Wednesday, June 23, 2010

حين خرجت مصر ولم تعد

أبرزت الصحف المصرية يوم الاثنين الماضى 21/6 خبر استياء مصر ودهشتها إزاء التصريحات التى أدلى بها وزير الخارجية السودانى عن ضعف دور مصر فى السودان وتواضع معلوماتها عن تعقيدات الحياة السياسية هناك.

وذكرت الصحف أن وزير الخارجية السيد أحمد أبوالغيط طلب من سفير مصر لدى الخرطوم أن يستفسر من الخارجية السودانية عن حقيقة تلك التصريحات، التى أدلى بها السيد على كرتى فى إحدى الندوات هناك. وفى الرد على كلام الوزير السودانى قام المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير حسام زكى بواجبه إزاء الحكومتين المصرية والسودانية معا، فقال إن مصر تقف إلى جانب السودان فى كل قضاياه.

(وليست غائبة كما قيل) ــ وإن المسئولين السودانيين يقدرون أهمية الدور المصرى، فى إيحاء بأن السيد كرتى الذى تولى منصبه حديثا ليس على إحاطة كافية بملف العلاقات بين البلدين.

من جانبى اعتبرت أن الخبر ليس كلام الوزير السودانى عن ضعف دور مصر فى السودان، ولكن الخبر الحقيقى أن الوزير المصرى ليس مدركا لهذه الحقيقة. ذلك أن ما قاله السيد كرتى ليس اكتشافا ولا هو رأى شخصى. ولكنه تعبير صادق عما يتردد فى كل المنتديات التى يصادفها المرء فى الخرطوم.

بله رأى أى مهتم بالشأن السودانى فى مصر. وكنت واحدا من الذين سجلوا هذه الملاحظة، حتى تساءلت عما إذا كان وضع مصر فى السودان نموذجا للغيبة أم الغيبوبة، واعتبرته من تجليات الإخفاق فى السياسة الخارجية المصرية (الشروق١/٦).

فى هذا الصدد أزعم أنه إذا كان هناك من تحفظ على ما قاله السيد على كرتى، فهو أنه لأسباب دبلوماسية فى الأغلب، قصر الحديث عن ضعف مصر الخارجى فيما خص السودان وحدها ولم يعممه، لأن الشهادة الأصوب والأدق تقرر أن ذلك الضعف والتراجع أصبح سمة لازمة للسياسة الخارجية المصرية كلها. وهذا أيضا ليس خبرا جديدا ولا اكتشافا أيضا، ولكنه رأى كل الغيورين على مصر فى داخل البلد وخارجه.

إذ فضلا عن أنه محل إجماع فى أوساط الجماعة الوطنية المصرية، فإنه رأى يتردد فى مشرق العالم العربى ومغربه. والذين يقدر لهم أن يطوفوا أو يلتقوا مثقفى تلك البلدان وسياسييها سوف يسمعون ملاحظة محل إجماع، خلاصتها أن المصريين حاضرون لكن مصر خرجت ولم تعد.

فى الرباط شهدت مناقشة، بدت وكأنها حفل تأبين، تحدث المشاركون فيها عن محنتين تواجههما الأمة العربية الآن، الأولى أن مصر غابت عن ساحة الفعل وموقع القيادة منذ وقعت معاهدة كامب ديفيد فى عام 79، والثانية أن فراغها لم تملؤه دولة أخرى حتى الآن.

شاهدت السيد أحمد أبوالغيط على شاشة التليفزيون المصرى ذات مرة وهو يتحدث عن حجم مصر ودورها الكبير. وقد نفخ فى ذلك الدور بالقدر الذى أسعفته به إمكاناته اللغوية. وعلى الرغم من أن ذلك صحيح من الناحية التاريخية، كما أنه ما نتمناه حقا وصدقا. فإنه لا بد يعلم أنه ليست هناك علاقة حتمية بين الحجم والدور، وإلا كانت بنجلاديش الأكثر سكانا أهم من مصر، كما أنه لا بد يعلم حقيقة الدور الذى تقوم به إسرائيل فى العالم العربى والولايات المتحدة. فى حين أن عدد سكانها يعادل سكان اثنين من أحياء القاهرة هما شبرا والسيدة زينب.

وإذا لم يكن يعلم أنه منذ وقعت مصر معاهدة الصلح مع إسرائيل، فإن ذلك كان إيذانا بخروج مصر من المشهد العربى، وارتباطها بتحالف لا يضع المصالح العربية العليا فى المقام الأول. وموقف مصر من الملف الفلسطينى ومن حصار غزة يجسد ثمار ذلك التحالف، علما بأن ذلك الملف هو الورقة الوحيدة التى تمسك بها مصر، لأسباب متعلقة بالجوار المفروض، الذى أرغم الفلسطينيين على ذلك، ووصفه بعضهم بأنه من تجليات «قهر الجغرافيا».

إن الدور ليس قضية لغوية، تفرضها العبارات الرنانة وتروج لها الطنطنة الإعلامية، كما أنه ليس وقفا على أحد بذاته مكتوب باسمه على مر الأزمنة، ولكنه موقف ومسئولية لها استحقاقات، من قام بالوفاء بها استحق مكانته، ومن تخلى عنها خسر تلك المكانة. لذلك فإن تصريحات السيد أبوالغيط والمتحدث باسم وزارته تظل دخانا فى الهواء وقعقعات إعلامية فارغة، إذا لم تترجم إلى واقع ملموس على الأرض، يراه الناس ويحترمونه.

فهمي هويديfhoweidy@gmail.com

No comments: