Sunday, November 21, 2010

دولة كأن

قلنا هنا، الأسبوع الماضى، إن الحكومة تبدو وكأنها تجرى انتخابات برلمانية «بجد»، وإن مجلس الشعب يصور الأمر لنا وكأنه «مجلس بجد».. واتفق معى قراء كثيرون حول ذلك، استناداً إلى تجارب عديدة مع النظام الحاكم منذ نصف قرن أو يزيد.

والواقع أن كلمة «كأن» باتت تلخص الحالة المصرية المتفردة بين الأمم والشعوب.. فمنذ عقود طويلة والنظام يحكمنا بنظرية «كأن».. والمفارقة أن الأمر انطلى علينا فى البداية، ثم استمرأناه، وتحول من أسلوب حكم إلى ثقافة حياة!

نحن ندير كل شىء و«كأننا» نفعل كل شىء، بينما واقعنا يؤكد أننا لا نفعل شيئاً.. نظامنا التعليمى يتعامل مع أبنائنا و«كأنه» يعلمهم، المدارس «كأنها» مدارس حقيقية، بينما هى لم تعد مدارس وفقاً للمفهوم الحديث أو حتى المتخلف فى العالم كله.. المدرس يذهب لعمله و«كأنه» يغرس العلم فى أذهان تلاميذه، بينما هو «فتح» المدرسة فى بيته، فتحولت مدرسة الحكومة إلى مركز ترويج واتفاق على الدروس الخصوصية.. والمناهج نوزعها على الأبناء و«كأنها» مناهج علم ومعرفة وفكر، ثم نقول لهم: «لا داعى لفهم شىء.. فقط احفظوها واطفحوها على ورقة الامتحان»!

الصحة عندنا «كأنها» رعاية وعلاج ووقاية.. فى حين نمرض ونموت لأننا صدقنا أن المستشفى العام يعاملنا باعتبارنا بشراً.. الطبيب والممرض والمشرف يذهبون لـ«ترقيع» المرض بالمتاح من أجهزة وأدوية.. والسرير لا يكفى.. والطرقات والممرات «كأنها» أسرّة.. والمريض الذى لا يملك نفقات علاج آخر عليه أن يتعامل مع المستشفى العام «كأنه» مستشفى.. ونظام التأمين الصحى «كأنه» تأمين صحى.. تذهب إليه فيعطيك مما أعطته الحكومة.. إسبرين ماشى.. فولتارين ما يضرش.. جراحة «بايظة» كل شىء مكتوب!

المعارضة عندنا اكتشفت نظرية «كأن» مبكراً.. ولدت فى قصر الرئاسة، وتسلمت أدوارها من يد الرئيس الراحل أنور السادات.. ومن يومها وهى «كأنها» تعارض.. تصدّعنا نهاراً بالشعارات والتهديدات للحزب الوطنى والحكومة.. ثم تنام فى أحضانهما ليلاً.. صفقات واتفاقات وتوزيع أدوار، و«كأن» ديمقراطية مصر أزهى وأنصع من إنجلترا وأمريكا..

حتى الدكتور محمد البرادعى جاء إلينا و«كأنه» مانديلا.. فلا هو دخل السجن مثله، ولا تحمل العيشة فى «فيلته الفخيمة» بمنتجع جرانة على الطريق الصحراوى، فذهب إلى منتجعات فرنسا، وترك أنصاره والشعب «كأنهم» معارضة بلا قائد، وعليهم أن يناضلوا من أجله ويغيروا النظام الحاكم، ثم يشكلوا وفداً منهم، يذهب إليه فى فرنسا، ويسلمه مفتاح البلد، ومبايعة شعبية مفتوحة «أنت القائد.. وأنت الزعيم»!

انظر حولك وفتش عن «كأن».. ستجد عسكرى المرور و«كأنه» ينظم حركة الشارع.. عامل النظافة «كأنه» يجمع القمامة.. الموظف الحكومى على مكتبه أو أمام الماكينة «كأنه» يعمل.. رجل الأعمال «كأنه» يستثمر ويبنى بلده ويوفر فرص العمل ويؤدى الدور الاجتماعى لمن منحوه المليارات.. أباطرة الأراضى الصحراوية «كأنهم» يزرعونها، ويمكنك أن تذهب لأى منتجع، وترى القصور ومن حولها ملاعب الجولف، ثم أقنع نفسك «كأنها» حقول قمح ومحاصيل تطعم الجائع وتغزو أسواق أوروبا!

أصبحنا «دولة كأن».. لا تغضب ولا تحزن.. قل لنفسك «كأننى أعيش»

مجدى الجلاد - Almasry Alyoum

melgalad@almasry-alyoum.com

1 comment:

sara said...

thanks for the info