wednesday, November 17, 2010

التوازنات: فخر الصناعة المصرية

كشفت الانتخابات المصرية عن إتقان الحكم للعبة توازنات دقيقة تضم أطرافاً كثيرة ومتناقضة، وتغيب عنها الدولة والقواعد القانونية، وأحيانا استخدام المنطق والعقل.

والحقيقة أنه حين نبحث عن أسباب بقاء الرئيس مبارك فى حكم مصر ٣٠ عاما دون أى تهديدات كبرى، سنكتشف أن مهارة الرئيس فى تسكين الأمور وترحيل المشكلات والحفاظ على توازنات دقيقة للغاية شملت كل الملفات، من العلاقة مع إسرائيل وأمريكا، انتهاء بالتفاعلات السياسية والاجتماعية الداخلية، وساعد جميعها على هذا البقاء الطويل، بصرف النظر عن الثمن الباهظ الذى دفعته مؤسسات الدولة، ويعرفه كل من يفكرون داخل النظام وخارجه.

وقد أوضحت معارك الانتخابات الحالية بصورة جلية جانباً كبيراً من هذه الطريقة التى أديرت بها البلاد، فحين ننظر إلى الأحزاب السياسية سنجد أن الحكم نجح فى حصارها داخل مقارها، ومنعها عن القيام بأى تواصل حقيقى مع القوى الاجتماعية والسياسية، فبقيت «على قديمه»، تردد نفس الأفكار والشعارات وتضم نفس الأجيال دون أى تغيير يذكر، وفى نفس الوقت فإن الحكم لم يجعل حصاره لها بغرض إنهائها أو استئصالها إنما فقط إضعافها،

بل حتى التجارب الديمقراطية الناجحة التى شهدتها بعض هذه الأحزاب، مثل حزب الوفد، فالحكم مسؤول عن إدخاله فى دائرة المعارك الصغيرة حتى يحافظ على التوازن المطلوب ويضمن أن الصورة النهائية ستحكمها جوانب قوة، بإجراء أول انتخابات ديمقراطية فى تاريخ الأحزاب المصرية على موقع رئيس حزب الوفد، وجوانب ضعف بتأثير تصفية الدستور الحقيقى على صورة الحزب لدى الرأى العام، وتصبح النتيجة النهائية توازناً بين الإيجابى والسلبى، وصورة باهتة ومحدودة التأثير.

أما المسخرة التى قدمها الحزب الوطنى بترشيحه ٨٠٠ مرشح من أعضاء الحزب ضد بعضهم البعض، فهى لم تخرجه فقط من التاريخ بتعبير صديقنا وحيد عبدالمجيد، إنما أيضا عكست طريقة محكمة فى التوازنات تحاول ألا «تزعل» أحداً، ولكنها تنسى أو تتناسى أنها تهدم فى طريقها منظومة قيم قانونية وسياسية تعد من البديهيات فى بناء أى دولة وأى نظام حزبى.

نعم هناك واجب «Home work» بديهى كان يجب على الحزب الوطنى أن يقوم به من تربية عضويته سياسيا ولو بالحد الأدنى، وتقديم خطاب سياسى متماسك حتى لو كان عاماً وينتمى للوسط، لا أن يصبح شلة لإدارة المصالح بين أطراف بعضهم يمينى وبعضهم الآخر قومى والأغلبية ليست لها علاقة بالسياسة إنما دخلت الحزب لتحقيق منفعة أو تخليص مصلحة، وهناك «كِريمة» على القمة تقول إنها تؤمن بالدولة المدنية والمواطنة، ولكنها توازن أمورها مع قيادات وسيطة طائفية بامتياز، ولعل ذهاب أمين تنظيم الحزب إلى «الغول» فى سوهاج لدعمه، خير دليل على طريقة أداء الحزب الوطنى، حتى فى الأمور المبدئية.

أما ردات الفعل على اختيارات المجمع الانتخابى للحزب الوطنى فقد دلت على أن النجاح والخسارة فى الانتخابات مرتبطان باختيارات المجمع، فالفرح العارم للعضو الذى اختاره المجمع وكأنه نجح فى الانتخابات دليل على أن الانتخابات ستكون أساسا بين مرشحى الحزب الوطنى، والحزن العارم والمظاهرات والتهديد بالتحالف مع الإخوان ومرشحى المعارضة لمن لم يخترهم المجمع دليل على أن الحزب الوطنى لم يرب كادرا سياسيا (حتى لو له مصالح) إنما مجموعات من المستفيدين أو الراغبين فى الاستفادة من حزب الدولة فى الانتخابات، وأنهم على استعداد لبيعه فى ثانية والتحالف مع خصوم فى حال عدم تحقيق هذه المصلحة.

لقد ترك الحكم أعضاء الحزب الوطنى لقدرهم يتصارعون ويتعاركون دون أن يقدم لهم أى رسالة فى الفكر أو فى السياسة أو حتى فى الأخلاق، وأن التوازن الساحر هو فى إيهام الجميع بأن الحكم ليس مع أحد ضد أحد إنما هو مع الجميع، والكارثة أنه ليس مع الجميع إنما مع شلة لم يحرص أن يحولها إلى مجموعة أو تيار له رؤية سياسية متماسكة.

ولعل أهم عبقرية فى توازنات الحكم الساحرة هى فى تعامله مع ملف التوريث الذى صار «حديث المدينة» منذ ٢٠٠٢، فالمؤكد أن جمال مبارك ومجموعته لديهم مشروع سياسى متماسك له عقل وأقدام وأذرع، صحيح أنه مشروع فى أقصى اليمين وأحيانا لا يختلف كثيرا فى استعلائه عن مشروع المحافظين الجدد فى أمريكا تجاه العرب والمسلمين، ويعتبر الشعب المصرى كسولاً ولا يعمل، متناسيا مسؤولية الحكم عن الإفقار والتدهور الذى أصاب عموم المصريين، ومنه انخفاض معدلات الإنتاجية.

وقد دخل مشروع التوريث فى معادلة التوازنات، وبهت عليه النظام القديم حتى أصبح تلفيقيا بامتياز، وصار يوائم ويوازن من أجل البقاء واقتناص الفرصة للقفز إلى السلطة دون أن يبذل أى جهد فى تقديم أى إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، لأن الإصلاحات سيكون لها ثمن وهذا ما لم يرغب فى دفعه ولذا قرر أن يترك مرشحيه يتصارعون ضد بعضهم البعض دون أى مشكلة، فالمهم السيطرة على أغلبية مقاعد مجلس الشعب حتى لو كان بنواب الرصاص وأبوالهول وصناع الطائفية والفاسدين والجهلاء.

وامتدت نفس لعبة التوازنات هذه إلى موضوع الشعارات الدينية، فقد ترك النظام السياسى القضاء الإدارى يصدر أحكاماً لا تدخل فى إطار اختصاص القضاء أصلا، وصدرت أحكام تؤيد استخدام الشعارات الدينية فى الانتخابات، ولأن الدولة ضعيفة ولا تدافع عن مشروع سياسى مدنى واضح المعالم، فتختار قضاءها وفق معايير مدنية صارمة،

وتفرض عليهم كما على الجميع الالتزام بقوانين هذه الدولة المدنية واحترامها مهما كان الرأى فيها والاختلاف معها، وتركت القضاء يصدر أحكاماً لا تنفذ الحكومة كثيراً منها، واعتمدت على الأمن فى مواجهة الإخوان بدلا من السياسة، وتركت قطاعاً واسعاً من المجتمع المصرى ومن نخبته يفكر بطريقة أسوأ من الإخوان ويصر على أن تصبح مصر سوداناً آخر.

ونفس الأمر تكرر مع حكم القضاء الإدارى بجعل الحد الأدنى للأجور ١٢٠٠ جنيه أيضا - من صلاحيات القضاء تحديد الحد الأدنى للأجور، إنما خبراء الاقتصاد جنبا إلى جنب مع ممثلين حقيقيين للعمال والموظفين بجانب الأحزاب والمجتمع المدنى. صحيح أن هناك من طالب بهذا الحد الأدنى، ولكن الحكومة تركتهم يتكلمون ويصرخون دون أن تتفاوض معهم بشكل حقيقى، وصنعت معادلة توازن محكمة بين من ينفسون عن أنفسهم بالهتاف والتظاهر، ومعهم من يبدون أنهم حلفاؤهم فى القضاء الإدارى، وبين الحكم الذى ترك مساحة عظيمة للتنفيس، وقام هو بعمل ما يريد.

ثمن الإصلاح يعنى بناء مجتمع فيه قضاء ونخب سياسية وعمال ورجال أعمال مؤمنون بمنظومة قيم سياسية وقانونية واحدة (الدولة الوطنية المدنية قواعد الديمقراطية والمواطنة والنظام الجمهورى)، وفى داخلها يمكن الاختلاف على الرؤى والبرامج السياسية،

وهنا يمكن أن نتعلم من تجارب النجاح فى العالم الإسلامى مثل تركيا وماليزيا، وفى العالم الثالث مثل البرازيل وفنزويلا، وجميعها لم ترفع شعار «الإسلام هو الحل» أو «المسيحية هى الخلاص»، أو «الاشتراكية فوق الدولة»، أما عندنا فقد ترك الحكم نخبته ورجال مؤسساته فارغين من أى مضمون أو رؤية، فملأها خطاب الفشل بكل صوره الدينية والكروية والشكلية، ونسوا أن البلاد التى تقدمت فى منطقتنا لم تبنها عشوائية الحزب الوطنى ولا أيديولوجية الإخوان.

د. عمرو الشوبكى- Almasry Alyoum

amr.elshobaki@gmail.com


No comments: