Friday, November 09, 2007

لبنانيات: الأبيض، للحزن


عندما اغتيل النائب انطوان غانم سقط معه، بطريق السهو والخطأ، تسعة قتلى. وكان بين هؤلاء شاب يدعى شارل شيخاني. بعد أيام أقام أصدقاء شيخاني في وسط بيروت تجمعاً صامتاً كان الشرط الوحيد فيه: لا أعلام!
قبل سنوات اصدر الكاتب الاميركي، اللبناني الجذور، تشارلز غلاس كتاباً بعنوان «قبائل بأعلام كثيرة». وكانت الأعلام المرفوعة آنذاك جزءاً بسيطاً مما هي الآن. واحتراماً لروح شارل شيخاني ورماده رفض رفاقه أن يودع ببابل الأعلام التي يرفعها اللبنانيون، بحيث لم يبق لون من ألوان قوس القزح إلا ووضع على قطعة قماش او قطعة «جنفيص» ورفع في تظاهرة او في تظاهرة مضادة. لقد سخف اللبنانيون الأعلام والشعارات والألوان. وسرقوا بعضها من الخارج دون ان يرف لهم جفن. وسخفوا أكثر ما سخفوا العلم اللبناني الجميل. وصار الجميع يستعيرونه للصور التذكارية. ومعظم الذين تلحفوا به لا يؤمنون بلبنان ولا يريدونه ويتمنون زواله السريع. وهم يعملون على ذلك ليل نهار، في السر وفي العلن، لكنهم لا يمانعون باستخدام رايته للزينة ومخادعة الأغبياء. ويؤسفني القول إنهم كثر.
ونتيجة لذلك عمت في لبنان حالة من «عمى الالوان». وإذ حزن رفاق شارل شيخاني لموته حزناً حقيقياً طلبوا من المشيعين ان يأتوا جميعاً بالأبيض. اي لون ممنوع لأنه مزيف. اي لون ممنوع لانه مضاد للون آخر، لانه تعبير عن بغض او كره او استكبار او احتقار. لم يبق سوى اللون الابيض. وسوف يسودونه او يضرجونه قريباً.
هناك حالة انفصام في لبنان، بين الناس الطبيعيين الذين لم يبق لهم سوى الابيض، وبين الموتورين والمهووسين والمتدافعين نحو الخراب والتخريب، بجميع ألوانهم، الفاقعة كالقحة او الكامدة كالنكد. لم تعد الناس تعرف لماذا عليها ان تحزن وكيف. ولماذا اذا ارادوا اغتيال انطوان غانم يجب ان يموت شارل شيخاني العائد الى منزله من عمله، لا من مقر حزبي، ولا من مهرجان، ولا من بابل أعلام والوان وتهديدات وحقد وجنون.
جميع دول العالم تضع نصباً للجندي المجهول الذي يفتدي بلده. وعلى لبنان ان يضيف نصب المواطن المجهول. الانسان الذي يتناثر لمجرد انه كان مارا الى جانب مرشح للاغتيال، او كان عائداً الى منزله. او كان في حافلة لأنه لا يملك الركوب في سيارة. يفضل اللبنانيون الموت دون لون مزيف. او مسروق.
إلى اللقاء

سمير عطا الله - 9-11-2007

الشرق الأوسط

No comments: