Wednesday, November 10, 2010

البرادعى ليس نبيًا

لم ألتق الدكتور محمد البرادعى المعارض السياسى ومؤسس الجمعية الوطنية للتغيير، المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية والحاصل على جائزة نوبل، ولم أقترب منه فى المرات العديدة التى جاء فيها إلى القاهرة، وعقد خلالها لقاءات واجتماعات تعرض فيها للسخن والبارد.. تحدث فيها عما يعتقده أفضل السبل لإصلاح الحياة السياسية فى مصر. قبل أن تضطره عدوانية السلطة وزبانية النظام إلى التزام الحذر فى بيئة خطرة. والتباعد قدر الإمكان عن مكامن الخطر. وفى أحيان كثيرة يكون الحذر خير وسيلة لبلوغ الهدف!

ولكنى تابعت عن كثب أنشطته واستمعت إلى أقواله كما تابعها الملايين من داخل مصر وخارجها. وقد بدا الرجل فى استقامة رأيه ووضوح فكره وصلابة مواقفه، وعدم استماتته فى السعى وراء مفاتيح القوة، بمثابة شعاع جديد ساطع يمزق حجب ظلام الحياة السياسية، وغيوم المضاربات الحزبية وألاعيب المحترفين وسماسرة الأحزاب فى مصر. فتجمعت حوله أو بالأحرى حول أفكاره ونداءاته، عناصر وقوى مختلفة من أبناء هذا الوطن.. من كل الاتجاهات التى ضمت أشكالا وألوانا. منهم المخلصون الذين أرهقهم طول البحث عن مخرج. ومنهم الأدعياء والمنافقون الذين يرقصون فى كل سامر. ومنهم الأغلبية الصامتة التى ضلت واحتارت فى سراديب الأحزاب والجماعات المحترفة!

وبقدر ما أثار ظهور البرادعى فى الحياة العامة المصرية تيارات وعواصف أقضت مضاجع السلطة والمدافعين عنها، بقدر ما أحيت الآمال فى تغيير أوضاع تجمدت على حالها وشاخت فى أماكنها وجوه وأشخاص عجزت عن مسايرة تطورات العصر. وعلى الرغم من أن معظم الأفكار والمطالب التى نادى بها ودافع عنها البرادعى لم تكن جديدة فى جوهرها، إلا أن إيمانه بها جعلها قابلة للتطبيق ومدخلا ممكنا للتغيير. وقد اعتبره البعض فى البداية منافسا على السلطة ومقاتلا من أجل الصعود إلى منصب الرياسة ــ كما ظن شعبولا ورهط كبير من كتاب السلطة ــ مما ألب ضده معسكرين قويين فى دوائر الحكم: معسكر بقاء الحال على ما هو عليه يؤيد استمرار الرئيس مبارك. ومعسكر التوريث الذى لا يريد منافسا آخر ينازع على مقعد الحكم حين يحل موعده!

وقد كان من العبث أن تذهب الظنون ببعضهم إلى حد الاعتقاد بأن معركة التغيير التى يخوضها البرادعى وأنصاره فى الحملة الشعبية والجمعية الوطنية للتغيير ومئات الآلاف من الموقعين هى معركة انتخابات مجلس الشعب التى تجرى هذه الأيام. أو هى معركة انتخابات الرياسة التى ستجرى فى مثل هذا الوقت من العام المقبل. إذ إن منطق الأمور والرؤية الواقعية لحال الشعب المصرى وطبيعته التى تتسم بالريبة وعدم تصديق كل ما يقال له، كانت تنبئ منذ البداية بأنها معركة النفس الطويل. لأن الأفكار والشعارات وحدها مهما تكن لامعة أو براقة فإنها لا تكفى لإحداث التغيير فى السلوكيات والعادات والآراء. هذه الأفكار النبيلة التى طالبت بمنع التزوير وتعديل الدستور ورفع يد الأمن عن العملية الانتخابية.. إلى آخر المطالب السبعة التى رددتها الجمعية الوطنية للتغيير، لم تكن لتمنع حدوث ما نراه حاليا مما يعكر نزاهة الانتخابات. والدليل على ذلك أن أحزاب المعارضة التى أيدت حركة التغيير سرعان ما تمزقت وتفرقت وعجزت عن الإجماع على مقاطعة الانتخابات، أو حتى على الحد الأدنى من الاتفاق على قوائم المرشحين!

ربما كان خطأ البرادعى ــ ليس سفره وعودته وغيابه وحضوره ــ بل ثورة التوقعات التى فجرها، حتى ظن بعض النخبة والمحيطين به من عامة الشعب، أن التصريحات الساخنة التى تتحدث عن العصيان المدنى كافية لتخويف نظام أدمن التعامل مع شعبه بالقمع والبطش. فلم يشفع للبرادعى غيابه لكى يواصل الأمن زرع أجهزة التجسس عليه وعلى أنصاره.

وربما كانت ثورة التوقعات هذه هى التى دفعت الكثيرين فى غمرة الانتخابات البرلمانية إلى التعبير عن خيبة أملهم فى البرادعى، وعجزهم عن فهم دوافعه وعدم مشاركته فى الأجواء الراهنة. غير أن الحقيقة التى يجب أن يدركها الجميع هى أن التغيير ليس من صنع شخص واحد. وأن البرادعى ليس نبيا ولا ساحرا. فإذا كان هناك إخفاق فهو إخفاق يعم الجميع وليس البرادعى وحده!

بقلم:سلامة أحمد سلامةالشروق

No comments: