Thursday, April 14, 2011

عُقد الهانم


أعاد إلى ذاكرتى البلاغ الذى تقدم به المهندس ياسر سيف رئيس الجمعية الدولية للتنمية والبيئة والثقافة، واتهم فيه وزير الثقافة الأسبق ووزير الآثار الحالى بإهداء «كولييه» أثرى ثمين من مقتنيات متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية إلى سوزان مبارك حرم الرئيس السابق، أعاد إلى ذهنى واقعة عمرها ست سنوات بالتمام والكمال كنت أظن أنى نسيتها.

كانت المناسبة هى دعوة لإفطار رمضانى وجهتها حرم الرئيس إلى المجلس القومى للمرأة وبعض الشخصيات العامة فى دار القوات الجوية بمصر الجديدة. وكانت هى أيضا المرة الأولى والأخيرة التى أٌدعى فيها لمناسبة اجتماعية معها، وإن شاركتُ فى عدة مناسبات بحضورها تخص المرأة بحكم أنى كنت عضوا فى لجنة المشاركة السياسية بالمجلس القومى للمرأة منذ تأسيسه وحتى استقلت منه قبل ثلاثة أعوام.

الإفطار خارج المنزل لا تحبذه ربات بيوت مصريات كثيرات، فشهر رمضان مناسبة ينتظرنها من العام للعام حتى يلتئم شمل أسرهن التى تذهب مشاغل الحياة بأفرادها كل مذهب، يتلذذن فيه بخدمة الأزواج والأبناء ويترقبن ابتسامات الرضا عن أطباق من صنع أياديهن مع انطلاق الآذان بصوت الشيخ محمد رفعت توأم الإفطار ومتعته، ويجربن فيه الطعام جلوسا بدلا من التهامه وهن يؤدين عملا منزليا وأحيانا حتى فى السيارة اختصارا للوقت فى زمن اللهاث. ومع ذلك ،فإن الدعوة للإفطار مع حرم الرئيس كان فيها ما يغرى، نوع من الفضول للنفاذ إلى الحياة الاجتماعية لأسرة الرئيس والتعرف على عاداتها فى الطعام خصوصا فى هذا الشهر الفضيل.

فى صدر القاعة الفسيحة كانت المائدة المخصصة « للهانم» وعدد من السيدات المقربات منها، وتناثرت باقى الموائد دون تحديد أماكن خاصة للجلوس فاخترتٌ مائدة عليها بعض المعارف. لقب «الهانم» المعرف بالألف واللام فرض نفسه على أولئك الذين ارتضوا أن يضعوا أنفسهم فى مرتبة أدنى من مرتبة حرم الرئيس على سبيل التملق، تماما كما فرض نفسه لقب «ماما سوزان» على الأطفال الأبرياء الذين التقتهم حرم الرئيس فى زياراتها الميدانية فأوحى لهم مدرسوهم به ورددوه من ورائهم فى براءة.

مضت طقوس الإفطار دون تباطؤ، لم تكن هناك كلمة ترحيب فيما أذكر ،وكان الطعام مكونا من حساء وقطعة لحم ونوع من الفطائر وحلوى دون بذخ يثير الانتباه. شعرت بخيبة أمل لأنى سأعود بغير حكايات مثيرة أرويها للأهل والأصدقاء حتى جاءت لحظة الوداع فتغير الأمر. تقدم الجلوس على الموائد المتناثرة لمصافحتها تباعا، وعندما جاء الدور على مائدتى تناهى إلى سمعى صوت إحدى السيدات تشد على يد حرم الرئيس وتطلب منها إعادة تعيينها فى مجلس الشورى، واقَتَربت منها السيدة التى تسبقنى مباشرة وهمست بشئ فى أذنها فأَومَأت برأسها. وعندما أتى دورى لأصافحها لم أدِر ماذا أقول، فليس لدى ما أطلبه منها، وهى لا تعرفنى ولن أهمس لها، وليس من المعقول أن أؤكد عليها فى هذا المقام أهمية تفعيل المشاركة السياسية للمرأة، ولا يليق ألا أفتح فمى بكلمة وأكتفى بابتسامة ساحرة.
فى ثوان وقعت عيناى على العقد الثمين الذى يطوق عنقها، فمددت يدى أصافحها وقلت بصوت مسموع «العقد بتاع حضرتك يجنن»، ويبدو أن التعليق فاجأها فتحسست رقبتها بحركة لاشعورية وردت قائلة «ميرسى». بعدها تركتُ القاعة وذهبت.

لن يصدقنى القارئ ولم أصدق أنا نفسى أن أولئك الذين يحيطون بحرم الرئيس قد ألهَهّوها إلى الحد الذى اعتبروا معه أن مجاملة بسيطة كالتى قلتها تعد تباسطا معها لا يليق. فى طريقى إلى باب الخروج، وفى المكالمات التى تلقيتها بعد الإفطار، وفى أول اجتماع لاحق للجنة المشاركة السياسية كان السؤال هو: هل يُعقل أن تمتدحى عُقد «الهانم»؟. كما قلت كان أول إحساس انتابنى هو الذهول، ثم بدأ يتملكنى شعور بالغضب لأن استهجان مجاملتى ليس له إلا معنى واحد أنى فى مرتبة أدنى منها وأنا أرفض ذلك بشدة، وعندما أخذ الأمر يتكرر بشكل ممجوج تحولتُ إلى السخرية فبدأتُ أتندر على التعليقات الناقدة.

كنت أتصور أن حرم الرئيس امرأة كما أنى امرأة، وأنه يمكننى أن أبدى إعجابى بشئ ترتديه امرأة مثلى بقطع النظر عما إذا كانت فى السلطة أم خارجها، لكنى تبينت يومها أن صناعة الفراعنة تفترض أن هولاء من جنس غير جنس بنى آدم وتتعامل معهم ربما حتى بيقين وليس بالضرورة بخبث على هذا الأساس. وهكذا بدأ مبارك حكمه رئيسا للبلاد وانتهى فرعونا لمصر، وبدأت زوجته امرأة عادية ثم صارت « الهانم» لكل سيدات مصر ورجالها.

تمر الأيام والسنون، وأنسى قصة عُقد «الهانم» وأنسى حتى ذلك التعليق الذى سمعته من إحدى المقربات جدا منها وصَفَتنى فيه بالدهاء لأنه بعد أن ينفض حفل الإفطار لن تذكر حرم الرئيس من كل ما قيل لها من تعليقات إلا امتداح عقدها، وهذا معناه أنى أقصد إثارة اهتمامها. داخليا رثيت لحال تلك السيدة التى تصورتنى أنافسها على ود «الهانم»، لكنى طمأنتها على أننى خارج سباق الود. ثم ها هى القصة تعود مجددا إلى ذاكرتى مع البلاغ الخاص بعقد الأميرة سميحة ابنة السلطان حسين فتنتشلنى من التوتر العصبى الذى يصاحب السجال حول مشكلات بناء نظام ما بعد الثورة، وتسرى عنى من باب أن شر البلية ما يضحك

بقلم:نيفين مسعد - الشروق

No comments: