Wednesday, May 11, 2011

التطهر بالعنف وعلى الملأ


كيف نفهم الاعتداءات على الكنائس فى مصر والتى كان آخرها يوم السبت الماضى فى حى إمبابة العشوائى، الذى قتل فيه أكثر من عشرة مصريين وجرح أكثر من مئة وستة وثمانين آخرين؟ لماذا بدأ المصريون فى قتل بعضهم البعض بهذه السهولة دون شعور بالغضب ولا بالذنب؟

إجابة هذا السؤال تتلخص بشكل مبسط ومختزل فى فلسفة التطهر بالعنف وعلى الملأ، التى اتخذتها عنوانا لهذا المقال. عبقرية نظام مبارك هى أنه ورّط المجتمع برمته فى الفساد، وجعل المصريين له شركاء فى الحكم من خلال الفساد الصغير الذى طال الجميع تقريباً، وفى محاولة التطهر من نظام مبارك أو الاغتسال من جنابته وجنابه، قرر الكثيرون فى مصر استخدام العنف بأشكاله المختلفة كنوع من التخفف من الأثقال، شىء أقرب إلى التطهر بالنار أو العلاج بالكى، لذا سيدخل المصريون فى الفترة القادمة مرحلة عنف ثقافى، بمعنى الشتائم وإخراج بعضهم البعض من الملة.

والعنف الثقافى هو تمهيد يؤدى إلى العنف المباشر ويجعله مبرراً.
فمتى أخرجت شخصاً من الدين والملة والوطنية، فأنت تستبيح دمه بين الجميع ولن يبكيه أحد إذا قتلته.

المشكلة الكبرى هى لو أن العنف الثقافى أخذ شكلا مؤسساتيا، بمعنى أن نبنى مؤسسات ورؤى فكرية تتسرب إلى القضاء والإعلام، مما يجعل القاضى يحكم ظلما، ويظن أنه أحسن صنعا، وهذا ما كان يحدث فى جنوب أفريقيا العنصرية، ففى فترة الفصل العنصرى، كان نظام القضاء كله مرتبطا بفلسفة الفصل العنصرى، فكان هناك قضاء للسود، ولكنه كان قضاء ظالما من أوله إلى آخره.

مصر بعيدة عن العنصرية، ولكن الطائفية ليست أقل بغضا من عنصرية جنوب أفريقيا. لقد هالنى وروّعنى كم من المسلمين اليوم فى مصر يتحدث عن أسلحة الكنيسة وعن رغبة المسيحيين فى السيطرة، وكلها مؤشرات لمرحلة العنف الثقافى الذى سيقود إلى القتل الذى سيُهلَّل له على أنه عمل وطنى أو دينى يكافأ عليه المرء، إما من قبل السماء أو من قبل من يحكمون الآن، وتلك هى الكارثة.

مشكلة مصر اليوم هى فى فلسفة التطهر على الملأ، التطهر من التورط فى فساد نظام مبارك، فتعلن المذيعة التى كانت تعمل لحساب أمن الدولة أنها ثورية، ويعلن ضيفها أنه مع الثورة قبل أن تبدأ، ولكن نظام مبارك كان «كابسا على نفسه» ويعلن أنه إسلامى بدليل أنه لولا ظلم النظام لبنى مساجد فى كل مصر على حسابه الخاص، وهو غاضب من تعنت الكنيسة ومن تطاول المسيحيين على المسلمين، كل هذا النوع من الهراء تسمعه يوميا على الشاشات المصرية، العامة والخاصة منها، وفى كل الحالات يحاول المذيع والضيف أن يدخلا فى وصلة طويلة من التطهر على الملأ.

تحولت الشاشات المصرية إلى غرف علنية للتخلص من الخطيئة التى هى فى الأساس النوم فى أحضان النظام سابقا. يا أخى «المتطهر» نحن لا نريد أن نحاسبك، ويا «ستنا» المذيعة، خلاص سمعنا اعترافاتك أول مرة، وسوف نعتبرك ثورية، «بس متعمليش الوصلة دى كل يوم».

الاعتراف مهم، ولكن يجب ألا ينقلب إلى نقيضه من خلال التطرف بقتل شركاء لنا فى الوطن، هل أصبح الإسلام فى مصر هو أن تقتل قبطيا أو أن تهدم كنسية ليقبلك الإخوان ضمن ثورتهم، أو يقبل بك السلفيون على أنك لم تكن جزءا من نظام مبارك؟! لا داعى لهذا لأن السلفيين أنفسهم كانوا عماد نظام مبارك. فنظام مبارك، كما قلت، كان مبنيا على عمودين أساسيين هما الفساد والبلطجة.

بقلم: د. مأمون فندى - مصراوى

No comments: