Tuesday, July 13, 2010

حتى فى اللعب.. المجد للديمقراطية

لست من المتابعين الشغوفين لكرة القدم فى الأحوال العادية، لكننى فى كل مونديال أكتشف متعة مشاهدة مباريات الكرة مع مئات الملايين من البشر عبر العالم، ومثلهم أشعر بالأسف لانتهاء المناسبة.

ومثل جميع المصريين يتضاعف أسفى عندما ينسد هذا المنفذ النادر للمتعة الذى حررنا على مدى ثلاثين ليلة من سمة البدن بأخبار مافيا الأراضى ومافيا العلاج ومافيا الطعام التى رفعت الأسعار بنسبة عشرين بالمئة أثناء الدور النهائى للمونديال، ونحن غير آسفين على انشغالنا، لأنهم كانوا سيرفعون الأسعار فى كل الأحوال.

اللعب ليس أقل شأنًا من العمل، وتشجيع الفريق الوطنى عمل جاد، ربما أكثر جدية من مصافحات البابا وشيخ الأزهر عقب كل أزمة طائفية وأهم من كل اجتماعات وندوات وقرارات تمكين المرأة، حيث تتحول المدرجات إلى استعراض للأنوثة، وحيث تتساوى المرأة مع الرجل فى الجلوس أمام الشاشة.

تشجيع الكرة طقس احتفالى وإحدى مناسبات صناعة المزاج الوطنى والمجتمع المدنى، لكن للأسف فإن المسافة بين الكرة التى نلعبها وتلك التى يلعبها العالم الحر هى ذات المسافة بين الاستثمار والسمسرة، بين احترام إرادة الناخبين وتزويرها، بين دولة المساواة ودولة المحسوبية، بين دولة المشروع التى يرى لاعبوها الشباك ويعرفون كيف يسجلون الهدف، وبين دولة الفوضى التى يجرى لاعبوها كالأشباح، ويبذلون جهدهم، لكنهم يعجزون عن التسديد لأنهم لا يرون الشباك!

الفرق بين كرة وكرة هو باختصار فرق بين الوجود والعدم.

وعلى الرغم من تقييم الرياضيين للمونديال الأخير بوصفه الأسوأ لعبًا فإننا لم نعدم اللعب الحلو فى عدد من مبارياته، لعب مثل الموسيقى، مثل الحب، مثل الكرامة والأمل فى الحياة.

لعب اكتشف فيه أمثالى ممن لا يتابعون الدورى أو الكأس، أن قلة الولع لا ترجع إلى نقص فى مهارات الفرجة ولا إلى التعالى على فكرة اللعب، بل إلى أن الكرة التى تلعبها الأندية المصرية والفريق القومى فى منافساته مع فرق ديكتاتوريات أفريقية أخرى تتنفس عادم الفساد تختلف تمام الاختلاف عن الكرة التى تلعبها فرق تتنسم هواء الحرية.

على أن نتيجة المونديال لا تتوقف على ما حقق من متعة للجماهير حول العالم ولا على فرحة الفريق الفائز بالكأس، ولا حتى على الأهداف التى تم تسجيلها فى شباك جميع الأندية المشاركة فقط، بل بالنتائج السياسية التى رأيناها كجمهور فى البيوت وفى المدرجات دون أن يلاحظها الحكام أو يخرجوا بطاقاتهم الصفراء والحمراء لمن يغشون فى اللعب أو يمارسون العنف ضد جماهيرهم!

أبرز النتائج السياسية كان الخروج المبكر لمنتخبات القارة الحزينة صاحبة الأرض، حيث لم تصمد إلا غانا، التى واصلت حتى دور الثمانية لأنها الأكثر ديمقراطية بين الأمم الأفريقية، أما فضيحة الأداء الجزائرى فقد أعادت التأكيد على أن الأزمة التى جرت أثناء مباراة التأهل بينها وبين مصر، لم تكن سوى أزمة بين نظامين استبداديين يعانيان من الفساد، ويحاولان تلبيس خلافاتهما لشعبين امتزجت دماؤهما فى معارك الحرية.

وهذه إحدى مفارقات الساحرة المستديرة، فهى لعبة ديمقراطية تعتمد على مهارات اللاعبين، ولا يستطيع لاعب غير كفء أن يرث أباه فى الملاعب. ومع ذلك فإن هذه اللعبة الديمقراطية لديها تاريخ طويل من استغلالها وتوظيفها من أجل حشد الجماهير وراء حكم استبدادى. هذا الاستغلال يمكن أن يفيد الديكتاتور فى كسب معركة، لكنه لا ينفع فى كسب الحرب. هذه الحقيقة يعرفها الذين يتأملون الأمور بشكل أعمق من الفرح بصيحة النصر.

وقد أضاف هذا المونديال بالذات بعدًا سياسيًا آخر، حيث أسفرت نتائجه عن حقيقة مهمة يجب أن تدركها العنصرية الوليدة فى الغرب والعنصرية البغيضة فى إسرائيل: لا مجال للنقاء العرقى.

ولم يخل الأمر من مفارقات أيضًا، فألمانيا الجاهزة دومًا لحمل تهمة العنصرية لم يكن بوسعنا أن نميز فريقها عن الفريق الغانى إلا بلون الفانلة، وقد اقتربت من المربع الأخير بفضل هذا التهجين العرقى.

بينما خرجت فرنسا من الدور الأول، لأن فريقها تم تشكيله على هوى عنصرية اليمين الساركوزى.

صفعة الخروج لدولة عظمى رياضيًا أيقظ نقاشًا سياسيًا فى المجتمع الفرنسى، حيث لم تتوقف العنصرية عند حدود استبعاد الثلاثى العربى (كريم بنزيمة، طاهر بن عرفة، وسمير نصرى) بل امتدت لتشمل التمييز بين اللاعبين طبقًا للون البشرة، بل طبقًا للأصل الاجتماعى، فى محاباة لأبناء الطبقة المتوسطة ضد أبناء الضواحى، وقد خاضت صحف رصينة مثل اللوموند فى القضية، واعتبر معلقون بارزون أن انعدام التناغم القائم على العنصرية وعدم الرغبة فى الحوار بين اللاعبين خارج الملعب كان السبب الرئيسى للهزيمة داخل الملعب.

هى حكمة اللعب، حيث البقاء للأكثر ديمقراطية والأكثر تسامحًا.

عزت القمحاوى- Almasry Alyoum

No comments: